9

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة

التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

4
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةطلاب العلوم الدينية

التاريخ 1431/12/24

جلسات المجموعة(7 جلسة)

التوضيح

ما هي الآفات التي تُبتلى بها بعض المجالس الدينيّة من تكلّف ومظاهر شكليّة وتضخيم للشخصيّات على حساب الهدف الدينيّ الحقيقيّ؟ وكيف يتعارض ذلك مع مدرسة العرفان الأصيلة التي تدعو إلى البساطة وإصلاح النفس؟ وما هي الآداب والضوابط العمليّة التي يجب على الخطيب الالتزام بها لتكون خطاباته مؤثّرة؟ ولماذا يُعدّ اجتناب إطالة الكلام والابتعاد عن الحسابات الشكليّة في المجالس أمرًا جوهريًا لنجاح التبليغ؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه التساؤلات بوضوح، مقدّمةً رؤية نقديّة وتوجيهيّة متكاملة لوظيفة طالب العلوم الدينيّة في هداية المجتمع بعيدًا عن المظاهر والقشور.

/۲۸
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة

  • التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

  •  

  • مباني الإسلام، وظائف طلاّب العلوم الدينيّة، المحاضرة التاسعة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمٰن الرحيم

  • الحمد لله رب العالمين

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد

  • وعلى آله الطيّبين الطاهرين

  • واللّعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين

  •  

  •  

  • أهميّة وتأثير المجالسة مع أهل السلوك

  • كنت راغبًا جدًّا في الحضور عند الرفقاء في وقت أبكر من هذا، وأن أُشارك في برامجهم، وأكون على اطّلاع شخصيّ بمسار المسائل والمواضيع المطروحة؛ ولكن، تأخّر الوقتُ الليلةَ لأسباب معيّنة. إذا وفّقني الله تعالى، لعلّي أستطيع الاستفادة أكثر من المشاركة في هذه المجالس والمحافل، وكذلك من المسائل التي تُطرح، والتي يمكن قطعًا أن تكون مفيدةً لنا جميعًا، وتُغيّر حالَنا. 

  • لا أقول هذه المسألة للرفقاء من باب التشجيع وإعطاء الاعتبار، بل هذا إحساسي حقًّا، وهذه هي رؤيتي تجاه المسائل والمواضيع التي تُطرح، وأنا شخصيًّا أشعر بالاستفادة. هذه حقيقة؛ وإذا رأيتُ بنفسي أنّ حضوري في أيّ مجلس أو محفل لا يجلب لي نفعًا، فإنّني لا أشارك. ولهذا، فإنّ هذا الكلام الذي أقوله للرفقاء ليس من باب المزاح أو المبالغة أو المجاز أو التشجيع، أو بعبارة أفضل: ليس للتسلية؛ بل هو حقيقة.

  • عندما أقول للرفقاء: «إنّني حينما أشارك في جلسات عصر الجمعة، يعود إليّ الحال نفسه الذي كان في السابق»، فأنا لا أمزح، بل إنّها حقيقة. حسنًا، إذا لم يحصل هذا لأحد الحاضرين، فهذا لا علاقة له بي! فهكذا أنا. وإذا كان الحضور في مثل هذه المجالس لا يُشكّل فرقًا لبعض الناس، فأنا لست ضامنًا ولا متكفّلاً بنفوس العباد. لعلّ بعض الناس يعدّون المشاركة في مثل هذه المجالس نوعًا من إضاعة الوقت؛ ولكن، حسنًا، على كلّ حال، أنا هكذا، وأرى نفسي ملتزمًا ومتعهّدًا بما أقوله؛ أي: يُمكنني أن أكون مسؤولاً ومجيبًا عن ذلك يوم القيامة.

  • معنى رواية: إنّ الملائكة لتضع أجنحتهم لطالب العلم

  • هذه حقيقة كنّا نشاهدها لا في أنفسنا فحسب، بل في العظماء أيضًا. فهم أيضًا في ذلك الحال الذي كانوا فيه، وفي تلك المسائل والمواضيع التي كانوا يسيرون فيها، سُمعت منهم مثل هذه العبارات التي ذكرتُها، قلّ ذلك أو كثُر. وكانوا يقرؤون كثيرًا رواية: «إنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَها لِطالِبِ العِلْمِ».۱ هذا الجناح هو جناح مُؤيَّد، ويعني ارتباط السالك بالمبادئ العلميّة؛ لأنّ الجوّ كلّه قد أصبح جوًّا علميًّا. يجب أن يكون هناك اتّصال بين الإنسان وتلك المبادئ؛ ومع مَن يجب أن يحصل هذا الاتّصال؟ مع الشيطان، أو الجنّ، أو النفوس الخبيثة، أم مع الملائكة؟! الأمر واضح. يجب أن يكون مع الملائكة. بواسطة الملائكة الذين يُنزلون الحقائق العلميّة الكلّية على شكل حقائق علميّة جزئيّة خارجيّة. هذه الواسطة هي الملائكة. وبطبيعة الحال، من الواضح أنّه يجب أن يكون جوّ المجلس والحاضرين متوافقًا مع هذا الإيمان. الإيمان بالطريق.. الإيمان. مسألة الإيمان مسألة عجيبة جدًّا؛ أي: كيف نُؤمن بطريقنا؟!

    1. الكافي، ج ۱، ص ٣٤.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

3
  • هذا ما كان يقوله المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه: لا تدعوا الناس إلى هذه المدرسة بسرعة! هذا ليس صحيحًا، هذا ليس حسنًا، بل ادعوهم أوّلاً إلى المعرفة والفهم لكي يُؤمنوا بالطريق الذي يُريدون اختياره، ولكي يمتلكوا الفهم والاعتقاد. لكيلا يعدّوا هذه المدرسة وهذا الزيّ وهذه العلوم وسيلةً لكسب العيش وتمضية الحياة، ولكيلا يعدّوها مهنةً.

  • يقولون: «يا عزيزي، ما هي مهنتك؟»، فيقول: «مهنتي عالِم دين!». هل كون المرء عالِم دين يُعدّ مهنة؟! هل هو عمل؟! أن تكون عالِم دين يعني أن تكون تلميذًا للإمام الصادق عليه السلام؛ هذا هو المعنى. يعني أن تمتلك الإيمان، يعني أن يكون لديك يقينٌ بمكانتك.

  • قيمة ومقام تحصيل علوم أهل البيت نسبة إلى سائر العلوم

  • حسنًا، لنفترض أنّه ظهر مرض فجأةً في كلّ العالم، أو وقعت حادثة، أو حدث زلزال، ومات كلّ الناس في المنطقة التي يتواجد فيها الإنسان، ولا يملك طريقًا للوصول إلى مكان آخر، فهل الآن وقد مات كلّ الناس، يجب أن نترك درسنا وبحثنا وعملنا ومطالعتنا جانبًا؟! كلاّ، كلاّ! بينما في سائر المهن، ينتهي كلّ شيء. إذا كان إنسان حدّادًا، ورأى أنّه لم يعد أحدٌ هنا يستخدم الأدوات الحديديّة، فإنّه يُغلق باب حدادته، ويذهب إلى النجارة، أو يذهب إلى عمل آخر، إلى حرفة أخرى، إلى فنّ آخر، ليستطيع إعالة نفسه. يفتح باب محلّه في الصباح، ولا يأتيه زبون حتّى الليل؛ حسنًا، هل هو مُجبر على الجلوس خلف الصندوق دون أن يعمل شيئًا! حسنًا، ينهض ويذهب للقيام بعمل آخر.. عمل يحتاجه الناس.

  • الآن، هذه الجامعات الموجودة، لأيّ شيء هي؟ هي للعمل في أمور الدنيا! كليّة الهندسة والعمارة لأيّ شيء؟ من أجل أن يبني الناس بيوتًا. هل هذا واضح؟! حسنًا جدًّا، الآن إذا تقرّر أن تُصنع كلّ البيوت مُسبقًا في مكان واحد، ويأتوا لتركيبها، فإنّ الهندسة المعماريّة ستُنحّى جانبًا، فلماذا تبقى إذن؟! باستثناء فحص الأرض وتلك الأمور الأوليّة. افترضوا وجود مجموعة خاصّة ـ مثل عاملين اثنين ـ يأخذون المعدّات من داخل المصنع، ويأتون لتركيبها؛ حسنًا، انتهى الأمر! فلماذا يذهب الإنسان للدراسة ويُضيّع كلّ هذا الوقت؟! هكذا، يذهب لعمله. وإذا افترضتم أنّهم جاؤوا، ومن خلال تقدّم العلوم، صنعوا دواءً، وصنعوا قرصًا يمنع الناس من المرض! وصار من الواضح أنّ الصيدليّ فقط هو من يعرف أيّ دواء يعطي؛ فماذا سيحلّ حينئذ بكليّة الطبّ هذه وغيرها؟ الفاتحة! انتهى الأمر وذهب كلٌّ إلى شأنه. لم يعُد أحد يمرض. وكذلك كليّة الفنون، وفي العلوم الأخرى كذلك، والعلوم التجريبيّة كذلك. كلّ هذه العلوم الجامعيّة التي نراها، لأيّ شيء هي؟ كلّها من أجل تمشية أمور الحياة. كلّها من أجل الانشغالات وتمضية الحياة. ولكنّ علوم أهل البيت عليهم السلام لا ارتباط لها بتاتًا بتمضية الحياة، لا علاقة لها أبدًا بذلك!

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

4
  • هل يجب أن يكون هناك أناس على وجه الأرض، أو في حَيِّنا وجوارنا، لكي أبحث عن كمالاتي وأعتقد بها؟! كلاّ! سواء كانوا موجودين أم لا، يجب أن أرى ما هو مبدئي؟ وما هو معادي؟ وما هي مراتب تكاملي؟ لماذا؟ لأنّ الأمر يعود إليّ أنا، وليس إلى أيّ إنسان آخر.. يعود إلى تكاملي الروحيّ، يعود إلى نموّي أنا؛ سواء كان هناك جار أم لم يكن، فهذا لا ارتباط له بي، ولا علاقة له بي!

  • بقي موسى بن جعفر عليهما السلام في السجن ثماني سنوات. ماذا يعني السجن؟ يعني الانقطاع عن الناس. حسنًا، كيف عاش؟ هل تعطّل كلّ شيء لديه؟! هل ذهب ونام وقال: «بما أنّني لم أعُد أتواصل مع الناس، إذن: الفاتحة! كأنّك مِتَّ!». كلاّ! بل كان موسى بن جعفر عليه السلام يقول في أدعيته [ما معناه]: «اللهمّ إنّي كنت أبحث عن مكان لكي أتمكّن من الأُنس أكثر بك».۱ هذا الكلام يعني عكس ما نفهمه نحن اليوم تمامًا من هذه العلوم ومن هذه العلاقات ومن هذه المسائل التي نَنهمِك بها.

  • عندما جاء الخطاب إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله: ﴿ٱقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلإِنسَٰنَ مِن عَلَقٍ * ٱقرَأ وَرَبُّكَ ٱلأَكرَمُ﴾،٢ حزن، وقال: عجبًا، لقد بدأنا نفرح للتوّ! لقد بدأنا نأنس بالله ونصير من خاصّته، فكنّا قد أوجدنا حريم أُنس، وكنّا نتناجى، ونأنس ببعضنا، وتذوّقنا حلاوتها للتوّ؛ وفجأةً، جاء النداء: كلاّ! هذه الأشياء التي حصلت عليها، يجب أن تأتي، وتُوزّعها على الآخرين! ليس لوحدك! السالك لا يُفكّر في نفسه فقط.

  • هدف العلاّمة الطهرانيّ من كتابة دورة علوم ومعارف الإسلام

  • كان المرحوم العلاّمة يقول: السالك لا يترك في كشكوله شيئًا لنفسه، بل يُوزّع كلّ شيء على الآخرين. 

  • هذه السنوات الطويلة التي جاء فيها المرحوم والدنا ـ سواء في طهران أو في مشهد ـ وانشغل فيها بهذه الكتب، لأيّ شيء كانت؟! لكيلا يأكل وحده، لكيلا يأكل وحده!

  • لقد ذكر كلامًا لأخيه حينما تشرّف بزيارة مشهد، وذهب لزيارته في منزله ـ والذي كان يحضر في وقت من الأوقات في محافله وجلساته ثمّ لم يتمكّن من المشاركة لأسباب أخرى ـ حيث قال له: 

    1. الإرشاد، ج ٢، ص ٢٤۰:
      اللهُمّ إنَّكَ تَعلَمُ أنّي كُنتُ أسألُكَ أن تُفَرِّغَني لِعِبَادَتِكَ اللهُمَّ وقَد فَعَلتَ فَلَكَ الحَمد.
    2. سورة العلق، الآيات ۱ ـ ٣.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

5
  • عندما رأيتُ هذه الثورة قد قامت، وهؤلاء الناس جاؤوا وقاموا بالثورة، مع أنّهم لم يستيقظوا في الصباح هكذا ليروا أنّ الأوضاع قد تغيّرت دون تعب ودون أيّ مشقّة، بل إنّ القيام بالثورة يعني تجرّع المرارة، يعني التعرّض للأذى، يعني تقديم الأبناء. فكم شهيدًا قُدّم في هذه الثورة؟ كم؟! كنّا نرى ذلك كلّ يوم. كانوا يضربون ويقتلون من هؤلاء الناس. كانوا يضربون هؤلاء الشباب هكذا في هذه المظاهرات ويُطلقون عليهم الرصاص ويقتلونهم، ولكنّ الناس لم يتراجعوا! كانوا يُريدون إسقاط نظام الكفر ونظام الظلم للوصول إلى نظام العدل. لقد وُعدوا بنظام العدل وحكومة عليّ عليه السلام. حسنًا، عندما جاؤوا، وتحمّلوا هذه المرارات، وتحمّلوا هذا الأذى، وتحمّلوا هذه الضربات، لأيّ شيء كان ذلك؟ هل لكي يأتي نظام نصرانيّ ويهوديّ؟! حسنًا.. كلاّ! لكي يأتي نظام بهائيّ؟! كلاّ! لكي يأتي نظام علمانيّ ولائكيّ؟! كلاّ! لقد ثار الناس لكي يحلّ نظام الإسلام. حسنًا، الآن، وقد جئنا، وقدّمنا أرواحنا وأبناءنا، وقُتلت نساؤُنا وأطفالنا، وتحمّلنا كلّ هذه المرارة، فماذا في النهاية؟ ماذا في الأخير؟ في الأخير، يجب أن تكون الحكومة الموجودة هي حكومة الإسلام، وتكون مبادئها مبادئ الإسلام، وعقائدها عقائد الإسلام، وأن يتمّ التعريف بالله في هذه الحكومة، أن يُعرَّف النبيّ، أن يُعرَّف الإمام، أن تُعرَّف الولاية في تلك الحكومة، أن يُعرَّف النموّ والصلاح في تلك الحكومة، وأن تكون كيفيّة إدارة النظام وتدبير الأمور مبنيّة على حركة النفوس نحو عالم التوحيد.. هذا كان سبب هذه الثورة!

  • كان يقول: حسنًا جدًّا، لقد رأيتُ أنّ الناس قد قاموا بهذه الأعمال، فما الذي في أيديهم؟ لا شيء! ليس بيد الناس شيء. لم يعرفوا الإمام، ولم يعرفوا النبيّ، ولم يعرفوا الله! تمامًا كما في زمن النظام الشاهنشاهيّ. فقط نفوسهم هي التي حرّكتهم، وفطرتهم هي التي حرّكتهم، فجاؤوا وغيّروا الحكومة. والآن، مَن الذي يجب أن يأتي ليُطعمهم، ويُصحّح عقائدهم، ويُحوّل معتقداتهم إلى معتقدات صحيحة وإلى حقائق صحيحة، مَن الذي يجب أن يفعل هذا؟

  • يقول: رأيتُ أنّ عليَّ مسؤوليّة، عليَّ مسؤوليّة أن آتي، وأضع ما حصلتُ عليه في متناول الناس. فذهابي إلى قمّ، ودراستي سبع سنوات عند العلاّمة الطباطبائيّ، وتحصيلي عند العظماء، وسهري في الليالي، وذهابي سبع سنوات إلى النجف، وتحصيلي عند العظماء، ـ أنا أتحدّث بلسان حاله ـ وتتلمذي في خدمة العظماء، وحضوري عند المرحوم السيّد جمال الدين الكلبايكانيّ، وحضوري عند المرحوم الشيخ عبّاس هاتف القوچانيّ، وحضوري عند المرحوم آية الله الشيخ محمّد جواد الأنصاريّ وغيرهم ـ وهم كثر ـ؛ وفي النهاية، حضوري عند الشخص الذي أتمّ عليَّ كلّ شيء، وأتمّ عليَّ الحجّة، وكما كان يقول: 

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

6
  • «عندما وصلتُ إلى هذا الرجل، توصّلتُ إلى تلك الحقيقة المفقودة، وتمّ الأمر بالنسبة لي، ووجدتُ ضالّتي». 

  • وهو المرحوم السيّد هاشم الحدّاد رضوان الله عليهم أجمعين. وكلّ هذا الحضور عند العظماء ودراستي.. كلّها كانت عنايات وتوفيقات من الله تجاهي؛ وكان كلامه هو: «رأيتُ أنّه من خلاف المروءة، ومن خلاف الرجولة والشهامة أن أحتفظ بكلّ هذا لنفسي! فجئتُ، وقسّمتها: تفضّلوا أيّها السادة، لقد وضعتُ ما حصلتُ عليه في هذه الستّين سنة في طبق الإخلاص، وقدّمتُه لكم في كتبي وفي أحاديثي وفي منهجي وسيرتي». هذه هي قضيّتي، وهذا هو موضوعي!

  • ولهذا، لم يأتِ ليقول كغيره من الناس: حسنًا، هذا الذي أكتبه، يجب أن آخذ عليه حقّ تأليف، ويجب أن أحصل على إمكانيّات. كلاّ أبدًا! لم نرَ قرشًا واحدًا أخذه من تأليف هذه الكتب، ووضعه على الرّفّ كتذكار، ليقول إنّ هذه نتيجة تأليفاتي. لماذا؟ لماذا القضيّة هكذا؟! لماذا يجب أن تكون هكذا؟

  • الرؤية الفقهيّة لآية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ حول حقّ التأليف

  • بالطبع، إنّ مسألة حقّ التأليف هذه لها مبنى فقهيّ واجتهاديّ برأيي. وسأطرح هذا المبنى الفقهيّ والاجتهاديّ لاحقًا بشكل مبسوط في مسائل حقّ التأليف؛ وهو أنّه: ما يتعلّق بهداية الناس من علوم أهل البيت عليهم السلام والعنايات التي تحصل للشخص بواسطة المطالعة والمُدارسة في هذه العلوم، هو حقّ لسائر الناس وليس حقًّا شخصيًّا له. يعني: عندما يُؤلّف كاتب كتابًا... وبالطبع، إذا لم نعدّ هذه القضيّة متعلّقة بسائر الناس، فهي على الأقلّ متعلّقة بأولياء الله والعرفاء بالله والعلماء بالله وبأمر الله، وليس بكلّ من يأتي ويكتب ما يشاء، كلاّ، نحن لا شأن لنا بأولئك الذين كلّ كلامهم مجرّد هراء وتخيّلات وأذواق ومسائل شخصيّة ومواضيع ممزوجة بالجهل باسم العلم وباسم المعرفة، ولا شأن لنا بهم. بل إنّ كلامنا هو بخصوص ـ مثلاً ـ كتب المرحوم العلاّمة الطباطبائي والمرحوم الآخوند الملاّ حسين قلي الهمدانيّ والمرحوم العلاّمة ومؤلّفات أمثال المرحوم القاضيّ أو المرحوم الميرزا جواد آقا الملكيّ التبريزيّ رضوان الله عليهم أجمعين، ونظير هؤلاء العظماء الذين كتاباتُهم نورٌ ونابعةٌ من مبدأ العلم وهدفُها الهدايةُ والإرشاد، فإنّ هذه المكتوبات لا يتعلّق بها حقّ تأليف.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

7
  • يعني: إذا كتب المرحوم العلاّمة كتابًا، ولم يُتّخذ إجراء بشأنه، فإنّه بوسع أيّ إنسان في هذا العالم ـ ولو من أبعد نقطة فيه، من أستراليا أو من هنا وهناك ـ أن يأتي، ويأخذ الكتاب دون إذن الوصيّ، غاية الأمر، ينبغي أن يأخذه كما هو، دون أن يُنقص أو يزيد حرفًا؛ فيُمكنه أن يأخذ ذلك الكتاب، ويطبعه، ويوصله إلى مسامع الجميع. بالطبع، يجب أن يُنقّح الكتاب، ويُنظّم، ويُعدّ كما أراده هو؛ لأنّ بعض المكتوبات تحتاج إلى تنقيح وإصلاح. وبعد إحراز هذه المسألة وبعد إحراز الموضوع، لا يحقّ للمؤلّف والوصيّ والوارث المنعُ من طباعة تأليفات الوالد، ويُمكنه هو نفسه أن يذهب، ويفعل ذلك، ويُمكن لأيّ إنسان أن يفعله. بالطبع، هذه مسألة يجب على الفقهاء أن يدرسوها، ويُعيدوا النظر فيها، وأن يبحثوا عن المسألة بتأمّل ودقّة أكبر؛ لعلّنا نصل إلى نتائج جيّدة وإنجازات دقيقة وعميقة جدًّا!

  • فهذا المكتوب وهذا التأليف، هو تأليف فيه هداية وفيه بصيرة وفيه نور، وليس فيه دعوة إلى النفس، وليس فيه دعوة إلى الذات. ليس فيه دعوة إلى الأنانيّة، وليس فيه دعوة إلى التمحور حول الذات، أبدًا! ولهذا، كنّا نسمع من المرحوم العلاّمة عندما كانوا يقولون له: يا سيّدي، فلان يقتبس هذه المسائل، وينقلها باسمه، فكان يقول: «وهل كتبتُها لتكون باسمي؟!». نقول له: إنّ فلانًا أتى، ونقل المواضيع في منبره وفي مقالته دون أن يذكر اسمك. بالطبع، عدم ذكر الاسم خطأ، ويجب على الإنسان أن يذكر الاسم، ويجب أن يذكر المصدر؛ لأنّ الذكر نفسه هو أداء للحقّ تجاه كيفيّة النزول وشأن النزول.

  • لزوم حفظ الأمانة في نقل مسائل الآخرين

  • في وقت من الأوقات، عندما نُشر كتاب لأحد العظماء ـ لن أذكر اسمه ولكن لعلّ الرفقاء يعرفونه ـ كان هذا الشخص، هذا الرجل العظيم قد تحدّث في حياته عن شخصيّة معيّنة، وارتقى المنبر، وقال كلامًا جيّدًا ونفيسًا بالمناسبة؛ ولكن، كانت فيه إشكالات ومآخذ. ولكن، بعد تواصله مع المرحوم العلاّمة، تغيّرت آراؤه ورؤاه تجاه المسألة، وأصبحت تلك المسائل تُطرح وتُؤدّى بشكل آخر، وتصحّحت الكثير من المسائل. وعندما نُشر كتابه، قال البعض: إنّه يجب حذف ما كان سابقًا وإحلال ما طُرح في آخر عمره تجاه هذه المسألة مكانه؛ لأنّه لا ينبغي أن تكون هناك نواقص. اعترضتُ أنا، وكان اعتراضي في محلّه بأنّه: لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا؟ لماذا لا ينبغي للناس أن يفهموا أنّ سبب هذا التغيير كان التواصل مع هذه الشخصيّة الإلهيّة؟ هذا بحدّ ذاته كفران للنعمة!

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

8
  • أنت الذي تكبر هذا الرجل الإلهيّ بسنتين أو ثلاث، أنت الذي تعلّمت كلّ هذا العلم وتجرّعت كلّ هذه المرارات للوصول إلى هذه المسائل؛ حسنًا، لماذا يجب أن يكون هناك نقص في عباراتك تلك؟ السبب في ذلك هو أنّك لم تتمكّن من الوصول إلى مثل هذا الفرد؛ وحينئذ، ألا يجب أن يعرف الناس من أين جاء هذا التغيير والتحوّل؟! هل يجب أن يبقى هذا مخفيًّا هكذا؟ حسنًا، هذا كفران، هذا باطل.

  • يجب أن يعرفوا أنّ هذا الشخص الذي كان يتحدّث قبل خمسة عشر عامًا عن هذه الشخصيّة الإلهيّة، وكلامه الآن قد اختلف عن ذلك الوقت، يجب أن يعرف الناس مصدر ذلك. أليس هذا بحدّ ذاته نوعًا من التبليغ؟ ولكنّنا رأينا أنّه يتمّ التعامل مع هذه القضيّة بشكل نفسانيّ. يا عزيزي! ذلك الشخص الذي فارق الحياة يصرخ من داخل قبره قائلاً: «قولوا الأمر على هذا النحو»، بينما الأشخاص المحيطون بالمسألة [يقولون]: لا، لا ينبغي لنا أن نقول ذلك! لماذا؟ لأنّه يُعدّ نقصًا. عجبًا! عجبًا! لا نُطيق سماع صدور نقص من هذا الشخص، ولكنّنا نُطيق التفريط في أداء الأمانة؟! نُطيق التخلّف في أداء الأمانة؟! حسنًا، ماذا يُسمّى هذا؟ هذا تعامل نفسانيّ.

  • ولهذا، كان دأب الفقهاء، عندما يكتبون رسالة عمليّة، ويُعطون آراء وفتاوى، ويُصدرون حكمًا في مسألة ما، ثمّ تتغيّر رؤيتهم ـ كم تغيّرت مسائل المرحوم الشيخ الطوسيّ؟ كم تغيّرت رؤاه؟ كم تغيّرت آراء الصدوق؟ كم تغيّرت آراء هؤلاء؟ العلاّمة، المرحوم المحقّق الحلّي، المحقّق الكركيّ ـ لم يكونوا يمحون رؤيتهم السابقة، بل كانوا يحتفظون بها لكي يتبيّن لطالب العلوم الدينيّة وللمجتهدين الآخرين أنّه في وقتٍ ما، كان لديه هذا النحو من الاستدلال على المسألة بناءً على أدلّة خاصّة؛ والآن، تغيّرت الرؤية. لكي يعرف ذلك المجتهد هذا الاختلاف، لعلّه يأتي، ويقبل الرؤية الأولى، ويقول: لا، تلك الرؤية الأولى والابتدائيّة تجاه هذه المسألة هي الحجّة عندي، وذلك طبقًا لهذه الأدلّة والقرائن والشواهد. فلماذا لم يمحوا رؤيتهم السابقة؟ لكيلا يخونوا تلك المُعطيات العلميّة وتلك الحقائق التي نزلت عليهم. نحن لسنا معصومين! المعصوم يقول كلمة واحدة في البداية والنهاية، والنبيّ يقول الكلام نفسه الذي يقوله ابنُه بقيّة الله أرواحنا فداه، ولا يوجد أيّ اختلاف بين أوّلهم وآخرهم.. لا يوجد فرق بمقدار رأس إبرة. لماذا؟ لأنّهم جميعًا معصومون، معصومون عصمة مطلقة. والمعصوم المطلق يذكر مسألة واحدة وكلمة واحدة، وكلامه لا يصير اثنين؛ ويجب التفريق في هذه المسألة عن سائر الأمور.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

9
  • أحقّية علوم أهل البيت وحاجة البشر إليها في كلّ حال

  • كانت هذه المسألة هي ما أردت قوله للرفقاء. بالطبع، الرفقاء يعرفون ذلك؛ ولكن، من باب ﴿فَذَكِّر﴾، ومن باب تجديد هذه المسائل. فتكرار هذه المسائل لا يخلو من لطف لكي يحصل الإنسان على تمرّسٍ في مثل هذه الأمور، ويعرف أنّ هذه العلوم هي علوم حقّة. يعني: إذا مات كلّ الناس، فعليك أن تقرأ الأصول، وعليك أن تقرأ البلاغة، وعليك أن تقرأ التفسير. لا تقُل: لا يوجد أحدٌ لأرتقي المنبر لأجله. حسنًا، أنت نفسك موجود! عزرائيل لم يأتِ إليك بعدُ! وما دام لم يأتِ، فهل يجب أن نترك العلوم؟! كلاّ! هل الأفضل أن نعرف رواية جاء فيها «قال الصادق عليه السلام» ثمّ نموت، أم ألاّ نعرف هذه الرواية؟ أيّهما أفضل؟ المعرفة أفضل. أن نعرف رواية جاء فيها «قال الباقر عليه السلام» في مسألة من المسائل العقائديّة والأخلاقيّة والمعرفيّة. أن نعرف رواية عن الإمام الباقر عليه السلام؛ وبمعرفتها، يتغيّر حالُنا. فهل الأفضل أن نعرف ذلك أم لا؟!

  • هناك أناس عندما يقال لهم: لقد أُصبتَ بالمرض الفلانيّ وأمامك ستّة أشهر، يتركون كلّ شيء. يُغلقون باب البيت ولا أعرف ماذا، ويستقبلون الزوّار بوجوه عبوسة، فلا يردّون السلام ولا غير ذلك... .

  • كان هناك أحدهم، أوجعته عينُه قليلاً، واشتدّ مرضه، ثمّ قالوا له: إنّ هذه العين لن تُشفى. كان لا يزال يملك عينًا أخرى! ليس الأمر أنّه فقد كلتيهما، بل واحدة فقط أُصيبت. ذهبنا إلى بيته، كنّا نسلّم عليه، فلا يردّ. قلنا: ماذا دهاه؟ لم يعُد يردّ أبدًا. لقد ساءت أوضاعه كثيرًا، وكان الجميع يقولون: ما بال هذا لم يعُد يتواصل مع أحد ولا يتكلّم ولا يفعل شيئًا...؟!

  • حسنًا إذن، ما الذي حلّ بتلك الأحاديث التي كنت تذكرها للناس؟! «هذه أمانات إلهيّة، يُعطيها يومًا ويأخذها يومًا! هذه كلّها عواري، يُعطيها اليوم ويأخذها غدًا». لقد سقطتَ هناك كالوجه العبوس! لا أحد يستطيع التحدّث معك، وقد نغّصت عيش أهل بيتك جميعًا.

  • موسى بن جعفر عليه السلام في هذه السنوات الثماني وصل في السجن إلى الأُنس للتوّ، ووصل إلى حريمِ أُنسٍ جعله اللهُ له للتوّ. ولم يكن هذا تهرّبًا من المسؤوليّة، وإغلاقًا لبابه، وقولاً لـ: ما شأني؟! كلاّ. بل الله هو الذي قدّر ذلك! والآن، وقد قدّر الله ذلك، فما أحسنه! نحن كنّا نبحث عن هذا منذ البداية، وكلّ ما كان لدينا قسّمناه بين الشيعة، وكان باب منزلنا مفتوحًا، ومَن لم يأتِ فاللوم لا يقع على صاحب البيت. مَن لم يأتِ فاللوم لا يقع على الباذل والفيّاض، بل اللوم عليه هو. لسنوات طويلة، كان باب منزلنا مفتوحًا، ـ هذا شرح حال موسى بن جعفر عليه السلام ـ وكلّ من كان يأتي، كان يسأل عن المعارف والأحكام والأمراض؛ فكان المريض يأتي، ويسأل عن الشفاء، ويأتي لأمور أخرى ولرفع الحوائج ولكلّ شيء، وكنّا نجيب عن كلّ شيء، ونرشد كلّ إنسان بحسب سِعته. قالوا لنا: تعال، تعال، حتّى هنا، ثمّ توقّف هنا، وانتهى الأمر.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

10
  • جاؤوا، ووشوا به. فجاء ابن أخ موسى بن جعفر عليه السلام، ووشى به. ابن أخيه! حفيد الإمام! يذهب، ويشي بالإمام الحيّ المعصوم عند هارون، ويكذب ـ ويا ليته كان يصدق ـ ويتّهم عمّه! هذه أمور مكتوبة في التاريخ! ذهب موسى بن جعفر إليه، وسأله: إلى أين تريد الذهاب؟ قال: أريد الذهاب إلى هناك في بلاط هارون. فقال له: لا تذهب الآن! فقال: لديّ عمل وعليّ دَين. فقال له الإمام: أنا أقضي دَينك. وخلاصة الأمر أنّه لم يقبل كلام الإمام. وفي النهاية قال له: لا تُلوّث يدك بدمنا فهذا سيُكلّفك كثيرًا؟ هل هذا واضح؟ ثمّ ينهض ذلك الرجل، ويذهب إلى هارون، ويقول له: «أتعجّب من خليفة الأرض كيف يسمح لنفسه أن يحكم في بغداد، بينما خليفة آخر يحكم في المدينة! يأتون ويذهبون ويجتمعون...». كلام فارغ وتُهم وأكاذيب. لأجل ماذا؟ لأجل درهمين ودينارين! حسنًا، لقد جاؤوا، وجاء هارون في سفره للحجّ إلى المدينة، وأمر بنفي الإمام عليه السلام إلى سجن البصرة، وبقي هناك مُددًا طويلة!

  • بقي الإمام في السجن لسنوات طويلة. حسنًا، لم تتغيّر القضيّة أبدًا، ولم تختلف المسألة. كان له نفس الحال ونفس الأُنس ونفس الخلوة، بل أفضل وأريح، فلم يعُد بابُه يُفتح ويُغلق باستمرار، ليأتيه الناس، ويشغلوه عن عمله وحياته. هذه القصّة تُبيّن لنا أنّه يجب أن نكون ملتزمين بما نُؤمن به.. أن نكون ملتزمين.

  • على ماذا تدلّ اللامبالاة تجاه مدرسة العظماء؟

  • في ذلك المجلس في تلك الليلة، أعتذر للرفقاء إن تحدّثتُ بحدّة قليلاً، فالرفقاء يعذرونني، وهم أدرى بحالي منّي، ويعذرون هذه الجرأة، ولكنّ المسألة هي نفسها، والموضوع هو نفسه. ذلك الذي يقول: «ما شأني»، ماذا يعني ذلك؟! يعني أنّني لا أملك الكفاءة لاتّباع هذه المدرسة ـ بصراحة ـ لا أملك الكفاءة! غاية الأمر أنّه لا يريد أن يقول إنّه لا يملك الكفاءة. وحتّى أنّه لا يملك الكفاءة ليقول: «لا أملك الكفاءة». بل يُلقي باللوم على مسألة «ما شأني». لا يملك الكفاءة للدفاع عن المدرسة. «يا سيّدي، لقد تحدّثوا في المكان الفلانيّ، وذكروا الكلام الفلانيّ على المنبر»؛ حسنًا، لقد ذكروا ذلك، وماذا بعد؟! هل انطبقت السماء على الأرض! إذن، ما هو دورك أنت هنا؟! هل يجب عليّ أنا أن أُجيب عن كلّ شيء؟ هل يجب عليّ أنا أن أقول؟! حسنًا، قدّم أنت جوابًا أيضًا. هل سلبوك المنبر؟ هل سلبوك الخطابة؟ إذن، لماذا درست كلّ هذه الدراسة؟! هل لكي تجلس وتتذمّر وتنوح فقط؟! هل هذا ما تعلّمته؟! جاؤوا، وارتقوا المنبر، وطرحوا مثل هذه النظريّة عن الإمام عليه السلام. حسنًا، النظريّة تبقى نظريّة. انهض أنت، وقدّم النظريّة المخالفة بالدليل والبرهان، لا بدافع الانفعال والعاطفة.. كلاّ! وليس بكلام فارغ، بل بالبرهان وبالروايات الصحيحة الموثّقة، وبالأدلّة، وأَجِب عن الإشكال في القضيّة الفلانيّة. ماذا نفعل نحن إذن؟

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

11
  • الهدف من تأليف كتاب أفق الوحي

  • لقد ألّفتُ كتاب «أفق الوحي»، فهل كنت حينئذ عاطلاً عن العمل؟ لدينا من المشاكل والأمور ما يكفي لِنلطم على رؤوسنا وصدورنا، هل هذا واضح؟! هل كنتُ مريضًا لأكتب كتابًا بهذه الضخامة؟ جاء أحد الأشخاص، وقال هُراءً وكلامًا فارغًا؛ وأنا في البداية لم أكترث، ثمّ رأيتُ أنّ القضيّة انتشرت، وأنّهم يستغلّونها، وأفكار الناس تتغيّر، وعقائدهم تتغيّر، والقرآن يُشكَّك فيه، وروايات أهل البيت يُشكَّك فيها، فشعرت بالتكليف والمسؤوليّة. في حين أنّه كان بإمكاني أن أقول: «وما شأني! أليس للدين ربّ؟! فليأتِ ويفعل ما يشاء»؛ حسنًا، كان بإمكاني ذلك. وهكذا الجميع، فكلّ إنسان مسؤول عمّا تعلّمه في هذه المدرسة. يوم القيامة، لن يقبلوا منك أنّك قُلتَ: «ما شأني؟!»، بل سيُعاقبونك بشدّة يا عزيزي! أقول لك من الآن لكيلا تقول: إنّ السيّد الطهرانيّ لم يُخبرني. يوم القيامة، سيُحاسبونك على كلّ مرّة قلت فيها: «ما شأني»! هذه هي القضيّة. إذا لم تكن تعلم فلا بأس، لا مشكلة، أنت لا تعلم. ولكن، إذا وصل الأمر إلى مسامعك، فيجب أن تقول الحقّ.

  • فكما أنّ انتقاد الولاية والإمام عليه السلام دون أساس ودليل، وأن يأتي إنسان وينتقد عن هوى وعن جهل ودون أساس علميّ ومنطقيّ هو أمر قبيح ووقح، فإنّ الاعتقاد بالولاية دون أساس هو أيضًا قبيح جدًّا، وذلك بأن يمتلك الإنسان اعتقادات حول الإمام هكذا، حتّى لو كانت صحيحة، ولكن بلا أساس. تأتي هكذا وتقول: إنّ الإمام مطّلع على المُلك والملكوت جميعًا، ومطّلع على كلّ الذرّات، ومطّلع على كلّ الخلائق؛ وحينئذ، إذا جاؤوا، وقالوا لك: «إذا كان مطّلعًا فلماذا مَرِض؟!»، فإنّك تقف حائرًا! حسنًا، يجب أن تفهم على أيّ أساس تقول هذا الكلام عن الإمام؟! وعلى أيّ أساس تصف الإمام بهذا الوصف؟! يجب الدفاع عن الإمام، ويجب أيضًا أن تكون المسائل المنسوبة إلى الإمام مبنيّة على أساس؛ وبالطبع، لا أحد يدّعي أنّ كلّ ما يُقال هو صحيح. هل نحن معصومون! كلاّ، لسنا معصومين؛ فالكتب هي هذه الكتب، والمواضيع هي هذه المواضيع، ولا يُوحى إلينا! أنت تقرأ هذه الرواية وتفهمها هكذا، وهو يقرأ تلك الرواية ويفهمها هكذا. حسنًا جدًّا، كلاكما يتّصف بالصدق، وكلاكما ذو صفاء، وكلاكما يبحث عن الحقّ؛ ولكنّ أحدكما يفهم هكذا، والآخر يفهم هكذا.. هذا لا إشكال فيه، وانتهى الأمر.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

12
  • لأيّ شيء هي الحوزة أصلاً؟ أليست للبحث والنقد والإيراد والإشكال والتصحيح والإصلاح، أليست كذلك؟! هذا الـ «قال الصادق» والـ «قال الباقر» الذي نقرأه أليس لهذا الغرض؟ هل تأليفاتي خالية من أيّ إيراد وإشكال؟ كلاّ يا سيدي، فيها إشكالات، وأنا لا أجامل؛ ولكن، حسنًا، هل إذا قلت: «إنّ فيها إشكالات»، سيتوجّب عليّ أن أترك التأليف جانبًا؟ كلاّ، يجب أن نكتب؛ وما كان فيه خطأ فهو خطأ، وما كان فيه صواب فهو صواب. لا نقول: إنّ كلّ كلامنا خاطئ، كلاّ، بل نقف، ونقول: إنّه صحيح جدًّا؛ كما لا نقول أيضًا: إنّ كلّ كلامنا صحيح. كلا القولين خطأ، وكلاهما باطل.

  • في هذا العالم، يوجد إنسان واحد فقط يُمكنه أن يدّعي أنّ كلّ ما يقوله هو عين الواقع.. واحد فقط، وانتهى الأمر. أمّا الباقون فلا، بل يقولون الكلام الصحيح والخاطئ بحسب مراتبهم، وهذا ما يُطلب منّا. الإمام المهديّ يطلب منّا هذا، يطلب هذه المسألة. ولهذا، قلت إنّه يجب حفظ الحريم. يعني في كلا جانبي المسألة، وكذلك في المسائل التي يقولها الإنسان ولا أساس علميًّا لها. فنجد البعض يصفون الناس بأوصاف مبنيّة على التخيّلات: السيّد فلان هكذا، السيّد الطهرانيّ هكذا، وهذه هي شخصيّته. يا عزيزي، كلّ هذا هراء! يرى منامًا، فيظنّ أنّ علي آباد مدينة أيضًا.۱ يأتيه خيال، فيظنّ أنّ فلانًا قد وصل إلى قاب قوسين أو أدنى! ثمّ يأتي، ويوزّع هذا الكلام الفارغ على ثلّة من الناس الذين لم يدرسوا ولم يبحثوا.

  • ضرورة تجنّب صناعة الشخصيّات في مدرسة العرفان

  • لقد قلت مرارًا إنّ طرح الفرد، وذِكر الفرد، وتسمية شخص معيّن، وتحديد الأفراد، ليس من دأب المدرسة؛ وسيُسأل الإنسان عن هذه المسائل يوم القيامة. ومسؤوليّة تضليل الناس تقع على عاتق أولئك الذين يتجاوزون الحدود، ويطرحون هذه المسائل. إذا كان مقرّرًا أن يُذكر اسم فرد، وأن يُحدّد مصداق للحقّ، وأن يُحدّد مظهر للاتّباع، فأين هو إمام زماننا إذن؟ يجب أن تتركّز كلّ التوجّهات وكلّ الأنظار على وجود الإمام وعلى ولايته وعلى ذلك المصداق الحقيقيّ والواقعيّ!

  • ما هو المرض الذي يُعاني منه هؤلاء ـ ولا أعلم إن كان مرضًا لا علاج له ـ لكيلا ينتبهوا إلى ما نقوله؟! ما حقيقة هذا المرض؟! لا أعلم، ولم تُحلّ هذه القضيّة بالنسبة لي بعد، ولم أستطع فهمها! ما هذا المرض؟ إذا علمتُ حقًّا أنّ أحدًا يُريد أن يتبع تصوّراته الخاصّة وأن يُنفّذ ما يُريده ممّا يُطرح، فحينئذٍ لا خيار أمامنا سوى تغيير تعاملنا معه.. هذه مسألة أردت أن أطرحها على الرفقاء.

    1. وهو مثل فارسيّ مشهور بمعنى إعطاء الشيء أكثر من حجمه. المترجم

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

13
  • في مقابل هذه المسألة، توجد النقطة المعاكسة. لكن، قبل أن أصل إلى هذه القضيّة، بشكل عامّ، نحن في هذه المدرسة لا نملك صناعة شخصيّات، ولا نعترف بمسألة صناعة الشخصيّات. أين رأيتم في أحاديث العظماء مثل المرحوم العلاّمة وأمثاله أنّهم طرحوا أنفسهم؟ أنا ابنه وعشت معه حوالي أربعين عامًا، ولم أرَ شيئًا من هذا القبيل. والله على ما أقول شهيد ووكيل وكفيل، أنا لم أرَ ذلك. هل هذا واضح؟!

  • والانحراف الذي حدث بعد المرحوم العلاّمة كان هذا، حيث جاؤوا، وصنعوا شخصيّات. فعندما لا تكون تلك الحقيقة موجودة، وعندما لا يكون في يد المرء شيء، وعندما تكون قبضته خالية من الحقيقة، فإلى ماذا سيضطرّ؟ سيضطرّ دائمًا إلى تزيين نفسه. أن يُمثّل مسرحيّات وأفلامًا. قيام وقعود واستقبال وفلان وهذه الأمور! سلام وصلوات، ونفعل كذا وكذا، وغير ذلك من هذه المهازل الموجودة في كلّ مكان. وما أكثر هذه المسرحيّات والأفلام إلى ما شاء الله. إذا كان مقرّرًا أن يكون هنا نفس هذا الكلام، فحسنًا، لماذا نشغل أنفسنا بمجموعة من المواضيع إذن؟! حسنًا، لِننهض، ونُحسّن أوضاعنا قليلاً، ونهتمّ بأنفسنا أكثر قليلاً! لأنّ المقرّر هو أن يكون الديكور جيّدًا! الديكور جيّدًا فقط. ألم تَرَوا كيف هي الحال في بعض الأماكن؟!

  • التعارض بين مدرسة العرفان وتضخيم الشخصيّات

  • في مجلسنا، مجلس سيّد الشهداء، بالطبع، في الدرجة الأُولى الذين يودّون الجلوس في الأطراف، ينبغي أن يكونوا مثلاً من كبار السنّ، أو افترضوا أنّهم يُعانون من ألمٍ ما، كوجع في الظهر أو القدم؛ وبعد ذلك، إن لم يتوفّر مكان، فليجلسوا في الوسط.

  • يقول المرحوم العلاّمة: من محاسن مجلسنا أنّ الذي يدخل إليه لا يبحث عن الاتّكاء والجلوس بجوار الحائط، بل أينما وجد مكانًا فارغًا، ذهب وجلس فيه؛ كائنًا من كان؛ سواء كان معمّمًا أو غير معمّم، أو أيّ إنسان آخر؛ فينهض، ويذهب للجلوس.

  • لكن، في أماكن أخرى كلاّ، أبدًا! يا عزيزي، في كلّ سنتيمتر، هناك كلام، وفي كلّ مقدار صغير، توجد مسألة. ففي مسألة "أن يأتي هذا ويجلس بجانب ذاك"، هناك حساب وكتاب ودفاتر وسجلاّت! وأن يأتي ذلك ليجلس بجوار هذا، وأن تكون هناك مسافة بين هذا وذاك، وأن يختلف كرسيّ هذا عن كرسيّ ذاك! ثمّ يقوم ذلك القارئ للعزاء بقراءة المجلس في الأثناء! ما شاء الله! أيّ مجلس هذا؟ أطلِقوا عليه بأنفسكم ما شئتم من أسماء.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

14
  • لقد جئنا لنقضي على هذه الأُمور وهذه المظاهر وتلك الأقاويل. ونحن لا نستطيع إحداث تغيير في كلّ العالَم، فهذا ليس من شأني ولا من شأن غيري، بل هو شأن ذلك الرجل الواحد الذي بيده الدين، وهو وليّ الدين والقيّم عليه؛ ومتى ما اقتضت المصلحة الإلهيّة، سيأتي، ليتعامل مع كلّ هذه المظاهر والشعوذات.. فماذا سيفعل بها؟ سيُسوّي كلّ شيء بسيف واحد من الأوّل إلى الآخر، ويُعيد كلّ شيء إلى نظامه. أمّا الآن، فيُمكننا إصلاح أنفسنا، ويُمكننا تطبيق هذا الأمر على أنفسنا، وعلى وضعنا الخاصّ، وحساباتنا الخاصّة. وإن لم نتمكّن من ذلك تجاه الرفقاء، فيُمكننا ذلك تجاه أنفسنا. ولهذا، فإنّ كلامي هو أنّه يجب الانتباه لهذه المسألة في الأحاديث التي تُطرح، لا سيّما وأنّ أيّام محرّم قريبة.

  • لا ينبغي أبدًا في الكلام ـ الصادر منّي أو من غيري ـ أن يُتحدّث بطريقة تلفت نظرَ المخاطب وانتباهه نحو المتحدِّث، فهذا النوع من الحديث ممنوع كلّيًا؛ أي انتهى الأمر. وإذا لم يستطع الإنسان التحدّث بهذه الطريقة، فلا يتحدّث؛ أي: لا يتحدّث إطلاقًا. فعدم الحديث أفضل من أن نذهب مثلاً إلى مكان لنتحدّث، ثمّ تندلع فوضى بعد ذلك، بحجّة أنّه تمّ الترويج لفلان، أو لذلك الشخص الآخر، أو جاء هذا، وذهب ذاك، وجاء نقيضه! فلنترك هذه الألاعيب جانبًا! فقد كبرنا على هذه الأمور. وقد ذكرتُ سابقًا للرفقاء أنّ الأساس قد بُني على هذه الكيفيّة.

  • أقول هذا حقًّا، والرفقاء يعلمون أنّني لا أفرح بالمدائح التي تُقال عنّي هنا وهناك، أو الأحاديث التي تُلقى على المنابر. اعلموا أنّه إذا كان الهدف إرضائي، فإنّني لا أُسرّ منكم بذلك. كلاّ، بل أنزعج وأتّخذ موقفًا قلبيًّا، وربّما ينسحب هذا الأمر إلى مسائل أخرى؛ لأنّه يتناقض تناقضًا تامًّا مع الهدف الأساسيّ للمدرسة، ومع ذلك الهدف الذي نسعى إليه، حيث تتمّ هذه القضيّة في ظلّ تناقض تامّ وكامل. لدينا رجل واحد يجب أن نُروّج له، ونُثبِت أمره، وندعو الناس إليه، وهو حضرة بقيّة الله (عجّل الله تعالى فرجه)، والسلام، انتهى الأمر. هذا هو الموضوع، هذه هي القضيّة.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

15
  • لقد دعانا العظماء إلى هذا الأمر؛ وهذا ما رأيناه من نهجهم. فعندما كنتُ أرى بعضهم يتحدّثون في بعض المجالس، ويظنّون أنّهم يمدحون، كان [المرحوم العلاّمة] يقول لي:

  • كم زاد فهم هؤلاء المخاطبين من هذا المديح لنا؟ كم زاد؟

  • لقد كان رجلاً إلهيًّا.

  • في حين أنّه في المجالس الأخرى اليوم، إذا صعد شخص المنبر، وقلّل من المديح قليلاً، فإنّهم يُقلّلون من المبلَغ الذي يُعطى له، ولن يدعوه في العام المقبل، بكلّ بصراحة. يقولون: لقد أدّى الرجل خطبته بشكل جيّد! أي أنّه حشاها، هذا هو المعنى! حشا عقول هؤلاء المخاطبين بأنّ هذا الرجل من يكون، وذاك من يكون؟! ماذا يكون، وماذا يُمثّل؟!

  • صعد أحدهم المنبر، ولم يكُن يعلم أساسًا ما إذا كان هذا المجلس لامرأة متوفّاة أم لرجل متوفّى! فكان يقول على المنبر: «كم من ليالٍ قضيناها معه، وكم من صباحات ...». فقيل له: يا هذا، إنّها امرأة! تبًّا لك! هذا المجلس الذي تتحدّث فيه من فوق المنبر هو مجلس عزاء لامرأة، وزوجُها يقف عند الباب! فما معنى «كم من ليالٍ»؟ إنّها مسرحيّة، إنّه هراء ولعب. لماذا يفعل ذلك؟ ماذا يُريد؟ يُريد أن يزداد المبلَغ الذي في الظرف! هذا هو معناه؛ أن يكون الظرف أَسمَك. على الأقلّ، كان ينبغي أن تتحدّث هنا، وتعرف ما إذا كان هذا المتوفّى ذا شارب أم بلا شارب؟! لنفهم هذه القضيّة على الأقلّ. هذا هو نهج الناس. هذا هو النهج الذي يتبعه الجميع! ونحن نرى ذلك.

  • يا عزيزي، في يوم شهادة الإمام الفلانيّ يجب [على الخطيب] أن يتحدّث عن الإمام. فتجده يتحدّث عن الإمام الباقر عليه السلام؛ لكن، بما أنّ هذا المجلس يخصّ شخصًا معيّنًا، فيجب عليه في الخلاصة أن يُنهي كلامه باسم فلان! فإذا فعل ذلك، قالوا: نعم، لقد أدّى ما عليه بشكل جيّد! خطيب جيّد قام بواجبه وأدّى ببراعة. أمّا إذا لم يفعل ذلك، وجلس ذلك المسكين البائس على المنبر، وتحدّث طوال الوقت قائلاً: الإمام الباقر كذا وكذا، وطرح المسائل، ثمّ نزل، فلا يردّون عليه حتّى السلام، ولا يُودّعونه، ثمّ يأخذون الظرف، ويضعون فيه حفنة من التبن بدلاً من النقود، ويُسلّمونه إيّاه. يقولون: هذا جزاؤه. لماذا الأمر هكذا؟ إذن، يتبيّن أنّ هذا المنبر لم يكن للإمام الباقر، بل لمن كان؟ لقد كان المنبر للنفس، كان للأنانيّات، كان للذاتيّات، كان للفرعونيّات! هذه هي الأمور التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار، فيجب أن نكون حذرين.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

16
  • إنّهم يكتبون في صحيفتنا كلمةً كلمة من أحاديثنا! العَشْرة من محرّم هي لسيّد الشهداء عليه السلام. السنة كلّها لسيّد الشهداء، فقط وفقط لسيّد الشهداء. يجب الحديث عن ولاية الإمام عليه السلام، ويجب معرفة الإمام، ومَن كان سيّد الشهداء، وماذا كان؟ هل سيّد الشهداء لا يزال حيًّا أم أنّه ظاهرة تعود إلى ۱٤۰۰ عام مضت؟ يجب توضيح هذه الأُمور للناس، ولا ينبغي الخلط بين المسائل والأُمور. يجب أن نُؤمن بالمدرسة التي قُدّمت لنا.

  • ذكرتُ للرفقاء في يوم الغدير: «لم تصلنا المسائل بالمجّان»؛ فأنا أعلم ما هي الأمور التي كمنت وراء هذه المسائل التي وصلتنا، وما هي القضايا التي حدثت ـ والتي لم أذكر حتّى الآن واحدة منها، ولستُ مأذونًا بذكرها ـ حتّى وُضعت هذه الكتب بين أيدينا بسهولة، ووُضعت هذه المسائل بين أيدينا، ووُضعت هذه الأحاديث بين أيدينا.

  • حكاية قيّمة من نجل العلاّمة الطباطبائيّ

  • حدثت قضيّة قبل أيّام، حيث انتقل نجل العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه إلى رحمة الله. بالطبع، كنتُ أودّ كثيرًا المشاركة في تشييعه؛ لكن، حسنًا، لم يحصل ذلك، ولم أُوَفَّق. في أحد الأيّام، كان عمري حوالي ستّة عشر عامًا. عاد المرحوم العلاّمة من المسجد ظهرًا، فرأيتُ شخصًا يُرافقه لم أكُن أعرفه، ففتحوا الباب. جئتُ، فصادفوني فجأة، صعدوا وجلسوا، فالتفت إليّ وقال: «هذا هو السيّد عبد الباقي، نجل سماحة العلاّمة الطباطبائيّ». كان عمري خمسة عشر أو ستّة عشر عامًا. قال: إنّه نجل العلاّمة الطباطبائيّ. كان الوقت ظهرًا، ثمّ قال: اذهب، واجلب المائدة والغداء وما إلى ذلك. وكان طعام المائدة الذي أعدّته والدتنا طعامًا بسيطًا جدًّا. لم يكُن مدعوًّا، ولم يكن هناك موعد مسبق، وكان الطعام عبارة عن كفتة وأشياء بسيطة جدًّا تكفي لثلاثة أو أربعة أشخاص، وهم أهل البيت، ولم يكُن أكثر من ذلك. صعدتُ بالمائدة والخضار والخبز واللبن وهذه الأشياء.

  • تبيّن أنّ المرحوم العلاّمة عندما كان عائدًا من المسجد وقت الظهر بعد الصلاة، رأى ابن العلاّمة الطباطبائي عند ناصية الزقاق. كان مهندس كهرباء يعمل في مجال معدّات الضغط العالي والمُحوّلات وما شابه ذلك. وكانت قبالة زقاقنا توجد محلاّت تبيع هذه الأشياء. وفي ذلك الوقت، كان هناك متجر أو متجران متخصّصان في هذه الأجهزة والمعدّات؛ ويبدو أنّه جاء إلى هناك لعمل ما، فصادف المرحوم العلاّمة فجأة، فأحضره إلى المنزل، وأصرّ عليه للمجيء لتناول الغداء. فجاء إلى المنزل، وتناول الطعام؛ وبعد الغداء، جلس لمدّة ساعة تقريبًا.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

17
  • لم أكن موجودًا وقت الغداء، لكنّني جئت وجلست بعده. ومن جملة الأحاديث التي كان يتحدّث بها المرحوم نجل العلاّمة الطباطبائي أنّني سمعته يقول: «أنا لن أسامح فلانًا ـ وذكر اسم أحد العلماء الذين لا يزالون على قيد الحياة ـ كنت أدرس عنده في ذلك الوقت»، حيث كان [نجل العلاّمة الطباطبائيّ] قد درس تقريبًا حتّى اللّمعة، وربّما أعلى من ذلك بقليل، ثمّ ترك الدراسة. وكان المرحوم العلاّمة يقول: إنّ العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه كان منزعجًا جدًّا من هذه القضيّة، وكان متأثّرًا بشدّة، متأثّرًا للغاية. كان شخصًا موهوبًا جدًّا، وفي غاية الذكاء، حيث كان هذا النجل ـ المرحوم السيّد عبد الباقي ـ شخصًا موهوبًا للغاية، طيّب النفس، نقيًّا، وصادقًا؛ فحسنًا، يجب أن يكون ابن العلاّمة هكذا! يجب أن يحلّ ابن العلاّمة الطباطبائي محلّ أبيه. ولعلّه لو لم يترك دراسته، لكان علاّمةً آخر بحدّ ذاته، فلم يكن ذلك بعيدًا! ولكان علاّمةً بحدّ ذاته.

  • كان يقول: كنتُ أدرس عند فلان من العلماء، ـ سواء كان ذلك درس اللمعة أو أقلّ أو أكثر.. لا أذكر ذلك ـ ولكن، خلال الفترة التي كنتُ فيها بمحضره وأتردّد عليه، ذمّ الحياة الحوزويّة كثيرًا، وبالغ في قدحها لدرجة أنّه منعني تمامًا من مواصلة دراستي ـ هذه هي عبارته ـ وسأُمسك بتلابيبه يوم القيامة أمام جدّي.

  • أي أنّه كان السبب في تركي للحوزة وعدم إكمالي لهذا الطريق! ذكر اسمه، وهو لا يزال على قيد الحياة.

  • على أيّ حال، حسنًا، قد يكون ذلك الشخص هو العلّة التامّة أو على الأقلّ أنّه كان جزء العلّة [في تركه للحوزة]؛ وهو أمر مسلّم به بالطبع؛ لكن، يبقى هناك مجال للتساؤل والإشكال. فمع وجود أبٍ كالعلاّمة الطباطبائي لديك، لم يكُن ينبغي لك أن تستمع إلى هؤلاء الأفراد الجهلة وغير المؤمنين ـ هذا هو قصدي ـ بأصالة هذه العلوم وبحقيقتها.

  • يا أيّها الجاهل، في الوقت الذي يقول فيه الإمام الصادق عليه السلام: لو استطعتُ لأخذتُ سوطًا وضربتُ به على رؤوس وظهور أصحابي، وأجبرتهم على تعلّم هذه العلوم التي أقولها. ما هي عبارته؟ «لَوَدِدْتُ أَنَّ أَصْحَابِي ضُرِبَتْ رُؤُوسُهُمْ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ».۱ فعندما يقول الإمام الصادق هذا الكلام، تأتي أنت لتقول: «يا سيّدي، هل أنت عاطل عن العمل لتُصبح طالب علم حوزويّ؟!». لقد قال هذا الكلام بالذات! نعم، قال له: «قُم واذهب، فأنت لديك موهبة! ولديك كذا وكذا، قُم واذهب إلى الجامعة، قُم واذهب وادرس، قُم وافعل كذا؛ أمّا نحن، فقد جئنا، وأصبحنا بؤساء!». كان المرحوم السيّد عبد الباقي يقول للمرحوم العلاّمة الطهراني ولي: «إنّ هذا الرجل قال لي هذا الكلام. لقد أكثر من القول حتّى أضعف عزيمتي، وجعلني أزهد في هذه المسائل فانسحبت». وكانت عبارته:

    1. الكافي، ج ۱، ص ٣۱.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

18
  • أصبحتُ حَمّالاً للناس!

  • قال هذا: «أصبحتُ حمّالاً!».. اِحمَل المُحوّل الكهربائيّ من هنا، واذهب لتركيبه هناك! يا سيّدي، لقد تعطّل هناك، قُم، وتعال لإصلاحه! ثمّ كان يقول: «الآن، يجب أن أذهب إلى مدينة كرج ـ كان ذلك في منتصف الصيف ـ الآن، في هذا الحرّ، يجب أن أقوم، وأذهب إلى كرج؛ لأنّ محوّلهم الكهربائيّ تعطّل في المكان الفلانيّ، لأُصلحه.. لقد أصبحتُ حمّالاً!». هذه كانت نفس عبارة هذا المرحوم. أنا أقول هذه المسألة لرفقائي.

  • ضرورة أن يُصبح الأفراد الأكثر استعدادًا وقابليّة طلاّبًا للحوزة

  • هذا الرجل الذي يُؤلّف كتابًا الآن، هل كتابه هذا لله؟! وهذا الرجل الذي يُصدر رسالة، هل رسالته هذه لله؟! هل أسترسل أكثر أم أكتفي بهذا الحدّ؟! هل هذا لله؟ أو ذلك الرجل الذي يقوم بنُصح ابنه ـ وهو من بعض أئمّة الجماعة في طهران ـ بشأن الدراسة الحوزويّة، حيث كان يقول: «يا عزيزي، تعال لأقول لك هذا، وأُعطيك نتيجة تجربتي: طوال عمري هذا، لم أجد خُبزًا أسهل ابتلاعًا من خبز رجل الدين!». حسنًا، نعم، نعم! الخبز الذي ينزل من حلقك بسهولة هو هذا. في النهاية، أن يأتي شخص، ويُشبّه علوم أهل البيت عليهم السلام بخبز ينزل من الحلق بسهولة، فماذا عسانا أن نقول له؟! هل يُؤمن هؤلاء بهذه المدرسة؟! هل يُؤمنون بها؟!

  • يقول أحد الأصدقاء: «ذهبتُ إلى شخصٍ وقلتُ له: يا سيّدي، أُريد أن تُعيّنوا لي أُستاذًا للقضيّة الفلانيّة وللدرس الفلاني؛ ـ لأقل ذلك باختصار، كان ذلك الشخص مسؤولاً عن قسم مهمّ يتعلّق بأُمور طلاّب الحوزة في مكان ما ـ فأجابني هكذا: "بما أنّ والدك ثريّ، فهل كنتَ مضطرًّا للمجيء لتُصبح طالبًا حوزويًّا؟! يا عزيزي! قم واذهب واستمتع بحياتك!" افعل كذا وكذا». الكارثة ليست في أنّ هذا الشخص يقول هذا، بل الكارثة في أنّ هذه المسؤوليّة قد أُسندت إليه! هنا تكمن الكارثة. هل هذا الشخص مُؤمن بذلك؟

  • يأتي شخص آخر إلى المكان الفلاني، يُريد أن يُصلح أمره، فيقولون له: «يا سلام! تركتَ الجامعة وجئتَ للحوزة؟! ما شاء الله! ما شاء الله! هل كنتَ عاطلاً عن العمل؟ هل يُعقل لمن يذهب إلى الجامعة أن يأتي للحوزة؟!». وكأنّ الحوزة لا يقصدها إلاّ من يطردونه من بيته، أو يضربونه على رأسه بالمِغرفة، أو يرمونه في الشارع لينام في الساقية! هؤلاء هم من يجب أن يصبحوا طلاّبًا للحوزة.. حفنة من الهاربين، والمُشرّدين، والحُدّب، والحول، والعور ـ مثلاً ـ وينتعلون الأحذية المطّاطية؛ وكأنّ هؤلاء فقط هم من يصلحون للحوزة! أمّا الإنسان الذي تكون له قيمة، فمن الخسارة، من الخسارة الكبيرة أن يكون هنا، بل يجب أن يذهب إلى الجامعة! نعم، هكذا هو الأمر. لقد بالغنا قليلاً! هذه هي القضيّة.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

19
  • ولكن، ماذا كان المرحوم العلاّمة يقول؟ كان يقول: «يجب أن يُصبح أكثر الأفراد استعدادًا وأكثرهم ثقافة طلاّبًا للحوزة»؛ دقّقوا فيما أقول: أكثر الأفراد ثقافة هو من يصلح للحوزة. الشخص الأكثر أصالة وعراقة هو من يصلح للحوزة. أكثر الأفراد استعدادًا يجب أن يصبح طالبًا حوزويًّا. لماذا؟! لأنّه لا توجد علاقة بين هذا العلم وبقيّة العلوم. هل الموهبة التي يجب أن تُصرف في طريق الوصول إلى الكمالات، تصرفونها في طريق «الحِمالة» على حدّ تعبير المرحوم السيّد عبد الباقي؟ قال: «الآن أصبحتُ حمّالاً، حمّالاً». لا يزال صوته حينما كان يتحدّث، والدموع تنهمر من عينيه عالقًا في ذهني. أذكر أنّه كان يقول: «لقد تحوّلنا إلى حمّالين، نحمل أثقال الناس من هنا إلى هناك!». الآن أدرك ذلك. متى؟! بعد أن تجاوز الخمسين من عمره، ولم يعُد بالإمكان فعل شيء؛ فقد انقضى خمسون عامًا من العمر، ولم تعُد هناك فرصة لهذه القضيّة ولهذه المسألة.

  • طالب العلم الحوزويّ ممثّل لثقافة الإمام الصادق

  • ولهذا، يجب على طالب العلم أن يعرض ثقافته للناس، ويُظهرها! يجب أن يُصدّق الناسُ أنّه يُؤمن بما يقول. في حديثه، في علاقاته، في المسائل التي يطرحها، في الكلمات التي ينطق بها، يجب أن يُراعي ذلك. يجب أن تكون حركاتُه بحيث لا تُنفّر الناس، ويجب أن يجذب وقارُ كلماتِه الأفراد. التفوّه بالكلام البذيء هو باطل، باطل؛ لا يختلف الأمر، سواء كان الإنسان في مجلس خاصّ أو عامّ. وإذا صدر خطأ من الإنسان أحيانًا في موارد أُخرى، فيجب عليه إصلاح نفسه. هذه المراقبة التي يذكرها العظماء، لمن هي؟! إنّها لهذه الحالة بالذات. يجب أن تكون للإنسان مراقبةٌ في علاقاته، فلا ينطق بكلّ كلمة، ولا يمزح بكلّ مزاح. ويجب أن يعلم أنّ ذلك يُنقص من قدره، ولن يتمكّن من الانتفاع من ذلك الفيض الذي يجب أن يصل إليه.

  • أن نُؤمن بهذه المسائل هو نقطة أساسيّة لكي نُدرك مكانتنا، ونفهم جيّدًا، ونلتزم بتلك المسائل والأُمور. وكلّ إنسان له حسابه الخاصّ. كلّ شخص له حسابه الذي لا شأن للآخرين به، فيجب على الإنسان أن يُفكّر في نفسه، ولا ينبغي له أن ينظر إلى الآخرين الذين قد تكون لديهم نقائص وأخطاء.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

20
  • كان رسول الله صلّى الله عليه وآله أسمى من جميع الناس، وكانت أخلاقُه [مصداقًا لـ] «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ»،۱ وسلوكُه هو الأُسوة والسيرة والسنّة إلى يوم القيامة؛ ولكن في الوقت نفسه، تجدون أنّ الذين كانت لهم علاقة به كانوا من مختلف المشارب. فكان هناك المُعاندون، وكان هناك المنافقون؛ والشخص الذي كان يأتي إلى رسول الله لم يكن ينظر إلى هؤلاء، بل كان ينظر إلى النبيّ. لم يكُن ينظر ويقول: ما الفائدة من هذه الصلاة التي نُصلّيها الآن، مع أنّ هذا المنافق يُصلّي أيضًا؟! بل كان ينظر إلى أنّ هذه الصلاة هي الصلاة التي يُصلّيها النبيّ.

  • الآن، بعض الناس يقولون لي في رسائلهم: يا سيّدي، نحن نُصلّي صلاة اللّيل ونفعل كذا، فما الفائدة، لقد سار فلان في هذا الطريق ثمّ طُرد! حسنًا، لماذا تنظر إلى ذلك المطرود؟! انظر إلى مَن لم يُطرد، انظر إلى من يُحالفه التوفيق، انظر إلى من يمتلك الحالات الروحيّة وله حساب خاصّ.. انظر إليه.

  • الفرق بين أولياء الله وسائر أهل العلم

  • كان المرحوم والدنا يقول: «لو جئتُ إلى قمّ، ولم تقع عيناي على العلاّمة الطباطبائي وأمثاله، لعدتُ من قمّ إلى طهران، ولشطبتُ على هذه المسألة حتّى آخر عمري؛ لأنّني واجهتُ مسائل ومصاعب لم يُثبّتني ويمنحني الاستمراريّة فيها إلاّ تواصلي مع هؤلاء العظماء». هكذا كانت القضيّة! حسنًا، عندما جاء المرحوم العلاّمة إلى هناك، لينظر ويرى، عجبًا! هذه العمامة التي يضعها العلاّمة الطباطبائي على رأسه، يضعها أيضًا ذلك الشخص السيّئ؛ فهل أترك الأمرَ وأرحل؟! هذا لا يستقيم. حسنًا، لماذا لا تنظر إلى العلاّمة؟ يجب أن تنظر إليه. هذا مرض في الإنسان؛ أي أنّ وسوسة الشيطان تأتي لتخلق اليأس، وتخلق الإحباط، وتُضعف العزيمة، وتُصيب بالكسل والفشل، فماذا تفعل؟ تُوجّهُ الإنسانَ نحو الجوانب السلبيّة، وتجلب دائمًا الجوانب السلبيّة إلى الذهن. حسنًا، انظر أنت إلى هؤلاء العظماء، فهؤلاء العظماء فعلوا هذه الأُمور، حسنًا، أنت أيضًا أحد هؤلاء، وأنت من الأفراد الذين يجب أن يصلوا إلى هناك. لماذا تنظر إلى الذين لم يصلوا؟

  • قوله: «كنت أرى أفرادًا أستحيي أن أُطلق عليهم اسم العالِم ورجل الدين!». حسنًا، مِن هؤلاء الأفراد كان هناك الكثير ولا يزالون؛ ولكن في المقابل، هناك أناس يبحثون عن الحقّ، ويبحثون عن الحقيقة، ويبحثون عن الصفاء، ويسعون ليكونوا تلامذةً لإمام الزمان وللواقع، ويبحثون عن المعرفة ولا يكترثون لكلام هذا وذاك، ولا يلتفتون إلى هذه الشائعات والمُغريات، ويأخذون ما هو حقّ؛ وهم ليسوا بقلّة أيضًا؛ فلماذا لا ننظر إليهم؟ لماذا لا ينبغي لنا أن ننظر إليهم؟ لطالما وُجد الإنسان، ووُجدت النفس، ووُجد الانحراف؛ وهذا الانحراف لم يقتصر فقط على طبقة الجهلة، بل كان في جميع الطبقات. كان في الجاهل انحراف، وفي العالم انحراف، وفي غير المُعمّم انحراف، وفي المُعمّم أيضًا انحراف، كان موجودًا دائمًا ولا يزال. إنّها مسألة موجودة، وهي أنّه في الجانب الآخر، هناك أناس لا يلتفتون إلى هذه المسائل، ويسلكون الطريق، ويمضون، ويعملون، ويصلون إلى المطلوب والمقصود، وسيصلون إلى المقصد والغاية.

    1. مكارم الأخلاق، ص ۸.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

21
  • إذن، نحن نعيش في هذا الجوّ.. الجوّ الذي يوجد فيه طرفان للمسألة ومصداقان للقضيّة. هناك أناسٌ يتّخذون من هذه العلوم وسيلة، ويسعون لدنياهم، ويستغلّون ما تعلّموه لتحقيق مطامع الدنيا، ويتحرّكون بين الناس تلبيةً لميولهم وأهوائهم النفسيّة، وقد كان هؤلاء موجودين. حسنًا، هذه فئة، وهذا مصداق. وهناك في المقابل، أناس لا يبحثون عن الدنيا؛ فسواء أقبلت عليهم هذه الدنيا أم أدبرت، فإنّ كلمتهم واحدة.

  • فقد تتقلّب بهم الأيّام، لكنّ هدفهم لا يتغيّر. سواء أُكرموا أو أُهينوا، لا يتخلّون عن هدفهم، فمثل هؤلاء الأفراد موجودون أيضًا. حسنًا، إذن، إلى أيّ جانب يجب أن ينظر الإنسان؟ يجب أن ينظر إلى هذا الجانب، ويجب أن يمضي قُدُمًا.

  • الاستقامة في طريق الحقّ

  • إذن، المسألة الأخرى واضحة. فلم نعُد بحاجة إلى التأكيد، ولا بحاجة إلى الترويج، فالقضيّة هي أنّ كلّ من أتى وسار على هذه الوتيرة واتّخذ هذا الطريق، فهو من يجني النفع. وكلّ من ابتعد، فهو من يتحمّل الضرر. 

  • ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيكُم أَنفُسَكُم لَا يَضُرُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا ٱهتَدَيتُم﴾.۱  إنّها آية عجيبة جدًّا! تقول الآية: لا تلتفتوا يُمنة ويُسرة! ضررُ ضلالةِ الأفراد يعود عليهم أنفسهم، ولا يعود عليكم. امضِ أنت في طريقك!

  • كم شخصًا بقي حول الإمام الحسين عليه السلام؟ بقي ثلاثون أو أربعون شخصًا من الأصحاب، وكان هناك ثلاثون شخصًا من أهل البيت وما شابههم. انظروا بأنفسكم إلى ليلة عاشوراء؛ فقد كان جيش عمر بن سعد يُصلّي صلاة الليل ليلة عاشوراء! جيش عمر بن سعد صلّى صلاة الجماعة بإمامة عُمر بن سعد قصم الله ظهره، فقد كان يُصلّي. صلّى ليلة عاشوراء. هذا السيّد عمر بن سعد صلّى. ومن الناحية الأخرى، تنظرون، فترون الإمام الحسين مع عشرة أو عشرين شخصًا يُصلّون أيضًا. هؤلاء الثلاثون ألفًا في هذا الجانب، حسنًا هم جميعًا يرتدون العمائم، ولهم لحى طويلة تصل إلى هنا! لحى طويلة جدًّا، وعمائم أكبر بكثير، حيث كانت عمامته أكبر من عمامة الإمام الحسين. هذا الرجل الواقف هناك يُصلّي، والجميع يركعون ويكبّرون، قل في هذا الجانب وقل في ذاك الجانب.

    1. سورة المائدة، الآية ۱۰٥.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

22
  • ماذا فعل السيّد عمر بن سعد في اليوم الحادي عشر؟ صلّى على جُثث قتلاه والذاهبين إلى الجحيم باعتبارهم شهداء، وترك جُثمان جسد ابن النبيّ وأمثاله. ألم يفعلوا ذلك؟! لقد صلّى. جَمَعَهم كلَّهم، وصلّى عليهم، وكفّنهم، ودفنهم. هؤلاء شهداء.. شهداء قُتلوا في سبيل الإسلام.. شهداء سبيل الإسلام! وقد أطلقوا عليهم اسم الشهداء أيضًا، وخصّصوا لهم رواتب ومزايا وأشياء أخرى، ولا بدّ أنّ عائلاتهم حصلت على مزايا من قِبَل الخلافة. وفي المقابل، يتركون الإمام الحسين عليه السلام، ويتركون حبيبًا، ويتركون حضرة أبي الفضل.. هؤلاء خوارج، ولا ينبغي الصلاة عليهم إطلاقًا! عجبًا، إلى أين يصل الإنسان؟! إلى أين يصل الإنسان حتّى يسلب من ابن النبيّ أهليّة وقابليّة الصلاة عليه، ثمّ يُعطي لمجموعة من الكلاب والذئاب لقب الشهيد، ويُصلّي على جُثثهم؟! ألم يكونوا كذلك؟!

  • ماذا يجب علينا أن نفعل الآن؟ هل يجب أن ننظر إلى كثرة العدد، حيث يُصلّي ثلاثون ألف شخص هنا؛ وفي المقابل، [يُصلّي] الإمام الحسين و ـ مثلاً ـ ثلاثون أو أربعون شخصًا؟ كيف تبدو القضيّة؟

  • لقد آمنوا بالمسألة؛ فماذا قالوا؟ قالوا ثلاثون ألف شخص! قل: بل ثلاثون مليارًا، هل هذا جيّد؟ إضافة الصفر لا تكلّف شيئًا. أضف أصفارًا حتّى تصل إلى هناك: ثلاثون مليارًا، ثلاثمائة مليار، وضع ثلاثمائة صفر بجوار بعضها، فماذا ستكون النتيجة؟ صفر. لا يوجد أيّ فرق بين صفر واحد وثلاثمائة مليار صفر؛ ففي النهاية، ما هي النتيجة؟ هي صفر. العدد الذي يُمثّل العدد الحقيقيّ (وهو واحد) هو سيّد الشهداء عليه السلام. ذلك العدد هو العدد الحقيقيّ والفعليّ. ذلك الواحد هو واحد، وهو فرد ووحيد؛ أمّا البقيّة، فهم أصفار! سواء كان صفرًا واحدًا أو ثلاثمائة مليون صفر، فالكلّ صفر. يجب أن ننتبه لهذا الأمر.

  • حسنًا، لقد تكلّمتُ كثيرًا؛ وفي سياق الكلام، تحدُث زلاّتُ اللسان وما شابه ذلك؛ فإن حصلت إساءة، فالأصدقاء والفضلاء سيعفون ويصفحون، ولكنّني أعتقد أنّه عندما يكون الجوّ جوّ صراحة، فلا ينبغي أن نأخذ الأُمور على محمل شخصيّ، بل يجب أن نستفيد. خلاصة القول، إنّ الوقت يمرّ، وليس لدينا مُتّسع من الوقت، فالوقت يمضي.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

23
  • قال المرحوم العلاّمة في كتاب الروح المجرّد [ما معناه]: كان هناك وقتٌ فَتَحَ فيه المرحوم السيّد الحدّاد الباب؛ وكان الناس يذهبون ويجيئون، لكنّهم لم يستفيدوا وانقضى الوقت. أمّا الآن، فيجب عليهم أن يحملوا الشموع، ويبحثوا عن هذه المسائل هنا وهناك.۱

  • ما تركه لنا أولئك العظماء هو هذا. لقد ترك لنا العظماء ذلك، وتكبّدوا هم المشاقّ، وأجلسونا بلطف على مائدة جاهزة، وقالوا لنا: تفضّلوا. هم عانوا التشرّد، ونحن الآن نستمتع بذلك. هم الذين تجرّعوا الغُصص ودخلوا المستشفيات... ونحن ننسب الفخر لأنفسنا. هل هذا واضح؟! هم من أنجزوا العمل. الآن، يجب على الإنسان أن يستفيد، ويأتي، ليصل إلى هذه المسائل واحدة تلو الأخرى. فكلّ عبارة ذكروها في كتبهم، وكلّ كلمة نطقوا بها، هي عالَم من عوالمنا عبّروا عنه بهذا الشكل، ويجب علينا أن نصل إليه. كلّ عبارة، وكلّ فقرة، هي أحد عوالمنا التي يجب أن نبلغها ونُحقّقها في أنفسنا ونُطبّقها.

  • نرجو من الله أن يأخذ تعالى بأيدينا جميعًا، ويجعلنا مُقدِّرين وشاكرين للنعمة التي وهبنا إيّاها.

  • تأكيد العظماء على التبليغ في شهرَي محرّم وصفر وآدابه

  • في أيّام العزاء هذه، في أيّام محرّم وصفر، كان اهتمام العظماء منصبًّا كثيرًا على التبليغ، وأن يذهب طلاّب العلوم الدينيّة للتبليغ هنا وهناك. أينما استطاع أيّ شخص أن يذهب، حتّى لو لبيان مسألة شرعيّة واحدة، أو لطرح موضوع ما، ولا يُشترط أن يُذكر أمرٌ خاصّ. يأتي الرفقاء ليسألوني: «يا سيّدي! سنذهب إلى المكان الفلاني لعشرة أيّام، فعمّ نتحدّث؟». الأمر لا يحتاج إلى تفكير في عمّ تتحدّث، قُم، واذهب إلى هناك، وقُل كلّ ما يجري على لسانك، وما يخطر ببالك. هل يجب بالضرورة أن يُطرح موضوع واحد في الجلسات العشر جميعها؟ من قال ذلك؟ حسنًا، قد يختار شخص موضوعًا ما، ويُتابعه لمدّة عشرة أو اثني عشر يومًا، ويُنمّيه ويُبلوره ويتحدّث عنه؛ وهذا أمر جيّد للغاية، وفي محلّه تمامًا. لكنّه ليس واجبًا أن تُتابع قضيّة واحدة دائمًا. يُمكن طرح مسألة مختلفة كلّ يوم والحديث حولها، بحيث عندما يخرج الإنسان من ذلك المجلس، يشعر بالعلم والمعرفة، وألاّ تكون الأحاديث مكرّرة وما إلى ذلك. يجب أن يُقال كلامٌ يجعل الإنسانَ يشعر بحقيقةٍ ما. قراءةُ رواية واحدة أفضلُ من التوسّع المفرط في المسائل.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

24
  • ضرورة استخدام المسائل الموثّقة والدقيقة

  • يجب أن نكون دقيقين جدًّا في مراعاة المسائل. يجب أن تكون جميع المسائل التي نطرحها مُوثّقة. إذا روينا حكاية، فيجب نقلُها بدقّة وصحّة بناءً على مصدرها.

  • لقد سمعتُ كثيرًا وأسمع من الرفقاء مسألةً كنتُ أنا قد نقلتها، ولكنّني أرى أحدَهم يرويها لي أنا بشكل خاطئ! عجبًا، لقد رويتُ أنا هذه القضيّة لهذا الغرض. يجب الانتباه إلى هذا الأمر، ويجب إعمال الدقّة فيه. إذا كانت هناك مسألة، فيجب أن تُكتب. انظروا، هذه المسائل التي نقلتُها اليوم عن المرحوم السيّد عبد الباقي، هي مسائل وقضايا مصيريّة، وتُرشد الإنسانَ إلى أُمور كثيرة!

  • هل تُصدّقون؟! لو ذكرتُ اسم ذلك الشخص، لتعجّبتم من أنّه هو نفسه، ولطار عقلكم من الدهشة! عجبًا، هذا الرجل! حسنًا، إن شاء الله نأمل أنّه حتّى لو كان على قيد الحياة الآن، ألاّ يحمل تلك الأفكار على الأقلّ. هذا من باب الحمل على الصحّة؛ لكن في النهاية، كانت هذه المسألة موجودة. خلاصة القول هي أنّه لا ينبغي الاغترار بالظواهر، ولا بالدروس والمباحثات. ولا ينبغي الاغترار بكثرة الأتباع والمريدين. يجب أن يرتقي الفكر، ويجب أن نُفكّر بعمقٍ أكبر، وبدقّةٍ أشدّ. أنا أعاتب الكثير من الرفقاء حقًّا، وأنّه لماذا لا تكون المسائل التي تُنقل دقيقة؟ أي: هل وصل بنا الأمر إلى هذا الحدّ؟ بالطبع، جميعنا هكذا، فيجب أن نتوخّى الدقّة في بيان القضايا.

  • كتاب «مطلع أنوار» هذا الذي تكبّد الرفقاء عناءه، ويجري إعدادُه، قمتُ أنا بإضافة بعض المسائل التي سمعتها من المرحوم العلاّمة. هل تُصدّقون أنّ ما سمعته من الآخرين عن المرحوم العلاّمة يُعادل عشرة أضعاف ما ورد هناك؟ بالطبع، لم أورد كلّ ما سمعته من المرحوم العلاّمة؛ لأنّ بعض الأُمور لا تقتضي المصلحةُ ذكرَها؛ ولكن، ما أوردته حاليًّا، أمتلك في ذاكرتي عشرة أضعافه من المسائل التي سمعتها من الآخرين عن المرحوم العلاّمة، فلماذا لم أوردها؟ لوجود واسطة فيها. فحسنًا، لم يكن هناك تسجيل. يأتي شخص، ويقول: «إنّني سمعتُ هذا الأمر من المرحوم العلاّمة»، ويكون صحيحًا؛ أي: عندما أُفكّر فيه، وأقيسه بالمعيار الذي لديّ، أرى أنّه صحيح حتّى، ولكنّني لا أستطيع أن أتحمّل مسؤوليّة نقله عن هذا العظيم، بحيث يبني عليه الإنسانُ أثرًا، بينما ينقصُه حرفٌ واحد. ولهذا، فإنّ ما أوردته في الهامش هو عين ما قاله المرحوم العلاّمة... عينه تمامًا! هذا ما يُمكنني قوله. إنّه أمر تمّ إمّا بالاستعانة بذاكرتي، أو من خلال المكتوبات الخطيّة، حيث كان دأبي أن أُدوّن كلّ ما أسمعه من المرحوم العلاّمة في مكتوباتي الخطيّة بمجرّد افتراقي عنه. هل هذا واضح؟!

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

25
  • وهذه القضيّة ذاتها هي ما تجعل شخصًا يتّصل هاتفيًّا مثلاً، وحتّى بأهل بيتي، ويقول: «يجب أن تصل القضيّة الفلانيّة للسيّد»، فأقول: أعطوه هذا الجواب. ثمّ، بعد مرور دقيقة، أقول: حسنًا، ماذا كنتم تريدون أن تقولوا؟ فأجده قد قال الأمر. فأقول: لا! لم يصحّ الأمر. لقد قال الكلمة المرادفة أو المشابهة للكلمة التي قصدتُها، فأقول: لا، لم يكن ما قلته هكذا. فيقول: حسنًا إنّه نفس المعنى. فأقول: لا يا عزيزي! أنا أعلم شيئًا أنت لا تعلمه. اذهب وأحضر ورقة، واكتب ما أقوله لك، واذهب لتقوله بعينه. إنّها مسألة مهمّة جدًّا. هذا أمر يجب علينا جميعًا مراعاتُه، فيجب علينا جميعًا مراعاتُه في المسائل التي نقولها للناس وفيما بيننا.

  • ولهذا، كان المرحوم العلاّمة يقول: «أنا أقول كلامًا في مشهد، وإلى أن يصل هذا الكلام إلى قمّ، يكون قد تغيّر بمقدار ۱۸۰ درجة». ما سبب ذلك؟ سببه أنّنا لا نمتلك تسجيلاً، ولا أقصد جهاز التسجيل وما شابه ذلك؛ بل أقصد قوّة ضبط المسألة وحفظها بشكلها الحقيقيّ.

  • ما هي إحدى المرجّحات الروائيّة في الأخبار المتعارضة؟ أليست هي مسألة ضبط الراوي؟ ينظر الإنسان، فيرى أنّ هذا الشخص من بين رفقائه يتحدّث دائمًا بدقّة أكبر. يختبره في هذه القضيّة، وفي تلك، وفي ثلاث قضايا؛ وعندما يختبره، يُدرك أنّه أصحّ من غيره. ماذا يُعدّ هذا في حدّ ذاته؟ إنّه جهة وثاقةٍ، وجهةُ ترجيحٍ؛ فإذا جاء ونقل أمرًا، وجاء شخص آخر من الرفقاء، ويكون رجلاً صالِحًا أيضًا ـ ولا يكون في المسألة عناد، كلاّ، لا يكون القصد العناد، بل يكون ذلك من باب الخطأ والاشتباه ـ ونَقَل أمرًا آخر؛ فماذا يفعل الإنسان؟ يقول: لا، يجب أن يكون كلام هذا هو الصحيح؛ لأنّ ضبطه أفضل، ودقّته أعلى، وقد اختبرته في هذه القضيّة، فكان نقلُه أدقّ. هذه القضيّة ذاتها موجودة في المُرجّحات، حيث لدينا مجموعة من المُرجّحات الروائيّة.

  • إحدى المرجّحات التي درسها الرفقاء أو يدرسونها في مبحث الرسائل ـ لقد قرأتم مبحث التعادل والتراجيح في الرسائل ـ ما هي حقيقتها؟ يقول المرحوم الشيخ [الأنصاريّ]: إنّها الضبط. فالمسألة مسألة عقلائيّة، وهذه المسألة مسألة عُرفيّة.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

26
  • إذا أردتم نقل حكاية، فانقلوها كما هي تمامًا، ولا تنقلوها بالمعنى. والمسائل التي تنقلونها عن الإمام عليه السلام، اذكروا عين الرواية، ثمّ اشرحوها وبيّنوها بعد ذلك.

  • أسلوب وآداب الخطابة في المجالس والمحافل

  • عدم الإطالة في الكلام

  • يجب ألاّ نُطيل في الحديث كثيرًا ممّا يُسبّب الملل. ليس القصد من هذه المجالس مجرّد قضاء الوقت فيها، بل الغاية هي تأثير هذه المسائل في الذهن والنفس. ليس القصد من هذه المجالس إعطاءها طابعًا تقليديًّا شكليًّا، بل القصد هو أن تكون مجالس تُطرح فيها مسألة، وتُعرض فيها حقائق دينيّة يُفتقر إليها في الأيّام الحاليّة كثيرًا؛ هذه هي القضيّة.

  • بيان المسائل المُؤثّرة

  • ثانيًا، ليس الهدف مجرّد حشو الذهن ليتعلّم الإنسان أمورًا ويحفظها ثمّ يمضي. كلاّ، الغاية هي أن تُحدث هذه المسائل أثرًا في ذهن الإنسان، وأن يُصدم الإنسان صدمة. يجب أن تحصل هذه الصدمة للإنسان في مجلس الإمام الحسين عليه السلام، وهذه الصدمة تحدُث عندما يُراعى الوقت. أي: إذا أطال الإنسان في الحديث مثلي، انظروا لتروا كم أتحدّث الآن؟ ستقولون: يا سيّدي، أنت نفسك تنقض ما تقول؟ حسنًا، نحن دائمًا ننقض الأُمور، فليكن هذا نقضًا آخر! عندما يُريد الخطيب أن يتحدّث، يجب أن يحسب حسابه أنّه إذا تحدّث لنصف ساعة فسيكون لذلك تأثير، فلا يجعلها أربعين دقيقة، ولا خمسًا وأربعين دقيقة؛ لأنّ كثرة الحديث لا تُؤدّي إلى نتيجة. نصف ساعة، عشرون دقيقة، خمس وعشرون دقيقة. انظروا إلى الناس، انظروا إلى المجلس، انظروا إلى الأفراد؛ فبمجرّد أن تروا أنّ الاستيعاب قد بلغ حدّه، اختموا المسألة قبل أن يصلوا إلى مرحلة التعب والملل.

  • هناك بعض الرفقاء ذوي العزّة والاحترام، عندما يصعد المنبر، ما إن يقول: لنختصر الكلام أو لنختم الحديث، حتى يظلّ هو نفسه يتكلم عشرين دقيقة أخرى. فأقول: وا ويلاه! من الجيّد أنّك ختمت الكلام! لو أردتَ أن تُفصّل أكثر، لربّما بقينا هنا أسرى حتّى الظهر. يا سيّدي! عشرون دقيقة من الحديث تكفي. وفي مجالس النهار (بين الطلوعين) أيضًا، أقول للرفقاء: كلّ من يصعد المنبر، ليتحدّث لعشرين دقيقة، أو خمس وعشرين دقيقة، وبعدها عشر دقائق لقراءة العزاء أو الشعر مثلاً، وينتهي الأمر. باختصار، إطالة الحديث لا تنفع شيئًا؛ هذا، مع أنّه قد تُضاف مسألة أخرى، وربّما يتصوّر ذلك الخطيب المسكين أنّه لم يتمكّن من إيصال الفكرة جيّدًا، ويُريد الآن التعبير عنها ببيان آخر وما شابه ذلك.

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

27
  • على أيّ حال، يجب الدقّة في هذه المسألة خلال الأحاديث. ويجب أن يكون الكلام جذّابًا، ولا يبعث على الملل. فليس من المعقول أن يتحدّث المرء لعشر دقائق، ثمّ يُسمع فجأة شخيرٌ يتعالى من زاوية المجلس! لا ينبغي أن يكون الأمر كذلك، إذا كان الحديث بطريقة لا تُسبّب الملل، كما قيل:

  • درس معلم ار بود زمزمه محبّتی***جمعه به مکتب آورد طفل گریزپای را۱
  • [يقول: إن كان درسُ المعلّم همسةَ محبّةٍ، فسيجلب الطفلَ الهاربَ إلى المدرسة يوم الجمعة]

  • ذلك الشخص الذي عانى من قلّة النوم البارحة لأسباب ما، أو صلّى وأصابه الأرق، وجاء الآن إلى مجلس بين الطلوعين ليأخذ قسطًا من النوم، يجب أن يكون الخطيب قادرًا على منعه من النوم، لا أن يكون حديثُه تهويدةً تزيد الطين بلّة. هذه أُمور يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار.

  • بيان الحكايات والأشعار الهادفة

  • يجب جعل الحديث جذّابًا من خلال الحكايات الهادفة. كم نصحتُ الأفراد قائلاً: يا سادة! اذكروا القصص في أحاديثكم، واذكروا الحكايات. هذه أُمور قد أُمرنا بها. عبارة «فأحيوها بطرائف الحكم»٢ التي يذكرها أمير المؤمنين عليه السلام تعني هذا، أي ذكر النقاط الهادفة؛ لأنّ الشخص الذي يصعد المنبر يكون في حالة ومزاج بحيث لا يعلم بحال الجالسين؛ فهو منسجم في الحديث وجمع المسائل، وفي غاية النشاط والحيويّة، ولا يُدرك أنّ الإغداق المتواصل على الحاضرين يُسبّب لهم الملل تدريجيًّا. يجب تغيير نمط الكلام. فليُقرأ الشعرُ مثلاً. هؤلاء الرفقاء الذين يمتلكون أصواتًا شجيّة، وحتّى لو لم يكن الصوت شجيًّا، فمجرّد رفع الصوت مع بعض الإضافات ليس أمرًا سيّئًا، بل إنّ هذه الأُمور مفيدة. فمجرّد قراءة بيتين من الشعر الحِكمي يُزيل الملل، أو ذكر مسائل أخلاقيّة عن مولانا، أو عن حافظ، أو عن العظماء، أو عن الفيض [الكاشانيّ]، أو عن المرحوم الحاج ميرزا حبيب الله الخراسانيّ.. هؤلاء الذين كانت أشعارهم تنبض بالحياة، وكانت مُفعمةً بالروح.

  • يقول المرحوم صاحب كتاب (لوامع صاحبقراني)، المرحوم الحاج الميرزا محمّد تقيّ المجلسيّ، والد العلاّمة المجلسيّ، في حديثه عن صلاة الجمعة ـ وقد أوردتُ ذلك في تعليقاتي على رسالة صلاة الجمعة ـ: «يجب على خطيب الجمعة أن يستخدم الأشعار الرائعة لمولانا في المثنويّ، ويقرأها للناس بصوت جميل». ولكن، لو قلنا ذلك الآن، لقالوا: عجبًا! ما هذا الكلام؟! ماذا يقول هذا الرجل؟! في صلاة الجمعة! نعم؛ إذن، صلاة الجمعة يجب أن تقتصر فقط على المدافع والدبّابات والتهديدات والضجيج!! حسنًا، افترضوا أنّ ذلك الشخص عندما ينهض ليخرج، فإنّ رأسه سيظلّ يدور من التعب. ولكنّ هذا لا يستقيم. يجب أن تكون صلاة الجمعة صلاةً تمنح الحاضرين حالةً من الصفاء والنشاط، وتُنعش أرواحهم. لستُ أدري ما الذي سيُصيب أئمّة الجمعة هؤلاء لو قرأوا بيتين من الشعر. فليأتوا، وليقرأوا بيتين من الشعر، وليقولوا كلمتين بليغتين، ولينقلوا حكايات من سيرة العظماء ومن المسائل الأخلاقيّة، وليرْووا القصص، ليُحدثوا أثرًا في الناس، لكي يتأثّروا. حتّى إذا جاء الشخص إلى صلاة الجمعة، يكون بانتظار صلاة الجمعة القادمة متى ستحلّ. هذه هي المسائل التي نقلتُها في رسالة صلاة الجمعة. نرجو أن يقرأ السادة هذه المسائل، ويُرتّبوا عليها الأثر، ليتغيّر الجوّ العام.

    1. ديوان أشعار نظيري النيشابوريّ، الغزليّات، رقم ٥٥.
    2. نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٤۸٣:
      قال عليه السلام: «هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ [الْحِكْمَةِ] الْحِكَم‌».

أهمّية دراسة علوم أهل البيت وآداب التبليغ والخطابة - التعارض بين مدرسة العرفان الأصيلة وآفات تضخيم الشخصيّات والمظاهر الشكليّة

28
  • يجب على خطيب المنبر أيضًا أن يسعى لتحقيق هذا الأمر، فإحياء ذكر أهل البيت عليهم السلام يعني هذا! لا أن يذكر المرء مجموعةً من المسائل وينتهي الأمر. يجب على خطيب المنبر أن يُغيّر الجوّ العامّ للأفراد والمجلس، وإن شاء الله سيُعينه الله تعالى.

  • ذكر المراثي المُوثّقة

  • المسألة الأُخرى هي أنّه في المراثي التي تُقرأ، يجب أن تكون جميعُها وذكرُ المصائب موثّقةً ومطابقةً للتاريخ. ولا ينبغي ذكر الأُمور المُبالغ فيها. ولا ينبغي في ذكر المصائب الإتيانُ بتلك الحركات والتصرّفات التي ترونها وتسمعونها. فمجالس أهل البيت عليهم السلام هي مجالس مقدّسة، مجالس مطهّرة، وهي مجالس تحضرها الملائكة، ويجب على الإنسان أن يتوافق مع تلك المجالس.

  • بالطبع، هناك مسائل في هذا المجال تتعلّق بكيفيّة وآداب مجالس الفرح أو مجالس العزاء، والتي أعتزم إن شاء الله كتابة مقال عنها عمّا قريب، وسأعرض في المستقبل ما ذكره العظماء، وتجربتي الشخصيّة في هذا الصدد أثناء محضري عند أُولئك العظماء.

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد