المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةتوصيات الحج وأحكامه
التوضيح
ما هي الفروق الدقيقة بين العمرة المُفردة وحجّ التمتّع؟ وكيف نُؤدّي مناسك العُمرة خطوةً بخطوة بدءاً من الإحرام والتلبية وحتى طواف النساء؟ ما هي الرموز المعنويّة لأعمال الطواف والسعي؟ وما هو الفرق الجوهريّ الذي يُميّز عمرة التمتّع عن العمرة المُفردة؟ وما هي الأسرار الروحيّة والاعتبارات التاريخيّة الكامنة في معالم مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة؟ يُجيب سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه في هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها، مُقدّمًا شرحًا تفصيليًّا لأعمال العمرة المُفردة وواجباتها وأسرارها.
هو العليم
أعمال العُمرة المُفردة وأسرارها المعنويّة
كيف نُحوّل الشعائر من حركات ظاهريّة إلى رحلة روحيّة عميقة؟
مباني الإسلام، توصيات الحجّ وأحكامه، المحاضرة الخامسة
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا وحبيب إله العالمين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
تحدّثتُ في العام الماضي بحديثٍ لا أدري إن كنتم قد استمعتم إلى تسجيله أم لا، حيث كان هناك بعض الأفراد في قمّ ـ رجالاً ونساءً ـ يبلغ عددُهم حوالي أربعين فردًا، أرادوا التشرّف بأداء مناسك الحجّ، فجاؤوا وتحدّثتُ معهم. وعلى كلّ حال، إذا وصلكم ذلك التسجيل، ففيه مسائل تتعلّق بالعُمرة.
الحجُّ الواجبُ وأقسامُهُ: بينَ العُمرةِ المُفردة وحجِّ التمتّعِ
إنّ ما يتعلّق بمسألة الحجّ الواجب أمران: الأوّل هو العمرة التي يُطلق عليها اسم الحجّ الأصغر، والثاني هو الحجّ في موعده الخاصّ؛ وهو الإحرام والتوجّه إلى عرفات ومِنى وسائر الأعمال التي يجب أداؤها، ويُسمّى بالحجّ الأكبر. ويُطلق لفظ الحجّ عليهما معًا؛ أي إنّ التعبير عن الأوّل يكون بالعمرة وعن الثاني بالحجّ، ولكنّهما يُسمّيان حجًّا.۱
ولهذا، إذا لاحظتم، تجدونهم يقولون: «حجّ العمرة» في مقابل «حجّ التمتّع»، وحجّ العمرة هو هذا؛ أي الحجّ الذي يتكوّن من عمرة وأعمال خاصّة، وكلاهما واجب. وبطبيعة الحال، فإنّ الذين يستطيعون الحجّ الآن يُؤدّون كلا الأمرين معًا، ولكنّ هذا لا يُعدّ دليلاً على أنّه يجب على الإنسان حتمًا أن يُؤدّي هذا الوجوب على نحو «عمرة التمتّع».٢
العمرةُ المُفردة وحكمُ وجوبِها واستقلالُها عن أعمالِ الحجِّ
العمرة التي تكون في غير أيّام الحجّ ولا تتّصل بالحجّ تُسمّى: «العمرة المُفردة». فالعمرة المُفردة هي العمرة التي يؤدّيها المُعتمر من غير أن يربطها بالحجّ؛ وهي لا تختلف أبدًا عن «عمرة التمتّع»، وإنّما يكمن الفرق بينهما في طواف النساء٣ وركعتاه فقط، وإلاّ فإنّ بقيّة أعمالهما واحدة. ويجب على الرفقاء الذين يتشرّفون بأداء العمرة المُفردة أن يعلموا أنّ هذه العمرة المُفردة تُسقط عنهم قسمًا من التكليف؛ أي: لا يبقى عليهم سوى ذلك الحجّ الذي يشتمل على أعمال خاصّة.
بناءً على ذلك، يجب على الذين لم يتشرّفوا بأداء العمرة من قبل ـ أمثالكم ـ أن ينووا الوجوب في هذه العُمرة بطبيعة الحال، لا نيّة الاستحباب. يجب أن ينووا الوجوب بأنّهم يُؤدّون العمرة المُفردة الواجبة قُربةً إلى الله تعالى. وهذه العمرة تسقط عن ذمّتكم بوصفها واجبًا أيضًا. وطبعًا، فإنّ الذين يدخلون مكّة لاحقًا في أيّام الحجّ لا يُمكنهم الدخول من دون إحرام وعمرة، وهذا موضوع آخر لا ارتباط له بهذا الأمر. يعني: لو افترضنا أنّ الوقت كان ضيّقًا لأداء حجّ التمتّع، فيجب على الإنسان أن يُحرم، ويتوجّه إلى عرفات؛ في حين، يكون هؤلاء قد أدّوا عمرتهم المُفردة سابقًا.
إذا لم يكن الإنسان قد أدّى عمرته المُفردة سابقًا، فيجب عليه ـ بعد أداء الحجّ ـ أن يُؤدّي عمرة مُفردة أخرى يُحرم لها من التنعيم؛ لأنّنا قلنا: «يجب أمران: عمرة مستقلّة، وحجّ».
وقد بيّنتُ هذا الأمر فقط لكي يلتفت الرفقاء إلى هذه النقطة: ألاّ يظنّوا أنّ هذا العمل الذي يؤدّونه الآن هو خارجٌ عن إطار ذلك الحجّ الواجب؛ يعني أنّ هذه العمرة بحدّ ذاتها عمل واجب، غاية الأمر أنّ الله قدّر أن تُؤدّى قبل ذلك الحجّ؛ ولكنّها في حدّ ذاتها واجبة. وطبعًا، إذا أردنا الآن التحدّث عن الفرق بين العمرة المُفردة وعمرة التمتّع، فسوف نبتعد عن المسألة المُرادة حاليًّا، ولا ضرورة لبيان هذا الأمر.۱ وعلى كلّ حال، نحن نتناول الآن ما يُحتاج إليه فعلاً فيما يخصّ هذا العمل الذي يُسمّى بالعمرة المُفردة.
مواقيتُ الإحرامِ لدخولِ مكّةَ والاختلافُ بينَ العُمرةِ والحجِّ
تجب العمرة المُفردة مرّة واحدة في كلّ شهر على الذين هم خارج مكّة ويُريدون الدخول إليها؛ سواء كانوا من خارج مكّة، أو حتّى من أهل مكّة أنفسهم إذا أرادوا الخروج منها ثمّ العودة إليها، فيجب عليهم أداء العمرة؛ غاية الأمر أنّ الميقات بالنسبة لأهل مكّة هو «أدنى الحِلّ»،٢ فيُحرمون من بداية الحِلّ؛٣ أمّا بالنسبة للذين يسكنون خارج مكّة، فالميقات هو هذه المواقيت الستّة المحدّدة هنا.٤
ولا يخفى أنّ رأي المرحوم العلاّمة يتمثّل في أنّه يُمكن الإحرام من خارج هذه المواقيت الستّة أيضًا، وهذه كانت رؤيته؛ فيُمكن الإحرام بمحاذاة الميقات أيضًا.٥ وتختلف العمرة عن الحجّ من حيث الأعمال؛ فهما يشتركان في بعض الأعمال، ويختلفان في بعضها الآخر.
الأعمالُ المشتركةُ وشرائطُ لباسِ الإحرامِ للرجالِ والنساءِ
الأعمال المشتركة هي الإحرام والتلبية٦ والطواف وركعتا الطواف والسعي؛ فهما يشتركان في هذه المسائل. أمّا في العمرة، فيوجد بعد السعي تقصير؛۷ أي قصّ شيء من الأظافر أو قصّ شيء من الشعر. ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة؛ فلكليهما حُكم واحد. ولكن في الحجّ، يجب على الرجال حلق الرأس، ويجب على النساء هذا التقصير نفسه، فيجب أن يؤدّوه في مِنى.۸
من شرائط الإحرام الطهارة. ويجب أن يكون اللباس هو اللباس المتعارف نفسه، وهو عبارة عن ثوبين مُكوّنين من قطعتين للرجال، وبالنسبة للنساء فلباسهنّ معروف، حيث ينبغي أن يكون أبيض اللون؛ وحتّى النساء ينبغي أن يكون لباسهنّ أبيض، ويتكوّن من قطعتين أيضًا.
مستحبّاتُ الإحرامِ وكيفيّةُ أداءِ التلبيةِ للبدءِ بالنسُكِ
عندما يريد الرجل أن يُحرم، يجب عليه رعاية بعض المسائل. ومن الأفضل طبعًا أن يغتسل غُسل الإحرام قبل الإحرام، ويُصلّي ركعتين، حيث لا حاجة مع هذا الغُسل للوضوء. ويُمكنكم الإتيان بذلك الغُسل في مكان السكن نفسه، أو يُمكنكم المجيء إلى مسجد الشجرة والاغتسال هناك؛ لا فرق في ذلك. وطبعًا، الغُسل مستحبّ، وكذلك الصلاة مستحبّة.
بعد صلاة الركعتين، ورد هذا الذِّكر: «لَبَّيْكَ اللهُمّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ»؛ وقول «لبّيك» مرّة أخرى في النهاية أمر زائد؛ ومن الأفضل ألاّ يقول الإنسان: «إنّ الحمد والنعمة لك والمُلك، لا شريك لك».
وبهذا، ينتهي الأمر. ويُمكن للإنسان ـ بل من الأفضل ـ أن يُكرّر ذلك؛ فيقول: «لبّيك اللهمّ لبّيك» باستمرار. وهناك مستحبّات وإضافات، حيث يُمكنه قول تلك الإضافات أيضًا. وبقول هذه التلبية، تُصبحون مُحرمين؛۱ أي: تُوضَعون في حال يختلف عن حال الوضع العادي.
مُحرَّماتُ الإحرامِ ومكروهاتُهُ وما يجبُ اجتنابُهُ على المُحْرِمِ
يجب رعاية بعض المسائل؛ منها ما كُتب في الرسائل العمليّة أيضًا: لا يُمكنكم حكّ البدن، ولا يُمكنكم نتف الشعر من البدن، ولا يُمكنكم وضع شيء على الرأس، ولا يجوز للرجال أثناء الحركة أن يكونوا تحت سقف أو في سيّارة مُسقّفة؛ وطبعًا، لا إشكال في ذلك ليلاً، وإن كان رأي المرحوم العلاّمة أنّه يُشكَل ذلك في الليل أيضًا.
ولكن الآن، وبشكل عامّ، جميعُ وسائل النقل تتحرّك ليلاً، وكلّها مُسقّفة، ولها أسقف؛ غاية الأمر أنّه لا يجوز للرجال وضع شيء على رؤوسهم، ويجب أن تكون رؤوسهم مكشوفة. لكن، لا إشكال في حركة النساء تحت السقف. وطبعًا، تكون رؤوسهنّ مغطّاة؛ ولكن، يجب أن يكون الوجه مكشوفًا. فالبعض يتظاهرن بالقداسة، ويُريدن ألاّ يرى الأجنبيّ وجوههنّ، فيضعن شيئًا أمام رؤوسهنّ؛ وهذا غير صحيح، ولا ينبغي فِعل ذلك. نعم، إذا شَعَرنَ في وقت ما أنّ أجنبيًّا يقصد النظر إليهنّ، فيُمكنهنّ إطراق رؤوسهنّ نحو الأسفل ليتحقّق الغرض من هذه الجهة أيضًا. ولكن على كلّ حال، يجب أن يكون الرأس مكشوفًا بالنسبة للرجل، وكذلك وجه المرأة.
من الأفضل أن تستمرّ هذه التلبية. فكلّما أكثرتم من التلبية، أصبح إحرامُكم أقوى وأمتن، وصار الاتّصال أقوى. ومن الأفضل أن يُجهَر بالتلبية طوال الطريق؛ ويُستحبّ قول التلبية في كلّ صعود وهبوط. وفي كلّ مكان يتوقّف فيه الإنسان، من الأفضل أن يُلبّي. فهو يتحرّك، وبدلاً من الذكر، يقول التلبية، حيث تستمرّ هذه التلبية حتّى تظهر جُدرانُ مدينة مكّة؛ وهناك، يجب قطعها. وإذا لم تقطعوها، فقد تواجهون مشكلة. فإلى ذلك المكان، يجب قول التلبية، ومن هناك فصاعدًا، نقطع التلبية.۱
ويجب أن تحرصوا على ألاّ يتنجّس لباسُ إحرامكم؛ فإذا تنجّس، يجب عليكم تطهيره بالماء فورًا. وألاّ يكون اللباس مَخيطًا، بل لا ينبغي وضع دبّوس حتّى. والبعض يضعون حزامًا أو يربطون مطاطًا وما شابه ذلك؛ وكان المرحوم العلاّمة يحتاط، ولا يفعل ذلك. وبالنسبة للأشياء التي يحملها المُعتمر معه، يجب الالتفات إلى أنّه إذا كان الخاتم للزينة، فلا ينبغي لبسه؛ أو الساعة إذا كانت للزينة، فلا ينبغي لبسها. أمّا إذا كان الخاتم عاديًّا والساعة عاديّة ولا جِهة زينة فيهما، فلا إشكال في ذلك. وليس الإحرام وحده، بل حتّى اللباس غير الإحراميّ يجب ألاّ يكون مَخيطًا بالنسبة للرجال؛ ولذلك، فإنّ الجراب الذي تأخذونه معكم يجب أن يكون مَكبوسًا (بدون خياطة). أو إذا كنتم تلبسون حزامًا (تلك الأشياء التي يضعون فيها منديلاً أو مالاً أو شيئًا ما)، فيجب ألاّ يكون مَخيطًا. وهناك أشياء من هذا القبيل متوفّرة وموجودة في مسجد الشجرة نفسه؛ ويُمكن شراؤها من هناك. ويجب أن يكون الحذاء والشسع بشكل يكون فيه ظهر القدم مكشوفًا بأقصى قَدْر ممكن، ومن الأفضل في مثل هذه الموارد استخدامُ هذه النعال التي يبيعونها هنا، ولها أربطة.
فإخراج الدم حرام، واستعمال الصابون المُعطّر فيه إشكال، واستعمال السواك الذي يُؤدّي إلى إخراج الدم فيه إشكال، وقصّ الأظافر فيه إشكال، وتقشير الجِلد فيه إشكال؛ فهذه هي التروك التي يذكرها الفقهاء هناك. كما أنّ النظر في المرآة فيه إشكال. وعادةً، تحتوي جميع المصاعد هناك على مرايا. وطبعًا، هناك مسألة يجب أن تُراعوها هناك ولا يعلمها الكثيرون: لا ينبغي للإنسان أن يرى نفسَه في المرآة؛ ولكن، لا إشكال في النظر إلى المرآة نفسها. افترضوا أنّ هناك مرآة، فينظر الإنسان إليها من هذه الزاوية بحيث لا يرى نفسه؛ فهذا لا إشكال فيه. أمّا أن يرى الإنسان نفسه في المرآة أو أيّ شيء يُشبه المرآة، حتّى لو كانت ألواحًا معدنيّة تعكس الصورة، ففيه إشكال بطبيعة الحال. ولا ينبغي استعمال العِطر؛ ففيه إشكال. وعندما تُريدون النوم، لا ينبغي أن يكون رأسكم مغطّى؛ ولا ينبغي أن يكون الغطاء (ذلك الشيء الذي يُوضع على الإنسان ويشتمل عليه) غطاءً مَخيطًا؛ وفي وقت النوم، يُستخدم لباس الإحرام نفسه، أو إذا كان هناك غطاء، فيجب استخدام غطاء غير مَخيط. أمّا الفِراش الذي يفرشه الإنسان تحته، فلا إشكال فيه إذا كان مَخيطًا. حسنًا، كانت هذه أمورًا تتعلّق بالإحرام.٢
الأذكارُ المستحبّةُ في حالةِ الإحرامِ
يُعدّ ذِكر «لا إله إلاّ الله» و«الله أكبر» في وقت الإحرام وحتّى يؤدّي الإنسان الأعمال أمرًا بالغ الأهميّة.۱ وهناك أذكار قرأتها في كتاب «آداب الحرمين»؛ فتلاوة تلك الأذكار جيّدة وصحيحة أيضًا.٢
آدابُ دخولِ مكّةَ المكرّمةِ والمسجدِ الحرامِ والتأهّبُ للطوافِ
حسنًا، تأتون حتّى تصلوا إلى مكّة، حيث إنّ للدخول إلى مكّة غُسل خاصّ به.٣ وطبعًا، من المُستبعد جدًّا الآن التمكّن من ذلك مع هذه الوسائل وما شابهها. وللدخول إلى المسجد الحرام غُسل أيضًا؛٤ فاغتسلوا قبل أن تشرعوا في الأعمال، واذهبوا بغُسل المسجد الحرام، حيث إنّ هذا الغُسل نفسه يُغني الإنسان عن الوضوء.٥
عادةً ما يصل الناس إلى مكّة في منتصف الليل، ويُحاولون الذهاب في تلك الليلة نفسها لأداء الأعمال والانتهاء منها؛ وهذا لا فائدة منه أبدًا، ونصيب الإنسان منه قليل جدًّا. استريحوا في تلك الليلة في الفندق أو المكان الذي أنتم فيه، وتحرّكوا في الصباح بهدوء وانفتاح روحيّ وبعد زوال التعب، واذهبوا لأداء الأعمال. وكلّما كان عملكم مصحوبًا بهدوء أكبر، كان نصيبه أوفر. ولا تسعوا أبدًا لأن ينتهي العمل بسرعة؛ فهذه الأعمال التي جعلها الله في العمرة، كلّ واحد منها له حِسابه الخاصّ. نجد الناس يسعون لأن يرتاحوا بسرعة من مشقّة هذه الأعمال بحسب ظنّهم، فيأتون، ويُؤدّونها لكي يخرجوا من الإحرام؛ ولكن، من الجيّد أن يُؤدّي الإنسان هذه الأعمال على مهلٍ تامّ. افترضوا أنّه إذا طاف الإنسان وتعب، فليُؤجّل السعي إلى وقت لاحق. حسنًا، افترضوا أنّكم ستبقون في حالة الإحرام ليوم واحد، فما الإشكال في ذلك؟!
لقد بقيت في ذلك السفر ـ الذي تشرّفت فيه ـ مُحرمًا حتّى اليوم التالي، وكان الجميع يتعجّبون؛ وكانوا يظنّون أنّني أدّيتُ عمرةً أخرى. فقال لي عالِم الدين الذي كان معنا: «هل أدّيت عمرة مجدّدة؟». قلت: «كلاّ؛ لم أُؤدِّ أعمالي بعد!»؛ يعني أنّني أجّلتُها إلى يوم وليلة كاملة لاحقة. فتعجّب كثيرًا، وقال: «كيف ذلك؟! ما هو رأيك؟». حسنًا، لا أريد أن أُؤدّيها الآن؛ أنا أريد أن أبقى في حال الإحرام. فلا يجب على الإنسان الإسراع في أداء هذه الأعمال عندما يدخل مكّة. وكلّما بقي أكثر في حال الإحرام، شملته نورانيّة الإحرام أكثر؛ غاية الأمر أنّه جرت العادة الآن على المجيء، والإسراع في أداء هذه الأعمال؛ ولكن، لا يوجد شيءٌ يُلزمنا بسرعة العمل في الإحرام.
حسنًا، أنتم الآن تريدون أداء الطواف، فتتحرّكون بغُسل وطهارة، وتأتون لأداء الطواف. فمن الجيّد أن يسجد الإنسان سجدة الشكر عندما يصل إلى المسجد الحرام؛ لاسيّما بالنسبة للذين تكون هذه هي مرّتهم الأولى.
كيفيّةُ أداءِ الطوافِ وحدودُ المَطافِ والآدابُ القلبيّةُ فيهِ
وتتحرّكون نحو الحجر الأسود؛ فقبل أن تصلوا إلى الحجر الأسود، يوجد خطّ تحت أقدامكم؛ تقفون في بداية ذلك الخطّ، وتُشيرون إلى الحجر الأسود، وتقولون: «الله أكبر»، وتبدؤون الطواف؛ تشيرون بِيَدِكُم اليُمنى أو بكلتا يدَيكم، وتُكبّرون تكبيرة واحدة، وتنوون: «نيّة طواف العمرة المُفردة الواجبة، قُربةً إلى الله».۱
ويجب أن يكون مَسار الطواف في تلك المسافة الواقعة بين مقام النبيّ إبراهيم ـ والذي رأيتموه في الصوَر طبعًا ـ وبين الكعبة نفسها؛ ويجب عليكم الحفاظ على هذا المَسار. ونتيجةً لذلك، عندما تصلون إلى حِجر إسماعيل،٢ يضيق المَسار؛ لأنّ الحِجر نفسه متقدّم كثيرًا، ويأخذ مقدارًا من المَطاف٣. ولا يُمكن الطواف من داخل حِجر إسماعيل، بل يجب أن تطوفوا من حوله. ولهذا، حاولوا الحفاظ على هذه المسافة بين الكعبة ومقام النبيّ إبراهيم طوال الطواف، بحيث لا تخرجوا عنها. وطبعًا، إذا كان الزحام شديدًا في الدائرة، بحيث يصعُب الطواف جدًّا، فيُمكن للإنسان أن يبتعد قليلاً عن ذلك المَطاف المفروض، ويطوف من ذلك المكان.
وفي وقت الطواف، لِيكُن الذكرُ مقتصرًا على: «لا إله إلاّ الله» و «الله أكبر». واحذروا من أن تلمسوا الكعبة بأيديكم أثناء الطواف؛ لأنّه يجب على الإنسان أن يتحرّك خارج الشاذَروان.٤ ويُطلق الشاذروان على ذلك البروز في أسفل الكعبة؛ فيجب أن تتحرّكوا خارجه، ولا ينبغي وضع اليد عليه. أو عندما تطوفون حول حِجر إسماعيل، إيّاكم أن تضعوا أيديكم على الحِجر؛ فلا ينبغي وضع اليد على حجارة الحِجر.٥
ولا تلتفتوا إلى أيّ شيء آخر، ولا تنظروا يمنةً ويسرة، ولا تنظروا إلى أبواب المسجد الحرام وجدرانه، بل ليكُن رأسكم مُطرقًا إلى الأسفل، واذكروا الله، وطوفوا. ولا تُفكّروا أبدًا فيما إذا كان كَتِفُكُم ينحرف عن البيت (الكعبة نفسها) أم لا.. لا تلتفتوا إلى هذه الأمور بتاتًا؛ فليس لدينا مثل هذه الأشياء، وكلّها أمور مُبتَدعة. حتّى لو انحرف كتفكم عن الكعبة نفسها، فلا إشكال في ذلك؛ وإذا دُرتم حول أنفسكم دورتين فلا إشكال؛ وليكُن توجّهكم مقتصرًا على حقيقة التوحيد نفسها. فكّروا في أنّ هذا المكان الذي تطوفون فيه الآن، قد وطأته أقدامُ الكثير من الأنبياء؛ وقد جاء جميع الأئمّة عليهم السلام وجميع الأولياء إلى هنا، وطافوا فيه، وكان مَطافًا لهم. فكان مَقصدهم جميعًا هو التوحيد، ولم يطلبوا من الله شيئًا سوى التوحيد؛ فضعوا هذه النقطة نُصب أعينكم.
أحكامُ أشواطِ الطوافِ ومُبطلاتُهُ وما يَعرِضُ للطائف من طوارئَ
حتّى تصلوا مرّة أخرى إلى الحجر الأسود، وتكتمل دورة واحدة؛ وعندما تنتهي، تتوجّهون مرّة أخرى نحو الحجر الأسود، وتُشيرون بأيديكم، وتقولون: «الله أكبر» للمرّة الثانية، وتشرعون في الطواف الثاني. وهكذا في الطواف الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع. وعندما تنتهي الأشواط السبعة، وتصلون إلى ذلك الخطّ، يجب عليكم الخروج من المَطاف، ولا ينبغي الاستمرار؛ أي: اقطعوا نيّتكم. أمّا إذا تقدّمتم قليلاً بعد ذلك، فيجب أن يكون مجرّد حركة عاديّة؛ لا على أساس أنّه طواف.۱
وضعوا في حُسبانكم: إذا لم تواجهكم أيّة مشكلة في الأشواط السبعة كلّها فبها ونِعمت؛ أمّا إذا واجهتكم مشكلة قبل إتمام ثلاثة أشواط ونصف، فالطواف باطل، ويجب أن تبدؤوه من جديد. على سبيل المثال، إذا نزف دم من مكان في البدن، فيجب على الإنسان أن يذهب ويغسله ثمّ يعود مرّة أخرى؛ إذ لا يُمكنه الطواف في حال النجاسة. أمّا إذا كان ذلك بعد ثلاثة أشواط ونصف، فليأتِ من المكان الذي ذهب منه نفسه، ويُتمّ ما تبقّى من الطواف؛ ولا داعي للبدء من جديد. أو إذا احتاج إلى تجديد الوضوء، فالمسألة على هذا النحو أيضًا.٢
وإذا دفعكم أحدٌ أثناء الطواف، فلا بأس بذلك، ولا إشكال فيه؛ وطبعًا، لن يدفعكم أحد. أو افترضوا أنّه إذا صدمكم أحد واستدرتم، فلا إشكال؛ لا إشكال في أيّ من هذه الأمور. يصل هذا الطواف إلى هنا، ثمّ ينتهي.
صلاةُ ركعتَيِ الطوافِ خلفَ مَقامِ إبراهيمَ وحُكمُ محاذاةِ المرأةِ للرجلِ
الموضوع الآخر المتبقّي هو ركعتا الطواف، حيث يجب أن تُصلّى هاتان الركعتان خلف مقام النبيّ إبراهيم.٣ الآن، يَفصل السعوديّون الرجال عن النساء: فتقف النساء خلف الرجال، ويقف الرجال في الأمام. وليس الأمر بأنّه يجب حتمًا الصلاة خلف ذلك الحجر تحديدًا ليُعدّ صلاةً خلف مقام إبراهيم. حسنًا، سترون هناك أنّ أثر قدم النبيّ إبراهيم موجود على تلك الحجارة. وإذا تقدّمتم ونظرتم، سترون أثر قدم النبيّ إبراهيم على تلك الحجارة. وهناك رواية تشير إلى أنّ الله تعالى هو مَن أوجد أثر قدم النبيّ إبراهيم هذا، وليس الناس مَن قاموا بنحته؛٤ لأنّ الحجر غائر قليلاً؛ فهذا ليس من فِعل الناس، بل هو فِعل الله تعالى.
والمقصود من «خلف المقام» هو أن يكون ذلك المقام في الأمام، وذلك بأن نفترض أن يكون الإنسان واقفًا خلفه؛ فلا يجب حتمًا أن يُؤدّي العمل بموازاة ذلك المقام وتلك الصخرة بدقّة.
والمسألة الموجودة هنا هي أنّه في المسجد الحرام، أُسقطت مسألة محاذاة المرأة للرجل (أي وجوب صلاة المرأة خلف الرجل).. في ذلك المكان، لا في مكان آخر. ففي غير المسجد الحرام، يجب على المرأة أن تُصلّي خلف الرجل، ويجب أن تكون هناك مسافة تفصل بينهما، سواء من حيث المحاذاة أو من حيث التساوي، حيث ينبغي أن تكون المسافة بينهما ثمانية أذرع أو ثلاثة إلى أربعة أمتار. فإذا جاء الرجل وصلّى خلف المرأة، فصلاته باطلة؛ وإذا كان الرجل يُصلّي، وجاءت المرأة ووقفت أمامه، فصلاتها باطلة؛ وإذا وقفت بجانبه، فهي باطلة أيضًا.۱ أمّا في المسجد الحرام، فحتّى لو وقفت المرأة أمام الرجل، فصلاة كليهما صحيحة؛ وهذا الحُكم يختصّ بمكّة فقط. ففي فنادق مكّة، وفي أيّ مكان تريدون الذهاب إليه للصلاة، إذا كانت المرأة تُصلّي أمامكم، فأدّوا صلاتكم، ولا إشكال في ذلك بتاتًا.٢ ولا يسري هذا الأمر في المدينة أو في الأماكن الأخرى، بل هو خاصّ بمكّة فقط. وليس في المسجد الحرام فحسب، بل حتّى خارج المسجد الحرام، أُسقطت «محاذاة المرأة للرجل»، ويُمكن للجميع الصلاة بجوار بعضهم البعض أو خلف بعضهم البعض. وطبعًا، يُراعي السعوديّون مسألة محاذاة المرأة للرجل، ولا يسمحون للنساء بالوقوف في الأمام؛ وفي وقت الصلاة، يُرجعون النساء إلى الخلف لكي يقفن هناك؛ أو لا يسمحون لهنّ بالتقدّم في مقام إبراهيم نفسه، بل يقفن في الخلف.
وعلى كلّ حال، فلا إشكال في الأمر؛ حيثما ترونه متيسّرًا لكم، صلّوا خلف مقام إبراهيم، ولا يَلزَمُكم التقدّم حتمًا؛ فإذا كان التقدّم متيسّرًا، فتقدّموا؛ وإلاّ فتأخّروا. وحتّى لو صليتم في آخر المسجد الحرام إذا كان هناك متّسع، فالصلاة صحيحة؛ ولا إشكال فيها من هذه الجِهة. وإلى هنا، نكون قد انتهينا من «ركعتي الطواف».
السعيُ بينَ الصفا والمروةِ وأسرارُهُ الروحيّةُ والتاريخيّةُ وأحكامُ أشواطِهِ
ثمّ تأتون للسعي بين الصفا٣ والمروة.٤ في الطواف وركعتي الطواف، تُشترط الطهارة؛ أمّا في السعي بين الصفا والمروة، فلا تُشترط الطهارة، ويُمكن أداؤه بدونها؛ لكن، من الأفضل طبعًا أن يكون الإنسان على طهارة.٥
يبدأ السعي من جبل الصفا. وهناك دعاء، ومن الأفضل أن يقرأه الإنسان؛ فيقف مستقبلاً الكعبة، ويدعو كثيرًا لنفسه ولعائلته وأصدقائه. وقد تمّ التأكيد على دعاءِ بَدء السعي. وعندما تريدون أداء السعي، اصعدوا قليلاً على ذلك الجبل، وقفوا مستقبلين الكعبة. فقبل بَدء السعي، يكون الدعاء مستجابًا؛ وهناك أدعية خاصّة.۱
ويجب أن تعلموا لِماذا تريدون السعي؛ هل تذهبون وتجيئون هكذا عبثًا؟ أم لا، هناك أمر كامن خلف هذه القضيّة وهو متابعة السيّدة هاجر؛ أي: كيف أنّ السيّدة هاجر كانت تذهب دائمًا نحو المروة للحصول على الماء للنبيّ إسماعيل، فتظنّ أنّ هناك ماءً، وتذهب إلى هناك لتجد أنّه لا ماء؛ ثمّ تعود نحو الصفا ظانّةً أنّ الماء هنا. وهكذا فعلت سبع مرّات. وأنتم أيضًا يجب أن تسلكوا هذا الطريق طلبًا لـ «ماء الحقيقة». و«ماء الحقيقة» هو الوصول إلى يَنبوع الحياة وبلوغ مقام الفناء؛ وهذا هو المقصد. وماء الحقيقة هو ذلك الماء الذي متى شربه الإنسان، وصل إلى مقام الاطمئنان، ورُفع عنه «عطش البحث» و«عطش التتبّع». وعندما يصل أحدٌ إلى عالَم الحقيقة والمعنى ذاك، ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛٢ فيُرفع عنه الخوف والحُزن. وهذا العمل من السيّدة هاجر يُعدّ رمزًا لعملنا وعمل جميع الحجّاج. والعجيب هنا هو أنّ الله تعالى قد أوجب عمل السيّدة هاجر هذا على جميع الناس حتّى يوم القيامة! وهذه هي حقيقة التوحيد؛ وهذا هو معنى التوحيد. ليس الأمر كما تظنّون من أنّه يجب حتمًا أن يكون الإنسان نبيًّا أو إمامًا لكي يتّبعه الآخرون في أعماله. ففي ذلك المَقام، لا فرق بين الإمام والنبيّ وسائر الأفراد. فامرأة أخلصت النيّة في عمل ما، يتقبّل الله تعالى هذا العمل ويُكرِّمه، ويأمر الآخرين بمتابعتها! يعني أنّ نبيّنا أيضًا يجب أن يمضي خَلف السيّدة هاجر؛ وهذا عجيب جدًّا! هذه القضيّة ليست مُزاحًا؛ فالسيّدة هاجر لمّا أدّت هذا العمل قاصدةً الله تعالى ومُخلصةً له ـ في تلك الصحراء من أجل الله فقط، ومُسلِّمةً لتقديره ومشيئته وإرادته، ومتخلّيةً عن كلّ الكثرات وجِهات الوجود ـ ألزم اللهُ الأنبياء أيضًا باتّباع هذا العمل.
عندما جاءت السيّدة هاجر إلى هناك، لم يكن المكان كما هو الآن حيث توجد الفنادق؛ فعندما أحضر النبيّ إبراهيم السيّدة هاجر، لم يكن هناك شيء يُرى سوى الحجارة؛ لم يكن سوى الحجارة؛ هكذا فقط! وقد صنعوا هناك لوحةً أعجبتني كثيرًا: رسم فيها شخصٌ ما وضعَ هذا المكان منذ البداية حتّى الآن؛ كيف كان في البداية تُرابًا، وكان هناك تقاطع طُرُق يقع في المنتصف، وكان المكان عبارة عن حجارة وصحراء. ثمّ بُني جدار؛ وهكذا استمرّ الرسم حتّى وصل إلى هذا الوضع الحاليّ. إنّها لوحة جميلة جدًّا؛ وبالمناسبة، فقد أحضرها لي بعض الرفقاء ووضعوها في إطار؛ وهي موجودة الآن في الطابق العُلويّ وأنظر إليها كثيرًا؛ فهي تنقل الإنسان حقًّا إلى ذلك الوضع: يا للعجب! هل يُعقل أنّ مكّة التي نراها الآن بهذا الشكل، كانت هكذا سابقًا؟ حقًّا لقد كانت هكذا سابقًا! تصوّروا أنّ مدينة مشهد وهذا الحرم المطهّر للإمام الرضا الموجود هنا الآن، لم يكن فيه شيء في وقت من الأوقات؛ لم يكن سوى بعض البساتين من ناحية «سناباد»؛ ولكن على كلّ حال، كانت هناك أشجار ومساحات خضراء. أمّا في مكّة، فلم يكن هناك أيّ شيء على الإطلاق. يأتي النبيّ إبراهيم بالسيّدة هاجر والنبيّ إسماعيل؛ وعندما يصلون إلى هنا، يقول له الله تعالى: «اتركهما، ولا تلتفت وراءك!». إنّه لأمر عجيب جدًّا! يقول للنبيّ إبراهيم: «اتركهما وعُد؛ ولا تلتفت وراءك».
وطبعًا، عندما وصل النبيّ إبراهيم إلى هناك، دعا بتلك الأدعية! وعلى حدّ تعبير المرحوم العلاّمة: «أدعية أهل الفقر والتجرّد»: ﴿رَبَّنا إِنّي أَسكَنتُ ذُرّيَتي بِوادٍ غَيرِ ذِي زَرعٍ عِندَ بَيتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصلاةَ﴾،۱ ولم يلتفت وراءه أبدًا. وحينها، لم تقُل هذه السيّدة هاجر للنبيّ إبراهيم كلمة واحدة مثل: «ما هذا الوضع؟! ما هذه القصّة؟! أَتُريد أن تترك طفلاً رضيعًا مع امرأة في هذه الصحراء التي لا يُرى فيها حتّى غُراب، فضلاً عن أيّ شيء آخر، وتعود؟!» هذه القضيّة ليست مُزاحًا! عندما بَقيت السيّدةُ هاجر هناك، لا تظنّوا أنّهم جلبوا لها اللحم المشويّ والفواكه وما شابه ذلك! كلاّ! فاحتمال الموت كان حاضرًا في كلّ لحظة: الثعابين السامّة والعقارب وما شابهها، وحرارة الشمس الحارقة نفسها التي تقضي على الإنسان في غضون ساعات قليلة.. هكذا هو الوضع هناك! ومسألة العطش والماء هناك هي مسألة مصيريّة. وحينها، لم تقُل السيّدة هاجر كلمة واحدة، بل قالت: كما أنّك مأمور بهذا التكليف، فأنا أيضًا مأمورة بقبوله؛ ولا فرق هنا! وهنا، ساوت السيّدة هاجر النبيّ إبراهيم في المقام؛ وليس أنّ النبيّ إبراهيم كان أرفع مقامًا هنا! هل تلتفتون؟! فالله تعالى يُحاسب بدقّة، وليس في حُكمه تعالى محاباة. فإذا أخلصت السيّدة هاجر بنفس قَدْر إخلاص النبيّ إبراهيم، فإنّها تُصبح بمقام «النبيّ إبراهيم»؛ وحينئذٍ، لن تعود «هاجر»!
وعندما يأتي النبيّ إبراهيم إلى هناك، ويضع حجر الأساس للكعبة، فلأنّه كان مقترنًا بـ «النيّة»، فإنّه يجذب كلّ هؤلاء الناس: ﴿وَأَذِّن فِي الناسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾.۱ فلو كان في نَفس النبيّ إبراهيم ونيّته شيء غير الله، لَما أمكن أن يُكلَّف الناسُ حتّى يوم القيامة بالمجيء والاتّباع والطواف حول حجر الأساس الذي وضعه عليه السلام. وفي الواقع، فإنّ الناس يطوفون بنيّة النبيّ إبراهيم وكعبة قلبه.. هذا هو الأمر!
وحينها، كان هناك شخصان آخران شريكين في هذه الأحداث: أحدهما السيّدة هاجر؛ فكانت أحد أطراف القضيّة، والآخر هو النبيّ إسماعيل. فهذان كانا شريكين للنبيّ إبراهيم في هذه القضيّة. إذن، شكّل هؤلاء الثلاثة وحدة واحدة؛ وعلى أساسها، أدّوا هذا العمل. وطبعًا، أحداث مِنى والذبح وما شابه ذلك تفاصيلها طويلة ومتعلّقة بهذا الأمر. بناءً على ذلك، يجب الالتفات إلى هذه المسألة وهي أنّ هذا السعي الذي نقوم به الآن هو من أجل اتّباع السيّدة هاجر؛ وعلينا أن نعلم: لماذا قطعت السيّدة هاجر هذا الطريق ذهابًا وإيابًا، ونقوم نحن الآن بأداء العمل نفسه؟ فيجب علينا أثناء السعي أن نُقدّم أنفسنا لله تعالى، ونخرج من ذواتنا، ولا نضع حِسَابًا لأنفسنا، ولا نقول: «الآن سنعود إلى إيران، وماذا سنفعل مع فلان، وماذا سنفعل مع علاّن...». عندما نسعى، يجب أن نضع كلّ شيء جانبًا، ونعزم على العودة إلى وطننا بهذا الوضع. هل تلتفتون؟! لنعُد إلى وطننا بهذا الحال؛ لنعُد إلى وطننا كما فعلت هاجر؛ لا أن نؤدّي مجموعة من الأعمال، ثمّ تأتي الكثرات مرّة أخرى، وتستولي علينا.. هذه هي قضيّة السعي.
حسنًا، أنتم الآن تريدون أداء هذا السعي؛ فتنوون وتتحرّكون: سبع مرّات والتي هي في الواقع ثلاثة أشواط ونصف (ثلاث مرّات ذهاب، وثلاث مرّات إياب، والمرّة الأخيرة التي تنتهي بالمروة)، وتكون نيّتكم: «أطوف سعي العمرة المُفردة الواجبة، قُربةً إلى الله». تأتون حتّى تصلوا إلى مكان فيه خطّان أخضران؛ فالمسافة بين النقطتين خضراء، وقد نصبوا مصابيح خضراء في الأعلى أيضًا. وهنا، من الأفضل الهرولة؛ مثل حالة المشي السريع. وقد رأيتُ بعض الناس يركضون هناك! كلاّ! وطبعًا، لو ركض الإنسان، فلا إشكال، وقد أدّى السعي. وحتّى إذا أردت أن تُسابق هناك، فلا إشكال! ولكن، من الأفضل أن يُؤدّيه الإنسان كما أدّاه الأئمّة عليهم السلام جميعًا. يجب السعي بهدوء؛ وعندما نصل إلى هناك، نُسرع في الحركة، بحيث تأخذ هيئةً تُشبه المشي السريع، لكنّها ليست مشيًا سريعًا تمامًا؛ بل هي حالة من الوثب الخفيف: يمشي الإنسان، وفي الوقت نفسه يرفع نفسه قليلاً صعودًا وهبوطًا؛ وهذا ما يُسمّى «الهَرْوَلة». هل رأيتم كيف يمشي الجمل؟ وليس عندما يعدو، ولا عندما يمشي ببطء؛ بل تلك الحالة الوسطى لحركة الجمل تُسمّى «هرولة»؛ وقد أخذوا هذه الكلمة من هناك أيضًا. ويُستحبّ للإنسان عندما يصل إلى هناك أن يُهرول، ويُسرع حركته؛ وهذا يَشمل الرجل والمرأة على حدّ سواء. يظنّ البعض أنّ هذا يختصّ بالرجال فقط؛ كلاّ! فلْتُسرع النساء أيضًا حركتهنّ هنا قليلاً. وطبعًا، ليس ذلك «واجبًا»، بل من الأفضل أداء الهرولة.٢ ثمّ يذهبون حتّى يصلوا إلى المروة.
وعندما تصلون إلى المروة، لا تعودوا نحو الصفا فورًا؛ بل اصعدوا قليلاً على المروة، ثمّ استديروا لتكونوا قد قطعتم شيئًا من ذلك المرتفع أيضًا. ثمّ تعودون نحو الصفا، وتقفون مرّة أخرى عليها مستقبلين الكعبة، وتُكرّرون تلك الأدعية نفسها، ثمّ تعودون مرّة أخرى نحو المروة؛ وهكذا، تكتمل الأشواط الثلاثة والنصف؛ وعندما تصلون إلى المروة، ينتهي السعي.
التقصيرُ للخروجِ من الإحرامِ وأحكامُ طوافِ النساءِ وصلاتِهِ
الآن، وبعد الانتهاء من السعي، إذا كنتم قد جلبتم معكم مقصًّا أو مقلّمة أظافر في جرابكم، فقصّوا شيئًا من أظافركم بمقلّمة الأظافر؛ وإلاّ، فهناك الكثير من الأشخاص الذين يستخدمونها؛ فيُمكن للإنسان أن يأخذها منهم، ويُقصّر بالمقصّ أو مقلّمة الأظافر: فتقصّون شيئًا من الأظافر، وشيئًا من اللحية، وشيئًا من شَعْر الرأس. وطبعًا، يكفي أيّ منها وحده؛ سواء كان شَعْرًا أو أظافرًا أو لحية؛ ولكن، من الأفضل أن يُقصّ من الأظافر والشعر معًا. ولا فرق بالنسبة للنساء من هذه الجِهة. وهذا العمل المُتمثّل في قصّ الأظافر أو الشعر يُسمّى «التقصير». وبالتقصير، تُحلّون من الإحرام. ويُمكنكم ألاّ تُؤدّوا بقيّة الأعمال أساسًا؛ أي ألاّ تؤدّوا «طواف النساء»، بل يُمكنكم تبديل ثيابكم هناك، ولبس القميص؛ ويُمكنكم استعمال العِطر، والنظر في المرآة. فجميع الأمور التي حُرّمت على الحاجّ والمُحرم، تُصبح كلّها حلالاً بواسطة التقصير؛۱ ويبقى أمر واحد فقط، وهو متوقّف على «طواف النساء».
إذا كانت حالتكم تسمح في ذلك الحين، فيُمكنكم العودة لأداء طواف النساء؛ وإلاّ، فاتركوه للعصر أو لوقت آخر. وعلى كلّ حال، تخرجون من الإحرام هنا بعد أن قصّرتم. والطواف هو عمل آخر بعد هذا، ويُسمّيه البعض «طواف النساء»، ويُسمّيه البعض «طواف الوداع». فالسنة يُسمّونه «طواف الوداع»، وقد ورد في بعض الروايات «طواف الوداع» أيضًا؛٢ ولكن، يجب أداء هذا العمل أيضًا.٣ فيجب المجيء، وتكرار الطواف نفسه الذي أدّيتموه للعمرة؛ وتُصلّون ركعتيه مثل تلك الصلاة نفسها.
حُكمُ صلاةِ المسافرِ في مكّةَ والمدينةِ وجوازُ الإتمامِ فيهما
الصلاة التي تُصلّونها هي «صلاة عاديّة»؛ وليس الأمر بأنّ حِسَابها يختلف عن الصلوات الأخرى؛ فهي تمامًا كصلاة الصبح التي تُصلّونها ركعتين! إن شئتم فاقرؤوا ﴿قُلْ هُوَ اللّهُ﴾،٤ وإن شئتم فاقرؤوا «سورة البقرة»! فلا فرق بتاتًا من هذه الجِهة. ومع ركعتي الطواف، تنتهي الأعمال بشكل كامل. حسنًا، كانت هذه صورة إجماليّة للأعمال. وطبعًا، قد تكون هناك فُروع، فإذا بَدَا لبعضكم إشكال، فليطرح هذه الفروع. هذا بالنسبة للعمل نفسه.
ولا ينبغي أن أترك هذا الأمر المتعلّق بالصلاة دون بيانه: في مكّة والمدينة، يُمكنكم أن تُصلّوا «تمامًا»، ويُمكنكم أن تُصلّوا «قصرًا»؛ وليس في المسجد النبويّ فقط، بل يُمكنكم الصلاة تمامًا في كلّ المدينة وكلّ مكّة. والبعض أفتى باختصاص ذلك بالمسجد النبويّ فقط. وطبعًا، من الأفضل للإنسان أن يُصلّي «تمامًا»؛ فَلِمَ يُصلّي «قصرًا»؟! فثواب التمام أكثر، فيُمكنكم أن تُصلّوا «تمامًا».۱
المكانةُ الروحيّةُ والتاريخيّةُ للمدينةِ المنوّرةِ ومحوُ آثارِ أهلِ البيتِ
أمّا ما يخصّ المدينة نفسها، وما يخصّ مكّة نفسها، فلكلٍّ منهما حسابه الخاصّ؛ غير أنّ هذه مسائل خارجة عن بحث الحجّ. في البداية، تذهبون إلى المدينة. ويجب أن تعلموا أنّ المدينة هي المكان الذي مكث فيه النبيّ صلّى الله عليه وآله عشر سنوات. فبمجرّد أن يذهب الإنسان إلى المدينة، يشعر وكأنّه دخل بيته؛ ولا يشعر بالغربة في المدينة أبدًا.
المدينة هي المكان الذي مكث فيه النبيّ صلّى الله عليه وآله عشر سنوات؛ وفضلاً عن ذلك، فهي المكان الذي مكث فيه أئمّتنا عليهم السلام لمائتين وخمسين عامًا. فالإمام الرضا عليه السلام نفسه كان في المدينة؛ وقد خرج منها في سنواته الأخيرة، حيث استدعاه المأمون إلى بلخ ومرو، ثمّ استُشهد هناك. ولكنّ الإمام الرضا عليه السلام هذا نفسه عاش في المدينة منذ ولادته حتّى سنوات عمره الأخيرة. وأمير المؤمنين عليه السلام كان في هذه المدينة نفسها؛ والإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام، كلّ هؤلاء كانوا في هذه المدينة. ويجب أن يعلم الإنسان أنّ المدينة كانت محلاًّ لجميع أهل البيت، باستثناء إمام الزمان عليه السلام؛ وإلاّ، فحياة الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام كانت في المدينة أيضًا.
وقد أزالوا تلك الآثار التي تعود إلى الزمان السابق، ودمّروا كلّ تلك المباني. وزقاق بني هاشم الذي كان واضحًا تمامًا وفيه علامات تدلّ على موقع منزل الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام وغيرهما، قد أزالوه بالكامل، وحوّلوه إلى صحن.
التوجّهُ القلبيُّ لرسولِ اللهِ في المدينةِ وفضلُ الصلاةِ عليهِ
كان المرحوم العلاّمة يُؤكّد كثيرًا على أنّه: في المدينة، يجب أن يكون التوجّه مقتصرًا على رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ فعندما تتحرّكون، تصوّروا أنّه في يوم من الأيّام، خَطَا النبيّ صلّى الله عليه وآله في هذا المكان نفسه الذي تخطون فيه؛ ففي النهاية، مكث صلّى الله عليه وآله في المدينة عشر سنوات.
وذِكر الصلاة على محمّد وآله مُستحبّ جدًّا في المدينة، وكذلك سائر الأذكار مهمّة جدًّا هناك.۱ تصوّروا أنّ مَقامكم الأساسيّ كان هنا، وأنّكم تعيشون في مكان آخر عاريةً. فأين هو مكاننا؟ مكاننا هو هنا حيث كان النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ فهذا واضح إذن! ونحن في أيّ مكان آخر مجاز وعارية.
المعالمُ المكانيّةُ في المسجدِ النبويِّ وفضلُ الصلاةِ بينَ القبرِ والمنبرِ
في المسجد النبويّ، توجد موارد وأماكن من الجيّد جدًّا رعايةُ حُرمتِها. عندما تدخلون من «باب جبرئيل»، تجدون على يساركم مُرتفعًا، مساحته مثلاً متران (أو متران ونصف) في عِدّة أمتار؛ وهذا يُسمّى «الصفّة». وأصحاب الصفّة كانوا أصحابًا يُلازمون هذا المكان دائمًا، وكان لهم وضعهم الخاصّ. كانوا فقراء لا يملكون شيئًا، وكانوا محطّ اهتمام كبير. كانوا يجلسون هنا (في هذا المرتفع نفسه)، ويُصلّون؛ وهو مقابل قبر السيّدة الزهراء عليها السلام. وعادةً ما يأتي البعض ويجلسون هناك، ويقرؤون القرآن، ويُصلّون.
ثمّ تستديرون، وتذهبون يسارًا بجوار الضريح؛ وهناك، يقع قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله على يساركم، وخلفه قبر السيّدة الزهراء عليها السلام.٢ والصلاة بين القبر والمنبر (المنبر الذي كان لرسول الله صلّى الله عليه وآله هناك) أمرها عجيب؛ أي: لقد حُدّد ثوابًا عظيمًا للصلاة بين هاتين النقطتين، بحيث يُقال إنّه لا يُحصى.٣ و«محراب النبيّ» واضح تمامًا أيضًا، ومكتوب عليه: «هذا محراب الرسول». فإذا ذهبتم إلى هناك، فاحرصوا على الوقوف فيه والصلاة؛ وعندما يدخل أحدهم، قفوا هناك حتّى يحين دوركم. وعندما ذهبنا نحن، كان المكان خاليًا؛ وقد صلّيت أنا نفسي هناك مرّات عديدة؛ فقد كان المكان خاليًا.
ومكان «منبر رسول الله صلّى الله عليه وآله» معروف أيضًا؛ والصلاة بينهما أمر مستحسن جدًّا. ولا بأس بالصلاة هناك على السجّاد؛ لأنّ المورد مورد تقيّة،٤ وهم لا يسمحون بالسجود على التربة؛ ولهذا، إذا استطعتم مثلاً أن تضعوا من هذه السبحات الخشبيّة وتسجدوا عليها، فافعلوا إذا لم يعترضوا؛ وإذا اعترضوا، فارفعوها، وصلّوا على السجّاد نفسه.
خَتمُ القرآنِ في المسجدِ النبويِّ ولزومُ حصرِ التوجّهِ برسولِ اللهِ
وهناك أمرٌ يجب الالتفات إليه: حاولوا ـ إن أمكنكم ـ أن تختموا القرآن مرّة واحدة خلال هذين الأسبوعين؛ أي: ابدؤوا من المدينة، وأهدوا ثوابه للنبيّ صلّى الله عليه وآله، وأتمّوه حتّى نهاية مكوثكم في مكّة؛ فيكون بمقدار جزأين في اليوم؛ وهذا ليس كثيرًا. وبعد ذلك، إذا شَعَرتم بالتعب، فقوموا واخرجوا؛ فهناك صحنان مكشوفان؛ فتعالوا، واجلسوا هناك تحت السماء. وطبعًا، لقد وضعوا هذه المظلاّت لكيلا تصل أشعّة الشمس؛ وهناك، يكون الهواء أفضل، والزحام أقلّ؛ فيُمكنكم الجلوس هناك أكثر. وبالنسبة للنساء أيضًا، يُخصِّصون أوقاتًا للزيارة.
إنّ الذي يذهب إلى هناك [المسجد النبويّ]، يجب أن يكون تُوجّههُ مقتصرًا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فحسب، ولا تتصوّروا أبدًا أنّه يوجد هناك أحد غير رسول الله؛ فهذه الأمور تُدخل الإنسان في الكثرات، وتمنعه من الوصول إلى حقيقة المسألة. يجب على السالك أن يتوجّه إلى النبيّ فقط، لا إلى أيّ شخص آخر؛ ولا ينبغي له أبدًا أن يضع في حُسبانه مَن المدفون هناك الآن، أو مَن المدفون غيره. كنت أرى بعض هؤلاء الرفقاء يسألونني دائمًا: «يا سيّدي، أين يقع [قبر] أبي بكر وعمر؟»، فقلت: «أيًّا كان مكانهما! ماذا تريدون أن تفعلوا بهما؟!»
ـ نريد أن نلعن!
ـ حسنًا، اذهب والعن!
إنّ الانشغال بهذه الأمور يُقلّل من نصيب الإنسان، فلا تلتفتوا إلى هذه المسألة هناك أبدًا.
آدابُ زيارةِ مقبرةِ البقيعِ واستحبابُ قراءةِ دعاءِ الصباحِ والمكثِ في المسجدِ
يفتحون البقيع في فترتين يوميًّا: من بداية طلوع الشمس حتّى ساعتين؛ وبعد الظهر، يُفتح البقيع أيضًا. وفي البقيع، يَرقد أئمّة البقيع. وعندما تريدون الدخول إلى البقيع، فاخلعوا أحذيتكم حتمًا، وتحرّكوا حُفاة الأقدام فيه. وحتّى عندما تريدون الذهاب لزيارة قبر حضرة إبراهيم [ابن رسول الله] أو عثمان بن حُنيف وأمثالهم ممّن يتواجدون بالأسفل، فلا تكونوا منتعلين أبدًا؛ فهذا يُعدّ عدم احترام لمقامهم. وكما كان يقول المرحوم العلاّمة: «إنّ البقيع كلّه مملوء من ذريّة النبيّ وأهل بيته وأمثالهم، ولا يوجد فيه مكان خالٍ لكي يريد الإنسان أن يفعل شيئًا».
وطبعًا، لا يسمحون للنساء بالدخول، ويُمكنهنّ الزيارة من خلف البقيع نفسه، ولا فرق في زيارتهنّ. ولكن، عندما تريدون زيارة الأئمّة عليهم السلام، يجب أن تتصوّروا أنّهم تحت ظلّ رسول الله، وأنّهم أبناؤه؛ فالمسألة المهمّة والحقيقيّة هي رسول الله نفسه.
لا تنسوا قراءة «دعاء الصباح» في الصباح. اقرؤوا دعاء الصباح كلّ يوم صباحًا. وإذا شئتم، فاقرؤوا «سورة يس» أيضًا؛ فلا إشكال في ذلك. وكلّما أكثرتم من الذِّكر هناك، كان ذلك أفضل، وتأثيره أكبر. والانشغال بالمسائل العاديّة وغير الضروريّة وما شابهها يُورث الغفلة للإنسان بطبيعة الحال.
حاولوا أن تكونوا أغلب أوقاتكم في المسجد النبويّ؛ حتّى إذا لم يكن لديكم حال للتوجّه، فاذهبوا واجلسوا في المسجد النبويّ بجوار أحد الأعمدة، أو اجلسوا بجوار ضريح النبيّ أو في الخلف قليلاً، واقضوا أوقاتكم في المسجد النبويّ نفسه؛ فهذا أمر في غاية الأهميّة.
المساجدُ والمعالمُ التاريخيّةُ المندثرةُ والباقيةُ في المدينةِ ومحيطِها
من جُملة الأماكن التي يَحسُن بكم الذهاب إليها في المدينة، مسجد قُباء؛ وكان المرحوم العلاّمة يُؤكّد كثيرًا على مسجد قُباء، وكان يقول: «لا تكتفوا بمرّة واحدة؛ اذهبوا عِدّة مرّات». وطبعًا، هؤلاء المسؤولون يأخذون الزوّار مرّة واحدة بأنفسهم؛ فيأخذونهم إلى عِدّة مساجد، أحدها مسجد قُباء. ولكن، من الجيّد أن يكون أكثر من ذلك؛ فاذهبوا، واجلسوا هناك لساعة أو ساعتين. ومسجد قُباء هو أوّل مسجد بُني عند ورود النبيّ عندما هاجر من مكّة إلى المدينة،۱ وآثارُه واضحة جدًّا.٢
ومن المساجد الأخرى التي يَحسُن الذهاب إليها وزيارتها: «مسجد المُباهلة» الذي يُطلق عليه اسم «مسجد الإجابة».٣ ومسجد الإجابة قريب، ولا يبعد عن المسجد النبويّ نفسه أكثر من رُبع ساعة سيرًا على الأقدام؛ وهو المسجد الذي كان النبيّ يُريد أن يُباهل فيه نصارى نجران،٤ ولكنّ النصارى لم يرضوا بالمباهلة.٥
وهناك مساجد أخرى أيضًا: «مسجد الغَمامة»، «مسجد فَخّ»، «مسجد عليّ»، «مسجد القِبلتين»؛ وهذه من الأماكن التي يأخذون الزوّار إليها. و«مسجد القِبلتين» هو المكان نفسه الذي تحوّلت فيه القِبلة من بيت المَقدس إلى الكعبة.٦
وهناك مكان لا يأخذون الزوّار إليه؛ ولكن، إذا ذهبتم، فاحرصوا على الذهاب إليه؛ وهو «مسجد ردّ الشمس» الذي دمّروه، وبقي تُرابه وحجارته ولبناته متراكمةً على حالها.. دمّروه منذ سنتين ولم يمسّوه. ويقع هذا المسجد بالقرب من «مَشربة أمّ إبراهيم» وبجوارها، ويُسمّى أيضًا بـ «مسجد الفَضيخ».
«مَشربة أمّ إبراهيم»۷ هي المكان الذي كانت فيه والدة النبيّ إبراهيم ـ المدفونة في البقيع، والتي تُدعى «ماريّة القبطيّة» ـ وكان يقع في الواقع خارج المدينة. وقد حدث هذا بسبب بعض المسائل؛ فالأذى والحسد الذي كانت تفعله عائشة ومجموعة أخرى، أجبر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أخيرًا على فصل مكانها عنهم، وإسكانها هناك بجوار بستان نخيل. وكان يرسل أميرَ المؤمنين عليًّا عليه السلام وغيرَه ليأخذوا إليها الطعام وما شابه ذلك. وتبتعد «مَشربة أمّ إبراهيم» قليلاً عن المدينة؛ قليلاً طبعًا.۸ وهذا مستحبّ أيضًا، وهو جيّد جدًّا؛ فاذهبوا إلى هناك، واقرؤوا الفاتحة.٩ وقبر السيّدة ماريّة القبطيّة موجود هناك نفسه؛ وطبعًا، لا يُرى جدار محيط به بوضوح، ولكنّ القبر هناك.۱۰
كان المرحوم العلاّمة يُوصي قائلاً: «إذا كان لدى الإنسان وقت وحال، فليذهب إلى خارج المدينة، ويجلس في بساتين نخيلها». ولِيُعلم أنّ الكثير من هذه البساتين هي ممّا تبقّى من بساتين النخيل التي زرعها أمير المؤمنين؛ فقد زرع عليه السلام الكثير من النخيل خارج المدينة، وهذه الموجودة هناك هي ممّا تبقّى منها؛ فليذهب، ويجلس، وليتذكّر ذلك.
وهناك مكان آخر أيضًا؛ إذا سنحت لكم الفرصة للذهاب إليه، فهو أفضل بكثير: «آبار عليّ (أبيار عليّ)». و«آبار» جمع «بئر». فقد حفر أمير المؤمنين بئرين أو ثلاثة خارج المدينة بجوار مسجد الشجرة. والمسافة بينها وبين مسجد الشجرة حوالي ثلاثمائة أو خمسمائة متر. ومياه الشرب التي يجلبونها الآن إلى المدينة هي من «آبار عليّ». وسابقًا كانت لها حجارة ومكتوب عليها؛ فرمى السعوديّون هذه الحجارة في البئر ودمّروها؛ والآن، لم يعد من الممكن رؤية تلك الآبار؛ ولكنّنا كنّا نذهب، ونراها سابقًا؛ وحتّى أنّنا ذهبنا مرّة مع السيّد...، فكانت الآبار نفسها ظاهرة، وهي ثلاثة آبار؛ وطبعًا، حفروا آبارًا أخرى أيضًا، ولكنّ الآبار الخاصّة بأمير المؤمنين كانت واضحة. وبعد ذلك، ذهبنا أيضًا مع السيّد...، فكانت موجودة؛ ولكن، في السفرين الأخيرين اللذين ذهبت فيهما، رأيت أنّهم قد أغلقوا محيطها؛ ومع ذلك، يُمكن الذهاب، ورؤية المنطقة والجدار المحيط بتلك الآبار. وعلى كلّ حال، إذا سمح وقتكم وحالكم، فهذا المكان أيضًا يُعدّ من الذكريات والمعالم التاريخيّة.
الاعتبارُ الروحيُّ والتاريخيُّ بأحداثِ المدينةِ ومطابقةُ الماضي معَ امتحاناتِ الحاضرِ
كان المرحوم العلاّمة يُوصي بأنّه «على الإنسان في المدينة أن يُفكّر في رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقط؛ في وضعه وموقعه؛ وأن يضع نفسه مكان الذين كانوا في ذلك الزمان، وأن يضع وضعه في تلك الأجواء».
اتّفق في هذا السفر الأخير الذي تشرّفتُ فيه بالزيارة قبل شهر أو شهر ونصف، أنّني كنت جالسًا ليلاً في ذلك الصحن الذي قلت إنّه كان مكشوفًا [وبدون مظلّة]، وكان الحرم ظاهرًا في الجزء الأماميّ من الجِهة اليُسرى؛ وكان هذا الأمر مثيرًا وجذّابًا لي كثيرًا، فكأنّ هذه الأحداث التي وقعت سابقًا كانت تتجسّد أمامي حقًّا. [كنت أرى أنّ] هذا العمود هو العمود الذي جاءت إليه السيّدة الزهراء؛ وهذا العمود هو الذي جلبوا إليه أمير المؤمنين لأخذ البيعة منه؛ وهذا العمود كان كذا... فكأنّ جميع هذه الأحداث قد وقعت أمامي تمامًا، على بُعد عشرة أو خمسة عشر أو عشرين مترًا منّي. وكان الأمر مثيرًا جدًّا لي أن يشعر الإنسان بأنّه مرتبط بالتاريخ وليس منفصلاً عنه؛ وكأنّه يتخيّل نفسه: «لو كنّا في هذا الوضع، فماذا كنّا سنفعل؟».
انظروا إلى ما حدث في زمان رسول الله عندما ارتحل صلّى الله عليه وآله وسلّم! كنت أرى ذلك حقًّا: إنّ هذا المنبر الموجود هنا الآن، كان النبيّ يتحدّث مِن فوقه.. من فوق هذا المنبر نفسه! وطبعًا، كان المنبر في ذلك الوقت من الخشب، ولكنّه الآن من الحجر؛ ولكنّهم بنوا المنبر في ذلك المكان نفسه. كان يتحدّث هنا، وكان يُوصي هنا؛ وفي اليوم التالي، رجع الجميع، وتركوا النبيّ جانبًا، وذهبوا إلى ذلك الشخص. حسنًا، كم يُعدّ هذا مدعاةً للاعتبار بالنسبة للإنسان! لكي يَعرف الإنسان نفسه ووضعه ومكانته.
عندما ارتحل النبيّ، بَقي ثلاثة أو أربعة أشخاص مع أمير المؤمنين! وكلّ هؤلاء الذين كانوا يأخذون ماء وضوء النبيّ للتبرّك، كانوا جميعًا غُثاءً وكثرة لا طائل منها.. كلّ هؤلاء الذين كانوا يقولون: «يا رسول الله! فداك روحي، فداك روحي».. هؤلاء أنفسهم الذين كانوا يقولون: «يا رسول الله! مُرنا؛ نَفديك بأرواحنا»! فقد ارتحل النبيّ بالأمس، وفي اليوم التالي، ذهبتم إلى السقيفة وبايعتم أولئك الأشخاص! هذا أمرٌ يراه الإنسان بالعيان.
ما أريد قوله هو: إنّ الإنسان يرى التاريخ في المدينة مرّة أخرى، ويرى الواقع مرّة أخرى، ويشعر أنّه كان في ذلك الزمان؛ أي أنّه يطوي الزمان ويتقدّم ۱٤۰۰ عام؛ فيجب عليه أن يضع نفسه مكان هؤلاء، وأن يَفهم ويَعلم، وأن يبني حياته وحاله على هذا الأساس؛ وحيثما كان الحقّ، فليذهب إليه، ولو كان العدد قليلاً. ولا ينظرنّ إلى كثرة الجمع حتّى لو كان المكان مُكتظًّا. فلينظر أين الحقّ، وليَقُم ويذهب إلى هناك؛ ولا يفرق معه: سواء كان هناك شخصان يلتفّان حول هذا الحقّ، أو شخص واحد، أو لا أحد على الإطلاق!
في هذه الحادثة، عندما رأيتُ الأمور عيانًا، طابقتُ مسائل المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه وما حدث بعده بدقّة، فرأيت: «آه! عمل أولئك هو هذا! وعمل هؤلاء هو هذا؛ وفِعل أولئك هو...».. كلّه وقع على رؤوسنا، كلّه حصل لنا! وقع لنا واحدًا تلو الآخر!
جلبوا أمير المؤمنين إلى هذا العمود، ووضعوا السيف فوق رأسه، وقال عمر: «يجب أن تُبايع أبا بكر». فكان أمير المؤمنين يقول [ما معناه]: «على أيّ أساس أُبايع؟ أ فهل هو مرجع تقليدي؟! (سماحة آية الله فلان، ولديه رسالة عمليّة.. هذا الجاهل الذي لا يُميّز يمينه من شماله!) لِمَ آتي وأقلّده؟! لِمَ آتي؟ هل لديه كتاب بخطّ النبيّ لكي آتي وأُبايع؟ هل نصّبه النبيُّ يوم عيد الغدير؟ هل...؟». وكان الجواب على كلّ ذلك: «لا، لا، لا، لا، لا!». فبأيّ دليل إذن؟! [وكانوا يقولون:] «بلا دليل! نحن نقول إنّه يجب أن يتمّ هذا الأمر!»
يعني أنّ أمير المؤمنين قال كلّ هذه الكلمات بهذا المضمون: «ماذا أفعل أنا؟ على أيّ أساس أُبايع هذا الجاهل؟». [وكانوا يقولون:] «نحن لا نفهم الحساب والكتاب؛ نحن لا نفهم هذا؛ يجب أن تُبايع هذا الشخص!». [فقال أمير المؤمنين:] «هل هو أعلم منّي؟ إنّه أشبه بالجاهل حقًّا! ناهيك عن كونه أعلم!». ويقول: «هل هو والدي؟!». وحتّى الوالد لا ينبغي تقليده ومبايعته؛ أجل، يجب على الإنسان أن يحترم والده، ويُراعي الأدب والطاعة وما شابه ذلك؛ هذا كلّه في محلّه؛ ولكن، لا أن يُقلّد الإنسان والده في المسائل الدينيّة وما شابهها: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.۱
[وكانوا يقولون:] «لا! يجب أن تُبايع!».
ـ وإذا لم أُبايع فماذا ستفعلون؟
ـ نقتلك! نُشرّدك! نفعل بك كذا وكذا! نُذيقك الويلات!٢
فرأيتُ: عجبًا، عجبًا، عجبًا! يا سيّدي! كلّ هذه الأمور كانت تُنفّذ واحدة تلو الأخرى! [فقالوا لي:] «يجب أن تُبايع فلانًا!». [فقلت:] «على أيّ أساس أُبايع؟! على أيّ أساس؟!». أرسلوا لي رسالة: «يجب عليك شرعًا أن تُنفّذ جميع الأوامر والنواهي بحذافيرها!»، حيث كتب لي ذلك الشيخ المزعوم في رسالة من ٢۸ صفحة: «يجب عليك شرعًا أن تُنفّذ كلّ شيء بحذافيره!». هل تلتفتون؟! على أيّ أساس إذن؟! [فقالوا:] «يجب أن تُطيع!». [فقلت:] «على أيّ أساس يجب أن أُطيع؟ هل هو مرجع تقليدي؟!». ليس كذلك! ولا حاجة لإغماض العين عن الحقيقة. هل هو والدي؟! والدي قد ارتحل، وجثمانه هناك؛ وهو ليس كذلك! هل هو الأعلم؟! الله يعلم! ما أدراني؟! هل لديه كتاب بخطّ العلاّمة يقول فيه: «أيّها الناس، يجب عليكم جميعًا أن تُطيعوه من بعدي كما كنتم تُطيعونني»؟! وهذا ليس موجودًا أيضًا؛ فما هو الدليل على إطاعته إذن؟!
يقولون: «نحن لا نفهم شيئًا! إمّا أن تُوافق، وإلاّ سنفعل كذا وكذا، وسنُقاطعك، ولن نُسلّم عليك، وسنشتمك، ونبهتك!». عجبًا! هل كان الأمر هكذا؟! هل هذا هو دين الله؟!
هو نفسه أرسل رسالة، ولم يُرسلها شخص آخر: «يجب أن تُطيعني طاعة عمياء بلا قيد ولا شرط!». فكنت أُفكّر في نفسي: «يا إلهي، هل انتهى كلّ شيء؟! هل انتهى كلّ شيء برحيل شخص واحد؟». أيّها الناس، أنا أيضًا لديّ وجدان وعقل، ولا أقول إنّ عقلي أكبر من عقولكم. أرشدوني إلى طريق؛ فأنا أيضًا أشفق على ديني، وأنا أيضًا مُطالب بالجواب يوم القيامة.
هذا الكلام الذي أقوله لكم، قلته لهم جميعًا! والله وحده يعلم. وقلت للوالدة مرّة: «أنتم الذين تشفقون عليّ، أرشدوني إلى طريق إذن! هل أتبعه هكذا بعمى [وبتقليد أعمى]؟!». لكن، لا شيء! كانوا ينظرون إليّ هكذا فحسب! يا إلهي! حسنًا جدًّا، أنتم على صواب، أنتم على حقّ، أقبلُ ذلك؛ ولكن في نهاية المطاف، أرشدوني إلى طريق لكي أقبل به. أرشدوني إلى الطريق؛ وإذا لم أقبل، فافعلوا ما شئتم. ما الفرق بيني وبين أمثالي؟ [فيقولون:] «لا، حسنًا بما أنّ [فلانًا ليس تابعًا لنا]، فلن نُعيره اهتمامًا، ولن نُسلّم عليه، ولن نتحدّث معه!».
هنا، يرجع الإنسان ويقول: آه! إنّ التاريخ كلّه واقع مستمرّ ممتدّ؛ كان جزء منه في زمان أمير المؤمنين، وجزء منه بعد ذلك؛ والآن أيضًا، هناك جزء منه.. هو هذا نفسه، إنّه واقع واحد، وهذا الواقع المستمرّ يتقدّم نحو الأمام.
هذه مسائل؛ وما أقوله لكم الآن، لا أقصد به إلقاء خُطبة؛ بل أريد القول: اذهبوا إلى هناك واستفيدوا؛ أي: اتّخذوا من ذلك عبرةً وأنموذجًا؛ خذوا من تلك الأحداث زادًا لحركتكم وسيركم ولتصحيح مساركم وفكركم.
لقد كان الأمر عجيبًا بالنسبة لي حقًّا، خاصّة وأنّ مسألة المدينة عجيبة جدًّا، ومكّة لها حسابها الخاصّ طبعًا. لقد كان عجيبًا لي جدًّا، جدًّا؛ كيف يُمكن ذلك؟! ما هذا النظام؟! ما حقيقة هذه الأمور؟! ثمّ رأيت: لا، هذا هو الأمر؛ الواقع هو هذا. هؤلاء الناس أنفسهم الذين كانوا يستمعون بالأمس إلى كلام النبيّ، وينظرون إلى منبره، هم أنفسهم قاموا في اليوم التالي، ورأوا: «هؤلاء يذهبون إلى مكان ما!».
ـ إلى أين تذهبون؟
ـ نذهب إلى السقيفة.
ـ نحن أيضًا سنمضي ونذهب!
[عجبًا!] ألم تُفكّر مع نفسك لدقيقة واحدة: «فماذا حلّ بكلام النبيّ بالأمس إذن»؟! وهل انطلقتم بهذا المنطق القائل: «الناس يذهبون، فنذهب نحن أيضًا»!؟ هل يُوزّعون العلف هناك حتّى انطلق الجميع كالدوابّ ذاهبين إلى هناك؟
ـ بما أنّ الناس يذهبون، فنحن نذهب أيضًا!
يا إلهي؛ القضيّة نفسها تمامًا، بدون زيادة أو نقصان! ذلك الشخص الذي يقول لي في أصفهان: «يا سيّد محسن، إذا تركت هذا اللسان وهذا القلم الذي هو لسان العلاّمة وقلمه نفسه عاطلاً، فلن يغفر الله لك»، هذا الشخص نفسه يقول لي بعد أسبوع: «أنت مُخادع! كاذب!». حسنًا، ألم يكن هذا كلامك؟! لا فرق الآن بيني أنا، وبين أمثالي.. أيًّا كان! يا فلان، هل قلت هذا الكلام أم لا؟ لقد سمعتُ هذا بأذني! وأُذني لم تسمع خطأً!
بمجرّد ذهابِ إحدى السيّدات من مشهد إلى أصفهان، وهي السيّدة... وتَحدُّثِها في مجلس ما، يقول ذلك الشخص: «يا ليتنا كنّا نعلم بتلك الأمور التي كنتم تعلمونها من قبل!». ألم تُكلّف نفسك عناء المجيء إلى قمّ لمدّة نصف ساعة لتقول: «يا سيّدي، لقد سمعت هذه المسائل منها؛ فما هو رأيكم فيها؟». وهكذا، انطلقتم، وذهبتم إلى تلك السقيفة، ورأيتم أنّهم يُوزّعون العلف في كلّ مكان؛ فقلتم: لنأكل نحن أيضًا! انظروا، هذا واقع؛ تعال واسمع منّي، ثمّ ابصق في وجهي! تعال واسمع! أنا لم أُغلق باب المنزل؛ وأنت الذي سمعت هذا الكلام من تلك السيّدة، قُل: «يا سيّد محسن، لقد سمعتُ هذا الكلام منها؛ فما هو رأيك؟»؛ وحينها، سأقول رأيي؛ فقولوا: «حسنًا جدًّا؛ نحن لا نقبل رأيك». لا بأس!
وهكذا رأيتُ أنّه: يا عزيزي، لقد تكرّر التاريخ؛ تكرّر، وتكرّر، وتكرّر؛ وتقدّم خطوة بخطوة؛ وأمسك بتلابيبنا، وأمسك بتلابيب الجميع؛ أمسك بتلابيب أولئك، وأمسك بتلابيب هؤلاء؛ ووضع الجميع في بوتقة الامتحان: «هاه! تفضّلوا للامتحان! تفضّلوا للامتحان!». هل ظننتم أنّكم ستجلسون هكذا فقط لتقرؤوا المَراثي، وتعتمروا العمائم، وتصعدوا المنابر؟ تعال وأجب بنفسك: أيّها السيّد الذي تصعد المنبر في أصفهان وتصعد المنبر في مكان آخر، كيف تعاملت مع هذه الواقعة؟! كيف تعامل سماحتكم معها؟! أيّها الشيخ المزعوم الذي تقول: «الحقّ مع السيّد محسن»، ولكنّك تذهب وتقول شيئًا آخر، ماذا حدث؟! لقد أصبحت تمامًا مثل سماحة أنس بن مالك!
أنت يا أنس بن مالك الذي جئت، وقلت قبل [وفاة] النبيّ: «لقد رأيت هذا من عليّ»، لماذا خَرِستَ، وأصبحتَ أبكم، ولم يخرج صوتُك عندما جاء عليّ، وطلب شهادتك؟!۱ لماذا؟ لا... هكذا هو الأمر!
ولكن، فجأة نرى عِدّة أشخاص يُزيحون كلّ هؤلاء جانبًا، ويقولون: «يا سيّدي، ليكُن ما يكون؛ يا عليّ، ليحدث ما يحدث». أمثال سلمان، وأبي ذرّ، والمقداد، ومحمّد بن أبي بكر، وعمّار بن ياسر؛ هؤلاء يصمدون. ولهذا، يقول أمير المؤمنين: «لا تَسْتَوْحِشوا في طريقِ الهُدى لِقِلَّةِ أهلِهِ».٢
هذا بحدّ ذاته معيار: «حيثما رأيتم الأفراد قِلّة، فاذهبوا واجلسوا هناك»؛ فهذا نفسه معيار! أنا لا أقول أن تذهبوا بتقليد أعمى؛ ولكن، ضعوا هذا في اعتباركم كمعيار: «لماذا هؤلاء الأفراد قليلون في مقابل ذلك المجلس؟». وذلك لأنّ القرآن يقول: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾،٣ (أَكْثَرُهُمْ لا يَشْعُرُونَ)؛٤ هذا كلّه عن الأكثريّة. فإذا رأينا أغلبيّة وأقليّة في مكان ما، فليُقرع جرس الإنذار لنا؛ لنذهب ونرى ماذا تقول تلك الأقليّة؛ لكن ليس بعمى، بل لنذهب، ونرى ماذا تقول تلك الأقليّة بوصفها نقطة يُمكن الاعتماد عليها؛ إذ لماذا ابتعدت هذه الأقليّة عن تلك الأغلبيّة؟
انظروا الآن، هل السنّة أكثر أم الشيعة؟ السنّة أكثر من الشيعة بثلاثة أضعاف؛ فهم الأغلبيّة. وفي الشيعة، كم عدد المرتبطين بمدرسة الحقّ؟ وهكذا، قوموا بالفرز واحدًا تلو الآخر، واجتازوا المَناخِل، حتّى تصلوا إلى نهاية القضيّة. فترون، آه! لِمَ هذا؟ لهذا السبب نفسه: الأغلبيّة دائمًا في... وهذا أمر مهمّ!
لا أدري هل كان ذلك في مجالس «شرح حديث عنوان البصريّ»، أم في حديثي للأصدقاء الذين كانوا يريدون الذهاب إلى كربلاء حيث طرحتُ هذه المسألة: «إنّ الذهاب إلى العمرة وزيارة قبر النبيّ وما شابه ذلك، أحد أبعاده هو أن يذهب الإنسان للزيارة؛ ولكنّ البُعد الأهمّ هو أن يضع الإنسان نفسه في ذلك المَوضع». كان موسى بن جعفر يَوْمًا ما في هذه المدينة نفسها. وكان الإمام الحسين عليه السلام يَوْمًا ما في هذه المدينة نفسها، يمشي ويتحدّث مع الناس. لو كنّا في ذلك الوقت، فماذا كنّا سنفعل؟ لو كنّا في ذلك الوقت، فما هو ردّ الفعل الذي كنّا سنُبديه؟ وكيف سيكون نوعُ ارتباطِنا؟ هذه عصيٌّ يمكننا أن نُؤدّب بها أنفسنا، وأن نُحدّد من خلالها مسارنا.
فضيلةُ الإكثارِ من الطوافِ والنظرِ إلى الكعبةِ والمعالمُ الروحيّةُ في مكّةَ المكرّمةِ
فيما يخصّ المدينة، توجد هذه المسائل [التي تحدّثنا عنها]. ومقارنةً بالمدينة، ليس لمكّة مكان خاصّ. وأفضل عمل في مكّة هو الطواف؛ فليَطُف الإنسان قَدْر استطاعته؛ ليطُف باستمرار؛ وليأتِ ويُصلّي ركعتين؛ وليس ضروريًّا أن تكون الصلاة المستحبّة خلف مقام إبراهيم، بل يُمكنه الذهاب والصلاة في مكان آخر. ليَطُف باستمرار. البعض يطوفون نيابة عن الأموات: الأب، والأمّ، والأئمّة، وغيرهم؛ وحتّى لو لم يطُف الإنسان بنيّة، فإنّ هذا الطواف المستحبّ بحدّ ذاته طواف كامل. ومن الأفضل للإنسان أن يطوف باستمرار بدلاً من الصلاة؛ أي: كما أنّ الصلاة مستحبّة ويُستحسن للإنسان أن يُكثر منها، فكذلك في المسجد الحرام، من الأفضل أن يطوف الإنسان دائمًا:۱ مرّتين في اليوم، ثلاث مرّات، أربع مرّات، عشر مرّات. الطواف عجيب حقًّا؛ فكلّما طاف الإنسان، ومضى الوقت، يشعر أنّ القضيّة قد تحسّنت، وأنّ المسألة أصبحت أرسخ؛ وهذا أمر عجيب جدًّا.
من الأفضل للإنسان أن يتلو ورده القرآنيّ في المسجد الحرام. وإذا أراد صلاة الليل، فليُصلّها في المسجد الحرام نفسه، وليُقسّم صلاة الليل؛ وبدلاً من السورة، ليقرأ صفحة أو صفحتين أو ثلاث صفحات من القرآن؛ وليقرأ بصوت مسموع أيضًا.
الجلوس مقابل الكعبة والنظر إلى الكعبة نفسها عبادة. فإذا لم يكن لديكم حال للصلاة وقراءة القرآن، فاجلسوا، وانظروا إلى الكعبة فقط. فالنظر إلى الكعبة بحدّ ذاته عبادة؛ فلا ترفعوا أعينكم عن الكعبة.۱
هناك مكان يُسمّى «المُستجار»، يقع مقابل [باب الكعبة] تمامًا؛ فإذا كان هذا هو باب الكعبة، فإنّ المُستجار يقع في الجِهة المقابلة له ـ ويقع بالقرب من الركن اليمانيّ ـ وهو المكان الذي انشقّت منه الكعبة، ودخلت منه السيّدة فاطمة بنت أسد.٢ ويُستحبّ للإنسان أن يُقبّل ذلك المكان ويمسح بطنه وصدره به.٣ وطبعًا، لا يسمحون بذلك؛ ولكن، إذا استطاع الإنسان أن يفعل ذلك بعيدًا عن أنظارهم، فليفعل. والخلاصة أنّكم شباب، ويُمكنكم الوصول بسرعة. واستلام ذلك المكان مستحبّ جدًّا. وكان المرحوم العلاّمة يُوصينا بذلك كثيرًا أيضًا. وكان دأبه دائمًا الجلوس مقابل المُستجار، حيث كان يجلس في الخلف قليلاً من مكان الطواف؛ فكان هناك. وكان يؤدّي الصلاة ويتلو القرآن مقابل المُستجار.
والمسألة الأخرى هناك هي حِجر إسماعيل. فلحِجر إسماعيل عظمة ومقام كبيران. ومن الجيّد للإنسان الذي يذهب إلى هناك كلّ يوم أن يُصلّي ركعتين في حِجر إسماعيل أيضًا.٤ والدعاء مستجاب هناك. ويقع ميزاب الذهب في حِجر إسماعيل نفسه.٥ وكان المرحوم العلاّمة يقول: «كنت أذهب إلى هناك دائمًا وأدعو». كان يقف بجوار الكعبة ويدعو، ثمّ يُصلّي هناك ركعتين؛ فلا تنسوا هاتين الركعتين في حِجر إسماعيل، حيث دُفن هناك ثلاثة عشر نبيًّا.٦
والمسألة الأخرى هي وجودُ مقبرةٍ بالقرب من جسر الحجون؛ وهي مقبرة أبي طالب، وفيها المكان الذي حَبس فيه كفّارُ قريش النبيّ لمدّة ثلاث سنوات مرّت على النبيّ بصعوبة بالغة. وهناك، ارتحلت السيّدة خديجة سلام الله عليها؛ وهناك، ارتحل حضرة عبد المطّلب. وقبرا السيّدة خديجة وحضرة أبي طالب موجودان هناك أيضًا، بالإضافة إلى الكثير من الأشخاص الآخرين؛ وحتّى بعض بنات النبيّ مدفونات هناك.۷
والمكان الآخر هو جبل يُسمّى بـ «جبل الثور». وإذا استأجر الإنسان سيّارة الآن، فإنّهم يأخذون الأفراد إليه عادةً. وغار جبل الثور هو الغار الذي ذهب إليه النبيّ، واختبأ فيه برفقة أبي بكر عندما كان الكفّار يُطاردونه. فإذا كان لديكم حال، فاذهبوا إليه.۱
والأهمّ من كلّ هذا هو غار حِراء، الذي أصبح متّصلاً بمكّة الآن، وله حكاياته الخاصّة. وإذا أردتم الذهاب، فمن الأفضل أن تتحرّكوا وقت أذان الصبح بعد الصلاة، لكي تتمكّنوا من الذهاب في الجوّ البارد، ولا يكون الجوّ حارًّا؛ خاصّة وأنّ الجوّ حارّ جدًّا [في الربيع والصيف]، فقد تُزعجكم الحرارة. امشوا بهدوء، واجلسوا هناك في الغار نفسه، وصلّوا ركعتين؛ ثمّ إذا شئتم، فهناك مكان مقابل الغار يُمكنكم الجلوس فيه؛ ومن هناك، يبدو المسجد الحرام ظاهرًا، وحتّى الكعبة تظهر للذين يتمتّعون ببصر حادّ؛ ولهذا الأمر عظمة أيضًا.
لا أدري إن كانوا سيتمكّنون من إرشادكم هناك أم لا؛ فقد بنوا مكتبة بجوار الصفا؛ وهي مبنى ليس بكبير جدًّا يتكوّن من ثلاثة أو أربعة طوابق؛ اسمها المكتبة العامّة أو شيء من هذا القبيل. هناك، كان محلّ ولادة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. لم يكتبوا هناك شيئًا يدلّ على أنّ هذا هو المكان؛ ولكن، اذهبوا بجوار الصفا، في الشارع الذي تقع فيه المكتبة، فهناك كان محلّ بيت السيّدة آمنة، وفيه وُلد النبيّ.
بجوار سوق أبي سفيان، يوجد مسجد يُسمّى بمسجد الجنّ؛ وهو المكان الذي نزلت فيه سورة الجنّ، وآمنت فيه طائفة الجنّ بالنبيّ. وهو واضح بجوار سوق أبي سفيان؛ فإذا ذهبتم فسترونه.٢
ولا يوجد في مكّة مكان خاصّ آخر غير الذي ذكرته. وقراءة القرآن في مكّة مستحبّة جدًّا؛ ولذلك تمّ التأكيد عليها.٣
اغتنامُ ليالي المسجدِ الحرامِ وتأثيرُ الجلالِ الإلهيِّ على روحِ السالكِ
حاولوا قضاء أغلب أوقاتكم ـ خاصّة الليالي ـ في الحرم. فمن الليل حتّى الصباح، تكون الأجواء رائعة جدًّا! لأنّ الجوّ في النهار حارّ، ولا يُمكن البقاء في الحرم، إلاّ إذا كان الإنسان تحت سقف؛ ولكن في الليل، ليس الأمر كذلك. فصلّوا صلاتكم هناك، واقرؤوا دعاءكم هناك؛ وحاولوا الاستراحة في النهار، والبقاء مستيقظين في الليل. وهناك، تفتح جميع المحلاّت التجاريّة المحيطة بالمسجد الحرام من الليل حتّى الصباح. فإذا شَعَرتم بالتعب، فاخرجوا، واشربوا عصير برتقال أو عصير فواكه أو أيّ شيء آخر، ثمّ عودوا. من الأفضل أن تغتنموا ليالي المسجد الحرام كثيرًا. حتّى أنّ بعض أصدقائنا كانوا هناك، ولم يكونوا يذهبون إلى الفندق أبدًا! بل كانوا يبقون في المسجد الحرام نفسه. فباب المسجد الحرام لا يُغلق أبدًا، بل هو مفتوح دائمًا. ويسمحون للناس بالصعود إلى الطابق الثاني أيضًا؛ ولكنّهم لا يسمحون بذلك الآن. وكما كان يروي بعض الأصدقاء، فقد كانوا ينامون هناك! وكانوا يقضون كلّ وقتهم خلال هذا الأسبوع في المسجد الحرام.
كانت هذه نُبذة عمّا هو موجود هناك. فالإنسان يشعر هناك حقًّا أنّه لا يعيش على الأرض! وبعد أن يعود، يُدرك أنّه كان يعيش في عالَمٍ، وكأنّه لم يكن يُحسب من هذا العالَم وعلى الأرض أصلاً!
اغتنموا مكّة كثيرًا. ففي مكّة، تغلب عظمة الله تعالى وجلاله؛ وهذا الجلال والعظمة هما اللذان يستوليان على قلب الإنسان وروحِهِ، ويُخرجانه من التعلّقات هناك، ويُزيلان كلّ هذه التعلّقات.
وخاصّة قضاء الوقت في المسجد الحرام، فله حكايته وقصّته الخاصّة التي تمّ التأكيد عليها كثيرًا. فقد كان الكثير من العظماء الذين قضوا سنوات طويلة من سلوكهم في مكّة؛ أمثال محيي الدين، وسَرِيّ السقَطيّ البغداديّ، وإبراهيم بن أدهم، وذو النون المصريّ، وابن الفارض، والمرحوم السيّد مهديّ بحر العلوم، والقاضي نور الله التستريّ، والشهيد الأوّل.۱ والخلاصة أنّه مكان لو أمكنني حقًّا، لذهبت إليه. وحتّى أنّه في وقت ما بعد وفاة المرحوم العلاّمة، خطر ببالي أن أذهب إلى مكّة وأُقيم هناك. وقد تمّ توفير المقدّمات إلى حدّ ما بواسطة بعض الأفراد؛ وكان من المقرّر متابعة الأمر، ثمّ تراجعت. كان من المقرّر أن أذهب، وأبقى هناك. وكنت أريد الخروج من إيران ومغادرتها نهائيًّا بعد حوالي سنة من وفاة المرحوم العلاّمة؛ ولكن على كلّ حال، لم يكن هذا هو التكليف. والخلاصة أنّ مكّة مكانٌ كان هؤلاء العظماء يشعرون بالحاجة إلى الذهاب إليه؛ فهو مكان بهذه الأهميّة، حيث كانوا يشعرون بالحاجة حقًّا؛ فماذا كانوا يَرون؟ وما هي التأثيرات التي كانت لديه؟ وما الذي كانوا يُدركونه؟ يجب أن يُسألوا هم أنفسُهم. يجب اغتنام هذا الأمر كثيرًا، خاصّة الوقوف في المسجد الحرام، والذي يترك تأثيرات عميقة جدًّا في الإنسان.
وطبعًا، لا تنسون المساكين والفقراء والمحتاجين في نهاية المطاف؛ كما قال الشاعر:
| اگر شراب خوری جرعهای فشان بر خاک | *** | از آن گناه که نفعش رسد به غیر چه باک؟!٢ |
[يقول: إذا شربت خمرًا، فاسكب منه جرعة على التراب؛ فما ضرّك من ذنبٍ يعود نفعُه على غيرك؟!]
الإجابةُ عنِ الأسئلةِ والفروعِ الفقهيّةِ المتعلّقةِ بالعُمرة
سؤال: إذا ذهبنا إلى مكّة وأردنا الزيارة نيابة عن والدينا، فماذا نفعل؟
جواب: يُمكنكم الطواف هناك نيابة عنهما. أو عندما تذهبون في المدينة لزيارة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، اذكروهما هناك أيضًا؛ فيصلهم الثواب.
سؤال: ...۱
جواب: صلاة التحيّة.
سؤال: وهل للعمرة المُفردة طواف النساء أيضًا؟
جواب: نعم.
سؤال: العمرة المُفردة؟
جواب: نعم.
سؤال: وحجّ التمتّع له [طواف النساء] أيضًا؟
جواب: نعم.
سؤال: هذه الطوافات التي قلتم عنها: «ليطُف الإنسان باستمرار في اليوم»، هل هي نفس حالة السبعة أشواط، سبع دورات، من ذلك المكان نفسه، وبالكيفيّة نفسها؟
جواب: نعم، كلّ هذا مستحبّ.
سؤال: ذهاب الناس إلى التنعيم وإحرامهم [مجدّدًا] ثمّ مجيئهم للطواف، ألا يُعدّ هذا [مستحبًّا]؟
جواب: لا ينبغي للإنسان أن يُؤدّي عمرتين في شهر واحد؛ أي: لا ينبغي أن تكون المدّة بين العمرتين أقلّ من شهر. وطبعًا، إذا أدّى الإنسان عمرة في شهر ثمّ دخل الشهر التالي، فلا بأس بأن يُؤدّي عمرة أخرى؛٢ ولكن الآن، يذهب الناس إلى التنعيم. التنعيم هو مكان إحرام؛ فالأشخاص الذين هم من أهل مكّة، يُحرمون من مسجد التنعيم لأداء العمرة، وكذلك الأشخاص الذين لم يخرجوا من مكّة، يُمكنهم أيضًا الذهاب والإحرام من التنعيم. لقد أصبح التنعيم الآن متّصلاً بمكّة، ويُعدّ في الواقع جزءًا منها. وهو مسجد عظيم وكبير جدًّا، وفيه جميع وسائل التنظيف وما شابهها؛ وإذا أمكن ذلك [أي في شهرين، لتمكّنتم أنتم أيضًا من ذلك]؛ ولكنّ هذا الأمر مُستبعد بالنسبة إليكم؛ لأنّكم ستكونون هناك في شهر رجب.
سؤال: نعم، لو ذهبنا في البداية، فلماذا في غضون تسعة أيّام مرّة أخرى ...؟
جواب: بما أنّكم الآن في شهر رجب، فلا يُمكنكم أداء أكثر من عمرة واحدة؛ ولكن الآن، يذهب الأفراد ويُحرمون كلّ يوم، [وهذا غير صحيح].
سؤال: ليس له محلّ إذًا.
جواب: نعم.
سؤال: طوافهم هذا طواف مستحبّ إذن.
جواب: نعم، الله تعالى هو الذي يقول: ليفعلوا هكذا.
سؤال: الصلاة التي ذكرتموها بين المحراب والمنبر في المدينة، هي نفسها صلاة التحيّة، أليس كذلك؟
جواب: هي صلاة التحيّة، صلاة لرسول الله.
سؤال: في ذلك المكان نفسه الصلاة، صلاة...؟
جواب: نعم، التحيّة.
سؤال: بماذا ندعو أثناء الطواف؟
جواب: هذا الدعاء موجود هناك؛ وهناك دعاء: «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ عَمَلِي وَاقْبَلْ تَوْبَتِي»، وهو لدعاء ما بعد الطواف. وإذا لم تدعوا به، فلا بأس؛ ليس شيئًا خاصًّا؛ ولا ضرورة له.۱
ما يوجد هنا هو مسألة تمّ التأكيد عليها في الروايات أيضًا، وهي تتعلّق بالحجر الأسود، والمسألة هي: «يُستحبّ للإنسان بعد الانتهاء من الطواف أن يقف مقابل الحجر الأسود، ويعرض جميع عقائده على الحجر الأسود، ويُشهده ليحفظ هذه العقائد، ويشهد له يوم القيامة»؛٢ وقد جاء أمير المؤمنين عليه السلام مقابل الحجر الأسود وقال [ما معناه]: «أشهد أنّك ترى وتسمع وتحفظ في نفسك كلّ ما يُقال لك».٣ وهذا حجر عجيب له خصائص عجيبة؛ ويُستحبّ للإنسان أن يفعل ذلك.
وأنا فعلت ذلك أيضًا؛ ولكنّي لم أكُن أعرف ماذا أقول؛ فذهبت وقلت: «كلّ ما قاله لك الأولياء، فأنا أقوله أيضًا! وكلّ ما قاله العظماء والأئمّة، فاكتبه في ملفّي؛ وأنا أقوله أيضًا!»؛ وهكذا، أرحتُ نفسي من الحساب والكتاب وبيان العقائد وتفسيرها! وهذا مهمّ جدًّا أيضًا؛ ولدينا في الرواية أنّ الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وقت الحساب ويشهد بأنّ هذا العبد قد أخبرني بعقائده هكذا. ولكنّ ذلك الدعاء موجود في كتب الأدعية؛ وهو دعاء مختصر وارد؛ والمسألة هي هذه فحسب.
سؤال: يا سيّدي، هناك بعض القوافل التي يُقال فيها: على الرجال الذين يُحرمون قبل النساء أن يرجعوا [في التقليد] إلى عالِم آخر! وعندما يخرجون من المسجد، يعودون مرّة أخرى إلى [تقليد] عالِمهم!
جواب: لم أفهم!
سؤال: مثل الشيخ بهجت؛ فهو يختلف مع بقيّة العلماء في مسألة الإحرام هذه. يقولون: يجب أن تُغيّروا آراءكم لأنّها غير قابلة للتنفيذ عمليًّا؛ ولذلك في تلك اللحظة، يجب أن تنفصلوا عن هذا الشخص، وتُحوّلوا رأيكم من هذا المجتهد إلى مجتهد آخر؛ وبعد الانتهاء، تعودون مرّة أخرى إلى المجتهد الأوّل نفسه لكي تتمكّنوا من أداء العمل بشكل صحيح؛ لأنّه غير مُمكِن مثلاً!
جواب: حسنًا، ولِمَاذا يكون هذا الأمر غير مُمكِنًا؟! لِمَاذا مثلاً؟
سؤال: ؟؟؟
جواب: وما الإشكال في ذلك؟
سؤال: يبدو أنّ الشيخ بهجت قال: إنّ هذا المسجد كان واحدًا، ولكنّه الآن يتكوّن من قسمين؛ ثمّ إنّ النساء اللواتي يُردن الإحرام يجب أن يرجعن إلى عالِم آخر.
جواب: كلاّ، لا إشكال في ذلك؛ يُمكنكم الإحرام في صحن مسجد الشجرة نفسه أيضًا؛ فهو الآن واحد؛ وليس ضروريًّا أن يكون [الإحرام] في ذلك القسم نفسه؛ فيُمكنكم المجيء، والوقوف بجوار الإيوان أو حتّى الدخول إلى المسجد؛ فهم يسمحون بذلك.
سؤال: والمحاذاة له هي كذلك أيضًا.
جواب: نعم، المحاذاة لا مانع منها أيضًا؛ يعني: حتّى لو لم نقبل بفتوى المرحوم العلاّمة، ففي مسجد الشجرة نفسه من أيّ مكان أحرمتم، فهو مسجد الشجرة؛ وليس الأمر بأنّه يجب أن يكون في مكان خاصّ [من ذلك المسجد الحاليّ] حتمًا. وإذا أردتم الاحتياط أكثر، فإنّ مكان مسجد الشجرة نفسه واضح الآن؛ فهناك منطقة فيها المحراب، وهي مكان مسجد الشجرة السابق نفسه؛ ثمّ تمّت التوسعة من الأطراف؛ فقفوا هناك لدقيقة واحدة ولبّوا.
سؤال: لا يسمحون؛ الرجال هناك.
جواب: لا، يسمحون؛ ليس الأمر بأنّهم لا يسمحون؛ وطبعًا، ربّما لا يسمحون بشكل جماعيّ؛ ولكن، لو جاءت امرأة إلى هناك، فإنّهم لا يعترضون. وعلى كلّ حال، إذا ذكرتم التلبية في ساحة المسجد أيضًا، فلا إشكال في ذلك.
اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد