المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم التاريخ و الاجتماع
المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان
العدد التسلسلي1
التوضيح
ما هي نظرة القرآن إلى الإنسان والمجتمع والدين؟ ما هي خصائص الإنسان وما هي علومه؟ وكيف يستفيد منها في تحقيق غاياته؟ كيف نشأ المجتمع الإنسانيّ وما معنى كون الإنسان مدنيًّا بالطبع؟ ما الغاية الاجتماعيّة للنبوّة وكيف تحلّ مشاكل المجتمع؟
يعالج العلاّمة الطباطبائي ذلك في هذا البحث ضمن تفسيره لآية كان الناس أمّة واحدة، مؤصّلاً للنظريّة الاجتماعيّة في القرآن ودور النبوّة فيها.
هو العليم
كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
خصائص الإنسان ونشأة المجتمع والدين
سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث الأوّل
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: تفسير الميزان ج٢
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطاهرين
ما يفيده القرآن في حقيقة الإنسان وتاريخ نوعه
﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾۱
البيان الإجماليّ لتاريخ حياة الإنسان الاجتماعيّة والدينيّة
الآية تبيّن السبب في تشريع أصل الدين و تكليف النوع الإنسانيّ به، و سبب وقوع الاختلاف فيه ببيان: أنّ الإنسان ـ و هو نوع مفطور على الاجتماع و التعاون ـ كان في أول اجتماعه أمّة واحدة، ثمّ ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيويّة، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة، و المشاجرات في لوازم الحياة فألبست القوانين الموضوعة لباس الدين، وشفّعت بالتبشير والإنذار بالثواب و العقاب، و أصلحت بالعبادات المندوب إليها٢ ببعث النبيّين، و إرسال المرسلين٣، ثمّ اختلفوا في معارف الدين أو أمور المبدإ و المعاد، فاختلّ بذلك أمر الوحدة الدينيّة، و ظهرت الشعوب و الأحزاب، و تبع ذلك الاختلاف في غيره، و لم يكن هذا الاختلاف الثاني إلا بغيًا من الذين أوتوا الكتاب، و ظلمًا و عتوًّا منهم بعد ما تبيّن لهم أصوله و معارفه، و تمّت عليهم الحجّة، فالاختلاف اختلافان:
۱ـ اختلاف في أمر الدين مستند إلى بغي الباغين دون فطرتهم و غريزتهم.
٢ـ و اختلاف في أمر الدنيا و هو فطريّ و سبب لتشريع الدين.
ثمّ هدى الله سبحانه المؤمنين إلى الحقّ المختلف فيه بإذنه، و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فالدين الإلهيّ هو السبب الوحيد لسعادة هذا النوع الإنساني، و المصلح لأمر حياته، يصلح الفطرة بالفطرة و يعدّل قواها المختلفة عند طغيانها، و ينظُم للإنسان سلك حياته الدنيويّة و الأخرويّة، والماديّة و المعنويّة.
فهذا إجمال تاريخ حياة هذا النوع (الحياة الاجتماعيّة و الدينيّة) على ما تعطيه هذه الآية الشريفة، و قد اكتفت في تفصيل ذلك بما تفيده متفرّقات الآيات القرآنيّة النازلة في شئون مختلفة.
البيان التفصيلي لتاريخ حياة الإنسان الاجتماعيّة والدينيّة
بدء تكوين الإنسان
و محصل ما تبيّنه تلك الآيات على تفرقها أنّ النوع الإنساني ـ و لا كلّ نوع إنساني بل هذا النسل الموجود من الإنسان ـ ليس نوعا مشتقًّا من نوع آخر حيوانيّ أو غيره حوّلته إليه الطبيعة المتحوّلة المتكاملة، بل هو نوع أبدعه الله تعالى من الأرض، فقد كانت الأرض و ما عليها و السماء و لا إنسان، ثمّ خلق زوجان اثنان من هذا النوع، و إليهما ينتهي هذا النسل الموجود، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَ قَبائِلَ﴾۱ ، و قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾٢، و قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾٣، و أما ما افترضه علماء الطبيعة من تحوّل الأنواع و أنّ الإنسان مشتقّ من القرد، و عليه مدار البحث الطبيعيّ اليوم، أو متحوّل من السمك على ما احتمله بعض فإنّما هي فرضيّة، و الفرضية غير مستند إلى العلم اليقينيّ، و إنما توضع لتصحيح التعليلات و البيانات العلميّة، و لا ينافي اعتبارها اعتبار الحقائق اليقينيّة، بل حتّى الإمكانات الذهنيّة، إذ لا اعتبار لها أزيد من تعليل الآثار و الأحكام المربوطة بموضوع البحث، وسنستوعب هذا البحث إن شاء الله في سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾٤و٥
تركّبه من روح و بدن
و قد أنشأ الله سبحانه هذا النوع ـ حينما أنشأ ـ مركّبًا من جزأين و مؤلّفًا من جوهرين: مادّة بدنيّة، وجوهر مجرّد هي النفس و الروح، و هما متلازمان و متصاحبان ما دامت الحياة الدنيويّة، ثمّ يموت البدن و يفارقه الروح الحيّة، ثمّ يرجع الإنسان إلى الله سبحانه قال تعالى: ﴿وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾٦ (انظر إلى موضع) قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾۷، و في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾۸، و أوضح من الجميع قوله سبحانه ﴿وَ قالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾٩، فإنّه تعالى أجاب عن إشكالهم ـ بتفرّق الأعضاء والأجزاء و استهلاكها في الأرض بعد الموت فلا تصلح للبعث ـ بأنّ ملك الموت يتوفّاهم و يضبطهم فلا يدعهم، فهم غير أبدانهم! فأبدانهم تضلّ في الأرض لكنّهم أي نفوسهم غير ضالّة و لا فائتة و لا مستهلكة، و سيجيء إن شاء الله استيفاء البحث عما يعطيه القرآن في حقيقة الروح الإنساني في المحل المناسب له.۱۰
شعوره الحقيقي و ارتباطه بالأشياء
و قد خلق الله سبحانه هذا النوع، و أودع فيه الشعور، و ركّب فيه السمع و البصر و الفؤاد ففيه قوّة الإدراك و الفكر، بها يستحضر ما هو ظاهر عنده من الحوادث و ما هو موجود في الحال و ما كان وما سيكون و يؤول إليه أمر الحدوث و الوقوع، فله إحاطة ما بجميع الحوادث، قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ:﴾۱، و قال تعالى: ﴿وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ:﴾٢، و قال تعالى ﴿وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾٣.
و قد اختار تعالى لهذا النوع سنخ وجود يقبل الارتباط بكلّ شيء، و يستطيع الانتفاع من كلّ أمر، أعمّ من الاتصال أو التوسّل به إلى غيره بجعله آلة و أداة للاستفادة من غيره، كما نشاهده من عجيب احتيالاته الصناعيّة، و سلوكه في مسالكه الفكريّة، قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾٤، وقال تعالى: ﴿وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾٥، إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بكون الأشياء مسخّرة للإنسان.٦
علومه الاعتباريّة العمليّة والفرق بينها وبين العلوم الحقيقيّة
و أنتجت هاتان العنايتان: أعني قوّة الفكر و الإدراك و رابطة التسخير عناية ثالثة عجيبة و هي أن يهيّئ لنفسه علومًا و إدراكات يعتبرها اعتبارًا للورود في مرحلة التصرّف في الأشياء و فعليّة التأثير والفعل في الموجودات الخارجة عنه للانتفاع بذلك في حفظ وجوده و بقائه.
كثرة علوم الإنسان ومنشؤها
توضيح ذلك: أنّك إذا خلّيت ذهنك و أقبلت به على الإنسان، هذا الموجود الأرضيّ الفعّال بالفكر والإرادة، و اعتبرت نفسك كأنّك أوّل ما تشاهده و تُقبل عليه، وجدت الفرد الواحد منه أنّه في أفعاله الحيويّة يوسّط إدراكات و أفكار جمّة غير محصورة يكاد يدهش من كثرتها و اتساع أطرافها وتشتّت جهاتها العقلُ، و هي علوم كانت العوامل في حصولها و اجتماعها و تجزّيها و تركّبها الحواسّ الظاهرة والباطنة من الإنسان، أو تصرّف القوّة الفكريّة فيها تصرّفًا ابتدائيًّا أو تصرّفًا بعد تصرّف، وهذا أمر واضح يجده كلّ إنسان من نفسه و من غيره لا يحتاج في ذلك إلى أزيد من تنبيه و إيقاظ.
انقسام العلوم إلى نظريّ حقيقيّ وعمليّ اعتباري
ثمّ إذا كرّرت النظر في هذه العلوم و الإدراكات وجدت شطرًا منها لا يصلح لأن يتوسّط بين الإنسان وبين أفعاله الإراديّة كمفاهيم الأرض و السماء و الماء و الهواء و الإنسان و الفرس و نحو ذلك من التصوّرات، و كمعاني قولنا: الأربعة زوج، و الماء جسم سيّال و التفّاح أحد الثمرات، وغير ذلك من التصديقات، و هي علوم و إدراكات تحقّقت عندنا من الفعل و الانفعال الحاصل بين المادّة الخارجيّة وبين حواسّنا و أدواتنا الإدراكيّة، و نظيرها علمنا الحاصل لنا من مشاهدة نفوسنا وحضورها لدينا (ما نحكي عنه بلفظ أنا)، و الكليّات الأخر المعقولة، فهذه العلوم و الإدراكات لا يوجب حصولها لنا تحقّق إرادة و لا صدور فعل، بل إنما تحكي عن الخارج حكاية.
و هناك شطر آخر بالعكس من الشطر السابق كقولنا: إن هناك حسنًا و قبحًا و ما ينبغي أن يفعل وما يجب أن يترك، و الخير يجب رعايته، و العدل حسن، و الظلم قبيح و مثل مفاهيم الرئاسة والمرؤوسيّة، و العبديّة و المولويّة فهذه سلسلة من الأفكار و الإدراكات لا همّ لنا إلا أن نشتغل بها و نستعملها و لا يتمّ فعل من الأفعال الإراديّة إلا بتوسيطها و التوسّل بها لاقتناء الكمال و حيازة مزايا الحياة.
و هي مع ذلك لا تحكي عن أمور خارجيّة ثابتة في الخارج مستقلّة عنّا و عن أفهامنا كما كان الأمر كذلك في القسم الأول، فهي علوم و إدراكات غير خارجة عن محوطة العمل و لا حاصلةٌ فينا عن تأثير العوامل الخارجيّة، بل هي مما هيأناه نحن و أُلهمناه من قبل إحساسات باطنيّة حصلت فينا من جهة اقتضاء قوانا الفعّالة، و جهازاتنا العاملة للفعل و العمل، فقوانا الغاذية أو المولّدة للمثل بنزوعها نحو العمل، و نفورها عما لا يلائمها توجب حدوث صور من الإحساسات: كالحبّ والبغض، و الشوق والميل و الرغبة، ثمّ هذه الصور الإحساسيّة تبعثنا إلى اعتبار هذه العلوم والإدراكات من معنى الحسن و القبح، و ينبغي و لا ينبغي، و يجب و يجوز، إلى غير ذلك، ثم بتوسطها بيننا و بين المادة الخارجيّة وفعلنا المتعلّق بها يتمّ لنا الأمر.
فقد تبيّن أنّ لنا علومًا و إدراكات لا قيمة لها إلا العمل، (و هي المسماة بالعلوم العمليّة) و لاستيفاء البحث عنها محلّ آخر.۱
و الله سبحانه ألهمها الإنسان ليجهّزه للورود في مرحلة العمل، و الأخذ بالتصرّف في الكون، ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾٢، و قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾٣، و هذه هداية عامة لكلّ موجود مخلوق إلى ما هو كمال وجوده، و سوق له إلى الفعل و العمل لحفظ وجوده و بقائه، سواء كان ذا شعور أو فاقدًا للشعور.
و قال تعالى في الإنسان خاصة: ﴿وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها﴾٤، فأفاد أنّ الفجور والتقوى معلومان للإنسان بإلهام فطريّ منه تعالى، و هما ما ينبغي أن يفعله أو يراعيه و ما لا ينبغي، وهي العلوم العمليّة التي لا اعتبار لها خارجة عن النفس الإنسانيّة، و لعلّه إليه الإشارة بإضافة الفجور و التقوى إلى النفس.
و قال تعالى: ﴿وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾٥، فإنّ اللعب لا حقيقة له إلا الخيال فقط، كذا الحياة الدنيا: من جاه و مال و تقدّم و تأخّر و رئاسة ومرءوسيّة و غير ذلك إنّما هي أمور خياليّة لا واقع لها في الخارج عن ذهن الذاهن، بمعنى أنّ الذي في الخارج إنما هو حركات طبيعيّة يتصرّف بها الإنسان في المادة من غير فرق في ذلك بين أفراد الإنسان وأحواله.
فالموجود بحسب الواقع من «الإنسان الرئيس» إنسانيته، و أما رئاسته فإنما هي في الوهم، و من «الثوب المملوك» الثوب مثلاً، و أما إنّه مملوك فأمر خياليّ لا يتجاوز حد الذهن، و على هذا القياس.٦
فهذه السلسلة من العلوم و الإدراكات هي التي تربط الإنسان بالعمل في المادة.
من العلوم الاعتباريّة مبدأ وجوب الانتفاع والاستخدام
و من جملة هذه الأفكار و التصديقات تصديق الإنسان بأنه يجب أن يستخدم كلّ ما يمكنه استخدامه في طريق كماله، و بعبارة أخرى إذعانه بأنه ينبغي أن ينتفع لنفسه، و يستبقي حياته بأيّ سبب أمكن و بذلك يأخذ في التصرّف في المادّة، و يعمل آلات من المادّة، يتصرّف بها في المادّة كاستخدام السكين للقطع، واستخدام الإبرة للخياطة، و استخدام الإناء لحبس المائعات، و استخدام السلّم للصعود، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، و لا يحدّ من حيث التركيب و التفصيل، و أنواع الصناعات و الفنون المتّخذة لبلوغ المقاصد والأغراض المنظور فيها.
و بذلك يأخذ الإنسان أيضًا في التصرّف في النبات بأنواع التصرّف، فيستخدم أنواع النبات بالتصرّف فيها في طريق الغذاء و اللباس و السكنى و غير ذلك، و بذلك يستخدم أيضا أنواع الحيوان في سبيل منافع حياته، فينتفع من لحمها و دمها و جلدها و شعرها و وبرها و قرنها و روثها و لبنها و نتاجها وجميع أفعالها.
مبدأ وجوب الاستخدام ونشوء المجتمع الإنسانيّ
و لا يقتصر على سائر الحيوان دون أن يستخدم سائر أفراد نوعه من الآدميين، فيستخدمها كلّ استخدام ممكن، و يتصرّف في وجودها و أفعالها بما يتيسّر له من التصرّف، كلّ ذلك مما لا ريب فيه.
غير أنّ الإنسان لما وجد سائر الأفراد من نوعه، و هم أمثاله، يريدون منه ما يريده منهم، صالَحهم ورضي منهم أن ينتفعوا منه وزان ما ينتفع منهم، و هذا حكمه بوجوب اتخاذ المدنيّة والاجتماع التعاوني، و يلزمه الحكم بلزوم استقرار الاجتماع بنحو ينال كلّ ذي حقّ حقّه، و يتعادل النسب والروابط، و هو العدل الاجتماعي.
اضطرار الإنسان إلى المجتمع والعدالة ومخالفاته وظلمه
فهذا الحكم ـ أعني حكمه بالاجتماع المدني و العدل الاجتماعيّ ـ إنما هو حكم دعا إليه الاضطرار، ولولا الاضطرار المذكور لم يقض به الإنسان أبدًا، و هذا معنى ما يقال إنّ الإنسان مدنيّ بالطبع، و إنّه يحكم بالعدل الاجتماعي، فإن ذلك أمر ولّده حكم الاستخدام المذكور اضطرارًا على ما مرّ بيانه، ولذلك كلّما قوي إنسان على آخر ضعف حكمُ الاجتماع التعاونيّ وحكمُ العدلِ الاجتماعيّ أثرًا؛ فلا يراعيه القويّ في حقّ الضعيف، و نحن نشاهد ما يقاسيه ضعفاء الملل من الأمم القويّة، و على ذلك جرى التاريخ أيضًا إلى هذا اليوم الذي يدعى أنّه عصر الحضارة و الحريّة.
و هو الذي يستفاد من كلامه تعالى كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾۱ و قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ٢، و قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ٣، و قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾٤.
و لو كان العدل الاجتماعي مما يقتضيه طباع الإنسان اقتضاء أوّليًّا لكان الغالب على الاجتماعات في شؤونها هو العدل، و حسن تشريك المساعي، و مراعاة التساوي، مع أنّ المشهود دائمًا خلافُ ذلك، وإعمالُ القدرة و الغلبة و تحميلُ القويِّ العزيزِ مطالبَه الضعيفَ، و استذلالُ الغالب للمغلوب واستعبادهُ في طريق مقاصده و مطامعه.٥