8

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود

لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

15
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمجبل عامل

المجموعةالولاية التكوينيّة

التاريخ 1413/01/08

جلسات المجموعة(9 جلسة)

التوضيح

ما هي وظيفة المؤمن عندما يرى شخصًا يرتكب حرامًا ظاهرًا؟ وكيف نجمع بين الأمر الإلهيّ بالأمر بالمعروف وبين لزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحة؟ وهل كان أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمرًا تكوينيًّا مُجبِرًا أم أمرًا تشريعيًّا اختياريًّا؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة عن هذه التساؤلات، إضافة إلى طرحه لموضوعات قيّمة أخرى.

/۱۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود

  • لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

  •  

  • الولاية التكوينيّة - الجلسة الثامنة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

  • .

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

2
  •  

  •  

  • أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيم

  • بِسمِ اللهِ الرحمٰنِ الرحيم

  • الحمدُ لله ربّ العالمين

  • والصلاةُ والسلامُ على سيّدِنا ونبيِّنا وحبيبِ قلوبِنا

  • وطبيبِ نفوسِنا أبي القاسمِ المصطفى محمّد

  • وعلى آلِهِ الطيّبينَ الطاهرينَ المعصومينَ المُكَرَّمين

  • واللّعنةُ على أعدائِهِم أجمَعين

  •  

  •  

  • قالَ اللهُ تعالى في كتابِه الكريم: 

  • ﴿إِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيتُهُۥ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾۱.

  • إنّها أيّام عاشوراء؛ فارفعوا أصواتكم بالصلوات لرفع البلاء عن شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، ولقضاء حوائجهم الشرعيّة، وللتعجيل في ظهور صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه!

  • انطلاقًا من المسائل التي طُرِحت سابقًا ـ والتي كان النقاش فيها حول الأوامر التكوينيّة والتشريعيّة ـ توصّلنا إلى أنَّ الله تعالى قد وضع في وجود كلّ إنسان ـ بمقتضى الأوامر التكوينيّة ـ أوصافًا وغرائز وشاكلة؛ وبتعبيرنا نَحنُ طلبة العلم: أجرَى (الجعل والإنشاء) للوجود أوّلاً، وللصفات ثانيًا؛ وعلى هذا الأساس نفسه، يتوقّع من هذا الإنسان تكاليف أيضًا. وكان حديثنا حتّى الآن يدور حول هذا الموضوع. وهنا، قد تَرِدُ شُبهة ومسألة، حيث اضطررت لطرح الموضوع التالي لأجل ردِّ هذه الشبهة؛ ومن ثمَّ، سأُتابع الأمر الذي نحن بصدده.

  • شُبهة منافاة الأمر بالمعروف لحريّة الإنسان في الأمور الفرديّة

  • والشبهة هي: إذا كان من المقرَّر أن يسلك كلّ فرد مسارًا مختلفًا في طريقه ونهجه، فمتى سيتحقّق إذًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فليتّخذ كلّ فرد طريقًا خاصًّا، ويمض فيه، ويرتكب جميع أنواع المعاصي، وعندما يسأله أحدهم: «لماذا تفعل هذا العمل؟» فليُجب: «لديَّ طريقي الخاصّ بي! فماذا تعلم أنت؟! ومن أين لك الاطّلاع [على أحوالي]؟!». فتراه لا يصلّي، فتسأله: «لماذا لا تصلّي؟» فيجيب: «يا عزيزي، لديّ طريقي الخاصّ!»؛ وذلك نظير الدراويش الذين يقولون: «الصلاة كانت ركعتين، وقد صلّاها عليّ عليه السلام؛ وقد سقطت عن عاتق الجميع بعد ذلك!». أو تسأله: «لماذا لا تصوم؟» فيجيب: «إنّنا نأخذ حبوبًا بديلةً عن الصوم! فلماذا نصوم؟! الصوم هو لِمَن يشعرون بالفقر والجوع والضيق الماليّ؛ وأمّا الآن، فلا حاجة لذلك! لأنّ الصوم هو لصحّة البدن، وإذا تمكّنا من تأمين هذه الصحّة بطُرُق أخرى، فسيسقط الصوم أيضًا!»، وأمثال هذه الأمور. أو تسأله: «لماذا لا تحجّ؟» فيجيب: «لماذا نأخذ أموالنا وندفعها لأولئك العرب!؟ أو نذبح الخراف؟! هذا في ظلّ الوضع الحاليّ الذي يكتسب فيه كلّ ريال يذهب به الحاجّ أهميّةً كبيرةً بالنسبة لنا، بحيث تكون بمثابة مسألة حياة أو موت!»

    1. سورة ص، الآيتان ۷۱ و۷٢.

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

3
  • النظرة الباطلة للبعض تجاه الحجّ

  • رأيت في رواية أنَّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله قال: «في آخر الزمان، يحجّ الناس لأجل التجارة»؛۱ أي يذهبون للتجارة ولجلب السلع. وهذا ما نراه الآن؛ إذ إنَّ كلَّ همّ واهتمام الحاجّ منذ لحظة تحرّكه هو: ماذا يحضر معه؟ هل يجلب تلك السلعة ويبيعها هنا؟ وكم سيستفيد ويجني من ذلك؟ وعندما يذهب إلى المدينة، وقبل أن يزور قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله، أوّل ما يقوم به هو (الذهاب إلى السوق)، أو أنّه يزور فقط من باب الاحترام (ورفع العتب)، فيزور زيارةً ناقصةً؛ ومن ثمّ، لا تراه إلاّ في الأسواق، حتّى تتحرّك السيّارة باتّجاه مكّة! 

  • وعندما يذهب إلى مكّة أيضًا، يُريد أن يذهب بسرعة في الليلة الأولى ليُؤدّي الأعمال، ويخرج من هذا الإحرام "اللعين" الذي أرهقه! فلا يستطيع أن يصبر ساعتين ليبقى في ثوبي الإحرام! هذا الذي أقوله قد سمعته بنفسي! في تلك السفرة التي ذهبنا فيها إلى مكّة، سمعت من أحد هؤلاء الحجّاج يقول: «ألا يأتي هذا الشيخ ليأخذنا لنخرج من هذا الإحرام اللعين؟!».. إنّها مسألة صعبة جدًّا بالنسبة له!

  • رحم الله المرحوم الشيخ صدرا الأراكيّ، سمعت أنّه قد تُوفِّي. كان رجلاً مسنًّا، وكانت لديه أحوال خاصّة. في ذلك العام الذي تشرّفنا فيه بالذهاب إلى الحجّ، كان هو شيخ الحملة، وكان رجلاً مُسنًّا، وكان الانتقال من المدينة إلى مكّة صعبًا إلى حدّ ما، وخاصّةً بتلك السيّارات التي تكون جميعها مكشوفة وتتعرّض للشمس، حيث إنّ المسافة بين مكّة والمدينة حوالي ثمانين أو تسعين فرسخًا. في ذلك الوقت، كان يذهب الناس إلى الحج! تحرّكنا نحن تقريبًا قرب الظهر، ووصلنا إلى مكّة ليلاً حوالي الساعة العاشرة والنصف، والجميع مرهقون ومُتعبون، فقلنا: لننم ليلاً، ونستريح، وغدًا نذهب فنُؤدّي أعمال العمرة (الطواف والسعي والتقصير و ...). ولكنّ ذلك الجمع أصرّوا، وأجبروا ذلك الشيخ المسنّ على الإحلال من ثياب الإحرام تلك الليلة ليرتاحوا منها! حقًّا، لقد حزنت على حال ذلك المسكين الذي ذهب وهو في أيّ حال من الضعف! ومهما قال لهم: «والله لم تبقَ لديّ قوّة، والله لم يبق لديّ رمق»، لم يُؤثّر فيهم. ففي نهاية المطاف، ابقوا ليلة واحدة واستريحوا! ما هي مشكلتكم في النهاية؟! إنّهما مجرّد ثوبي إحرام على أجسادكم!

    1. تهذيب الأحكام، ج ٥، ص ٤٦٢:
      «عن عبدِ اللهِ بنِ حَمّادِ الأنصاريّ، عن محمّدِ بنِ جعفرٍ عن أبيه عليه السلام، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم: يأتي على الناسِ زمانٌ يكونُ فيه حجُّ الملوك نُزهَةً وحجُّ الأغنياء تجارةً وحجُّ المساكينِ مسألةً».
      تفسير القمّي، ج ‌٢، ص ٣۰٣ ـ ٣۰٦:
      عن عبدِ اللهِ بن عبّاسٍ قال: حَجَجنا مع رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم حجّةَ الوداع... فقال: إنّ مِن أشراطِ القيامة... يا سلمانُ! وعندَها تَحُجُّ أغنياءُ أُمّتي للنُّزهةِ وتَحُجُّ أوساطُها للتجارةِ وتَحُجُّ فقراؤُهم للرياءِ والسمعة».

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

4
  • استحباب استمرار ارتداء الإحرام بين أعمال العمرة والحجّ

  • هذا، في الوقت الذي يُستحبّ فيه للإنسان ألاّ يخرج من الإحرام بين العمرة والحجّ۱. فالوالد العلاّمة [الطهرانيّ] لم يكُن يحلّ أبدًا من الإحرام بين العمرة والحجّ عندما كان يتشرّف بالذهاب إلى مكّة. لقد سافر [للحجّ] أربع أو خمس مرّات حتى الآن؛٢ وقد رأيته بنفسي في إحدى سفراته، فكانت طريقته هي هذه؛ أي: على الإنسان أن يُحلّ من ذلك الإحرام الذي هو عقدٌ نفسيّ، ولكن يُستحبّ أن يبقى مرتديًا ثياب الإحرام. غير أنّ هذه القضيّة غير مألوفة جدًّا لدرجة أنَّ الكثير من المشايخ كانوا يتعجّبون، ويقولون: «لماذا لا تخلع لباس الاحرام؟! ألم تُؤدِّ الأعمال؟!». خلاصة القول، لقد أجبروا ذلك المسكين (الشيخ صدرا الأراكيّ) على أن يأتي، ويُرافقهم ليؤدّوا الطواف، ويسعَوا، وبعد ذلك يُقصّروا، حيث تأذّى من ذلك كثيرًا. فجاء، واشتكى، وتذمّر عند الوالد العلاّمة، وقال: «يا سيّدي، ما هي الخطيئة التي ارتكبتها لأُصبح عالم دين ابتغاءً لمرضاة الله تعالى!».

  • وكان قصد هذا المسكين هو القربة إلى الله؛ ومن جميع المشايخ الذين يذهبون في الحملات، أعلم أنّ هذا الشيخ كان يقصد القربة؛ والباقون إن شاء الله مأجورون أيضًا. في ذلك الوقت، ذهب هذا الشيخ المُسنّ بهذه الكيفيّة، ورافقهم، وأحلّهم من الإحرام.

  • حسنًا، إذا أراد إنسان أن يُؤدّي الحجّ بهذه الكيفيّة، فهل هو حقًّا مقبول ومرضيّ عند الله تعالى؟ إذا فُرضَ أنَّهم أعلنوا الآن أنَّ الحجّاج الذين يريدون الذهاب إلى مكّة من إيران، لا يستطيع أيّ واحد منهم أن يجلب معه من هناك حتّى منديلاً واحدًا، فكم واحدًا سيذهب؟! لنترك الحديث عن هذا الآن!

  • وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استنادًا للقرآن والروايات

  • على كلّ حال، إذا اعترض أحد، وقال: «إنَّ هذه الأعمال التي ترتكبها حرام؛ فلماذا تقوم بها؟»، فيقول الآخر: «لديّ شاكلتي الخاصّة بي، وتكليفي يقتضي ذلك!»، فما هو واجبنا حينئذ؟ يقول الله تعالى: 

  • ﴿وَلتَكُن مِّنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى ٱلخَيرِ وَيَأمُرُونَ بالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ ٱلمُنكَرِ﴾٣ أي: يجب أن تكون في أُمّة المسلمين جماعةٌ تدعو إلى الخير، وتبيّن طريق الخير والصلاح للناس، وتأمر بالمعروف [وتنهى عن المنكر]. 

    1. الكافي، ج ٤، ص ٤٤۱:
      «عَن أبي عبدِ اللهِ عليه السلام قالَ: يَنبَغي لِلمُتَمَتِّعِ بِالعُمرَةِ إلَى الحَجِّ إذا أحَلَّ ألاّ يَلبَسَ قَميصًا ولْيَتَشَبَّه بِالمُحرِمين».
    2. ألقيت هذه المحاضرة في زمان حياة المرحوم العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه الشريف. المترجم
    3. سورة آل عمران ، الآية ۱۰٤.

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

5
  • فالآية تُصدر أمرًا وجوبيًّا: «يجب أن يكونوا». واللام (في ﴿وَلتَكُن﴾) تدلّ على الأمر الوجوبيّ.

  • كانت كلّ حركة سيّد الشهداء عليه السلام قائمةً على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر۱. ولدينا روايات كثيرة حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث جاء في بعضها: «إنَّ أُمّة النبيّ تبقى في حياة وسعادة وفلاح ما دامت فريضتا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجودتين فيها؛ وعندما تُترك هاتان الفريضتان، تقع في الذلّ والهوان»٢. ولدينا الكثير من الروايات في هذا الصَدد؛ ومن ذلك الحديث عن الأمر بالمعروف بمراحله: المرحلة الأولى هي مرحلة الإشارة، والمرحلة الثانية هي مرحلة التصريح؛ وبعد ذلك، اعتزال الإنسان (لصاحب المنكر)؛ وبعدها، يتّخذ الإنسان الإجراء العمليّ، حتّى يصل إلى المراحل الأعلى والأصعب والأشدّ.٣ كلّ هذه هي أحكام وجوبيّة يجب على المسلم أن يُطبّقها، ويُنفّذها في حقّ إخوانه المؤمنين خلال حياته.٤ فماذا يحدث إذًا لهذه المسائل؟!

  • عدم اطّلاع الإنسان على الجوانب الباطنيّة لأعمال الأفراد

  • الحكم الذي كنّا بصدد بيانه حتّى هنا، وما أردنا الحديث عنه، هو السيرة العمليّة لكلّ فرد في مسيرته نحو التكامل والكمال. أمّا ما يجري في باطن هذا الفرد، وكيف هو طريقه إلى الله، فنحن لا نملك علمًا به، ولا نستطيع الوصول إلى هذا الجانب. على سبيل المثال، قد يرتكب إنسان فاسق المحرَّمات، لكن كيف هو باطنه؟ ما هي حالته وهو يرتكب هذا العمل الحرام؟ هل يرتكبه بناءً على السهو والمُسامحة والمُجاملة، أم بناءً على العناد؟ هل يرتكبه وهو عالم، أم يرتكبه وهو جاهل؟ هل اضطرّ إليه، أم هو مختار فيه؟ هذه هي الجوانب النفسيّة لعمل ما؛ ونحن لا نستطيع الاطّلاع عليها، إنّما ننظر إلى أنَّه يرتكب عملاً حرامًا، ولا ننظر إلى سبب ذلك! هل هي عادة، أم ليست عادة؟ هل بادر به ابتداءً، أم داوم على هذا العمل لمدّة طويلة؟ هل يرتكبه بناءً على الضرورة، أم لا؟

  • لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة والامتناع عن الحكم المُتسرِّع

  • بشكل عام، ما لم يطّلع الإنسان على خصوصيّات فعل شخص ما، لا يمكنه أن يحكم عليه. وعلى هذا الأساس، لدينا في الروايات: «يجب على المؤمن أن يَحمِل فعل أخيه المؤمن على الصحّة».٥ فعندما يرى منه ـ بحسب الظاهر ـ عملاً باطلاً، يجب أن يَحمِلَه على الصحّة؛ وإلّا فالفعل الجيّد لا يُحمَل على الصحّة! إذا رأى أنَّ الفعل قد تكرّر، وحصل عدّة مرّات، فعندئذٍ تختلف المسألة؛ وسأوضّح ذلك. لدينا في إحدى الروايات: «إذا حمل الإنسان فعل الأخ المؤمن على الصحّة سبعين مرّة، ولم يَحمِله على الصحّة في المرّة الحادية والسبعين، ففي إيمانه نقص».٦ ذلك لأنَّ الدوافع لارتكاب الفعل، والمقاصد والأهداف من الفعل، لا نهاية لها. نحن نرى فعلاً واحدًا فقط، ولكنّنا لا نعلم لأيّ سبب ارتُكب هذا الفعل؛ لهذا، تجدنا نأخذ الجانب الباطل منه، ونَحمِلُه على هذا المعنى الباطل. سمعت أحد الخطباء في طهران يقول: إنّه كان يخطب في مجلس، حيث كانت عادته أيضًا أنّه عندما يتحدّث، يتّجه فقط إلى جهة واحدة ولا ينظر إلى غيرها، فكان لا ينظر إلّا إلى جانب واحد؛ وفي أحد الأيام، كان أحدهم جالسًا بجانب منبر هذا الشيخ، ويستفيد من كلماته، فرأى أنَّ الجهة التي يُلقي نظره إليها هي نافذة الجار، وهناك امرأة تنظر من تلك النافذة إلى الخارج؛ ومن المؤكّد والواضح أنَّه ينظر إلى ذلك المكان! والمكان مناسب للنظر، ولا ينتبه إليه أحد آخر، والخطيب منشغل بالحديث و ...! وعندما أنهى حديثه، قال له: «يا سيّدي! منبر النبيّ... هذه الأمور... هذه المسائل؟! يجب على الإنسان أن يُراعي قليلاً؛ أن يُدقّق قليلاً!». فقال: «وماذا فعلت؟» فأجابه: «ماذا فعلت؟! لقد كنت تنظر إلى تلك المرأة لمدّة ساعة!». قال: «أيّة امرأة؟!». قال: «تلك المرأة التي كانت تنظر من النافذة لساعة كاملة، وكنت أراقبها!». قال: «عجبًا! إذًا أنت كنت تنظر إلى تلك المرأة لمدّة ساعة، لا أنا! أنت الذي كنت تنظر! حسنًا، تعال الآن، واجلس مكاني». فقام، وجلس في مكانه، وإذا به لم يرَ شيئًا! لأنَّ ذاك كان في زاوية تُظهر المرأة؛ أمّا زاوية هذا الشيخ الخطيب، فكانت مختلفة! لكنَّ ذلك الرجل كان يُحاسبه على ذلك بحُجّة أنَّه ينظر إلى هناك.

    1. مقتل الحسين عليه ‌السلام، الخوارزميّ، ج ۱، ص ٢۷٣:
      «... إنمّا خرجتُ لِطَلَبِ الإصلاحِ في أمَّةِ جَدّي محمّدٍ صلّى اللّه عليه وآلِه، أُريدُ أن آمُرَ بالمعروفِ وأنهىٰ عن المنكر ...».
    2. تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ۱۸۱
      «عن النبيّ صلّى الله علَيه وآله وسلّم، أنّه قالَ: لا يزالُ الناسُ بخَيرٍ ما أمَروا بالمَعروفِ ونَهَوا عن المُنكر وتَعاوَنوا على البرِّ والتقوى؛ فإذا لم يفعَلوا ذلك، نُزِعَت منهم البركاتُ، وسُلِّطَ بعضُهُم على بعضٍ، ولم يكن لهم ناصِرٌ في الأرضِ ولا في السماءِ».
    3. راجع: وسائل الشيعة، ج ۱٦، ص ۱٣۱ ـ ۱٣٥؛ مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٤، ص ٢۸۰ و٢۸۱.
    4. لمزيد من الاطّلاع على مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطها ومراتبها، راجع: مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٤، ص ٢۷٦ ـ ٢۸٤.
    5. الكافي، ج ٢، ص ٣٦٢:
      «عن أبي عبدِ اللهِ عليه السلام قالَ: قالَ أمير المؤمنين عليه السلام في كلامٍ لَه: "ضَع أمرَ أخيك على أحسَنِه حَتّى يأتيك ما يغلِبُك مِنه، ولا تَظُنَّنَّ بِكلمةٍ خَرَجَت مِن أخيك سوءًا وأنتَ تَجِدُ لها في الخيرِ مَحمِلاً"».
      الخصال، ج ٢، ص ٦٢٢:
      «[قالَ أمير المؤمنين عليه السلام:] اطلُب لِأخيك عُذرًا؛ فَإِن لَم تَجِد لَهُ عُذرًا، فالتَمِس لَهُ عُذرًا».
    6. مصباح الشريعة، ص ۱۷٣:
      «...إذا رَأيتُم أحَدَ إخوانِكم في خَصلَةٍ تَستَنكرونَها مِنهُ فَتَأوَّلوها سَبعينَ تَأويلاً؛ فإنِ اطمَأنَّت قلوبُكم على أحَدِها، وإلّا فَلوموا أنفُسَكم حَيثُ لَم تَعذِروهُ في خَصلَةٍ يستُرُها عليه سبعين [سَبعونَ] تَأويلاً فأنتُم أولى بالإنكارِ على أنفُسِكم مِنه.»
      إحقاق الحق، ج ۱٩، ص ٥٢٥:
      [قالَ الصادقُ عليه السلام:] إذا بَلَغَك عن أخيك ما تَكرَهُ، فاطلُب لَهُ العُذرَ إليٰ سَبعينَ عُذرًا، فَإن لَم تَجِد لهُ عُذرًا، فَقُل لِنَفسِك: لَعَلَّ لَهُ عُذرًا لا نَعرِفُه». 

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

6
  • وفي هذا الصدد، هناك من الدقائق واللطائف ما يجعل الإنسان مبهوتًا حقًّا. إنَّ مسألة «على الإنسان دائمًا أن يَحمِل فعل الأخ المؤمن على الصحّة»، هي حقًّا أحد أهمّ الأوامر التي لدينا في الإسلام.

  • وجه الجمع بين مسألتي لُزوم الأمر بالمعروف والحمل على الصحّة

  • من الناحية الأخرى، إذا رأينا حرامًا ظاهرًا وواضحًا، فماذا نفعل؟ هل نترك ذلك الشخص ليرتكب ما يشاء من الذنوب؟ فأين ذهب هذا الحكم الشرعيّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل نتركه لمجرّد أنّه ـ ربّما ـ كان هناك غرضٌ صالحٌ في هذا العمل، وهو يرتكبه بسببه؛ ولذا، فإنّنا نُهمل هذه المسائل؟! هل يقوم الناس بما يشاؤون في المجتمع، ونحن بحجّة أنَّه قد يكون لديهم غرضٌ جيّدٌ لفعلهم ذاك، ونحن لا نملك علمًا بذلك الغرض، فنترك هذه المسألة؟! لا، بل إنّ حكمنا الشرعيّ والتكليفيّ هو أنَّنا عندما نرى أنَّ هذا العمل يتكرّر منه، نُذكّره: «نحن نرى منك قضيّة كهذه، والحكم الشرعيّ هو كذا؛ هل أنت جاهل بهذه القضيّة أم عالم بها؟ إذا كنت عالمًا، فلأيّ سبب ترتكب هذا العمل؟». يجب على الإنسان أن يُذكّر، وبعدما ينتبه إلى أنَّ هذا الشخص كان عالمًا، ولم يكن لديه أيّ غرض في ارتكاب هذا الفعل سوى العناد والجحود والعناد بأحكام الله ومتابعة الهوى، فالتكليف الشرعيّ هو أن يبدأ في تلك المراتب العليا؛ أي يبذل الجدّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!

  • هذه المسألة تتعلّق بالأحكام والتكاليف التي يُطبّقها الله تعالى في مجتمع المسلمين. وأمّا المقصود من تلك القضيّة التي ذكرتُاها، فهو أنَّنا لا نعلم كيف هو حساب هذا الشخص مع الله الآن؛ لا نعلم كيف سيتعامل اللهُ معه، ولا نعلم في أيّة مكانة سيجلس يوم القيامة، ولسنا "علّام الغيوب"؛ والله لم يُسلِّم الحسابات والأعمال إلينا.

  • في مجتمع المسلمين، وبين الإخوة المؤمنين، الواجب هو أنَّ الإنسان إذا رأى أحدًا يرتكب باطلاً أو يترك واجبًا، يُذكّره.. بهذا الحدّ. بعد ذلك، عندما يرى أنَّ المراحل (الأولى) لا تُؤثّر، عندئذٍ يتّخذ حالة من عدم الرضا، هذا هو! وبقيّة المسائل تتعلّق بالحكومة الإسلاميّة. إلى هذا الحدّ! أمّا كيف يكون طريق هذا الشخص ومساره إلى الله، فهذا أمر آخر لا نملك اطّلاعًا عليه؛ «الطرُقُ إلى اللهِ بِعددِ أنفاسِ الخلائق».۱ وبناءً على ذلك، لدينا واجب على عاتقنا بين الناس: التذكير بالنسبة للأمور الباطلة التي يُلاحظها الإنسان، والدعوة إلى الأمور المستحسنة التي هي يقينيّة بالنسبة له.

    1. معرفة الله، ج ۱، ص ٢۱٢، الهامش ٢:
      «وعلى أيّة حال فإنّ هذا ليس بحديث، بل حكمة لبعض الحكماء».

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

7
  • يجب على الإنسان أوّلاً أن يكون عالمًا؛ وبناءً على ذلك، إذا سعى الإنسان ـ قبل أن يكون عالمًا ـ بأخيه المؤمن في جمع، وقال: «هذا الشخص ارتكب عملاً باطلاً هنا؛ هذا الشخص غشّ هنا»، في حين أنّه لم ينتبه بعدُ لهذه المسألة، ولم تتّضح له زوايا القضيّة تمامًا، فنفس هذا العمل حرام.. هذا العمل نفسه حرام! بعدما يطّلع الإنسان على القضيّة تمامًا، عليه أن يذهب إلى ذلك الشخص، ويتحدّث معه، ويُطلعه على المسألة. وحتّى بعد التذكير، لا ينبغي أن يذكر عيبه لغيره؛ فربّما يرتكب ذلك الشخص هذا العمل الباطل بسبب مشكلة ما؛ فعندها، يجب أن تُرفع تلك المشكلة، وبزوالها سيكفّ هذا الشخص عن هذا العمل الباطل. إذا نشر الإنسان هذا العمل بين الناس دون التنبّه لكلّ هذه الأمور، وشوّه سُمعة الشخص، فهذا بحدّ ذاته حرام وباطل. 

  • بناءً على ذلك، فإنّ قضيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير والصلاح، والمنع من العمل الباطل والمنكر، هي حُكم شرعيّ مشترك بين جميع المسلمين؛ أجل، هذا بعد أن يطّلع الإنسان على زوايا أمر ذلك الشخص الفاعل للمنكر، ويتعرّف على خصوصيّاته؛ عندئذٍ، يجب أن يسعى في مقام تأديبه وإصلاحه.

  • المسألة الأخرى هي: إذا ارتكب الإنسان العمل الباطل، فكيف يكون طريقه إلى الله؟ كيف يتعامل الله معه؟ وكيف سيكون هذا الإنسان؟ وما هي خصوصيّات طريقه؟ [في هذه الحالات، لا يمكننا أن نحكم]؛ لأنَّ الإنسان ليس مطّلعًا على هذه القضيّة، ونحن لن نطّلع أبدًا على زوايا قلب الإنسان، وهذه مسألة أخرى مستقلّة.

  • الفَرْقُ بين تكليف النبيّ موسى وتكليف الخِضر

  • لذلك، فإنّ الأنبياء والرسل مُكلَّفون بالإفصاح عن الأحكام الإلهيّة للناس بصورة عامّة؛ وفي الوقت نفسه، يعلمون أنَّه ـ في تطبيق هذه الأحكام والتكاليف الإلهيّة ـ لكلّ واحد من العباد طريق إلى الله تعالى. يرى النبيّ موسى عليه السلام أنَّ الخِضر عليه السلام يرتكب أعمالاً هي حرام بحسب ظاهر التكليف وباعتبار الاشتراك في التكليف الذي هو لجميع الأمّة، حيث إنّ خرق السفينة وقتل ذلك الطفل حرام، وتشييد ذلك البناء مكروه وغير مُستحسَن عند الناس. وعندما يرى النبيّ موسى أنَّ الخِضر يرتكب هذه القضيّة، يتوجّب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويمنع الخِضر من هذا العمل، ويقول: «لا ترتكب هذا العمل!». وواجب الخِضر أيضًا أن يقول: «لديّ طريق لا يتعلّق بك؛ أنت قم بعملك وأنا أقوم بعملي».

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

8
  • عندما يصل الأمر إلى نقطة يرى فيها الخِضر عليه السلام أنَّ موسى عليه السلام لا يستطيع أن يتقبّل أمره، ولا يستطيع موسى نفسه ـ من ناحية أخرى ـ أن يُصحِّح أعمال الخِضر ويُؤيِّدها، يفصل طريقه، ويقول: ﴿هَٰذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾۱؛ أي: اذهب أنت برِسالتك، واعمل بالتكاليف التي وضعها الله على عاتقك! فواجبي هو أن أستمرّ في نفس الأعمال التي رأيتها حتّى الآن. ﴿هَٰذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾؛ أي: أنا من الآن فصاعدًا سأستمرّ في نفس الأعمال التي رأيتها منّي في هذين اليومين أو الثلاثة التي كنت فيهما معي؛ فرأيتني قتلتُ ذلك الطفل البريء، ورأيتني أتلفتُ تلك السفينة وأحدثتُ فيها عيبًا، ورأيتني ارتكبتُ ذلك العمل الذي وقع في ذهنك على أنّه غير مُستحسَن؛ وأعمالي من الآن فصاعدًا ستكون هكذا أيضًا، كن مطمئنّ البال! لا أنت استطعت أن تُغيّرني، ولا أنا استطعت أن أُغيّرك! اذهب أنت في طريقك، وأنا في طريقي.

  • هذه القضيّة تتعلّق بالخِضر وموسى؛ أي: واجب النبيّ هو أن يفصح للناس عن الأحكام التي تظهر وتتجلّى في قلبه؛ لأنّه نبيّ لعموم الناس. وأمّا الخِضر، فليس رسولاً، ولم يُبعَث للناس، وإنّما يُوحى إليه فقط، والوحي يختصّ به وحده، ولا يجب أن ينقله إلى غيره. ولأنَّ الخِضر له طريق منفصل (عن الناس جميعًا)، فإنَّ مساره سيكون منفصلاً عن مسار النبيّ موسى عليه السلام. ولأنَّنا تحت شريعة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، ومأمورون بهذه التكاليف، يجب علينا أن نعمل بالتكاليف التي أمر بها النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله؛ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجود، والصلاة والصوم موجودان، والحجّ والجهاد موجودان. ويجب أن توضع كلّ هذه الأوامر والتكاليف، وكلّ هذه النواهي في مكانها. أمّا كيف يقوم كلّ فرد بالعمل، وكيف تكون علاقته مع الله، فهذا ليس على عاتقنا، ولا يتعلّق بنا. هذه المسألة هي تكملة للمسائل التي تكلّمنا عنها سابقًا.

  • الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التكوينيّة والتشريعيّة 

  • لدينا في الآية الشريفة: ﴿إِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ﴾٢ أي: قلنا للملائكة إنّنا نريد أن نخلق بشرًا من طين. ﴿فَإِذَا سَوَّيتُهُۥ﴾؛ وعندما أكملناه على الوجه الصحيح في الخَلْق. ﴿وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾؛ وعندما وصل إلى مرحلة الكمال (الإنسانيّ) من حيث التكامل الجسديّ والروحيّ، ﴿فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾٣ اسجدوا له.

    1. سورة الكهف، الآية ۷۸.
    2. سورة ص، الآية ۷۱.
    3. سورة ص، الآية ۷٢.

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

9
  • لقد مضى الكلام بخصوص أنَّ السجود لغير الله تعالى غير جائز، وهو حرام، وأنّه لا فَرْق في هذه المسألة بين إنسان ومَلَك، وقد بيّنا أنَّ السجود هنا لم يكن لآدم؛ بل كان سجودًا لتلك الروح التي تعلّقت به عليه السلام من جانب الذات الإلهيّة، والمذكورة في آية ﴿وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾، والتي نشأت من هناك. ولهذا، فإنّ السجود هو للذات الإلهيّة وليس لآدم، حيث تكلّمنا في هذه المسألة سابقًا.

  • والكلام الآن عن: ما هو هذا الأمر الذي أمر الله تعالى به الملائكة: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَٰجِدِينَ﴾؟ هل هو جزء من الأوامر التكوينيّة ـ التي تكلّمنا عنها ـ أم جزء من الأوامر التشريعيّة؟

  • كما قلنا، إذا تعلّق الإلهيّ التكوينيّ بشيء، فإنّه يُحقِّق هذا الشيء نفسه في الخارج؛ وهذا يكون أمرًا تكوينيًّا: ﴿إِنَّمَآ أَمرُهُۥ إِذَآ أَرَادَ شيئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾۱. أمر الله تعالى هو أمر التكوين؛ وعندما يتعلّق بشيء، فإنّه يُحقِّق هذا الشيء نفسه في الخارج.

  • يتعلّق الأمر الإلهيّ بخَلْق الأرض، فيقول: ﴿كُن﴾، فتوجد الأرض. يتعلّق الأمر الإلهيّ بخَلْق الشمس والقمر، فيقول: ﴿كُن﴾، فيوجدان. يتعلّق الأمر الإلهيّ بخَلْق الإنسان، فيقول: ﴿كُن﴾ ـ أي: كن موجودًا وتحقّق في الخارج ـ فيتحقّق في الخارج. الأوامر التكوينيّة هي عبارة عن تحقّق ذلك الشيء نفسه في الخارج.

  • هل الأمر الذي أمر الله به الملائكة بقوله تعالى: «اسجدوا لآدم» هو من هذا القِسم [التكوينيّ]؟ إذا كان من هذا القِسم، فمعنى الآية سيكون: «عندما أمرنا الملائكة أن يسجدوا لآدم، أجبرناهم على السجود»؛ هذا هو المعنى إذًا؛ لأنّ معنى التكوين هو أن نُحقِّق ذلك الشيء ونوجده في الخارج؛ فهذا يصبح أمرًا تكوينيًّا. بناءً على ذلك، عندما يأمر الله الملائكة بالسجود، فمعنى هذا أنّه يُحقِّق السجود في الملائكة؛ فتسجد الملائكة شاءت أم أبت، ويتحقّق الفعل نفسه في الخارج دون أن يكون لها اختيار من تلقاء نفسها، تمامًا كما أنَّنا نحن أيضًا لم يكن لنا اختيار أو إرادة من تلقاء أنفسنا لكي نتحقّق ونوجد؛ بل تعلّق الأمر الإلهيّ بخَلْقنا، فوُجِدنا، وتعلّق الأمر الإلهيّ بخَلْق الأرض والكواكب، فوُجِدت؛ فهل كان لها اختيار في خَلْقها؟! هل اعترضت وتساءلت؟! هل قالت: «يا ربّ، اخلقنا هكذا ولا تخلقنا هكذا؛ اخلقنا على شكل كرة لا على شكل مكعّب؛ اخلقنا بهذه الخصوصيّة لا بتلك الخصوصيّة؟!». لم يكن الأمر كذلك.

    1. سورة يس، الآية ۸٢.

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

10
  • ﴿إِنَّمَآ أَمرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾۱. بناءً على ذلك، فإنّ التأثيرات التي تتحقّق في عالم التكوين ـ سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة ـ هي من الأوامر الإلهيّة التكوينيّة. فهل كان الأمر كذلك بالنسبة للملائكة؟ أي، عندما يُخاطَب الملائكة: «اسجدوا لآدم»، هل وُجِدَ هذا السجود فيهم دفعة واحدة وتكوينًا؟!

  • إذا كان الأمر كذلك، سيبقى مجال للشيطان لأن يعترض، ويقول: «يا ربّ، أنت أجبرت الملائكة على السجود، وأوجدت السجود فيهم تكوينًا؛ حسنًا، كان بإمكانك أن تفعل معي الشيء نفسه. لماذا لم تفعل ذلك معي؟! هذا العمل الذي لم أقم به، كان مسألة تكوينيّة ولم أكن مختارًا في ذلك».

  • على سبيل المثال، إذا أراد الله تعالى من طائر أن يحمل خمسمائة كيلوغرام من الأثقال، فإنّه لن يستطيع. وحينئذ، إذا قال الله تعالى: «نحن وضعنا قوّة كهذه للحيوانات (كالجمل والفيل) لحمل خمسمائة كيلوغرام من الأثقال»، فما علاقة الطائر بذلك؟! سيقول هذا الطائر: «أعطني هذه القوّة أيضًا، وسأحمل خمسمائة كيلوغرام من الأثقال». أو إذا كلَّفنا الله بالطيران في السماء، فنحن لا نملك وسيلة لذلك.

  • هذه الأوامر هي أوامر تشريعيّة تترتّب على الأمور التكوينيّة؛ فعندما لا تكون الجهة التكوينيّة مجعولة فينا، فإنَّ الأوامر المترتّبة عليها ستكون أيضًا لغوًا وعبثًا، ولا يُمكن لله تعالى أن يأمرنا بمسألة لا تقع تحت قدرتنا، ولم يضع فينا أسبابها ووسائلها وأدواتها. بناءً على ذلك، الأمر الذي أمر الله تعالى به الملائكة: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَٰجِدِينَ﴾، يجب أن يكون تشريعيًّا؛ فعندما يأتي خطاب السجود للملائكة، يسجدون، وهذا لم يكن تكوينًا.

  • وحينئذ، فإنّ المسألة التي تُطرَح هنا هي: هل هناك في الأساس تشريع للملائكة أم لا؟! الإشكالات التي أوردوها هنا ناشئة من هذه القضيّة. هل هناك تشريع للملائكة؟ أي: هل أتى الله بشرع وأحكام ليكون الأمر هنا تشريعيًّا؟! الأوامر التشريعيّة هي كأمر الله تعالى لنا أن نصلّي، ونصوم، ونؤدّي الحجّ، ونتصدّق، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.. كلّ هذه أوامر تشريعيّة. ولدينا أيضًا نواهٍ تشريعيّة: لا تغتابوا، لا تقترفوا البهتان، لا تسرقوا، لا تشربوا الخمر، لا تقامروا، لا تغنّوا، واتركوا سائر المحرّمات؛ فكلّ هذه نواهٍ إلهيّة تشريعيّة.

    1. سورة يس، الآية ۸٢.

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

11
  • عندما تأتي هذه الأوامر والنواهي، نشعر نحن بها، وبوجود مصلحة إلهيّة فيها؛ فعندما ينتبه الإنسان ـ سواء بواسطة كلام النبيّ، أو بغير واسطة كلامه؛ كأن يتلقّى ذلك بواسطة التشرّب من نفسه صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ إلى أنَّ الله قد كلّفه بالصلاة، يصير واجبًا عليه أن يُؤدّيها.

  • رأيت في «الفتوحات المكّية» أنَّ محيي الدين بن عربي، ذلك العارف الإسلاميّ المعروف، كان يقول: «رأيت في مكاشفة أنَّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله كان يقرأ القنوت في صلاته۱ ـ الظاهر أنّ أهل السنّة لا يقرؤون القنوت في الصلاة، أو على الأقلّ في المكان الذي كان فيه هو، لم يكونوا يقرؤون القنوت ـ وكذلك، رأيت النبيّ يذكر تكبيرات في الصلاة لا توجد لدى أهل السنّة.٢ فذهبت إلى أحد العلماء المعروفين في ذلك الزمان، وقلت له: "هل يوجد لدينا أنَّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله كان لديه قنوت وتكبيرات عندما كان يُصلّي؟"، فقال: "نعم، موجود لدينا في الكتاب الفلانيّ ولدينا عدّة روايات أيضًا". فنقلت له القضيّة، ولمّا تطابقت هذه المكاشفة التي رأيتها مع الروايات التي نقلوها هم أنفسهم عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله بخصوص القنوت والتكبيرات؛ لذلك، أوضح الله تعالى لي أنَّ هذه الصلاة التي يُصلّيها أهل السنّة الآن هي باطلة ومخالفة لقول النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، والصلاة الصحيحة هي ما وردت في شأنها روايات في الكتاب الفلانيّ والكتاب الفلانيّ».

  • إنّ الوصول إلى الأحكام الشرعيّة ليس مقتصرًا على الكتاب فقط؛ فبالنسبة للذين قدّر الله تعالى لهم، وأراد هدايتهم وإرشادهم، توجد طُرُق مختلفة ومتنوّعة للوصول إلى الأحكام الشرعيّة والأمور الواقعيّة، حيث توجد في هذا المجال مسائل وحكايات عديدة جدًّا. فالخطابات الشرعيّة التي تأتينا هي خطابات نشعر بها، أو نسمعها، أو نُلهَم بها، أو نراها في كتاب، ويصبح من المسلّم لدينا أنَّ في الدين خطابًا كهذا. وعندما نشعر بهذا الخطاب، نتبعه ونعمل به؛ فهذا يكون أمرًا تشريعيًّا. فهل الأمر بالنسبة للملائكة كذلك أيضًا؟! أي: هل نفترض أنَّ الملائكة مستقرّة في مكانها وفي مكانتها، فيشعرون فجأة بأنَّ الله تعالى يأمرهم بالسجود والركوع والتسبيح والتحميد؟! وهل ملائكة العذاب والرحمة يتحرّكون بواسطة الأوامر الإلهيّة نحو الأفعال الموكولة إليهم؟! هل الملائكة هكذا أيضًا ولديهم تشريع مثلنا؟ عندما نسمع أنَّ فلانًا من المؤمنين لديه ضائقة هناك، ويأتي أمر بقضاء حاجة المؤمن، فنتحرّك. ونسمع أنّه مريض ولا يملك دواء، ويجب أن يُؤخَذ إلى الطبيب. أو أنَّ عليه دَيْنًا، يجب أن يُسدَّد دَينُه. أو أنَّ مشكلة ما قد حدثت له، وعلى الإنسان أن يحلّ مشكلته. فعندما نسمع شيئًا كهذا، تتعلّق بنا أوامر الله تعالى: يجب قضاء حاجة المؤمن، ورفع الضائقة عنه، وعلينا أن نتحرّك. هذا بالنسبة لنا؛ فهل الأمر بالنسبة للملائكة كذلك أيضًا؟ أي: هل يكونون في مكانتهم، ويأتي أمر الله تعالى فجأة: «أمطروا في المنطقة الفلانيّة؛ يجب أن يأتي سيل في المنطقة الفلانيّة؛ يجب أن يحدث زلزال في النقطة الفلانيّة من الأرض؛ يجب أن تُهلِكوا وتُدَمِّروا قوم فلان؛ يجب أن تنزلوا الرحمة على قوم فلان»؟! الأفعال والأعمال التي يقومون بها، هل هي بناءً على أمر يُفاض عليهم من قِبَل الله تعالى؟ هل هي من هذا القِسم نفسه، أم على نحو آخر؟

    1. راجع: الفتوحات المكّية، ج ۱، ص ٤٣٥.
    2. راجع: المصدر نفسه، ص ٤٣٦ و٤٣۷.

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

12
  • هداية الأنبياء للبشر ظاهرًا وباطنًا

  • لدينا في آية من القرآن الكريم: ﴿وَجَعَلنَٰهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَآ إِلَيهِم فِعلَ ٱلخَيرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ﴾۱. هذه الآية تستدعي الكثير من التأمّل والتدقيق، وهي تُوضِّح كيفيّة ارتباط النبيّ بالذات الإلهيّة المقدّسة، بحيث من اقتران هذه الآية بالآيات الأخرى الدالّة على الوحي، تُحلّ قضيّة الأوامر التشريعيّة بكلّ سهولة ويُسر، ولا تبقى لدى الإنسان أيّة شُبهة.

  • تقول الآية الكريمة: 

  • لقد جعلنا الأنبياء والرسل أئمّة وقادة إلى الصلاح والكمال، (و) هم يهدون بأمرنا.

  • يمكننا أن نفسّر هذا الأمر على نحوين: 

  • المعنى الأوّل هو الأمر التشريعيّ؛ أي: بواسطة الأوامر التشريعيّة التي وضعناها في نفس ذلك النبيّ، فإنّه يُوضِّح للناس طريق الكمال والسعادة، ويُبيّن لهم الخير والصلاح؛ فهذا معنى!

  • وهناك معنى ثان دقيق ولطيف وظريف، وهو أنَّ هدايتهم تكون بواسطة مقام أمرنا لا مقام التشريع؛ أي: عندما يهدون الأمّة، يكون ذلك بواسطة الاستعانة بالباطن والاعتماد على مقام الأمر والدعم والعنايات التي تتوالى من قِبَل الله تعالى على نفس هذا الوليّ والنبيّ والرسول؛ فبواسطة تلك العنايات، يسوقون الناس نحو ذلك الكمال. وبناءً على ذلك، فإنّ زمام أعمال وسلوك ونفس كلّ فرد من الأمّة، هو بيد ذلك النبيّ والرسول نفسه الذي يقود هذا الزمام ويهديه إلى ذلك الكمال؛ هذا هو المعنى الثاني لـ ﴿يَهدُونَ بِأَمرِنَا﴾. والنكتة هنا هي: ﴿وَأَوحَينَآ إِلَيهِم فِعلَ ٱلخَيرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ﴾؛ أي: أوحينا إليهم فعل الخيرات والأمور الخيّرة!٢

  • معنى الوحي والأمر الإلهيّ للمخلوقات المختلفة

  • الوحي يعني نزول المصلحة ونزول معنىً من قِبَل الله تعالى؛ ولا فَرْق بعد ذلك في أيّ وعاء يقع هذا المعنى: سواء وقع في وعاء النبيّ أو في وعاء حيوان؛ وسواء وقع في وعاء النبيّ أو في وعاء أفراد من غير أُمّة النبيّ. فيحلّ معنىً من قِبَل الله تعالى على قلب الشخص ويُريه قضيّة ما؛ وعندما تُعرَض عليه تلك المسألة، يقوم بها. وبناءً على ذلك، معنى الوحي واحد سواءً تعلّق بالنحل أوبالنبيّ، وكلاهما يُصبح تشريعًا، لكنّ نوعهما يختلف!٣

  • معنى الوحي الإلهيّ في المخلوقات المختلفة

  • وهنا، تطُرح مسألة عجيبة جدًّا! إنَّ تلك الآية التي قلت قبل أيام إنّها من الآيات التي تُزلزل بدن الإنسان، وتفصل مفاصله، وتُسقطه أرضًا حقًّا، هي هذه الآية! القضيّة هنا هي أيضًا كذلك، [وبصورة أمر تكوينيّ] 

    1. سورة الأنبياء، الآية ۷٣.
    2. أعلمُ أنّ المسألة صارت دقيقة ومعقّدة إلى حدّ ما، وأظنّ أنّ تحمّل الرفقاء بدأ ينفذ قليلاً! حسنًا، من عادتي أنّني أتطرّق دائًما ـ إلى جانب هذه المسائل العلميّة ـ إلى بعض المسائل الجانبيّة؛ لكن، رأيت أنّه إذا سعيت للحديث أكثر عن هذه المسائل، فلن أتمكّن من تتمّة الكلام عن الموضوع الأساس؛ ومن هنا، إذا دقّقتم قليلاً، سيكون بوسعنا تجاوز هذه المرحلة بسرعة؛ هذا، مع أنّ المسألة التي أتحدّث عنها تنفعنا نحن طلبة العلم بشكل أكبر. أجل، لقد سعيت ـ بمقدار وسعي ـ إلى تبسيط المسألة، حيث إنّ هذا الموضوع الذي أعرضه على مسامعكم استفدته من العظماء. وقد قلت في أحد الأيّام: «يا عزيزي، إنّ كلّ كلام حسن ذكرتُه لم أذكره من عندي؛ وكلّ كلام باطل قلتُه يرجع إليّ»؛ وهذا الموضوع أيضًا استفدته من العظماء، ولا يُنسب إليّ أنا.
    3. لمزبد من الاطّلاع، راجع: أفق وحي (فارسي)، ص ٢٤٦ ـ ٢٥٢.

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

13
  • ﴿وَإِذَآ أَرَدنَآ أَن نُّهلِكَ قَريَةً أَمَرنَا مُترَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيهَا ٱلقَولُ فَدَمَّرنَٰهَا تَدمِيرًا﴾۱

  • أي: عندما نريد أن نُهلِكَ قومًا (ونحن نعلم طريق ذلك؛ ومن عساه يكون أعلَمُ منّا بخفايا الأمور؟!) نأمر ـ الأمر جاء هنا ـ المُترَفين منهم، أي الذين يسعون وراء الترف والرغبات والأمور الدنيويّة والمعاصي، والذين تتوفّر فيهم الأرضيّة والاستعداد للمعصية: اذهبوا وارتكبوا الذنوب والمعاصي وخالفوا نبيّ زمانكم! 

  • إنّها آية عجيبة جدًّا؛ وعلى أيّ حال، هذه من الآيات التي تستتبع الخوض في كلّ واحدة من تفاصيلها مجموعة من المسائل.

  • ﴿أَمَرنَا مُترَفِيهَا﴾: عندما تتعلّق إرادتنا ومشيئتنا بإهلاك أولئك القوم، نُهيِّئ أسباب ذلك. «إذا أرادَ اللهُ بِعَبدٍ خَيرًا هَيَّأ أسبابَه»٢ هذا هو موضعها؛ عندما يريد الله أن يُوصِل الخير إلى عَبْد، يُهيِّئ له الأسباب أيضًا، فيقوم ذلك العَبْد به. ومن الناحية الأخرى كذلك؛ عندما يريد أن يُريد أن يُصيب الشرّ شخصًا ما، يُهيِّئ له أسبابه أيضًا.٣

  • نعم، هناك مسائل تتعلّق بالمراحل التالية لآية ﴿إِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَٰٓئِكَةِ﴾. في تلك المراحل التالية، نصل إلى كيفيّة تحرّك جنود إبليس وجنود الرحمن، وكيف أنّه إذا أراد العبد أن يقوم بعمل ما، يجب على الأسباب والعِلَل في العالم أن تتضافر معًا لكي يقوم هذا العبد بعمل الخير أو عمل الشر، حيث تكون كلّ هذه الأسباب والعِلَل في حالة حركة وتفاعُل.

  • ﴿أَمَرنَا مُترَفِيهَا﴾، «نحن نأمر»؛ أي نُنشِئ في تلك الأمّة دافعًا ورغبة في الذنب! هذا هو المعنى! وعندما نقوم بهذا العمل وتكون الأرضيّة مُهيّأة، ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾٤؛ تنشأ الرغبة، ثم يشرعون في ارتكاب الذنوب!

  • بناءً على ذلك، نرى أنَّ الأمر والوحي يتّخذان معنى واحدًا ويُصبح «تكوينًا». نحن نهيّئ فيهم الأرضيّة؛ فنضع فيهم الشعور والإدراك والرغبة في الذنب؛ فيسعون وراء هذا الذنب ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾؛ فيرتكبونه. ﴿فَحَقَّ عَلَيهَا ٱلقَولُ﴾ ﴿فَدَمَّرنَٰهَا تَدمِيرًا﴾٥؛ أي: حينئذ، يصير الأمر مُتاحًا لنا لتدميرهم؛ والتدمير يعني الإهلاك والقضاء. فلو أردنا أن نفعل شيئًا قبل الآن، لأتعبنا هؤلاء الناس وقالوا: «يا ربّ، لم نذنب بعد؛ لم نرتكب فعلاً بعد. لأيّ ذنب ولأيّ شيء عاملتنا هكذا؟!»؛ أمّا الآن، وقد أذنبوا بأيديهم، تُغلَق كلّ الأفواه وتُكمّم كلّ الألسنة.

    1. سورة الإسراء، الآية ۱٦.
    2. هذا الكلام ليس نصّ رواية، بل هو مأخوذ من روايات تؤيّد هذا المعنى. راجع المحاسن، ج۱، ص٢۰۰ ـ ٢۰٣. (المحقّق)
    3. راجع: الكافي، ج ٢، ص ٤٥٢.
    4. سورة الإسراء، الآية ۱٦.
    5. سورة الإسراء، الآية ۱٦.

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

14
  • ﴿فَحَقَّ عَلَيهَا ٱلقَولُ﴾؛ أي: يتحقّق القول عليهم، وهو الهلاك والفناء. ﴿فَدَمَّرنَٰهَا تَدمِيرًا﴾ نُرسِل الملائكة: بسم الله، تحرّكوا واذهبوا وحاسبوهم.

  • لذا، يجب على الإنسان أن يكون حذرًا جدًّا من نفسه؛ فينظر ماذا يفعل، وإلى أيّ جانب تميل رغبته. وعليه أن يطلب من الله ويقول: «يا ربّ! إذا جعلت ميلي إلى هذا (الجانب)، فارجع بي»؛ لأنَّ هذه القضيّة مهمّة جدًّا! ولذلك، يجب على المرء أن يكون يقِظًا جدًّا!

  • چون خدا خواهد كه پرده كَس دَرَد***مِيلش اندر طعنه پاكان بَرَد۱ 
  • يقول: 

  • إذا أراد الله أن يهتك سِتر أحد، يجعله يميل إلى الطعن في الأطهار

  • إذا أراد الله أن يهتك سِتر أحد، ويُهرق ماء وجهه، ويُفسد أمره، [فإنّه يجعله] يبدأ بالطعن في الأطهار! والله تعالى تأخذه الغَيرة، ويقول: «أتطعن في الأطهار؟!». إنّ الذين سَخِروا من الأنبياء والأولياء، وطعنوا في الأطهار، وبدأوا بالتذمّر، والتشكّي والسخريّة، يجب أن نعلم إلى أين يصل أمرهم! المسكين نفسه لا يعلم؛ هيهات أن يعلم! وإلاّ، هل كان سيسعى حينئذ وراء هذه القضيّة؟!

  • المقصود من هذه المسائل هو أن نتعلّم درسًا عمليًّا، وإلّا، فمجرّد ذكر هذه المسائل، وتكديسها في أذهاننا، ونقلها منّي إليكم ومنكم إليّ، ليست له نتيجة كبيرة؛ بل يجب أن نُطبّقها على أنفسنا!

  • كان هناك أحد الأحبّاء، وكنت أأنس به كثيرًا؛ كان لديه حال جيّد، وحال بكاء وتوجّه. رأيته يتغيّر تدريجيًّا في خصائصه، حيث كانت الأحاديث التي كان يذكرها سابقًا تختلف عن الأحاديث التي يذكرها الآن، ونبرة كلامه تجاه الأعَاظِم قد تغيّرت. فقلت: يا لَلْأسَف! يبدو أنّ دور تدمير هذا السيّد قد حان! مرّ قليل من الوقت، فتحوّلت القضيّة تدريجيًّا من تلك النبرة في الكلام، إلى السخريّة والاستهزاء والمزاح! رأيت: ما شاء الله! الآن أصبح جاهزًا للمغادرة، وقد آن الأوان؛ فبدأ بالسخريّة والاستهزاء! ـ أنتم جميعًا تعرفونه ـ. رأيت هناك أنَّ هذا المسكين قد رُخِّص له (بالذهاب). لم يمضِ الكثير من الوقت حتّى حدث ذلك تمامًا؛ ذهب ولم يَعُد! ﴿إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾، ﴿وَبِئسَ ٱلمَصِيرُ﴾٢

  • چون خدا خواهد كه پردۀ كَس دَرَد***مِيلش اندر طعنۀ پاكان بَرَد 
    1. المثنويّ المعنويّ، الكتاب ۱، البيت ٢۱۷.
    2. اقتباس من سورة الزمر، الآية ۷۱ وسورة آل عمران، الآيتان ۱٢ و۱٦٢.

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

15
  • ور خدا خواهد كه پوشد عيب كس***كم زند در عيب معيبان نَفَس 
  • چون خدا خواهد كه مان‌ يارى كند***مِيل ما را جانب زارى كند 
  • ای خُنُك چشمی كه آن گریانِ اوست***ای هُمايُون دل كه او بريان اوست
  • از پس هر گريه آخر خنده‌ایست***مردِ آخَر‌بین مبارك‌بنده‌ایست 
  • يقول:

  • إذا أراد الله تعالى أن يهتك ستر شخص، يجعله يميل إلى الطعن في الأطهار

  • وإذا أراد أن يستر عيب أحد، يجعل رغبته في السكوت عن عيوب الآخرين 

  • وبما أنّ الله تعالى أراد أن يُعيننا، فقد جعل رغبتنا في البكاء والابتهال إليه 

  • حبّذا لو يهبني الله عينًا باكية من خشيته، فكم هو سعيد ذاك القلب الذي يحترق لله 

  • فكلّ بكاء يوصل في نهايته إلى التبسّم، والناظر إلى نهايات الأمور هو عبد مبارك.

  • البكاء شيء جيّد جدًّا! فحال البكاء الذي ينشأ في الإنسان هو حال الرحمة والرأفة الإلهيّة التي حلّت بالنفس.

  • رثاء عليّ الأكبر عليه السلام

  • اليوم هو الثامن [من محرّم الحرام]؛ ويتعلّق بعليّ الأكبر عليه السلام. «السلامُ عليكَ يا أولَّ قَتيلٍ مِن نسلِ خَيرِ سَليلٍ»؛۱ أي: سلامنا على ذلك السيّد الذي نال درجة الشهادة قبل جميع أهل بيت سيّد الشهداء عليه السلام.

  • كما رأيتُ في الأخبار والتواريخ حول أصحاب وأهل بيت سيّد الشهداء عليه السلام، فإنَّ مقام ومكانة عليّ الأكبر في أحداث عاشوراء تأتي بعد سيّد الشهداء عليه السلام، حيث يمكننا أن نستفيد هذا الأمر من الكلمات التي وردت من الإمام عليه السلام حول عليّ الأكبر؛ فقد كان له عليه السلام مقام عظيم جدًّا!

  • لدينا في التاريخ أنَّه بعدما استُشهِد جميع الأصحاب ولم يبقَ أحد منهم، وبقي سيّد الشهداء عليه السلام وحده مع أهل بيته، جاء إليه عليّ الأكبر، وطلب منه الإذن بالقتال. في كلّ قضيّة عاشوراء، كلّ من جاء إلى الإمام ليطلب منه الإذن ـ سواء من الأصحاب أو من أهل البيت ـ، كان عليه السلام في البداية يرفض، ولا يأذن له؛ ولكن بالنسبة لحضرة عليّ الأكبر، لدينا أنَّه بمجرّد أن جاء إلى سيّد الشهداء لم يتأمّل حتّى! وقال له: «اذهب!». هذه القضيّة عجيبة جدًّا؛ إذ لم أرَ في أيّ موضع أنَّه عليه السلام قال: «انتظر»، بل جاء عليّ الأكبر إلى سيّد الشهداء عليه السلام، وقال له: «يا أبتِ! لقد ضاق صَدري. ائذن لي أن أكون أوّل من يذهب». ولدينا: «فَنَظَرَ إلَيهِ نَظَرَ آيِسٍ»؛٢ أي: نظر الإمام إليه نظرة يائسة. ثمّ قال له: «انطلق». فانطلق عليّ الأكبر. قرأ سيّد الشهداء عليه السلام هذه الآية: 

    1. مصباح الزائر، ص ٢٩٣؛ المزار الكبير، ص ٤۸۷؛ الإقبال، ج ٣، ص ۷٣.
    2. اللهوف، ص ۱۱٣.

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

16
  • ﴿إِنَّ ٱللَهَ ٱصطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمرَٰنَ عَلَى ٱلعَٰلَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ وَٱللَهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾۱

  • وهي الآية التي كان الأئمّة عليهم السلام يقرؤونها عندما يستدلّون بالقرآن الكريم من أجل إثبات إمامتهم. أي: إنَّ مقام عليّ الأكبر هو مقام الإمامة! بمعنى: لو تعلّقت المصلحة والمشيئة الإلهيّة بأن لا يصل عليّ بن الحسين الإمام السجّاد عليهما السلام إلى الإمامة بعد سيّد الشهداء، لكانت الإمامة قد وصلت إلى عليّ الأكبر.

  • فمن جهة، يقول له الإمام "انطلق"؛ ومن جهة أخرى، يقول عليه السلام: 

  • اللهُمَّ اشْهَد عَلىٰ هٰؤُلاءِ القَومِ فَقَد بَرَزَ إلَيهِم غُلامٌ أشبَهُ الناسِ خَلقًا وخُلقًا ومَنطِقًا بِرَسولِكَ؛ وكُنّا إذَا اشْتَقنا إلى نَبِيِّكَ نَظَرنا إلى وَجهِه!٢

  • لقد سطّر عليّ الأكبر عليه السلام ملحمةً في يوم عاشوراء! لدينا في التاريخ أنَّه قضى على مائة وعشرين من المُقاتلين! هل تعرفون من يُسمّى «مُقاتلاً»؟ هم الشجعان الذين يخرجون لمواجهة شخص بمفردهم. وليس أنَّ عليّ الأكبر ألقى السيف وقتلهم جميعًا [بصورة جماعيّة] منذ البداية، بل إنّه عليه السلام قتل مائة وعشرين مُقاتلاً؛ أي أنّهم جاءوا واحدًا تلو الآخر، وعليّ الأكبر كان يقتلهم.

  • «حَتّىٰ ضَجَّ الناسُ مِن كَثرَةِ مَن قُتِلَ مِنه»؛ أي: إلى أن ارتفع صوت ونحيب جيش عمر بن سعد من كثرة الناس الذين وصلوا إلى جهنّم بسبب عليّ الأكبر! عندئذٍ، تعالوا، وانظروا ماذا سيفعل به هذا الجيش عندما يسقط عن فرسه، وذلك بعد أن فعل بهم ما فعل؟!

  • «فَقَطَّعوهُ بِسُيوفِهِم إربًا إربًا».

  • جاء سيّد الشهداء عند ولده، وشاهد حاله، فوضع وجهه على وجهه، ورفع رأسه إلى السماء، وقال: «قَتَلَ اللهُ قَومًا قَتَلوكَ، عَلَى الدنيا بَعدَكَ العَفَاء»؛ 

  • ثمّ نادى: «يا ابن سعد، قطع الله رَحِمَك كما قطعتَ رَحِمي».٣

  • أراد أن يحمل عليًّا إلى خيام الحرم؛ لكن كيف يحمله؟! فالجسد المقطّع غير قابل للتحريك، ولا يستطيع أن يحمله وحده. فنادى: «يا فُتيانَ بَني هاشِم! هَلُمّوا واحْمِلوا أخاكم».٤

  • ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ آلَ محمّد صلّى الله عليه وآله ﴿أي مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾٥.

  • بِاسمِكَ اللّهمَّ نَدعوكَ ونُقسِمُ عليكَ ونَرجوكَ بِحَقِّ محمّدٍ وأهلِ بَيتِهِ الأطهارِ يا الله!

    1. سورة آل عمران، الآيتان ٣٣ و٣٤.
    2. راجع: الغارات، ج ۱، ص ۱٢٣؛ تفسير العيّاشي، ج ۱، ص ۱٦۸ ـ ۱۸۰ و٢۸۰؛ المسترشد في إمامة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ص ۱۰٩؛ دعائم الإسلام، ج ۱، ص ٣۰؛ تأويل الآيات، ص ۱۱٣.
    3. مقتبس من: مقتل الحسين عليه السلام، الخوارزميّ، ج ٢، ص ٣٤ ـ ٣٦؛ اللهوف، ص ۱۱٣؛ تسلية المجالس، ج ٢، ص ٣۱۱ ـ ٣۱٣، مع اختلاف يسير في المصادر.
    4. لمزيد من الاطّلاع على شهادة عليّ الأكبر عليه السلام، راجع: معرفة الإمام، ج ۱٥، ص ٢۷۷ ـ ٢۸۸.
    5. سورة الشعراء، الآية ٢٢۷.

الفَرْقُ بين الأوامر الإلهيّة التشريعيّة والتكوينيّة ودلالة آية السجود - لُزوم حَمْلِ فعل المؤمن على الصحّة ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

17
  • اللهمّ اغفر لنا وارحمنا ولا تتوفّانا قبل أن تغفر لنا، وامحُ جميع جرائم أعمالنا. اللهمّ لا تحرمنا من زيارة أهل البيت في الدنيا ومن شفاعتهم في الآخرة، ولا تَكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدًا. انصُر الإسلام والمسلمين، وأهلك الكفّار والمناوئين. اللهمّ اشفِ مرضى المسلمين، واغفر لموتاهم وارحمهم. عجّل في فرج إمامنا المهديّ عليه السلام، واجعلنا من المنتظرين الحقيقيّين والواقعيّين له عليه السلام.

  • بِالنبيّ وآلِه، وعَجِّلِ اللهمّ في فرجِ مولانا صاحبِ الزمان.

  •  

  • اللّهُمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد.