المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةطلاب العلوم الدينية
التوضيح
هل تساءلت يومًا عن الفرق الجوهريّ بين العلوم الدنيويّة والعلوم الإلهيّة؟ ولماذا تستغفر الكائنات، حتّى الحيتان في البحر، لطالب العلم؟ وما هي الآثار المُدمّرة لطلب العلم المجرّد عن تزكية النفس والأخلاق؟ وكيف يجب على طالب العلم أن يدرس ويتعامل مع الآراء العلميّة بشجاعة دون التأثّر بهيبة الأسماء؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مبيّنةً أسرار بقاء العلماء وخلودهم، ومسلّطةً الضوء على أهميّة استحضار النيّة الخالصة لله والتأسّي المطلق بالمعصومين الأربعة عشر عليهم السلام في مسار تحصيل المعارف الدينيّة.
هو العليم
فضل تحصيل العلوم الإلهيّة وخلود العلماء الحقيقيّين مقارنةً بطلاب الدنيا
ضرورة تزكية النفس ومراقبتها قبل طلب العلم لتجنّب الانحراف والضلال
مباني الإسلام، وظائف طلاّب العلوم الدينيّة، المحاضرة الثالثة
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا وحبيب إله العالمين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
رواية في فضل تحصيل العلوم الدينيّة
الحمد لله تعالى، الرفقاء أنفسهم على دراية وعلم بالمطالب والمسائل التي تتناسب مع هذا المجلس، وهم واقفون على أهمّية هذه المسألة. ولكن، من باب تفضّلهم، ولكي أكون قد حجزتُ لنفسي مكانًا في هذا الجمع، فإن بدت لي مسألة، سأعرضها بين يدي الإخوة.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «هَلَك خُزّانُ الأَموالِ وهُم أحياءٌ، والعُلَماءُ باقونَ ما بَقيَ الدَّهر».۱
ما هو معنى كلام أمير المؤمنين هذا؟
نقل صاحب المعالم رحمه الله في مقدمة كتابه المعالم عدّة روايات عن رسول الله صلى الله عليه وآله وغيره حول فضل العلم.٢ وفي إحدى هذه الروايات، ورد أنّ: النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله كان يمرّ في المدينة، فرأى جماعة يلتفّون حول شخص، ويُبالغون في احترامه. فتقدم النبيّ، وقال [ما معناه]: «ما هذا؟ ما الخبر لكي تجتمعوا؟ ما القضية؟» قالوا: «علاّمة.. هذا الرجل علّامة!». فقال: «وما العلاّمة؟»، قالوا: «هذا الرجل عالم وعارف بأجداد العرب وأنسابهم وقبائلهم وعوائلهم، ومن هو ابن من؟». فقال النبيّ صلى الله عليه وآله [ما مفاده]: «العلم هو العلم بالاعتقادات أو العلم بالأحكام والفروع!»؛ أي: العلم بالدين والمبدأ والمعاد. «وما خلاهنّ فهو فضل؛ أي: والبقيّة كلّها زيادات لا تستحقّ الاهتمام!»٣و٤
كيفيّة استغفار الملائكة لأهل العلم
وكذلك ورد في رواية أخرى أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال: «إنَّ المَلائِكةَ لَتَضَعُ أجنِحَتَها لِطالِبِ العِلم». والعجيب هنا أنّ النبيّ يقول في تتمّة الرواية: «وإنَّهُ يَدعُو [يَستَغفِرُ] لِطالِبِ العِلمِ مَن في السَّماءِ ومَن في الأرضِ، حَتَّى الحوتِ في البَحر.»٥ فكلّ الأفراد والكائنات في السماء والأرض ـ حتّى الأسماك في البحر ـ يدعون لطلاّب العلم، ويسألون الله لهم التوفيق.
توضيح وتبيين رواية «وإنَّهُ يدعُو [يستَغفِرُ] لِطالِبِ العِلمِ…»
هذا الكلام الذي يذكره رسول الله ليس مزاحًا أو مبالغة! ربّما يقول قائل: «وما علاقة سمكة في بحر جزر سرنديب٦ أو المحيط المتجمّد الشماليّ بطالبِ علمٍ يدرس في قمّ؟!»، ولكنّ الإخوة والرفقاء عندما يدخلون في المباحث الاعتقاديّة إن شاء الله، ويتطرّقون للمسائل الفلسفيّة والعرفان النظريّ، سيرون هناك أنّه في عالم النفوس وعالم المثال، لا يوجد مجال لبُعد المسافة والبُعد المكانيّ! فتلك السمكة في المحيط الأطلسيّ هي من حيث القرب منّا كأحد أفراد هذا المجلس، ولا فرق من هذه الناحية؛ وإن كانا من حيث البعد المكانيّ والجسمانيّ في نقطتين بعيدتين عن بعضهما.
إنّ نبيّ الله وأئمّة الهدى لم يكونوا يتحدّثون جزافًا، ولم ينطقوا بكلام لا قيمة له أو عن هوى! فإذا كان في الدنيا كلام ذو قيمة، فهو الكلام الصادر عن المعصومين الأربعة عشر.
أهداف الشباب الآن في رسم المستقبل!
ما هي هذه المسألة التي تُقرّر بهذا النحو؟ ولماذا الأمر كذلك؟! إذا أردنا أن ندرس هذه المسألة بشكل بسيط وعامّي جدًّا، فإنّنا نقول: إنّ المسألة المهمّة في حياة الناس هي كسب المال وتأمين المعيشة. انظروا الآن إلى أولئك الذين يدرسون في الثانوية، ما هو هدفهم بأكمله؟ هو أن ينجحوا في امتحان القبول، ويدخلوا الجامعة.
يقولون: إنّ هناك أربعة أمور تحظى باهتمام كبير لدى الشابّ:
الأوّل: دخول الجامعة.
الثاني: إيجاد وظيفة بعد التخرّج من الجامعة؛ لأنّه عندما يتخرّج منها، فإنّ المال لا يهبط عليه من السماء، بل يجب أن يذهب للعمل في مكان ما.
الثالث: أداء الخدمة العسكريّة.
الرابع: الابتلاء بالزواج الذي هو أكبر نعمة!! إذا قسمه الله للإنسان، فنسأله تعالى أن يقسم له الأفضل؛ ونسأله عزّ وجلّ أن يُوفّق من لم يُقسم له بعد.
كان السيّد الحدّاد رحمه الله يقول: السالك الذي تُرزق له زوجة صالحة، يكون قد نال أكبر حظّ!
هذا ما كان يقوله السيّد الحدّاد. طبعًا، هذا الحظّ لا يناله أيّ أحد! ـ بالنسبة لنا فقد فات الأوان ـ ولكن، إن شاء الله يكون من نصيبكم!
أي: تصوّروا ما هي أفكار وآمال وأمنيات الشابّ الذي يريد دخول الجامعة؟ هي أن يدرس بضع سنوات في الجامعة ليحصل على عمل. حسنًا، إذا ذهب شخص ما ـ على سبيل المثال ـ ودرس دورةَ طِبٍّ عامٍّ لمدّة أربع سنوات، ثمّ درس سنتين في دورة التخصّص، وثلاث سنوات في دورة التخصّص الدقيق، فالمجموع يقارب عشر سنوات. ولكن بعد ذلك، يُقال له: «يا سيّد، إنّ مهنة الطبّ هذه التي درستها ليس لها أيّ وجود خارجيّ على الإطلاق! فقد ظهر الجهاز الفلانيّ، ووصلنا من الناحية التكنولوجيّة إلى حدّ جعل عملك هذا من دون أيّة نتيجة!»، فماذا سيفعل في هذه الحالة؟! هل هو مجنون ليذهب ويدرس هذا التخصّص؟! إنّ الشخص الذي يذهب، ويدرس لعشر سنوات، إنّما يفعل ذلك لكي يُؤمّن حياته في مقابل هذا الأمر! أو ذلك الشخص الذي يدخل كلّية الهندسة المعماريّة، ويدرس الدورة العامّة لعدّة سنوات، ثمّ الدورة التخصّصية، ويتنقل إلى هنا وهناك لتفقّد الأبنية؛ وخلاصة القول، يصل من حيث التصميم والمعمار إلى مرتبة تُتيح له الإبداع في تصميم المباني بأشكال مختلفة؛ فإذا قيل لهذا السيّد: «لقد انتهى زمان هذا النوع من أعمالك، وكلّ هذه التصاميم موجودة [ولا حاجة لتصميمك]!»؛ وطبعًا، الوضع الحالي هو كذلك؛ لأنّ الكثير من الذين يدخلون كلّية الهندسة المعماريّة يُنفّذون نماذج من تصاميم جاهزة. لهذا، لا تتعجّبوا كثيرًا! لأنّ لديهم الكثير من هذه المجلاّت (الكتالوجات)، فيأخذون واحدًا ويرسمونه، ويقولون: نعم، نحن من رسمناه! في حين أنّ كلّ هذه الأشياء ـ مثل الأبواب، والنوافذ، وأماكن أسلاك الكهرباء والمياه، وبشكل عامّ كلّ التصاميم المختلفة للمنزل بكافّة أبعادها ـ موجودة في هذه المجلاّت. هو فقط يأخذ الورقة، وينقل ذلك التصميم عليها، ثمّ يتقاضى ـ فرضًا ـ مليونًا، ويقول: «نعم، كم قاسيت وتعبت وفعلت كذا وكذا!».
لذلك، إذا قيل له: يا سيّد، إنّ الناس لم يعودوا يرجعون إليك أصلاً، بل يُراجعون هذه المجلاّت! سيقول: «هل فقدتُ عقلي لأصرف كلّ هذا المال، وأتعب خمس أو ستّ سنوات، ثمّ لا تترتّب على ذلك أيّة نتيجة!». وبقية الحرف والصناعات هي كذلك أيضًا؛ كلّها من أجل تسيير أمور الحياة!
تنافي تحصيل العلم الإلهيّ مع كنز الأموال
لكنّ الحرفة والانشغال الوحيد الذي لا يكون تفكير صاحبه ـ منذ البداية ـ متّجهًا نحو كنز الأموال وجمع الثروة، هو دراسة العلوم الإلهيّة والاشتغال بها! هل نيّة طالب العلم عندما يريد الدخول في العلوم الإلهيّة هي أن يُصبح غدًا قاضيًا ليجني المال من قضائه؟! أو أن يُصبح غدًا خطيبًا منبريًّا يُدعى للمجالس، ويُعطى مبلغًا معيّنًا كلّ عشرة أيام؟! أو أن يُصبح غدًا كاتبًا ينشر كتبَه، ويصل من خلال نشرها إلى الثراء؟! أو أن تُوكل إليه إمامةُ مسجد، فيعمر حياته بجمع المريدين؟! هل المسألة كذلك؟!
إذا كان الأمر كذلك، فهو كغيره، ولم يختلف عنهم! أم أنّ طالب العلم عندما يريد التوجّه للعلوم الإلهيّة، يكون جلّ نظره هو: أن أرى ما هو ديني وعقيدتي، وما هي المسائل التي يحتاجها الإنسان لتكامله؟! هذا فقط! ثمّ إذا استفاد الآخرون لاحقًا من هذه المُكتسبات، فتلك مرتبة أخرى. في المرحلة الأولى، يجب على الإنسان نفسه أن يعرف: مَن هو وما هو؟ وأين هو وما هو مآله؟ وما هي التعليمات التي قدّمها الواصلون إلى السعادة الأبديّة في هذا المجال؟
هذه المسألة لا تُوجد في كلّية الطب والعمارة والهندسة والنجارة والحدادة! بل تُوجد في الحوزة ومن خلال حضور الدروس والمطالعة والدقّة، ثمّ مطالعة كلمات الأئمّة عليهم السلام والعمل بالوصايا التي وصلتنا عنهم!
العلم أفضل أم الثروة؟
لهذا، يقول أمير المؤمنين: «هَلَك خُزّانُ الأَموالِ وهُم أحياءٌ.» أي أنّهم وإن كانوا أحياء، فقد هلكوا! لقد أضاعوا أعمارهم في جمع المال! وهل المال يُؤكل؟! افترضوا الآن أنّهم حوّلوا هذه الباحة بأكملها إلى عملات ذهبيّة، وصنعوا منها تلاًّ! هل يُمكنكم أكلُها؟! إذا أكلتم بعضًا منها ستموتون! ستعلق في الأمعاء، ويموت الإنسان!
نقول: «نضعها في البنك وندّخرها!». حسنًا، هذه الأموال في البنك، فما علاقتي بها؟! أو نقول: «نبني بهذه الأموال بستانًا؛ نشتري أراضي في الشمال والجنوب ونبني مصايف ومشاتي!». حسنًا، لقد بنيتم؛ ولكن، ماذا يفعل هؤلاء الذين يمتلكون مصايف في الشمال؟! إنّهم جالسون في إحدى المدن، ويفرحون بأنّ لديهم مصيفًا في المكان الفلانيّ!
قصّة ذات عبرة في أحوال الدنيا
يمتلك الكاتب المصري "المنفلوطي" كتابًا، وهو ليس رواية خياليّة، بل حوّل فيه حكايات واقعيّة إلى شكل روايات. لقد قرأت هذه الحكاية، وطالعتها منذ وقت طويل جدًّا؛ والحكاية هي:
كان هناك قصر فخم وعظيم جدًّا في القاهرة، وكنت أنا شخصيًّا أعرف صاحب هذا القصر. كان لهذا القصر بستان، ويا له من بستان! ويا لها من أوضاع وتجهيزات! (ثمّ يشرح مواصفات هذا القصر مستعرضًا:) مَن كان صاحبه، وماذا فعل، وكيف كانت حياته، وأنّه كان لديه بستانيّ وحارس!
يمرض صاحب هذا المنزل والقصر شيئًا فشيئًا؛ وفي إحدى الليالي، يأتيه صديقه لعيادته. يبدأ هذا الشخص بالشكوى قائلاً: «الآن وقد مرضتُ، جئتَ أنت لزيارتي، لكنّ زوجتي ليست في المنزل! هؤلاء يُريدونني طالما كنتُ سأنفعهم؛ ولكن، عندما لا أعود أنفعهم، يتركونني!»
يبدأ بسرد هذه المسائل لصديقه واحدة تلو الأخرى ويشرحها. ثمّ يسأله: «برأيك، من الذي ينتفع ويستفيد من هذا القصر والبستان؟!»
فيُجيبه صديقه: «هل تظنّ أنّك أنت من تستفيد؟! أنت الآن طريح الفراش، ولا يُعلم إن كنت ستعيش لساعة أخرى أم لا! هل يستفيد أبناؤك؟! أبناؤك أيضًا ليسوا هنا الآن، بل هم متفرّقون هنا وهناك! هل تستفيد زوجتُك؟! هي أيضًا تتنقل إلى هنا وهناك في مجالس اللهو والطرب، وتُمارس اللهو بعيدًا عنك وعن عينيك!».
يقول صاحب البيت: «إذن، من هو الشخص الذي يستفيد فعليًّا الآن من هذا القصر والبستان؟».
يُجيبه صديقه: «ذلك البستانيّ وزوجته اللذان يعتنيان بالبستان في الباحة! هما من يستمتعان بالبقاء في هذا القصر. أنت تعبت طوال عمرك؛ والآن، تحمل في قلبك حسرة الحصول على هذه الأشياء! سترحل عن هذه الدنيا، بينما زوجتك وأبناؤك كلّ منهم في جهة، ثمّ يأتون، ويستولون على هذا البيت! الشخص الذي يستمتع في البين الآن، هو هذا البستانيّ الذي يعمل هنا كحارس وبستانيّ مع زوجته، وهما سعيدان ولا يُباليان بشيء! سواء متّ أنت الآن أم لم تمت، سيقولان: نحن نقوم بعملنا كبستانيين، ولا شأن لنا بكلام صاحب البيت! لهذا، فالشقاء من نصيبك أنت!».۱
نتيجة وثمرة كنز الأموال
لهذا، يقول أمير المؤمنين: «هَلَك خُزّانُ الأموال»؛ أي: خزّان الأموال ومدّخروها هم الآن في هلاك!. يُضيّعون أوقاتهم ليجنوا المال؛ والمال لأجل ماذا؟! لأجل أن يتركوه للورثة، لكي يأتوا ويأكلوه! المال لأجل ماذا؟! هو من أجل تدمير الصحّة، وإهدار الإمكانات، والوقوع في المهالك والمخاطر!
الشخص الذي يملك المال يقع في المخاطر والمهالك بشكل أكبر! يكون أكثر بروزًا أمام الأعين، وأكثر عرضة للاهتمام! اللصوص يُلاحقونه أكثر! والمبتزّون يُهدّدونه أكثر! هل رأيتم يومًا أنّهم اختطفوا طفلاً فقيرًا، وقالوا: يا سيّد، تعال وادفع هذا المبلغ من المال؟! دائمًا ما يذهبون إلى الأثرياء؛ يجدون طفلاً ثريًّا، يختطفونه، ثمّ يتّصلون قائلين: يا سيّد، يجب أن تدفع المبلغ الفلانيّ! هل حدث يومًا أن تمّ تهديد شخص فقير أو متوسّط الحال ويعيش حياة عادية، وقيل له: تعال وادفع هذا المبلغ؟!
لهذا، فإنّ هؤلاء يُضيّعون أعمارهم ويكسبون مالاً؛ وعند الموت، يجب عليهم التخلّي عن كلّ تلك الأموال التي جمعوها بشقّ الأنفس، ويرحلون عن هذه الدنيا بمترين من القماش فقط! متران من القماش! فيا ليت المسألة تنتهي عند هذا الحد! فما زال هناك حساب وكتاب وسؤال "من أين لك هذا" في الطرف الآخر! «مالُ مَن سرقتَ؟ حقُّ مَن أخذتَ؟ طريقُ مَن سددتَ من أجل الوصول إلى هنا؟»؛ لأنّ الأمر لا يُنال هكذا ببساطة! بل يُعيقون نشاط الآخرين ليصلوا هم إلى هذه المنافع! هكذا هي المسألة! والآن، يجب أن يذهبوا إلى هناك فردًا فردًا، والهراوات جاهزة، والملائكة في الانتظار يعدّون الثواني ليُشرّف السادة بالمجيئ إلى هناك، ويقولون: تفضّلوا، فلدينا شأن مع كلّ واحد منكم!
تأثير علوم آل محمّد على العلماء الحقيقيّين
وأمّا بالنسبة لـ «والعُلَماءُ باقونَ ما بَقيَ الدَّهر»، فلا يُطلق "الدهر" على عالم المادّة، بل يُطلق على جميع العوالم؛ أي ما دام الله إلهًا! هذا هو خلاصة معنى الرواية. لماذا؟ لأنّ العالِم قد اكتسب وجودًا لا يتغيّر بتغيّر الأوضاع والأحوال وتبدّلها! إن كان مريضًا أو سليمًا فهو عالِم؛ وإن حظي باهتمام الناس أو تجاهلهم فهو عالم؛ وإن كان فقيرًا أو غنيًّا فهو عالم. وسواء كان في هذه الدنيا أو في عالم الآخرة والبرزخ والقيامة، فإّنه يحمل حقيقة العلم معه وهو عالم؛ لهذا، فهو عالم في كلّ حال! أي أنّ وجوده قد عاد إلى حقيقة العلم وتحوّل إليها. وبالطبع، المقصود هو العلم الذي يكون بالنحو الذي ذُكر؛ أي علوم آل محمد! لا العلم الذي ـ كما ذكرت ـ هو لأجل الدنيا! لأنّ ذلك يُعدّ أيضًا من كنز الأموال، ولا فرق بينهما.
عناية الله في تحصيل العلم الحقيقيّ
هذا العلم ـ الذي يتمثّل في الوصول إلى حقيقة عالم الوجود، وعلم معرفة الله والتوحيد ـ هو علم يرتبط بجميع ذرّات عالم الوجود؛ أي أنّ الإنسان قد تمسّك بنقطة تمسّكت بها جميع ذرّات عالم الوجود! لذا، عندما يسعى شخص وراء هذا العلم، فإنّ جميع كائنات العالم تدعو له، وتسأل اللهَ له التوفيق.
على سبيل المثال، أنتم جالسون في الدرس وتنتبهون؛ هل فكرّتم يومًا أنّ هذا الانتباه الذي حصل لكم، وتُدركون من خلاله المسائل، هو ببركة دعاء بعض الأشخاص لكم؟! هل فكّرتم يومًا أنّ المشاكل التي تُواجهكم في المسائل العلميّة والاعتقاديّة، ثمّ تُحل من تلقاء نفسها، من أين أتت؟! هي من تلك الدعوات التي رفعها البعض، فانحلّت المشكلة فجأة! هل التفتّم يومًا إلى أنّ تيسير الله الأمور لكم، بحيث تدرسون الآن براحة بال وبلا قلق، من أين جاء؟! هذا عبارة عن تضافر سلسلة من العلل والأسباب التي مهّدت لكم هذه الأرضيّة، وإلاّ، لما تمهّدت!
من هذا المنطلق، يجب أن نعرف قدر أنفسنا! أوّلاً، أن نعلم أنّنا وطئنا مكانًا لا يمنح الله السعادة [بالتواجد فيه] لأيٍّ كان! لقد حدث أن تحدّثتُ أنا شخصيًّا مع أحد الأفراد ما بين عشرين إلى ثلاثين ساعة؛ وفي النهاية، لم يصبح طالب علم! وعندما رأيت أنّ هذا الشخص لن ينال هذه السعادة، تركته! اعلموا أنّ هذه السعادة التي قسمها الله لكم، لن تكون من نصيب إلاّ القليل من الأفراد؛ والسبب في ذلك واضح.
بدءًا مني شخصيًّا، ووصولاً إلى جميع الحاضرين هنا! حقًّا، لو لم يأخذ والدي رحمه الله بيدي، ولم يُدخلني في هذا المسار، ولم تُكتب لي السعادة والتوفيق الإلهيّ، لما كنت هنا قطعًا! بل لكنت الآن ضمن هؤلاء الأفراد في دول أوروبا هنا وهناك! قطعًا، لكان الأمر كذلك!
أنا أعتبر وضعي الحالي هذا حقًّا توفيقًا من الله وسعادة منه، ولا أستطيع أن أوفّيه حقّه من الشكر! وطبعًا، كان هناك أخذ والدي رحمه الله بيدي؛ فهو حقًّا له حقّ الحياة عليّ، ولا شكّ في هذه المسألة! كما أنّ له حقّ الحياة على الكثير من الأفراد الآخرين وعليكم أنتم أيضًا؛ فلا تظنّوا أنّ له حقّ الحياة عليّ فقط لأنّني ابنه! بل أنتم أيضًا لو لم تتعرّفوا على منهجه ومدرسته، لما كان وضعُكم هكذا! رغم أنّكم كنتم قد تسلكون هذا الطريق، ولكن ـ كما ذكرت ـ بِنِيّة أن تُصبحوا قضاةً أو أئمّة مساجد، أو بِنِيّة نيل الشهرة، أو بِنِيّة أن تُصبحوا مُمثّلين ومدراء في المؤسّسات وما شابه، أو بِنِيّة التبليغ! وكلّ هذه الأمور خارجة عن دائرة اتّباع أوامر ولاة الأمر وتوجيهاتهم.
إنّ تلميذ الإمام الصادق عليه السلام يجب أن يُفكّر في الإمام الصادق فقط لا غير، ولا ينبغي له التفكير في أيّ شخص آخر!
سبب الحاجة إلى العلوم الدينيّة مقارنة بالعلوم الأخرى
هذا التوفيق الذي قسمه الله لكم الآن، فأدخلكم في مثل هذه المرحلة، لماذا لا يكون من نصيب غيركم؟! أليس هناك أفراد آخرون في العائلة؟! تقول الأمّ: «لا! لماذا يُصبح ابني رجل دين؟! ليذهب ويصبح طبيبًا أو مهندسًا! لدينا كلّ هؤلاء المشايخ والخطباء! كم رسالة عملية نحتاج أصلاً؟! شخص واحد يكفي! يجب أن يُصبح طبيبًا ليخدم الناس!»؛ في حين أنّ عيادات الأطبّاء معطّلة، ولا أحد يذهب إليهم! ومع ذلك تقول: ليُصبح طبيبًا! تقول: «ليأتِ، ويخدم الناس! وهل خدمة الناس تقتصر فقط على لبس العمامة وذكر الأحكام والرسالة العمليّة؟!»؛ في حين أنّ هذه المسكينة لا تعلم أنّ مسألة خدمة الناس هي مسألة أخرى، وأنّ هذا العلم هو للإنسان نفسه في المقام الأوّل!
أي: دعوني أقول لكم هذا: إذا نُفينا إلى قرية، وقيل لنا: «يا سادة، ستبقون هنا لخمسين سنة قادمة، ولن نسمح لكم بالخروج أو التواصل مع أحد!»، فإذا كانت هذه الكتب والدروس موجودة هناك، ألن نُطالع هذه الكتب؟! ألن نقرأ روايات الإمام الصادق؟! ألن نفتح "أصول الكافي"، ونُطالع الروايات الواردة عن الأئمّة؟! أم أنّنا سنقول: يا سلام! لقد وجدنا فرصة ومجالاً، ولا أحد يأتي إلينا، فلننظر الآن ماذا قال الإمام الصادق والإمام الباقر!
ولكن، إذا حدث نفس الموقف لطبيب، وحُبس في قرية وقيل له: ستبقى هنا حتّى آخر عمرك! فماذا سيفعل بكتب الطبّ حينها؟! سيضطرّ لإشعال الحطب بها! فلن تكون لها فائدة، وانتهى الأمر. حتّى لو كان لديه كتب تصل إلى السقف! الكتاب الذي لا يُمكن ممارسة الطبّ به، ما نفعه؟! سيضطرّ لوضع الكتاب في الشتاء بدلاً من الحطب لإشعال المدفأة.. انتهى الأمر! ولكن، نحن لا، بل سنقول: إنّنا وجدنا مكانًا هادئًا لنتمكّن من قراءة روايتين عن الإمام الباقر، ونرى ماذا قال عليه السلام! هذا هو الفرق بين القضيّتين.
لهذا، يقول أمير المؤمنين: «هذا العالِم أبديّ ودائم!»، ولكنّ العلوم الأخرى لا! هي مؤقّتة. فإذا توفّرت الأرضية، كان لعلمها فائدة؛ وإذا لم تتهيّأ الأرضيّة، فلن ينفع علمه؛ سيبقى مكتوف الأيدي ينظر هكذا فحسب.
حكاية الطبيب الذي لم يكن لديه مُراجِعون
يقولون: ذهب شخص إلى عيادة طبيب كان قد افتتح عيادته للتوّ، ولم يكن لديه زبائن، ولا يأتي إليه أحد! هذا الدكتور كان يُمسك سمّاعة الهاتف بيده؛ وأحيانًا، بمجرّد وصول زبون، كان يبدأ فورًا بالتحدّث بالهاتف! مع أنّه لا يوجد أحد [على الطرف الآخر]، لكنّه كان يبدأ بالتحدّث بالهاتف؛ ليوهم الناس بأنّه مشغول جدًّا! وكانت السكرتيرة تجلس هناك، وتقول: انتظروا! السيّد الدكتور يتحدّث، لديه مؤتمر وطاولة مستديرة! انتظروا حتّى ينتهي. وهؤلاء أيضًا كانوا يجلسون، ثم يأذنون لهم، ويقولون: تفضّلوا!
ذات يوم، ذهب شخص إلى هناك، وبعد أن جعلته السكرتيرة ينتظر ربع ساعة في غرفة الانتظار، قالوا له: تفضّل! دخل ورأى: نعم، الدكتور مشغول بالحديث، وهو مشغول جدًّا لدرجة أنّه لا يملك فرصة للنظر أبدًا! أي أنّ البحث حامٍ جدًا! بعد خمس دقائق، وضع السمّاعة، وقال: تفضّل، ما هو مرضك؟! قال: يا سيّدي، أنا لست مريضًا، أنا مأمور شركة الاتّصالات، وجئتُ لأقوم بتوصيل سلك الهاتف!
هذه القضيّة التي أقولها حقّ وليست كذبًا! هذه القضيّة حدثت في زمن الشاه في طهران، وكان أحد معارفنا ينقلها. هكذا هي أوضاع هؤلاء!
كلام العلاّمة الطهرانيّ رضوان الله عليه حول العلماء
النقطة المهمّة هنا هي: كيف يتلقّى الإنسان ذلك العلم وقضايا الدين؟ وكيف يتعلّمها؟ هذا هو المهمّ.
قلنا: يجب أن تكون النيّة لله، وكلّ هذه الأفكار حول ما إذا كان أحدٌ سيتّبع الإنسانَ لاحقًا أم لا، كلّها أفكار شيطانيّة! وما أقوله لكم هو لأنّكم في بداية الطريق، ولم تقعوا بعد في خضمّ هذه المسائل، وإن شاء الله لن تقعوا! ولكنّني رأيت قضايا ومطالب كثيرة، من المسائل التي تجعل الإنسان يثوب إلى رشده، ويُفكّر في نفسه.
أنقل لكم كلامًا عن العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه، ولتبقَ هذه العبارات في بالكم. كان يقول: قبل أن أذهب إلى قمّ، كانت رؤيتي تجاه أهل العلم أنّهم جميعًا قدّيسون وذوو قيمة وأصحاب مقام واعتبار، بحيث لا ينبغي لأحد أبدًا أن يتجاوز حريمهم، وأنّهم جميعًا مبرّؤون وبعيدون عن مسائل الدنيا. ولكن، عندما ذهبتُ إلى قمّ، وخصوصًا إلى النجف ـ حيث صار الأمر أسمى! ـ أدركتُ أنّ بعض هؤلاء الأفراد هم في مرتبة لا يستطيع الإنسان من عظمتها ومرتبتها وجلالها أن يُشير إليهم، أمثال العلاّمة الطباطبائيّ رضوان الله عليه الذين يقفون في تلك النقطة؛ ومن جهة أخرى، فإنّ بعضهم واطئون وسوقيّون لدرجة أنّ الإنسان لا يستطيع من هذه الجهة أن يُشير إليهم، ويقول: إنّ هؤلاء بشر أصلاً!
بمعنى أنّ الأفراد يقعون تمامًا في نقطتين متقابلتين، وبين كلّ منهما مراتب! في حين أنّ كلاهما جاءا من مكان واحد، وكلاهما درسا درسًا واحدًا، وكلاهما رَأَيَا أستاذًا واحدًا؛ حتى الأفراد الذين كانوا من أهل العلم وأهل الفضل!
العلاّمة الوحيديّ نموذج من العلماء بلا عمل
هل المراجع الذين كانوا على ارتباط مع السافاك ومع الشاه في زمن الشاه كانوا أفرادًا عامّيين؟! هؤلاء كانوا مجتهدين، مراجع، أصحاب فتوى!
العلاّمة الوحيديّ عندما جاء إلى إيران، كان يحمل ثماني عشرة إجازة اجتهاد من مراجع النجف الكبار أمثال السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ والنائينيّ وآقا ضياء العراقيّ وشيخ الشريعة الأصفهانيّ رحمهم الله! حينما جاء إلى كرمانشاه، ورفع رضا شاه الحجاب، كان أوّل من شكّل مجلسًا، وأحضر زوجته سافرة (بلا حجاب) في ذلك المجلس في كرمانشاه! وكثير من علماء كرمانشاه هؤلاء نزعوا العمامة، وأحضروا نساءهم بلا حجاب في ذلك المجلس! هل تلتفتون؟ هكذا كان الأمر!
المؤيّد للظلم يُحشر مع الظالم
في كثير من الأماكن الأخرى أيضًا، كان الوضع هكذا. بعض الأفراد الذين كانوا موجودين حتّى بعد الثورة، ورحلوا عن الدنيا، كانوا أفرادًا لديهم في زمن الشاه علاقة وصلة بالشاه وجهاز المخابرات والأمن، وكانوا يُؤيّدونهم! أي: كانوا يُؤيّدون الظلم والفسق! أجل، هكذا كانوا.
بالطبع، الظلم هو ظلم في أيّ مكان وفي أيّ مجال كان؛ سواء الآن أو سابقًا.. لا فرق أبدًا! الظلم ظلم، ولا فرق بين زمن الشاه، وزمننا الحالي. كلّ من أيّد الظلم في الزمن الماضي، يحشره الله في زمرة الظالمين والمعاندين؛ وكلّ من خالف الظلم في ذلك الحين ـ سواء بالبيان أو القدم أو القلم ـ يحشره الله في زمرة مُؤيّدي الدين. والآن أيضًا، الأمر كذلك: من يُؤيّد الظلم يُحشر مع الظالم، ومن يُخالف الظلم ويُريد بيان دين رسول الله صلّى الله عليه وآله ـ كما هو، لا كما تُمليه الأذواق على الإنسان! ـ فسيكون من المُؤيَّدين ومن زمرة الأفراد المشمولين بهذه الروايات.
تأسّي الطالب بالمعصومين الأربعة عشر في بيان الحقّ
هذا ما يخصّ العلم والنيّة. والآن وقد جئنا إلى هنا، يجب أن ننتبه لهذه القضيّة: ماذا يجب أن نفعل؟ ولمَن يجب أن نصغي؟ ومسألة مَن يجب أن نقبل؟ وأيّ نهج وطريقة نعتمد لنهجنا وطريقنا؟
نحن هنا لا نعرف أحدًا غير الإمام الصادق عليه السلام! طالب العلم لا ينبغي أن يعرف أحدًا غير الإمام الصادق عليه السلام؛ أي: المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام فقط! طالب العلم لا ينبغي أن يعرف أحدًا غير إمام الزمان عليه السلام؛ أيًّا مَن كان [غيره]! نحن لا نعتبر مالِكَ أمرِنا إلاّ إمام الزمان عليه السلام فحسب، وانتهى الأمر! منذ باء «بسم الله» التي نبدأ بها، يجب أن نكون بصدد البحث عمّا يُريده الإمام منّا: أيّ قولٍ وأيّ فعل يُريده الإمام منّا، أيّ نوع من الدراسة وأيّ نوع من المعاشرة يُريدها الإمام منّا! يجب أن نضع هذا دائمًا في الحسبان، فَليُعجب ذلك من يشاء، وليُسخط من يشاء! على الطالب أن يلتفت فقط إلى أنّ الذين سيُخاطبونه يوم القيامة هم المعصومون الأربعة عشر عليهم السلام ولا يمكن ذلك لأحد غيرهم!
ذات مرّة، كنت أطرح بعض المسائل في بعض المجالس. جاء بعضهم، وقالوا: يا سيّدي، هذه المسائل التي تطرحونها ربّما لا تروق للكثيرين!
ـ قلتُ: حسنًا، فليكُن ذلك!
ـ قالوا: يا سيّدي، قد تحدث لك مشكلة!
ـ قلتُ: حسنًا، فلتحدُث مشكلة!
بمعنى: هل تُريدون منّي ألاّ أذكر مسائل الحقّ التي تبدو لي حقًّا؟! الآن، إذا بَدَت لِشخصٍ آخر بشكل آخر، فليأتِ ويُبيّنها! هل منعتُ الآخرين من الكلام؟! الحمد لله، من الصباح حتّى المساء، هناك كلّ أنواع الكلام، ولا يوجد أيّ إشكال أو مانع. حسنًا، فلأتكلّم أنا أيضًا ساعة كلّ أسبوعين [وليكُن لدينا مجلس شرح حديث عنوان البصريّ]!
على الطالب أن يضع نُصب عينيه فقط وفقط الإمام المجتبى والإمام السجّاد والإمام الصادق وإمام الزمان عليهم السلام. الأئمّة عليهم السلام ذكروا روايات، فليعتبرهم حاضرين، وليعتبرهم شهودًا على أحواله، وليكُن مراده فقط الوصول إلى الكمال العلميّ والدينيّ والروحيّ.
طالبو العلوم الإلهيّة في نظر الأنصاريّ الهمدانيّ رضوان الله عليه
كان المرحوم الأنصاريّ يقول مرارًا: بالنسبة للذين يطوون طريق الله وهم طلاب علوم دينيّة، يكون طيُّ هذا الطريق بالنسبة إليهم أسهلَ بكثيرٍ مقارنةً بأولئك الأفراد الذين ليس لديهم اطّلاع على هذه المسائل والمعارف؛ لأنّ هؤلاء يطوون هذا الطريق بالمصباح!
نقل المكاشفات والمنامات الكاذبة
ونحن بعد زمان العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه، أدركنا هذه المسألة بوضوح، وكيف جاء هؤلاء العوامّ، وذهبوا في التيه بسبب قضايا فارغة وواهية! التيه! أمّا إذا نوّر الله قلبَ الإنسان لكي يتمكّن من إيجاد حقيقة الطريق الذي استقاه من هذه المدرسة على شكل مبادئ، فلن يتمكّن أحد بعد ذلك من خداعه وتضليله!
[قالوا لي]: «يا سيّدي، لقد رأيتُ في المنام أنّهم قالوا لكم افعلوا هذا العمل!»
ـ قلتُ: ألم يكن لدى ذلك الشخص لسانٌ، ليأتي هو بنفسه في منامي، ويقول لي ذلك؟!
ـ «يا سيّدي، لقد حصلت لنا مكاشفة قيل لي فيها كذا!»
ـ قلتُ: حسنًا، أنا لم تحصل لي مكاشفة ليُقال لي هذا! كوشفتَ أم لم تكوشف، ما علاقتي أنا بذلك؟!
ـ «يا سيّدي، لقد اتّضح لنا كذا وكذا!»
ـ قلتُ: حسنًا، لقد اتّضح لي الأمر بشكل آخر! الآن، لا شأن لي بكون مسائلكم باطلة أو صحيحة؛ ولكن، ما علاقتي أنا بها؟!
ذات مرّة، كنت في مكان ما، وكان شخص قد طرح المسألة التالية كاستدلال، حيث قال: «إنّ فلانة رأت في المنام بأنّها توقّفت بين الجنّة والنار، فاختارت الجنّة!». قلتُ: وهل يصحّ الاعتماد على المنام لكي نحكم بالذهاب إلى الجنّة؟! الآن، تبيّن الأمر، وهم أنفسهم يقولون: «كنتَ مُحقًّا!». لماذا؟ لأنّ القضيّة واضحة؛ وبالنسبة للطالب الذي لديه اطّلاع على المسائل، أيّ معنى للمنام؟! وما هي المكاشفة؟! وماذا يعني «فلان قال كذا»؟! [قالوا]: «العالِم الفلاني أبدى هذا الرأي تجاه فلان!». لقد أخطأ في إبداء هذا الرأي!
كيفيّة تأليف كتاب «طهارة الإنسان»
في الرسالة التي دوّنتُها حول طهارة الإنسان ـ إن شاء الله الآن أو لاحقًا يُطالع الرفقاء هذه الرسالة وإذا كان لديهم نقد أو وجهات نظر حولها فليطرحوها ـ سترون هناك أنّه عندما طرحتُ الموضوع، لم أُجامل أحدًا، وذكرتُ [المسائل في الكتاب] بصراحة! وعلى حدّ قول أحد الرفقاء، حيث كان يقول: «لقد وضعتَ جرّافة (Bulldozer)، واقتلعتَ القضيّة من جذورها!». قلتُ: الإمام الصادق عليه السلام لا يمزح! نحن نتعامل مع الإمام الصادق عليه السلام، لا مع صاحب الجواهر أو سماحة الوحيد البهبهانيّ! مَن يكون هؤلاء [في مقابل الإمام الصادق عليه السلام]؟! هؤلاء مُحترمون في مكانهم، لكنّنا لا نتعامل معهم! الذي نتعامل معه هو الإمام الصادق عليه السلام، وهو الإمام الرضا عليه السلام؛ نحن يجب أن نُقدّم جوابًا للإمام الرضا عليه السلام! نحن لم نفهم هذه المسألة من كلمات الإمام الرضا عليه السلام؛ وإذا كان الوحيد البهبهانيّ قد ذكرها، حسنًا، لقد ذكرها لنفسه؛ وإن شاء الله، ينال أجره منه تعالى على قدر فهمه وإخلاصه! أنا لست مُقلّدًا للوحيد البهبهانيّ، أنا لست مقلدًا لصاحب الجواهر؛ أنا أدّعي اتّباع إمام الزمان عليه السلام وخدمته! أجل.. إنّه ادّعاء! لكن، ألا ينبغي أن أثبت على هذا المقدار من الادّعاء أيضًا؟! بهذا المقدار من الادّعاء لا الحقيقة! لهذا، يجب أن نكون مسؤولين أمام الإمام وإمام الزمان عليه السلام، فحسب!
كيف نُغلق طرق نفوذ الشيطان
هذه المسائل التي أذكرها بين أيديكم، هي مسائل أساسيّة في سلك الطلبة! انتبهوا! إن لم نتقدّم من الآن بناءً على هذه المسائل، فلاحقًا ـ لا سمح الله ـ ستكون يد الشيطان مفتوحة للنفوذ والاستيلاء على المواضع الفكريّة! ولكن، إذا قام الطالب منذ البداية والأساس بتصفية حسابه مع الله والناس والأفراد، فسيتقدّم بشكل مستقيم إلى تلك النقطة نفسها حتّى النهاية.
التوفيق الذي مَنّ الله به عليّ هو أنّني منذ وطئت قدماي مدينة قُمّ، كنت أتحرّك بناءً على فكري الخاصّ.
لقد واجهتُ تقلّبات مهمّة جدًّا في الحوزة خلال فترة الدراسة والتحصيل في قمّ. كانت تقع مسائل وقضايا: هذا السيّد يُصدر بيانًا ضدّ ذاك، وذاك يصدر بيانًا ضدّ هذا، وذلك الشخص يرتقي المنبر والآخر يفعل كذا، والطلاّب أيضًا يذهبون يُمنة ويُسرة! باختصار، كانت الأوضاع [مضطربة] جدًّا.
أنا في ذلك الوقت كنت فقط وفقط أُمسك كتابي "المطوّل" بيدي! كانوا يقولون لي: يا سيّد، في المكان الفلاني [وقعت قضيّة مهمّة]!
ـ كنت أقول: أريد أن أقرأ كتابي، فقط! وليس لي شأن بشيء!
ـ يا سيّدي، اليوم يجتمعون في المكان الفلانيّ في الجلسة الفلانيّة بخصوص العمل الفلانّي الذي قام به الشخص الفلانيّ، تعالَ أنت أيضًا، وانظر ما القضيّة!
ـ كنت أقول: يجب أن أدرس "المطوّل"!
ـ يا سيّدي، في المكان الفلانيّ يُريدون أن يُقرّروا بخصوص الشخص الذي ذهب إلى المسجد الأعظم، وتحدّث بخصوص المرجع الفلانيّ هل يقطعون راتبه الشهريّ أم لا! حتمًا يجب أن تأتي، لقد دعوك أنت أيضًا!
ـ كنت أقول: يجب أن أدرس"المطوّل"!
لم يكُن لي شأن بأيّة مسألة؛ ومن هذا المنطلق، وقعت قضايا كثيرة، ولكنّني أرى الآن أنّ عملي في ذلك الوقت كان صحيحًا!
هكذا كان الأمر حيث تقدّمتُ هكذا، ووصلت إلى مسائل، ثم استجدّت قضايا ومطالب، ورأيت ماذا يتوقّع الناس من الإنسان! ولكن، رأيتُ: لا، هذه التوقّعات لا تتماشى مع مبدئي الفكريّ؛ لهذا، لم أكُن أرضخ! وبما أنّني لم أكُن أرضخ، كانوا يتّهمونني بأنّ هذا ضدّ فلان! لا يا سيّدي، أنا لست ضدّ أحد، بل أنا أسير في طريقي.
ضرورة عدم تأثّر الطالب بالعلماء في التحقيق
في الوقت الذي كنت أدرس فيه مباحث "النفس" من كتاب "الشفاء"، جرى حديث في مجلس ما، فقلت شيئًا، فضحك الجميع. قال أحدهم: «يا سيّد، هذه المسألة التي تذكرها تُخالف مباني آية الله المنتظري!». قلتُ: «وآية الله المنتظري أيضًا يُخالف مبانيّ أنا!». لقد انتاب الضحك كلّ ذلك الجمع! حسنًا، فليكن مُخالفًا، فالشيخ المنتظري ليس إمامي؛ هو رجل لنفسه، ومحفوظ في مكانه! إن فعل خيرًا يأجره الله، وإن فعل شرًّا يُعاقبه الله. وأنا أيضًا كذلك.
الإمام عليه السلام يُريد منّا هذا النهج وهذه المدرسة. كان السيّد البروجرديّ رحمه الله يقول مرارًا: لا ينبغي أن تُشكّل شخصيّة العلماء حائلاً دون تحصيل الطلاّب!
بمعنى أنّه: عندما ينظر الطالب في كتاب "الخلاف" و"المبسوط" للشيخ الطوسيّ، إيّاك أن تمنعه العظمةُ العلميّة والفقهيّة للشيخ الطوسيّ من أن يبحث المسائل بصراحة، وبيد مفتوحة، وباطمئنان خاطر! ولا ينبغي أن يقول: «وا ويلتاه! الشيخ الطوسيّ قال هذا»، فترتجف يده، ولا يستطيع الفكر الجديد والبِكر للطالب أن يقوم بحركته الواقعيّة عند نظره للمسائل التي طرحها المشايخ! هو الشيخ الطوسيّ، فليكُن! الشيخ الطوسيّ هو أيضًا تلميذ في هذه المدرسة، ورحمة الله عليه، وليرفع تعالى درجاته؛ كان رجلاً كادحًا، ويُؤجره الله بمقدار إخلاصه. ونحن مُحبّون له أيضًا، ونُقبّل يده، لكنّنا لسنا مُقلّدين له! مُقلّدون لِمَن؟ للإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام! يجب تقليد هؤلاء فحسب! هذه مسألة مهمّة جدًا.
كيف يجب على الطالب أن يدرس؟
المسألة الأخرى التي يجب على الرفقاء أن يُدقّقوا فيها كثيرًا ومهما أكدّنا عليها فقد قصّرنا، هي أنّ هذه الفرصة ـ أي هذا الوضع وهذه المكانة ـ لن يتكرّرا لكم! لهذا، بما أنّ الله وهبنا عمرًا محدودًا وهذا العمر لن يتكرّر، فإنّ الشخص الكيّس والفطن هو ذاك الذي يستغلّ مكانته هذه.
الفرصة لـ «الجلوس وعقد الجلسات والحديث والقيام» موجودة دائمًا، ويُمكن للإنسان دائمًا الذهاب للسفر، والترفيه مُتاحٌ دائمًا للإنسان؛ وإن كان على الإنسان دائمًا ـ وخصوصًا في هذا الزمان ـ أن يكون حذرًا. ولكن، ما لن يتكرّر هو الفرصة التي أتاحها الله لكم الآن! هذه الفرصة لن تتكرّر أبدًا.
بعد عشر أو خمس عشرة سنة، ستُدركون، أي ستصلون إلى حدّ وحالة تتحسّرون فيها على ساعَتَي فراغٍ، وساعَتَي مجالٍ وفكرٍ حرٍّ والجلوسِ براحةٍ والتفكيرِ، ولن تجدوا ذلك!
الآن، الوضع هو بشكلٍ يُمكنك فيه أن تشدّ رحالك، وتُطالع، وتُدقّق النظر جيّدًا، وتتوصّل إلى المسائل جيّدًا. الدرس الذي تقرأه، قُم بمطالعته مُسبقًا. وغدًا، عندما تقرأ الدرس، انظر فيه نظرةً فورَ انتهائه، ولا تتركه حتّى تأتي إلى المنزل، ثمّ تفتح الكتاب! بل في نفس الوقت بعد الدرس ـ ولو كانت هناك فاصلة خمس أو عشر دقائق ـ تعالَ، واجلس في الساحة، وراجع نفس الدرس الذي قرأته ثانية! هذه المراجعة أفيد لك من ساعتي مطالعة! هذه العشر دقائق فقط! وبعد ذلك، اكتب خلاصة عنه؛ مثلاً، من كلّ صفحة، اكتب سطرين خلاصة، وراجع هذه الخلاصة كلّ أسبوع! هذا لا يأخذ وقتًا كثيرًا. أي أنّك إذا كتبت كلّ يوم سطرين خلاصة، وراجعتها في الشهر مرّتين أو ثلاثًا، فستبقى في ذهنك، ولن تضيع.
احفظوا الشواهد الأدبيّة والبلاغيّة والأشعار التي يذكرونها كشواهد في كتب الأدب؛ فهذه تنفع الإنسان كثيرًا! باختصار، دقّقوا في المباحثة، ولا تتجاوزوا المسألة التي لم تفهموها بعدُ. في الدروس التي تقرؤونها، افترضوا أنّكم تُريدون إبداء رأي في ذلك الدرس، ثمّ انظروا هل رأيكم يُطابق رأي الكتاب أم يختلف عنه؟ وإذا كان يختلف عنه، فابحثوا عن دليله، واعثروا عليه. أي: لا يكُن الأمر بحيث تتصوّرون أنّ المسألة التي ذكرها الكتاب هي لوح محفوظ، وانتهى الأمر! كلاّ، اعتبروا الكتاب مرآة ووسيلة للرقيّ، وإظهار رأيكم الخاص، لا كلّ المسألة!
في ذلك الوقت الذي كنت أدرس فيه "المطوّل"، كانت مبانيّ تختلف كلّيًا عن مباني التفتازاني، وكانت لديّ إشكالات عديدة، وكان رأيي يميل أغلب الوقت إلى رأي السكّاكي أكثر من مسائل التفتازاني نفسه! والآن، الأمر كذلك. حسنًا، فليكُن التفتازاني من يكون! التفتازاني ليس مُقلَّدنا.
نورانيّة العلم حاصلة من المراقبة
هذه النقطة يجب أن نضعها دائمًا في الحسبان في نهاية المسألة، وهي أنّ تلك النورانيّة التي تحصل للإنسان بواسطة هذه العلوم، هي في ظلّ المراقبة وطيّ الطريق. ذلك الشخص الذي يسلك الطريق ويصل إلى الحقائق، فإنّ هذا العلم يجلب له النور؛ الآن، لا فرق، سواء كان أدبًا أو منطقًا أو فلسفة أو فقهًا أو بقيّة هذه الدروس! أمّا إذا قرأ الإنسان هذه العلوم بدون مراقبةٍ وتوجّهٍ إلى الأوامر السلوكيّة والمسائل التي ذكرها الأعاظم في هذا المجال، فإنّ هذه العلوم لن تجلب له النورانيّة؛ بل ستكون مجرّد سلسلة محفوظات حصلت للإنسان! مثل أن تحفظ شعرًا أو [آيات من] القرآن [دون إدراك معانيها].
علّة كدورة أئمّة الجماعات في مكّة والمدينة
كثير من أئمّة الجمعة والجماعة في مساجد مكّة والمدينة يحفظون القرآن. إمام جماعة مسجد المدينة هو من المعاندين للتشيّع؛ ومن الواضح في الأساس أنّ لديه عنادًا! في المسجد الحرام، كان هناك إمام جماعة يأتي في بعض الليالي ويتحدّث؛ عندما كان يبدأ هذا الشخص [في الكلام]، كانت تبدأ مصيبتُنا! عندما كان يبدأ بـ «بسم الله»، كان الأمر غريبًا حقًّا! الله يعلم أيّة كدورة كانت في هذا القلب والنفس، وأيّة قساوة، بحيث عندما كان يتحدّث، كان يُثير اضطرابًا كبيرًا! في حين، أنّه كان ـ فرضًا ـ يحفظ القرآن أيضًا. ولكن، أين آثار حفظ القرآن وثماره؟! هل تعلمون لماذا وصل هذا الشخص إلى هذا الحال؟ لأنّه وضع أساسه منذ البداية على مخالفة أهل البيت وعنادهم! لهذا، كلّما تقدّم، زاده الله ظلمة، وقال: بما أنّ الأمر هكذا، فنحن أيضًا نعلم ماذا نفعل! كلّ آية قرآنيّة ورواية يحفظها، تزداد ظلمته هكذا، حتّى يصل إلى مكان يُصبح فيه عُمَرًا ثانيًا، ويقف هناك للصلاة! حقًّا، كانت عباراته وصوته غريبًا جدًا! في حين أنّ هؤلاء ليسوا أناسًا عاديّين؛ بل يُعتبرون في مدرستهم أناسًا متعلّمين!
كنّا نجلس في مسجد المدينة، وكان خلفنا مجلس. كانوا يضعون منبرًا وبعض الكراسي، ويأتي الأفراد، ويشرعون بالحديث، ويجلس ثلّةٌ حولهم. عندما كنت أنتبه، كنت أرى أنّ بعض هؤلاء مطّلعون جدًّا على رواياتهم، ويقرؤون الروايات غيبًا هكذا. ولكن، عندما كنت تنظر، كنت ترى ـ يا للعجب ـ كم هم خُبثاء! حقًّا، كم هم خُبثاء، وكم هم قذرون، وكم هم قُساة، وكم هم مُكدَّرون! عندما كان يتحدّث، ويُجيب على الأسئلة، كان كأنّما تخرج من فمه نار!! طبعًا، هذا الأمر كان أقلّ في بعضهم؛ وبناءً على مقدار العناد الذي لديهم، كانت كدورتهم أقلّ.
هناك، قال شخص كلامًا قريبًا من مدرسة أهل البيت، فردّ عليه هذا الشخص بقسوة وبشدّة، وقال: «ضعوا هذا الكلام جانبًا! ضعوا هذه الأمور جانبًا! اتركوها!».
الآثار المُدمّرة لتحصيل العلم قبل التزكية
لهذا، كان الأعاظم يوصون هنا دائمًا: زكّوا أنفسكم قبل الدرس! التزكية تعني: قمع النفس وترويضها وتهيئتها للتجلّيات والجذبات والبارقات والنفحات الإلهيّة؛ وهذا في ظلّ العمل بالوصايا.
إن شاء الله تعالى يُوفّق الجميع، ويضعنا جميعًا في ذلك المسير لكسب العلم وكسب الكمال الذي هو موضع اهتمام إمام الزمان عليه السلام ورضاه! أنتم ترون الآن!
ألا تذكرون أنّني قبل سنوات تحدّثت عن أنّ كلّ من لفّ بضعةَ أمتار من القماش فوق رأسه ليس [بالضرورة] لديه أهليّة الزعامة وإرشاد الناس؟! قبل حوالي ستّ أو سبع سنوات، عندما جرى الحديث عن بعض المسائل، ذكرتُ أنّه كما قال المرحوم العلاّمة: «سيأتي يوم يسقط فيه القناع عن وجوه المُدّعين، ويتعرّف عليهم الناس!».. حسنًا، انظروا!
يحدث امتحانٌ؛ ولأجل الوصول إلى السلطة، انظروا ماذا يفعلون بالناس، بحيث يصل الأمر إلى الضرب والقتل! الآن، أنتم تتعجّبون من أنّه في العراق، قتلوا السيّد الفلانيّ، وفي العراق، قتلوا عدّة أشخاص، وأنّه تقاتل اثنان مع بعضهما، وفعلوا هذا! ولكنّنا لم نكن في زمان المشروطة [الحركة الدستوريّة]، حيث كانوا يقتلون عشرة عشرة، ويُعلّقونهم على المشانق! هذا ليس شيئًا! كان عالم المدينة الفلانيّة يصدر فتوى قتل العالم الفلانيّ، وكانوا يشنقونه! كانوا يقتحمون منزله من السطح منتصف الليل، ويقتلونه بالبندقيّة أمام أعين زوجته وأطفاله!
الآن، نحن نتعجّب ونقول: «يا للعجب! اصطدم أنصار فلان مع أنصار فلان، وسقط عدة قتلى!». لا يا سيّدي، هذه القضيّة كانت موجودة دائمًا؛ منتهى الأمر، تارة تكون في الخفاء، وتارة في العلن! إلى أن يأتي وقتُ ظهورِ غيرةِ ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، ويُقلع جميع المخالفين، ويقمعهم، ويجعل أرضه محلاًّ ومقامًا لطلاّب العلم الحقيقيّين! المسألة هي هذه! الله يعلم متى سيتحقّق هذا الأمر، ولكنّنا نعلم بهذا المقدار أنّ الأعاظم قد وعدوا بذلك، ووعدُهم إن شاء الله تعالى سيتحقّق.
اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد