4

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع

أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

5
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةطلاب العلوم الدينية

التاريخ 1426/10/01

جلسات المجموعة(7 جلسة)

التوضيح

هل تكفي دراسة الفقه والأصول وحدها للإجابة عن شبهات العصر الحديث؟ كيف تُؤثّر دراسة الفلسفة والعرفان في صياغة الفتوى الشرعيّة الصحيحة؟ ما هي المنهجيّة الأمثل لاستثمار أوقات طالب العلم وتجنّب هدر العمر؟ وكيف كان الأئمّة عليهم السلام يجمعون بين البُعدين الفقهيّ والسلوكيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة ـ التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهرانيّ قدّس الله سرّه ـ عن هذه الأسئلة، مبيّنةً حجم المسؤوليّة الملقاة على عاتق طالب العلم المعاصر في الذبّ عن مدرسة التشيّع، مع طرح برنامج علميّ وعمليّ شامل للارتقاء بمستوى الحوزات العلميّة.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع

  • أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

  •  

  • مباني الإسلام، وظائف طلاّب العلوم الدينيّة، المحاضرة الرابعة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

  • .

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرّحمٰن الرّحيم

  • وصلّى الله على سيّدنا وحبيبنا محمد وآله الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر

  • إنّ المجلس الذي نعقده الليلة بين يدي الرفقاء يهدف إلى تبيين وتوضيح بعض الأمور التي يرغب الرفقاء طبعًا في سماعها منّي؛ وإلاّ، فالجميع مطّلعون على هذه المسائل بنحو أو بآخر. كما أنّ الذين يأنسون بمنهج المرحوم العلاّمة (الطهراني) وسيرته ليسوا قلّة بين الرفقاء، ولا يختلف كلامُنا عن كلامهم بشيء، بل لعلّهم أقدر على إبداء الرأي في هذه الأمور ببيان أوضح وأبلغ؛ ولو كان هناك أمرٌ ما، لكانوا أقدر على الإجابة عنه. ولكن، باعتبار مجرّد انتسابي [للمرحوم العلاّمة]، فإنّ الرفقاء ينظرون إليّ بعين اللطف؛ فمن هذا المنطلق، قلت إنّني سأتحدّث بكلمات قليلة أُراعي فيها بعض الجوانب، وألتفت إلى المسائل المتعلّقة بحوزتنا العلميّة، ليكون الرفقاء على بيّنة من الأمر.

  • لا شكّ في أنّ الوضع اليوم قد تغيّر عمّا كان عليه في السابق، وأنّ المسؤوليّة العلميّة والعمليّة المُلقاة على عاتق أهل العلم قد اختلفت كثيرًا عن ذي قبل؛ فقد كثُرت جدًّا مغريات الانحراف عن المسار؛ وفي المقابل، قلّت جدًّا دواعي الإقبال على هذه المدرسة. كما أنّ الموانع قد ازدادت من بعض النواحي مقارنة بالماضي، وإن كانت الوسائل والأمور المُعينة والمُعِدّة للترقّي قد أصبحت من بعض الجوانب أكثر بكثير. إنّ هذه المسائل بمجموعها تتطلّب من الإنسان بصيرة وتفكّرًا وتأمّلاً مختلفًا تجاه وضع مجتمع العلماء في الماضي. لقد كانت مسؤوليّة العلماء في السابق تجاه الموارد والشبهات المذكورة تقتصر تقريبًا على بعض شبهات المدارس الإلحاديّة ـ بشكل محدّد ـ بحيث لو قرأ الإنسان كتابًا أو كتابين منها، لاطّلع على أفكارها؛ وبتعبير آخر، لانكشفت حيلُهم له!

  • علّة محاربة التشيّع ومهاجمته

  • ولكنّ اليوم، اتّسعت القضيّة كثيرًا، واتّخذت محاربة الإسلام أبعادًا مختلفة جدًّا؛ وخصوصًا محاربة الشيعة! ذلك لأنّهم أدركوا أنّ محوريّة الإسلام هي التشيّع، وأنّ بقيّة الملل والنحل ليس لها محلّ من الإعراب، وكلّ ما تريده هو أن تقف على أقدامها، وأن تقضي أيّامها الدنيويّة تحت هذا العنوان؛ وإذا ما تصدّت في وقت ما للردّ والإجابة، فإنّما تفعل ذلك من أجل حياتها التي لا تتجاوز يومين؛ وإلاّ، فلا أحد يحترق قلبه على عُمَر، ولا على أبي بكر! فمَن هم هؤلاء حتّى يحترق قلب الإنسان عليهم؟!

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

3
  • وكونهم يمتلكون اليوم وسائل الاتّصال والإعلام، فليس ذلك لأنّهم يُريدون الدفاع عن مدرستهم! بل يُريدون تثبيت أنفسهم؛ لأنّهم لو فقدوا هذه الملّة وهذا المذهب، فلن يكون لهم محلّ من الإعراب. لهذا، فإنّهم يتشبّثون بكلّ وسيلة لتأمين مكانتهم السياسيّة وحياتهم الظاهريّة.

  • لكنّ التشيّع ليس كذلك. التشيّع يُفكّر في المدرسة [كمبدأ]! فالشيعيّ لا يهمّه إن كان في هذه الدنيا أم لا، أهو حيّ اليوم أم سيموت غدًا؛ إنّه يُريد أن يُحافظ على المدرسة ويصونها، ولا أهميّة للموت أو البقاء في هذه الدنيا عنده! ومن هذا المنطلق، تتركّز محوريّة كلّ الهجمات على التشيّع. والتشيّع هو المدرسة الحقّة، والمدرسة الحقّة قد تُهاجَم من كلّ صوب، ويُدافَع عنها من كلّ صوب.

  • وظيفة الطلاّب تجاه مدرسة التشيّع

  • بناءً على ذلك، فإنّ الوظيفة الملقاة على عاتقنا هي: أن نعمل ـ بمقدار الطاقة البشريّة وبمقدار الوسع والقدرة ـ في ذلك النطاق وتلك الحوزات العلميّة المتاحة لنا؛ وإلاّ، فلو تصوّر أحدٌ أنّ هناك مَن يستطيع الإحاطة بجميع أبعاد هذه المسألة، فهذا غير صحيح! ليس الأمر كذلك، ولن يكون، ولن يمتلك أحد القدرة على ذلك. بل إنّ هذه المسألة خاصّة بإمام الزمان، وهو الذي يجب أن يأتي ويحلّ المشاكل من جذورها. لهذا، على كلّ أحدٍ أن يعمل بمقدار طاقته، في حدود الاختيار الذي منحه الله تعالى إيّاه.

  • طبعًا، إنّ الفرصة المُتاحة لنا في هذه الدنيا هي فرصة محدودة، ولم نُعطَ عمر نوح، والله تعالى لن يمنحنا أبدًا الإمكانيّات التي منحها لسليمان عليه السلام؛ فتلك الحكومة وذلك العمر وذلك الوضع كان خاصًّا بهم. نحن لدينا عُمرٌ محدّد ومفيد، يجب أن نقضيه في جانبين: العلم والعمل؛ ووفقًا للآية القرآنيّة: ﴿يَرفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُم وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلعِلمَ دَرَجَٰتٍ﴾۱، يجب أن نضع نُصب أعيننا جانبي الإيمان والعلم.

  • يعلم الرفقاء أنّ الوصول إلى [كُنه] مدرسة التشيّع يختلف كثيرًا عن الدخول في المباحث الفقهيّة والأصوليّة؛ فكلّ من المباحث الفقهيّة والأصوليّة أو المباحث التفسيريّة والتاريخيّة هي جزء من هذه المدرسة، لا تمام الكلّ وتمام المدرسة! وكلّ واحد من هذه الأمور لازم وضروريّ في محلّه، وإنّ عدم الاهتمام ببعضها يُسبّب خللاً ونقصًا حقيقيّين.

    1. سورة المجادلة، الآية ۱۱.

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

4
  • إنّنا نرى اليوم كيف أنّ أفرادًا قضوا سنوات طوال في هذه الحوزة ودرسوا فيها، لكنّهم لم يهتمّوا بالمسائل الاعتقاديّة كما ينبغي، ولم يبذلوا جهدًا في المسائل العقليّة، وربّما كانوا يردّون عليها ويطعنون فيها، [فانظروا إلى أيّ وضع هم فيه!]

  • رؤيّة السيد القاضيّ والعلاّمة الطباطبائّي رحمهما الله تجاه الفقه والأصول

  • كان السيّد الطباطبائيّ رحمه الله يقول للسيّد البروجرديّ:

  • إنّ مسائلكم الفقهيّة والأصوليّة لا تستطيع الإجابة على شبهات اليوم! بل يجب البحث عن هذه الأجوبة والالتجاء إلى مدرسة صدر المتألّهين وابن سينا والأسفار ومدرسة العرفان.۱

  • إنّ الذي يبحث في المسائل الفقهيّة والأصوليّة سبعين سنة بل مائة سنة، لن يتمكّن أبدًا من الإجابة على الشبهات المتعلّقة بالولاية؛ وهو من هذا المنطلق قاصرٌ لا يملك أيّ اطلاع. ليست المسائل الفقهيّة أو الأصوليّة من المسائل التي يُريد الإنسان أن يصرف فيها كلّ عمره!

  • على حدّ قول القاضي رضوان الله عليه، إذ كان يقول:

  • والآن، هل كان هذا القدر من الدقّة التي أبداها الشيخ محمد حسين [الأصفهانيّ] في المسائل الأصوليّة ضروريًّا ولازمًا؟!

  • لو أنّه بدلاً من كلّ هذه الدقّة [في المسائل الأصوليّة] جاء، ووضع وقته في مسائل أخرى، لما عاد الشيخ محمد حسين؛ بل لكان شخصًا آخر، وصار آيةً!

  • لقد كان الشيخ محمد حسين رحمه الله مُعاصرًا للسيّد القاضي رحمه الله، وكان من الصلحاء والعبّاد، ورجلاً جليل القدر وعظيمًا جدًّا، هل التفتّم؟! مع أنّ الشيخ محمد حسين رحمه الله كان رجلاً نزيهًا ونادرًا جدًّا؛ أي لم يكُن له نظير في النجف! ولكن مع ذلك، فإنّ الأمر أسمى وأعلى من ذلك بكثير، بحيث يجب أن يُعبَّر عنه بتلك الطريقة. على أيّ حال، إنّ هذه المدرسة هي مدرسة يجب أن تكون قادرة على الإجابة، ومتمكّنة في جميع الجوانب المتعلّقة بها.

  • حاجة المجتهد إلى الفلسفة والعرفان

  • إنّ هؤلاء الأفراد الملتزمين يجب أن يعرفوا حقيقة هذه المدرسة وأساسها، وأن يُميّزوا ركيزتها وعمودها؛ فركيزة المدرسة وعمودها هي الولاية! ليس الأمر وكأنّ هذا المذهب وهذه الملّة برمّتها تدور مثلاً على أربع روايات في الطهارة والصلاة و[الحجّ]؛ بل إنّ هذا النوع من الروايات يُشكّل عشرة بالمائة أو خمسة بالمائة من المعارف التي يجب على الإنسان أن يُحصّلها في هذه المدرسة! كما أنّ الاهتمام ببضع قواعد أصوليّة لا يُنهي عمل الإنسان؛ فالأصول ضروريّة ولكن لها حدّ، فلا [ينبغي ممارستها] إلى الحدّ الذي يستنفد كلّ طاقة الإنسان، ويمنعه من الوصول إلى المعارف الأخرى والاهتمام بنفسه!

    1. راجع: الشمس الساطعة، ص ۱۰۱ ـ ۱۰٥؛ مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ۱، ض ۱۸٥ و۱۸٦.

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

5
  • إنّ التفسير من المسائل الضروريّة، والتاريخ من المسائل المهمّة جدًّا، والاهتمام بالفلسفة والعرفان هو أيضًا من أكثر الأمور أساسيّة والمسائل الضروريّة في هذه المدرسة.

  • إنّ الفقيه الذي لم يدرس الفلسفة ولم يهتمّ بالعرفان النظريّ، تتميّز فتواه تمامًا عن الفقيه المُشرف على هذه الأمور! فالفقيه الذي انفتحت بصيرتُه في العرفان لم يعُد بحاجة إلى سند الرواية والرجال؛ فبمجرّد أن ينظر إلى الرواية، يفهم ما إذا كانت هذه الرواية عن الإمام أم لا! ومن هو راوي هذه الرواية، وفي أيّ وضع قيلت! وبالنسبة لما يسمعه، يُميّز ما إذا كان هذا الكلام من الإمام أم لا. في حين أنّ الشخص الذي لا يطّلع على هذه الأمور، يضع ثُلثي الروايات جانبًا بأدنى خدش، ويُهملها، ولا يعمل بها!

  • نموذج من تأثير الفلسفة والعرفان في الفتوى الصحيحة

  • عندما يرد في الرواية [ما معناه]: «إنّ تكرار العمرة في أقلّ من عشرة أيّام حرام؛ وأداء عمرتين في الشهر الواحد مكروه كراهة شديدة!»،۱ فما هي فلسفة ذلك؟ إنّ الذي لا يمتلك فهمًا عرفانيًّا فقهيًّا، لا يستطيع أن يُميّز! إنّه ينظر إلى الرواية فقط؛ وعندما يرى رواية تُعارضها، يقول: «لو أتيتم بعشر عمرات في اليوم رجاءً، فلا إشكال في ذلك!».. لماذا؟ لأنّه لا يفهم!

  • كنت أنا نفسي في مكّة، ورأيت شخصًا من هؤلاء المشايخ أصحاب الرسائل العمليّة يأتي كلّ يوم، ويُؤدّي عمرة؛ كان يأتي متّكئًا على عصاه، ويطوف حول المطاف طواف العمرة المفردة. ذهبت إليه، وقلت له: «يا سيّدي، إنّ تكرار العمرة في أقلّ من عشرة أيام حرام!». قال: «إنّه من باب الرجاء!». قلت: «بل الرجاء في عكس القضيّة تمامًا! عندما تُريد أن تحتاط، وتأتي بها رجاءً، فإنّ احتياطك هذا خلاف الاحتياط! كيف تقول مثل هذا الكلام في حين أنّه لدينا في هذه الموارد روايات صريحة تنهى نهيًا صريحًا عن ذلك، وتدلّ على حرمته؟!».٢

  • والآن، مَن الذي يتوصّل إلى هذه المسألة؟ من يعرف أنّ لمسألة العمرة ومسألة الإحرام والطواف مقامًا خاصًا. إنّ احترام بيت الله ليس بأن تُحرِم كلّ يوم؛ بل احترام بيت الله هو أن تُحرِم مرّة واحدة في كلّ شهر! هل التفتّم إلى ما أريد قوله؟ أي: إن أحرمت مرّتين في أسبوع واحد، فقد فعلت ما يُخالف احترام بيت الله! إذا أردت أن تحترم هنا، فطُف! طُف ألف طواف! ولكنّ الإحرام أمر آخر، والطواف أمر آخر. لهذا، من يفهم هذه المسألة؟! ومن يستطيع أن يُميّزها؟!

    1. راجع: الكافي، ج ٤، ص ٥٣٤. 
    2. لمزيد من الاطّلاع، راجع: رسالة العمرة المفردة (فارسيّة).

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

6
  • كان أحد الرفقاء يقول: كنت في شكّ من هذه القضيّة، وأسمع آراء مختلفة؛ لهذا، لم أكن أعرف ماذا أفعل! في الليل، اتّصلتُ بزوجتي لأسأل عن حالها. قالت زوجتي: رأيتُ المرحوم العلاّمة اليوم بعد الظهر في المنام، وقال لي: «زوجك يريد أن يُؤدّي عمرة مفردة، ولكنّه يشكّ فيما إذا كانت جائزة أم لا! قولي له: لا يجوز أداء عمرتين في أقلّ من عشرة أيام؛ ولكن، يُمكنه أن يطوف بدلاً من الإحرام؛ ولو طاف ألف طواف، فلا إشكال في ذلك!».

  • هل التفتّم؟! والآن، بعد أن ذهب إلى ذلك العالَم، ها هو يُبيّن الفتوى من هناك! ولو افترضنا أنّ القضيّة لم تكن واضحة له هنا، لكنّها الآن واضحة بعد أن ذهب إلى ذلك العالم، هذه هي المسألة!

  • لزوم اهتمام الحوزة بالجانبين العلميّ والمعنويّ

  • للأسف، المشكلة التي ابتُليت بها حوزاتُنا اليوم، هي أنّ مسألة حقيقة الأحكام وحقيقة الدين قد انفصلت عن ظواهر الدين وظواهر العلوم؛ أي أنّ الذي يهتمّ بهذه العلوم لم يعُد له شأن بتلك الأمور، ومن يهتمّ بنفسه وتهذيبها والسلوك والمسائل المعنويّة، ليس له شأن بالمسائل العلميّة! وكأنّ هاتين المسألتين منفصلتان عن بعضهما وقابلتان للانفصال؛ في حين أنّه في مدرسة الإمام الصادق، فإنّ الذي يأتي إليه عليه السلام، يتعامل الإمامُ مع ظاهره وباطنه معًا؛ والذي يأتي إلى الإمام الرضا عليه السلام، يتعامل الإمام مع كلا جانبيه، لا أنّه يكتفي من جهةٍ بذكر الروايات المتعلّقة بالحجّ؛ ومن جهة أخرى، يختار أفرادًا خاصّين، ويُعطيهم [تعاليم] سلوكيّة!

  • كلاّ! بل لو أخطأ [تلميذه السلوكيّ] خطأً واحدًا، لقال له الإمام: «يا سيّدي! لماذا فعلت هذا المكروه؟!»؛ أو لو ارتكب خطأ، لقال له الإمام: «هذا حرام، لماذا فعلته؟!». فالإمام لا يُجامل أحدًا! ولِمَن يُدرّس العلوم الشرعيّة الفقهيّة المتداولة، يُبيّن له في ضمن ذلك فلسفةَ الحكمِ وجوانبه المعنويّة، ويُوضّحها له في المجلس نفسه، ويُنبّهه إلى الحقائق. لو نظر أحد في الروايات، لأدرك جيدًا كيف أنّ الأئمّة عليهم السلام يأخذون ـ في بيانهم للفروع الفقهيّة ـ الجوانبَ المعنويّة بعين الاعتبار، والعكس صحيح.

  • كيفيّة مواجهة المدح والذمّ في سبيل الله

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

7
  • إنّ هذا الطريق هو طريق يجب أن نسير فيه وفقًا للتعليمات التي وردت في هذا الشأن، وألاّ نعبأ بأحد، وبأنّه «ماذا يقول فلان، وماذا يقول فلان من سوء، وهل يمدحوننا أم يذمّوننا!»؛ وهل الناس هم غايتُنا حتى نكون بصدد مدحهم وذمّهم؟! إنّ غايتنا ومُخاطبنا والسائل منّا ـ فنحن مسؤولون ـ هو شخص آخر، ويجب أن نسعى وراء ذلك المنهج وتلك السيرة بقدر طاقتنا.

  • كان المرحوم العلاّمة يقول: عندما كنتُ في طهران، كنت أُبيّن للناس الأمور المتعلقة بالربا والمعاملات المصرفيّة والربويّة. وفي يوم من الأيّام، ذهبت إلى السوق، وكان هناك مكان، فقال شخص: «يا سيّدي، كان الحديث يدور بالأمس في المسجد الفلانيّ عن أنّ السيّد الطهرانيّ قد حرّم المسائل المصرفيّة وأشكل عليها، في حين أنّ عمل السوق كلّه الآن يروج بهذه العلاقات ويسير بها! كيف يقول هو هذا الكلام؟!»

  • فقال: أنا أقول ما يبدو لي أنّه حق، ولا شأن لي بالبقيّة!

  • قال له شخص: يا فلان، اعلم أنّك الوحيد في طهران الذي يقول هذا الكلام، وغيرك لا يقبل به ويُؤوّله، ويتوسّل بشتّى الحيل حتى يصحّح [حكمَه الشرعي]!

  • فقال: أنا أؤدّي واجبي! أمّا إذا أراد شخص آخر أن يحتفظ بمريديه، وأن يكثُر مأموموه، وأن يهتمّ بهم ليهتمّوا به، فمسؤوليّة ذلك لم تعُد على عاتقي! بل مسؤوليّتي هي ألاّ أكون معاندًا فيما أفهمه من الأمور، وألاّ أخون في أداء الأمانة! أمّا إذا أخطأتُ، فتلك مسألة أخرى.

  • رَحِمَ اللهُ الماضِينَ مِنّا ومَن تَبِعَهُم ومَن لَحِقَ بِهِم، فهؤلاء كانوا أناسًا جاؤوا، وقدّموا لنا هذه المسائل بعدما تجرّعوا الغصص، دون أن يلتفتوا إلى هتافات “يحيا” و"يسقط"، ودون أن يلتفتوا إلى الشعارات، ودون أن يلتفتوا إلى ما يسرّ الناس وما يسوؤهم! والآن، يجب علينا أن نصون هذه [التعاليم]، ونهتم بها.

  • رؤيّة المؤلّف رحمه الله حول الاستفادة الأفضل من سنوات التحصيل العلميّ

  • منذ مدّة، تشغل هذه المسألة فكري، وهي أنّنا ـ نحن الرفقاء وهذا الجمع العلميّ ـ يُمكننا أن نضع برنامجًا أفضل وأكثر فائدة للارتقاء ورفع المستوى العلميّ لمعلوماتنا؛ خاصّةً وأنّني شخصيًّا في تلك الأيُام التي كنت مشغولاً فيها بالدراسة، كانت لديّ طريقة تفكير مُعيّنة، وكنت أسير وفق فكر خاصّ؛ لكنّني الآن نادم على أنّني لم أُحدث في ذلك الوقت تغييرًا وتحوّلاً في طريقة تحصيلي كما كان في ذهني! كانت كلّ أوقات مطالعتي آنذاك تُصرَف في هذه الكتب الحوزويّة المُتداولة، كالفقه والأصول؛ وبالطبع، كان لي منهج وبرنامج وبحث آخر خاصّ بي، وهذا أمر منفصل؛ ولكن، من ناحية [الدروس] الحوزويّة كنت أكتفي بهذه فقط، وأصرف كلّ وقتي فيها. فمثلاً، الدرس الذي كان يتطلّب عادة ثلاثة أرباع الساعة أو ساعة على الأكثر من المطالعة، ربّما كانت مطالعتي له آنذاك تستغرق أربع ساعات! وكنت أتصوّر أنّني لو درستُ بهذه الكيفيّة، لربّما كان ذلك مفيدًا لي. ولكنّني كنت غافلاً عن أنّني لو صرفت ذلك الوقت الإضافيّ في أمور أخرى مفيدة، لربّما لم أكن الآن أتحسّر وأتأسّف على تلك الفترة، ولَكُنتُ قد تمكّنت من الوصول إلى أمور جديدة وأفضل.

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

8
  • ومن بين الأمور التي يجب علينا حقًّا أن نلتفت إليها ـ بغضّ النظر عن الكتب الدراسيّة المتداولة ـ هي مسألة روايات الأئمّة عليهم السلام وأخبارهم؛ فهذه الأمور غائبة تمامًا عن مباحثاتنا ومباحثات الحوزة، وكذلك الأمور الأخلاقيّة، والأمور المتعلّقة بالتاريخ، والأمور التفسيريّة، والمسائل المتعلّقة بالأمور التي يجب على العالم الدينيّ اليوم ـ شاء أم أبى ـ أن يكون مُطّلعًا عليها.

  • مكانة كتب العلاّمة الطهراني مقارنة بكتابات الآخرين

  • على سبيل المثال، كُتُبُ المرحوم العلاّمة هذه، والتي هي حقًّا كنز من المعارف، حيث إنّ مؤلِّفُ دائرةِ المعارف هذه هو عارفٌ صاغ هذه الحقائق من باطنه وبصيرته الداخليّة في قالب علميّ وبرهانيّ واستدلاليّ؛ وهذه مسألة ليست بالهيّنة.

  • كثيرون هم الذين من أهل الفلسفة والعرفان النظريّ، وترى كتبَهم وكتاباتهم، لكنّك تجدهم يُغيّرون روايةً صريحة من نهج البلاغة، ويُحرّفونها، ويقولون: «هذه الرواية ليست عن أمير المؤمنين!». إنّه لأمر مؤسف حقًّا كيف أصبحت بديهيّات مسائلنا وأمورنا مَلعبةً للتوجيه والتأويل من قبل البعض بناءً على مصالح العصر! وهذا يُبيّن أنّنا لا نستطيع أن نثق بكلّ شخص وبكلّ قلم؛ بل يجب أن نتعامل مع الأفراد بحذر.

  • إنّ الذي يأتي، ويُشكّك بهذه السهولة في بديهيّات التشيّع التاريخيّة والروائيّة والاعتقاديّة، ويُجرّد الشيعة من سلاحهم أمام أهل السنّة، فمهما قلت عنه: إنّ لديه قداسة وتقوى، [فلا فائدة]! هذه هي النتيجة على أيّ حال!

  • يجب على الإنسان أن يكون مُنتبهًا، ويرى مَكمن الخلل، حيث يأتي شخص بعد تسعين عامًا من عمره، فينسف زيارة عاشوراء من أصلها وأساسها، ويقول: «زيارة عاشوراء لا سند لها!». يجب أن نرى مَكمن الخلل، حيث يأتي شخص بتلك المكانة العلميّة والسياسيّة، فيُنكر التاريخ وقضيّة ضرب الخليفة الثاني لابنة النبيّ! يجب أن توقظنا هذه القضايا وتُنبّهنا، وأن نأتي، ونُؤسّس فكرنا على مبادئ موثوقة ومحلّ اطمئنان واعتماد! لا ينبغي أن يكون الأمر بحيث يكتب أيّ شخص كتابًا بأيّة كيفيّة وبأيّة عبارة، ويردّ فيه مسائل أو يثبتها [ونقبل نحن بذلك! بل إنّ مطالعة كتبهم] لا بأس بها لمجرّد الاطّلاع.

  • التأكيد على مطالعة كتب العلاّمة الطهراني

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

9
  • من هذا المنطلق، لو أنّنا حقًّا في ذلك الزمن الماضي طالعنا كُتبَ المرحوم العلاّمة ـ وطبعًا أنا موفّق لمطالعتها الآن ـ لكنّا الآن نملك إحاطة وإشرافًا تامّين على هذه القضيّة؛ وكذلك الحال بالنسبة لسائر الفنون وسائر الفروع والشعب التي ترتبط بنا في نهاية المطاف ارتباطًا وثيقًا. يجب على العالم الشيعيّ أن يعرف ماذا قال أئمّته طوال حياتهم! ماذا قال الإمام زين العابدين عليه السلام! ماذا قال الإمام الباقر عليه السلام! ماذا قال الإمام الهادي عليه السلام! ماذا قال الإمام الجواد عليه السلام! يجب أن يعرف ماذا قالوا.

  • نحن الآن في وضع عجيب جدًّا، وهذه القضيّة فيها عبرة كبيرة لنا.

  • فنجد أنّ بعض الأفراد الآن، أو نحن أنفسنا، وبسبب وقوع بعض الأمور، فإنّهم يبحثون ليروا ماذا سُمع عن المرحوم العلاّمة في حياته في القضيّة الفلانيّة، أو ماذا قيل بشأن المسألة الفلانيّة، وما هي الأمور التي وردت عنه بشأن الموارد التي يمكن أن تُؤيّد ذلك! إنّهم يسعون تمامًا لسماع ذلك من هذا وذاك. ونحن أنفسنا نُريد أن نجد شخصًا [ينقل] قضيّة عن العلاّمة! أنا نفسي الآن لو شعرت أنّ بعضهم لديه أمر عن المرحوم العلاّمة، أُخرج الورقة فورًا [وأدوّنه] أو أحفظه؛ وعندما أعود إلى المنزل، أكتبه فورًا، ولو لم يكن [الناقل] شخصيّة [بارزة]! بالطبع، بشرط أن أعلم أنّه يقول الصدق؛ لأنّني في النهاية لديّ معاييري الخاصّة. لهذا، أسمع أمورًا مختلفة، ولا أسمع القليل منها؛ وبالنظر إلى المعايير التي في ذهني، لا أُرتّب أثرًا على أيّ منها! ولكن، ما إن أرى أنّ بعضهم نقل شيئًا عن المرحوم العلاّمة وأشعر أنّه صحيح، أذهب وأدوّنه.

  • أهميّة مطالعة روايات الأئمّة وتأثيرها في الحياة

  • كم هي المسائل التي نعرفها عن أئمّتنا طوال مائتين وخمسين وبضع سنين [من حياتهم]؟! في المسائل الاعتقاديّة، في المسائل الاجتماعيّة، في المسائل الأخلاقيّة! كم نعرف حقًّا؟! رواية واحدة عن الإمام الجواد عليه السلام قد تقلب كيان الإنسان! لماذا لا ينبغي أن نعرفها؟! رواية واحدة عن موسى بن جعفر عليه السلام تقلب كيان الإنسان! طالعوا رواية واحدة لموسى بن جعفر عليه السلام مع هشام بن الحكم حول جنود العقل والشيطان، وانظروا ما أعظم شأنها! حقًّا، ما أعظم شأنها! هل ترك موسى بن جعفر عليه السلام شيئًا لم يُبيّنه؟!۱ كم منّا رأى هذه الرواية وطالع أحوالها؟! وهي ليست بقليلة! «جنود العقل هي كذا، وجنود الشيطان هي كذا، وآثار هذا كذا، وآثار ذاك كذا، وهذا يجول في هذا النطاق، وذاك يجول في ذاك النطاق، و…!». حسنًا، لِمَن قال موسى بن جعفر عليه السلام هذه الأمور؟! إذا كنّا لا نعرف هذه الروايات التي لها جانب أساسيّ في حياتنا العلميّة والاجتماعيّة والشخصيّة، فماذا نريد أن نفعل حقًّا؟! أن نقرأ كلام هذا وكلام ذاك؛ واليوم، يصدر كتاب من هذا فنقرأه، ويصدر كتاب من ذاك فنقرأه!

    1. راجع: تحف العقول، ص ٣۸٣ ـ ٤۰٢.

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

10
  • وهذه مسألة أساسيّة، وهي ضرورة أن يأتي أفراد، ويُصنّفوا الروايات التي لها جانب حيويّ في مسائلنا الاعتقاديّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والشخصيّة، ويُعلّمونا إياها شيئًا فشيئًا، ونحفظها ونُطبّقها في مختلف مواطن حياتنا وعلاقاتنا مع الأفراد!

  • تذكير ببعض النقاط الأخلاقيّة والاجتماعيّة المهمّة

  • لو تذكرون، تحدّثتُ مرّة عن أنّه يجب على كلّ شخص أن يهتمّ بشأنه، وألاّ يتطفّل باستمرار على «ماذا فعل هذا وماذا فعل ذاك، ومن أين أتى فلان بهذا الشيء، ومع من يتحدّث ذلك الشخص و[ماذا يقول!]». لو تذكرون، تحدّثتُ في مجلس [شرح حديث] عنوان البصري بأنّه: «عندما تكونون في مجلس ما، إذا تحدّث شخص مع شخص آخر، فليس من الجيّد أن ينظر الجميع دفعة واحدة ليروا ماذا يقول! أو إذا كان شخص جالسًا هنا ويتحدّث مع أحدهم، فاخفضوا رؤوسكم، وكأنّه لا يوجد شيء!». ثمّ أردتُ أن أختبر لأرى هل استقرّ هذا المفهوم جيّدًا أم لا، لكنّني رأيتُ أنّه: لا، يبدو أنّه لم يستقرّ كما ينبغي. في حين أنّه: يا رفقاء، أُقسم بحياتي وحياتكم أنّ من يعمل بهذا الأمر، سيكون نصيبه أكبر من أن يعرف ماذا يُقال! أقسم، وإن شاء الله لا أقسم كاذبًا! أقسم بحياة الجميع الشريفة وحياتي!

  • وإذا أراد أحد أن يُتابع مثلاً: «لأذهب وأرى من أين اشترى فلان درّاجة، ومن أين أتى بمالها!»، فليعلم أنّ الشيطان حينها يحكم على أفكاره! هذه مسائل حيويّة، وهذه المسائل وهذا الكلام قاله الأئمّة: يا سيّدي، لا شأن لك بأحد، واسلك طريقك!

  • شخص يركب الحافلة، ويُريد أن يذهب: «يا سيّدي، إلى أين تريد أن تذهب؟ هل تريد الذهاب إلى طهران أم كرمانشاه؟». ما شأنك أنت؟! ما علاقتك أنت؟! إنّه ذاهب. إن شاء، قال لك، وإن لم يشأ، لم يقل.

  • هذا «التصدّي لشؤون الآخرين» يعني الانحراف عن الخطّ! لو ذكرتم الله مائة مليون سنة، لن تتقدّموا خطوة واحدة! حينما نقول باستمرار: «الرواية! الرواية!»، تظنّون أنّنا نمزح! لا يا عزيزي! هذه أصول حياة الإنسان. فلنأتِ، ونُصنّف ونُبيّن الروايات التي ذكرها الأئمّة، ونعمل بها واحدة تلو الأخرى.

  • هذا القول بأنّه: «الآن، يوجد في بيت فلان كذا! من أين أتى به؟ هل أعطاه أحد إيّاه أم اشتراه بنفسه؟»، ما علاقتك أنت من أين أتى به؟! كلّ هذا [خطأ]! وفي الوقت نفسه، تجدنا نقول: إنّنا علماء وسالكون وفلان! هذه أمور أساسيّة، والنفس التي تعيش في هذه الأجواء، لن تتقدّم مقدار رأس إبرة. ولو جمعت في صدرها من العلم ما يملأ ما بين هنا والسقف، لما تقدّمت بمقدار فلسين!

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

11
  • وكذلك الأمور المتعلّقة بالروايات والحكايات التاريخيّة، والقضايا التي وقعت، والقضايا الأساسيّة التي لها جانب مفتاحيّ لنا ولحياتنا، هي أمور يجب أن نصل إليها.

  • شرح البرنامج الدراسيّ والعلميّ الشامل للطلاّب

  • منذ مدّة، كان في ذهني أن نُحدث تغييرًا وتحوّلاً في وضعنا، وأن نستفيد من تجربة الطريق الذي سلكناه، لا أن نسلكه مرّة أخرى! بل أن نستفيد من الطريق الذي سلكه الآخرون لتحسين وضعنا، وأن نستفيد من وقتنا وعمرنا. ما المانع من أن نتّبع طريقةً تجعلنا بعد مرور عشر سنوات، لا نتحسّر على الأوقات الضائعة؟!

  • الحمد لله، بالنظر إلى هذه القضيّة، بذل الرفقاءُ جهدًا كبيرًا، وسعوا كثيرًا، وأعلن العديد من الرفقاء استعدادَهم، وضحّوا بوقتهم وعمرهم وحياتهم من أجل هذا الأمر، ووضعوا أنفسهم تمامًا تحت تصرّف هذا البرنامج. وهنا، يجب أن أعترف بأنّني الآن أغبط حال الرفقاء الذين لا يزالون في عنفوان الشباب والموهبة والنشاط والحيويّة! لأنّنا لم يكن لدينا مثل هذا الوضع؛ أي لم يكن لدينا مثل هؤلاء الأفراد الذين يأتون، ويُخصّصون وقتَهم وعمرَهم ورأسمالَهم ومعلوماتهم وعلمَهم؛ وبِبَرامجَ ووضعٍ مقبولٍ، يُضاعفون القُدرة التي قد تتأتّى للإنسان خلال سنة واحدة إلى عدّة أضعاف! لهذا، فإنّ هذا الأمر جدير بالتقدير والشكر، ونأمل أن نكون جميعًا مُقدّرين وشاكرين لهذه المسألة.

  • لدى الرفقاء برامج تتعلّق بالمسار الدراسيّ والمسائل العلميّة، وإن شاء الله سيُخرجون تلك البرامج إلى منصّة الظهور الواحدة تلو الأخرى؛ وبما أنّه يجب دائمًا أخذ نتيجة مثل هذه الأعمال بعين الاعتبار من أجل تخطيط أفضل وأكثر، فقد تقرّر أن تُعقد جلسات امتحان لكلّ منها، وأنا شخصيًا أؤكّد على هذا الأمر بشدّة!

  • تبيين بعض بنود البرنامج التعليميّ للطلاّب

  • بالطبع، يجب أن نلتفت إلى أنّ مسألة الامتحانات في هذه البرامج ليست مسألة أساسيّة، بل تُشكّل عشرة بالمائة من هذه البرامج. إنّ القصد من مسألة الامتحان ليس وضع [الطلاّب] في موضع المساءلة والاستجواب كما هو شائع في أذهان العوامّ، بل الغرض والقصد من الامتحان هو اكتشاف النقاط التي قد تكون نقاط ضعف لدى الأفراد، فيأتي الأستاذ ويُوضّح تلك النقاط ويُبيّنها. بناءً على ذلك، فإنّ جلسة الامتحان في الواقع هي جلسة تبيين وتوضيح للأمور العلميّة، لمعرفة إلى أيّ مدى استقرّت في الذهن، وفي أيّ من المواضع تحتاج إلى ممارسة وتوجيه.

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

12
  • في ذلك الزمن الماضي، كنّا نحن أيضًا نُقدّم امتحانات، وكانوا يأخذون منّا امتحانات صعبة.. امتحانات لم تكن أصلاً في الكتاب! لهذا، كنّا في تلك الموارد، نفهم نقاط ضعفنا وقوّتنا، ونسعى لرفع نقاط الضعف، ونُبدي رغبة مستمرّة في تكرار تلك الجلسات دائمًا، وألاّ تكون مجرّد امتحان، بل أن تكشف لنا نقاط ضعفنا حتّى نفهم أين يكمن الضعف في عملنا، وإلى أين يجب أن نصل، وما هي الطريقة التي يجب أن نتّبعها للوصول إلى حقيقة المسألة! لهذا، جزاهم الله خيرًا على وجود مثل هذا الوضع.

  • بناءً على ذلك، يجب أن تُعتبر مسألة الامتحان ـ التي تقرّر إن شاء الله تعالى اتخاذُ قرارٍ بشأنها ابتداءً من الأيّام القليلة القادمة ـ نعمة إلهيّة، وأن يقوم الرفقاء في طريقة بحثهم ومطالعتهم، بمعالجة النقاط التي تبدو لهم ضعيفة، وذلك من خلال المباحثة مع أستاذ الامتحان، والأخذ والردّ، والإجابة، والحديث، والبحث، وأن يصلوا إلى نقاط الضعف تلك، ويعرفوا في أيّ موارد ونقاط يجب أن يعملوا أكثر.

  • كما أنّ أساتذة الامتحان ليسوا للامتحان فقط؛ إنّهم يُعلّمون الأفراد كيفيّة المطالعة وكيفيّة الوصول إلى المسائل، وأين تكمن النقطة المفصليّة في المطلب ليتشبّثوا بها، وأين هي النقاط التي يجب الانتباه إليها في الدرس وينبغي أن يكونوا مُتنبّهين لها! بناءً على ذلك، فإنّ هذه المسألة مهمّة جدًّا.

  • كان رأيي في المقام الأول أنّه كلّما كانت الفترة الفاصلة بين الامتحانات أقصر كان ذلك أفضل؛ ولكن، كما جرى طرحه، لعلّنا في المقام الأوّل نكون بعيدين قليلاً عمّا في ذهني؛ لهذا، ستُعقد جلسات الامتحان كلّ شهر ونصف تقريبًا، وسيبذل الرفقاء كلّ سعيهم وهمّتهم وجهدهم ليحضروا حتمًا حتمًا في هذه الجلسة دون أيّ عذر! لأنّهم ـ باختصار ـ يجب أن يعلموا أنّها ستفوتهم، وذلك الشخص لن يأتي مرّة أخرى ليمتحن شخصًا آخر! فالعمر يمضي؛ وهنا، لا يُمكن قبول أيّ عذر.

  • الأمر الآخر الذي يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار هنا يتعلّق بالمسائل الأخرى التي يتمّ تناولها إلى جانب المسائل الدراسيّة! لهذا، وُضعت برامج، وإن شاء الله سيتمّ الاهتمام بهذه البرامج، وسيجري الاختيار من بينها، حيث سيشعر الرفقاء مع تقدّم الزمن أنّ عمرهم سيُؤتي ثماره؛ وكذلك بعد مرور سنة وسنتين، سيُدركون أنّ هاتين السنتين اختلفتا عن السنوات السابقة، وأنّ الاختلاف كان اختلافًا فاحشًا جدًّا. ولكلّ شخص، في كلّ مرحلة هو فيها، يوجد برنامج خاصّ به يتعلّق بالمسائل المختلفة.

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

13
  • وكذلك الوصول إلى الأساتذة، والعثور على الأستاذ، وإيجاد زميل المُباحثة، وتوفير الوقت، والتوصّل الأفضل إلى المَبَاحث، هي من المسائل المهمة التي إن شاء الله ستُؤخذ بعين الاعتبار.

  • وأمر آخر: هو مواكبة ومسايرة الأمور والمسائل المعاصرة؛ فكما ذكرت، بالنظر إلى الاختلاف الموجود بين الزمنين الماضي والحاضر بالنسبة لنا، يجب على أهل العلم وخاصّة الرفقاء ـ الذين هم إن شاء الله جنود إمام الزمان والمدافعون عن حريم التشيّع ـ أن ينتبهوا إلى أنّ الدفاع عن حريم التشيّع يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار في أبعاد مختلفة، من الناحيّة الاجتماعيّة، وعلى نطاق واسع أو على مستويات مختلفة، حيث توجد لدينا برامج لهذه القضيّة أيضًا؛ ونأمل إن شاء الله بحوله تعالى وقوّته وبتأييد إمام الزمان عليه السلام أن يتمكّن الرفقاء من الاستفادة من هذه المسألة على أفضل وجه وأكمله.

  • البرامج التعليميّة للطلاّب في زمن المرحوم العلاّمة الطهرانيّ

  • والأمر الأخير الذي لا يحتاج إلى تذكير، وإنّما هو من باب أن يسمع الرفقاء هذا الأمر منّا، هو: أن يعلم الرفقاء أنّ الأمور التي تُطرح، هي في سياق نفس المسائل والأمور التي كنتُ في زمن المرحوم العلاّمة أتولاّها في مشهد! فالرفقاء الذين كانوا في ذلك الزمان يعلمون أنّ المرحوم العلاّمة قد كلّفني بمسؤوليّة شؤون الطلاّب، واستمرّت هذه القضيّة في ذلك الزمان، والجميع يتذكّرون أمورًا من ثمرات تلك الفترة. للأسف، لأسباب معلومة أو غير معلومة، وبعد مرور بضعة أشهر على رحيل المرحوم العلاّمة، وبالنظر إلى البُعد المكانيّ والمشاكل التي كنت أُواجهها في ذلك الوقت فيما يتعلّق بالأحداث والقضايا والاشتغالات هنا، لم أعُد قادرًا على مواصلة ذلك الوضع؛ وبعد مرور بضعة أشهر، تنحّيت عن تلك المسؤوليّة، غير أنّ هذا الأمر ظلّ في ذهني، وأنا ألوم نفسي على هذه السنوات، وأُعطي الرفقاء الحقّ في أن يعترضوا عليّ لأنّني قصّرتُ في هذه المسألة خلال هذه المدّة! ولكن، حسنًا، بما أنّهم يقولون: «دفع الضرر في أيّ وقت هو منفعة!»، فبعد أن سمعنا الكثير من الأمور، ووصلت إلى مسامعنا مسائل مختلفة من كلّ صوب، قرّرنا أن يسود ويجري ويشيع بيننا نفس ذلك الوضع وتلك الكيفيّة التي كانت في زمن المرحوم العلاّمة، ولكن بشكل أوسع وأغنى وأكثر إثمارًا بكثير. ونأمل أن يهتم الرفقاء اهتمامًا كاملاً بهذه المسألة، وألاّ ينظروا إلى كسلنا، بل ينظروا إلى المنافع التي ستعود عليهم، وأن يولوا اهتمامًا كافيًا ودقيقًا للبرامج التي تُعطى لهم. من هذا المنطلق، يُمكنني أن أقول للرفقاء إنّه بعد مرور فترة إن شاء الله تعالى، سيشمل الجميع دعاء الرفقاء؛ ورغم أنّه قد تكون المسألة في البداية صعبة بعض الشيء؛ لكن، إذا تحمّلوا، وصبروا، ففي ذلك الصلاح، حيث سيُدركون هم أنفسهم منافعه، فلا ينسوا الفقراء من صالح دعائهم!

وظيفة الطلاّب في الزمن الحاضر وضرورة الجمع بين الفقه والعرفان للدفاع عن مدرسة التشيّع - أثر الرؤيّة الباطنيّة والفلسفيّة في دقّة استنباط الأحكام الشرعيّة وفهم روايات أهل البيت

14
  • هذا ما أردت أن أعرضه على الرفقاء. إن شاء الله، بالنظر إلى الوضع والبرنامج الذي يُدوّن ولله الحمد، وبوجود أفراد صادقين ومخلصي النيّة لديهم تجربة الماضي وزمن المرحوم العلاّمة، [يبذلون جهدهم] في مجالي الامتحانات والإشراف، نأمل إن شاء الله أن نتمكّن من الاستفادة من رأسمال عمرنا أكثر فأكثر.

  • سؤال: [هل هذه البرامج لرفقاء المحافظات الأخرى أيضًا؟]

  • جواب: بما أنّ نطاق الإشراف والرعاية والمتابعة يعود إلى الطلبة الموجودين في قمّ، فبطبيعة الحال، يجب على الأفراد الآخرين ـ إذا استطاعوا ـ أن يقوموا بهذه الأمور في نطاقهم الخاصّ، وهذا أفضل بكثير. ولكنّ تطبيق هذا البرنامج على أماكن أخرى بحيث يشملهم بإشرافه، هو أمر صعب بعض الشيء! نعم، في كلّ مدينة، يُمكن لطلبة تلك المدينة أن يتّخذوا هذا البرنامج نموذجًا لهم، ويعملوا به بأنفسهم؛ أمّا أن تكون مسؤوليّتهم تحت إشراف هؤلاء، فلا! هذه المسألة صعبة بعض الشيء، ولا يُمكن تحقيقها في الظروف الحاليّة.

  •  

  • اللّهمّ صلّ على محمد وآل محمد