13

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل

المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

9
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةطلاب العلوم الدينية

التاريخ 1434/02/12

جلسات المجموعة(7 جلسة)

التوضيح

تُركّز هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه على الجانب التربويّ والأخلاقيّ لطلاّب العلوم الدينيّة، حيث تُبيّن خطورة العلم بدون إخلاص، وتُؤكد على ضرورة الإتقان في التحصيل العلميّ، وحلّ الإشكالات وعدم تركها مُعلَّقةً، مع الاستشهاد بسيرة العلماء؛ كما أنّها تُجيب عن تساؤلات أخرى؛ نظير: كيف يجب أن يتعامل طالب العلم مع الإشكالات العلميّة في درسه؟ ما هي اللذّة الحقيقيّة للعلم؟ لتُؤكد أنّ للعلم آثارًا وجوديّة تتجاوز مجرّد المعرفة السطحيّة.

/۲٩
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل

  • لذة المعرفة: المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

  •  

  • مباني الإسلام، وظائف طلاّب العلوم الدينيّة، المحاضرة الثالثة عشرة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ من الشّيطانِ الرّجيمِ

  • بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

  • وصلّى اللهُ على سيّدِنا ونبيّنا أبي القاسمِ محمّدٍ

  • وعلى آلِهِ الطّيّبينَ الطّاهرينَ واللّعنةُ على أعدائِهِم أجمعينَ

  •  

  •  

  • نُبيّن في مقدّمةِ الكلامِ بعضَ الأمورِ، ثمّ إن كان لدى الرّفقاءِ أسئلةٌ فليطرحوها. إنّ هذه اللّقاءاتِ والاجتماعاتِ تُعقدُ بطبيعةِ الحالِ لتبادلِ الأفكارِ والرّؤى وتوضيحِ مواردِ الإبهامِ. ولهذا، كلّما زاد الاهتمامُ بهذه المسألةِ، عاد النّفعُ إلينا بشكلٍ أكبرَ، واتّضحتِ الأمورُ، وسَهُلَ الطّريقُ، وقلّتِ الموانعُ. هذه هي الآثارُ الّتي يُمكِنُ للإنسانِ أن يتوقّعَها وينتظرَها من مثلِ هذه المجالسِ.

  • ومن بابِ المقدّمةِ، أُوجِزُ لَلرفقاء بِضْعَ كَلِمَاتٍ حَوْلَ خصوصيّةِ العلمِ وكيفيّةِ تأثيرِهِ في مسارِ الحياةِ، وبعد ذلك إن كان لدى الحاضرين سؤالٌ فليطرحوه إمّا شفهيًّا أو كتابيًّا. ومن الأفضلِ أن تتركّزَ الأسئلةُ حولَ المسائلِ الدّراسيّةِ الحوزويّةِ أكثرَ من القضايا والمسائلِ الأخرى؛ كأن تكونَ حولَ الدّروسِ، أو كيفيّةِ الدّراسةِ والمباحثةِ، أو كيفيّةِ المطالعةِ والبحثِ، فليتفضّلِ الرّفقاءُ بطرحِ ما لديهم في هذا الشّأنِ.

  • قيمةُ العلمِ ومقامُهُ في كلامِ أهلِ البيتِ عليهم السّلام

  • لا حاجةَ لنقلِ روايةٍ عن الأئمّةِ المعصومينَ عليهم السّلام حولَ خصوصيّةِ العلمِ؛ إذ إنّ هذه المسألةَ واضحةٌ وجليّةٌ تمامًا. فالتعابيرُ الّتي وردت عنهم عليهم السّلام في شأنِ العلمِ كثيرةٌ جدًّا حتّى إنّها تتجاوزُ حدَّ التّواترِ، مثل: «العِلْمُ نُورٌ»۱، أو «العِلْمُ ثَلَاثَةٌ»٢، أو «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ»٣، أو «وَإِنَّهُ يَسْتَغْفِرُ لِطَالِبِ العِلْمِ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الحُوتُ فِي البَحْرِ»٤، وما شابهَ ذلك من الرّواياتِ الواردةِ في هذا الخصوصِ٥.

  • سُمِعَ مرارًا من المرحومِ الأنصاريّ رضوانُ اللهِ عليه أنّه كان يقولُ: «توجدُ في طريقِ اللهِ أخطارٌ كثيرةٌ تُلِمُّ غالبًا بالجاهلينَ بالحقائقِ والأمورِ؛ أمّا العالِمُ الّذي يمتلكُ اطّلاعًا على هذه العلومِ، فإن كان صادقَ النّيّةِ وصافيَ القلبِ، فيمكنُهُ تجاوزُ هذه الأخطارِ بواسطةِ علمهِ». وكان رضوانُ اللهِ عليه يكرّرُ هذه العبارةَ كثيرًا. وقد نقلَها عنهُ العديدُ من رفقائِنا الّذين تشرّفوا بلقائِهِ.

  • حسنًا، يتبادرُ إلى الأذهانِ الآنَ أنّه كلّما زاد العلمُ وكثُرتِ الحصيلةُ العلميّةُ والمعرفيّةُ، كان الخطرُ أشدَّ وأكبرَ. ولا أُخفي بالطّبعِ أنّ بعضَ الأخطارِ الّتي تُحدِقُ بالعلماءِ والمطّلعينَ، لا يتعرّضُ لها مَن لا يملكُ علمًا، – ولا أقولُ كلّها، بل بعضها – ؛ غايةَ الأمرِ أنّ الأخطارَ الّتي تؤدّي إلى إغواءِ الإنسانِ، وانخداعِهِ، وانحرافِهِ، وسوءِ فهمِهِ، وعدمِ استقامتِهِ، إنّما تُصيبُ غالبًا السّذّجَ والجاهلينَ بالمباني. هل هذا واضحٌ؟!

    1. مصباح الشریعة، ص ۱٦.
    2.  الكافي، ج ۱، ص ٣٢.
    3.  الكافي، ج ۱، ص ٣٤.
    4. الكافي، ج ۱، ص ٣٤.
    5. فليتم الرجوع إلى الكافي، ج ۱، ص ٣۰ ـ ٣٥

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

3
  • لزومُ الإتقانِ في التّحصيلِ

  • كنّا البارحةَ في مكانٍ ما مع شخصينِ أو ثلاثةٍ، وكنتُ أُوضّحُ لهم هذه المسألةَ متطرّقًا إلى ضرورةِ الإتقانِ في الدّرسِ والعمقِ في المطالعةِ والبحثِ. وقلتُ لهم: انظروا، لقد كان «المرحومُ الوالدُ العلامةُ الطهرانيّ» عالِمًا، ومجتهدًا، وفيلسوفًا، وعارفًا، ومفسّرًا، وهو رجلٌ يُمكنُ القولُ ـ بحسبِ اعتقادي ـ إنّه كان الأعلمَ بين علماءِ عصرِهِ من حيثُ العلومِ الظّاهريّةِ. ولهذا، ليس غريبًا إن جاء وأكّد على العلمِ والدّرسِ والبحثِ؛ فالأمرُ أشبهُ بأن أطلبَ أنا منكم أيضًا أن تدرسوا جيّدًا، وتدقّقوا، وتباحثوا، وتُنجزوا بحوثَكم بإتقانٍ، ولا تتجاوزوا مسألةً حتّى تنضجَ في أذهانكم، ولا تتقدّموا في الدّرسِ وفي ذهنكم سؤالٌ عالقٌ. بل ويجبُ أن يُحلّلَ الدّرسُ الّذي تأخذونه اليومَ تحليلاً تامًّا، بحيث إن وضعتم رؤوسَكم على الوسادةِ ليلاً، لم يبقَ في أذهانِكم أيُّ سؤالٍ، فتنامونَ براحةٍ.

  • في تلك الأيّامِ الّتي كنّا ندرسُ فيها مرحلةَ السّطوحِ وما شابهَها، لو بقي عندي سؤالٌ واحدٌ في إحدى اللّيالي، لم يكن ليغمضَ لي جفنٌ حتّى الصّباحِ من شدّةِ القلقِ بسببِ عدمِ حلِّ هذا السّؤالِ، وكنتُ أتساءلُ: لماذا لم يُحلّ سؤالي؟ ولماذا بقيت هذه القضيّةُ معلّقةً هنا هكذا؟ فكنتُ أتقلّبُ في فراشي لساعتينِ أو ثلاثٍ لا أذوقُ طعمَ النّومِ. أمّا في اللّيالي الّتي لم يكن لديّ فيها سؤالٌ، ومرّ الدّرسُ بلا إبهامٍ، فكنتُ أنامُ نومًا هنيئًا وكأنّني أُحلّقُ في السّماءِ فرحًا بأنّه لا يوجد لديّ سؤالٌ أو إشكالٌ في تلك اللّيلةِ. هكذا كنّا مثلاً أيّام دراسةِ كتبِ (المطوّل) و(الرّسائل) و(اللّمعة) وغيرها. وكنتُ أتذكّرُ كلامَ المرحومِ الخواجة نصير الدّين الطّوسيّ، والّذي كان رجلاً من العظماءِ حقًّا! وأظنّ أنّ كلامَهُ هذا ورد في كتابِ (آداب المتعلّمين) بحسبِ ما أذكرُ. فقد قرأنا هذا الكتابَ في بدايةِ دراستنا الحوزويّةِ على يدِ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ»، وهو كُتيّبٌ مفيدٌ جدًّا كان يوصي الجميعَ بقراءتِهِ. أظنّ أنّه يذكرُ هناك أنّه كلّما حُلّت له معضلةٌ علميّةٌ كان يهتفُ من شدّةِ الفرحِ: «أينَ أبناءُ الملوکِ مِن هذه اللّذّةِ؟!»، فأين هؤلاءِ الملوكُ الّذين يتوهّمون أنّهم ملكوا العالَمَ وفتحوهُ، وشيّدوا القصورَ وزرعوا البساتينَ، ويظنّونَ أنّهم حازوا على ملذّاتِ الدّنيا، أين هم ليأتوا ويروا أيَّ مُلْكٍ أعيشُ فيه الآنَ، وفي أيِّ سلطنةٍ أتقلّبُ؟ إنّني لستُ مستعدًّا لاستبدالِ هذه الفرحةِ والمسَرّةِ الّتي غمرتني باكتشافِ مسألةٍ علميّةٍ بكلِّ ممالكهم! حسنًا، يتبيّنُ من هذا أنّ هذا الرّجلَ العظيمَ قد وصل حقًّا إلى حقيقةِ العلمِ وجوهرِهِ، وأدرك الآثارَ الّتي ستتمخّضُ عن هذه الحقيقةِ المكتشفةِ. فالأمرُ لا يقتصرُ على كونِها مسألةً علميّةً فحسب، بل تترتّبُ عليها قضايا وأمورٌ أخرى.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

4
  • كيفيّةُ مطالعةِ كتابِ (الرّسائلِ) من قِبلِ المؤلّفِ

  • أذكرُ أنّه في أيّامِ دراستنا لكتابِ (الرّسائلِ)، كان الجميعُ، على سبيلِ الفرضِ، يطالعونَ الدّرسَ لنصفِ ساعةٍ أو ثلاثةِ أرباعِ السّاعةِ، ثمّ يُغلقونَ الكتابَ ليحضروا الدّرسَ في اليومِ التّالي. أمّا أنا، فكانت مطالعةُ كلِّ درسٍ من (الرّسائلِ) تستغرقُ منّي ثلاثَ ساعاتٍ، ثلاثَ ساعاتٍ! أي لم يكنِ الوقتُ يقلُّ عن ذلك؛ فكنتُ أراجعُ هذه الحاشيةَ وتلك، كحاشيةِ الشّيخِ موسى، وهناك حاشيةٌ أخرى ضخمةٌ جدًّا لكتابِ (الرّسائلِ)، وهي حاشيةُ الآشتيانيّ الّتي تُعدُّ أصعبَ من (الرّسائلِ) نفسِهِ، فهي حاشيةٌ غليظةٌ وكبيرةٌ ذاتُ قطعٍ رَحليٍّ. لم أكن أُغلقُ كتابَ (الرّسائلِ) حتّى أقرأ هذه الحاشيةَ حتّى السّطرِ الأخيرِ. كان لزامًا عليَّ قراءتُها. وكانت هناك حواشٍ أخرى كحاشيةِ رحمة الله الّتي كانت بسيطةً وعاديّةً جدًّا، وحاشيةِ (أوثقِ الوسائلِ) للشّيخِ موسى التّبريزيِّ والّتي كانت حاشيةً جيّدةً. كنتُ أُطالعُ كثيرًا، وكنّا نتباحثُ في كتابِ (الرّسائلِ) ضمنَ مجموعةٍ مكوّنةٍ من ثلاثةِ أو أربعةِ أشخاصٍ. وحسنًا، عندما كنّا نبدأُ المباحثةَ، كنتُ أُثيرُ إشكالاتٍ أكثرَ، وأطرحُ العديدَ من الأمورِ الّتي لم تُطرح حتّى في الدّرسِ، وباختصارٍ، كنتُ أتوسّعُ في النّقاشِ. فكان شركائي في المباحثةِ يقولونَ: ما الخطبُ؟ لقد بالغتَ جدًّا في نقاشِك، فهذه الأمورُ لم تعد ضروريّةً! فكنتُ أُجيبهم: ستفهمونَ ذلك لاحقًا.

  • نموذجٌ من نتائجِ الدّراسةِ الصّحيحةِ

  • مضت هذه الأيّامُ، حتّى واجهنا فجأةً بعد وفاةِ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ» خبرًا واحدًا. خبرٌ واحدٌ يفيدُ، على سبيلِ الفرضِ، بأنّ فلانًا هو الخَلَفُ بعد «المرحومِ العلامةِ». حسنًا، الشّخصُ النّاقلُ ثقةٌ ومحطُّ اهتمامِ النّاسِ ولا يكذبُ، فماذا سيفعلُ أيُّ إنسانٍ في هذا الموقفِ؟ سيقولُ: إنّه يصدقُ. فالرّجلُ ثقةٌ، وقد انتقل إلى رحمةِ اللهِ، رحمهُ اللهُ، وهو شخصيّةٌ مرموقةٌ وليس لديه دافعٌ للكذبِ. حسنًا، ماذا سيقولُ أيُّ إنسانٍ؟ سيقولُ: لقد حُسمتِ المسألةُ، وهذه هي المقدّماتُ وهذه هي النّتيجةُ، وانتهى الأمرُ. وبمجرّدِ أن نقلوا لي المسألةَ، قلتُ: «خبرُ الواحدِ في الاعتقاديّاتِ ليس بحجّةٍ». فثاروا فجأةً وكأنّ زوبعةً قد قامت! قلتُ لهم إنّ خبرَ الواحدِ في الاعتقاديّاتِ ليس بحجّةٍ. فإذا لم يكنِ الخبرُ متواترًا، فيجبُ على الأقلِّ أن يكونَ مستفيضًا أو قطعيَّ الصّدورِ. فرغم أنّ هذا الشّخصَ ثقةٌ، ورحمهُ اللهُ ـ وكان بالطّبعِ حيًّا آنذاك ورحمهُ اللهُ ـ وليس بمعاندٍ، ولكن ألا يخطئُ؟ إنّ المعصومينَ الأربعةَ عشرَ عليهم السّلام هم وحدهم المبرّؤونَ من الخطأِ، فماذا عن البقيّةِ؟ أنا نفسي أُخطئُ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

5
  • انقُلوا أنتم الآنَ قضيّةً ما، كأن تنقلوا هذا الكلامَ الّذي أقولُهُ الآنَ. دعوا أجهزةَ التّسجيلِ هذه جانبًا، واذهبوا غدًا واشرحوا لرفقائِكم ما أقولُهُ الآنَ، رغم أنّه لم يمرَّ وقتٌ طويلٌ، لا شهرٌ ولا شهرانِ ولا ستّةٌ، بل في الدّقيقةِ نفسِها، ثمّ سجّلوا ما تنقلونه وقارنوه بما أقولُهُ أنا لتروا حجمَ الاختلافِ. لا بأس بذلك، فنحن لسنا معصومينَ. نحن نُخطئُ، ونغيّرُ الجُمَلَ، ونُقدّمُ المبتدأَ تارةً ونُؤخّرُ الخبرَ تارةً أخرى، ونزيدُ واوًا أو نُنقصها. ولهذا، ما هو مبنانا الأصوليُّ في الأساسِ؟ إنّ خبرَ الواحدِ بشكلٍ عامٍّ ليس حجّةً في الاعتقاديّاتِ إلّا إذا ثبتت قرائنُ قطعيّةٌ على صدورهِ وعلى نفسِ الكلماتِ ونسبةِ هذه الكلماتِ إلى المعصومِ عليه السّلام. حسنًا، ماذا فعل مبنانا هذا؟ لقد كان سببًا في التّصدّي لهذه المسألةِ والوقوفِ بوجهِ هذه القضيّةِ.

  • بعد مرورِ شهرينِ أو ثلاثةٍ على هذه القضيّةِ، التقيتُ شخصيًّا بذلك الرّجلِ الّذي نقل الخبرَ. فقلتُ له: لقد نُقل عنك أنّك تفضّلتَ بكذا وكذا. فأجابني: لم يكنِ الأمرُ بهذه الكيفيّةِ، بل كان كذا. فقلتُ له: تفضّل، إنّ هذا يختلفُ كاختلافِ الأرضِ عن السّماءِ عمّا نُقل! حسنًا انظروا، من أين جئتُ بهذا المبنى؟ إنّه ثمرةُ كتابِ (الرّسائلِ). عندما كنتُ أدرسُ (الرّسائلِ)، كان بإمكاني أن أُطالعَ لربعِ أو ثلثِ ساعةٍ كباقي الطّلّابِ، فلماذا كنتُ أُدقّقُ إلى هذا الحدِّ؟ لقد طالعنا بتلك الطّريقةِ آنذاك، لتستمرَّ الثّمارُ حتّى وصلت إلى هنا ونفعتنا في هذا الموقفِ؛ فهنا تجلّى تطبيقُها العمليُّ. وإلّا لوقعنا في الفخِّ كالباقينَ. هل فهمتم الآنَ لماذا ينفعُ هذا العلمُ ويأخذُ بيدِ الإنسانِ؟

  • والآن، وبعد مرورِ عشرينَ عامًا، يقولونَ: لقد أخطأنا. حسنًا يا عزيزي! لماذا بعد مرورِ عشرينَ عامًا؟! يقولونَ: لم يكنِ الأمرُ كذلك، ولم تكن هذه الأمورُ صحيحةً، وكذا وكذا! ولندع جانبًا ما هي تلك المسائلُ، وما هي الأكاذيبُ الّتي روّجوها بين النّاسِ آنذاك؟ لا شأن لنا بذلك. هذه القضيّةُ الحيّةُ والماثلةُ أمامنا، وهذا الكلامُ الّذي نُقل عن عبدِ اللهِ هذا. حقًّا إنّ الإنسانَ لا يملكُ إلّا أن يلوذَ باللهِ تعجّبًا! كيف تقولُ لي هذا بالأمسِ، ثمّ تأتي اليومَ وتقولُ كذا؟ عجبًا! بالأمسِ قلتَ لي ذلك، واليومَ نراك تطرحُ القضيّةَ بشكلٍ ولونٍ آخرَ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

6
  • وفي هذه المسألةِ بالذّاتِ، وفي ذلك الوقتِ، جاءنا أناسٌ وقالوا: يجبُ أن تذهبوا إلى فلانٍ، وهو رجلٌ في إحدى المدنِ. فقلتُ لهم: إنّني لستُ متساهلاً ولا لامباليًا في المسائلِ الاعتقاديّةِ إلى هذا الحدِّ، بحيث أتبعُ أيًّا كان بمجرّدِ أن يقولَ شيئًا. فقالوا: كلاّ! إنّ هذا الرّجلَ يُخبرُ عن النّفوسِ! فقلتُ: حتّى وإن أخبرَ عنها، فهل تقتصرُ موانعُ الطّريقِ وحبائلُ الشّيطانِ وشباكُهُ على هذا الحدِّ، بحيث إنِ اطّلع إنسانٌ على خبايا نفسٍ ما، نجا منها؟ إن كان الأمرُ كذلك، فحسنًا، تكونُ حدودُ الشّيطانِ وخطوطُهُ الحمراءُ الّتي لا يمكنُهُ تجاوزها عند هذا الحدِّ؛ أي تقفُ عند هذه المشاهداتِ والمكاشفاتِ. وعليه، فإن كان لدى إنسانٍ مشاهدةٌ أو مكاشفةٌ، واستطاعَ الاطّلاعَ على نفسِ شخصٍ ما، فإنّه يأمنُ بذلك من تلاعبِ الشّيطانِ. لو كان الأمرُ يقفُ عند هذا الحدِّ، لقَبِلنا وسلّمنا، وقلنا تفضّلوا، نحن في خدمتِكم ومخلصونَ لكم، وسنقبلُ بكلِّ ما تأمرونَ به وتقولونه.

  • أمّا إذا توصّلنا بالعلمِ والاطّلاعِ إلى أنّ المكاشفاتِ ليست سوى العتبةِ الأولى من شباكِ الشّيطانِ وحبائلِهِ، فكم له من درجاتٍ ومراتبَ لا حصرَ لها! إنّ ذلك الّذي يمتلكُ بصيرةً نافذةً ويستطيعُ بعينِ باطنِهِ اختراقَ هذه المراتبِ وتجاوزها، يُشبهُ في عملِهِ أشعّةَ التّصويرِ. هل رأيتم الأشعّةَ الرّاديوأكتيڤيّةَ (Radioactive) ماذا تفعلُ؟ إنّها تخترقُ الثّيابَ والملابسَ الدّاخليّةَ والجلدَ وكلّ شيءٍ، لتلتقطَ صورةً للمعدةِ. تخترقُ هذه الطّبقاتِ كلّها لتقولَ لك: توجدُ قرحةٌ في المعدةِ، أو أنّ المشكلةَ هي كذا. إنّ ذلك الّذي يستطيعُ اختراقَ هذه الطّبقاتِ، فإنّ طبقتَهُ الأولى هي المكاشفاتُ، فماذا عن الباقي؟ إنّ الشّيطانَ لا يقفُ عند مرتبةِ المكاشفةِ ليُقالَ إنّ هذا الشّخصَ من أهلِ الكشفِ، وقد تجاوز هذه الأمورَ واطّلع على خبايا البواطنِ وما تخفيه النّفوسُ، والّذي يكونُ سببًا في ظهورِ المكاشفةِ. هذا إن كانتِ المكاشفةُ صادقةً؛ فقد كانوا يروّجونَ لنا مكاشفاتٍ مزيّفةً أيضًا. هذا إن كانت صادقةً.

  • العلمُ طريقُ النّجاةِ من حبائلِ الشّيطانِ

  • لقد قرأتم نهايةَ الجزءِ الثّاني من كتابِ (أسرارِ الملكوتِ)، وقد ذكرتُ ذلك هناك؛ إذ لم يكن لديّ خيارٌ سوى أن أبيّنَ إلى أيِّ مدى تطاول هؤلاءِ المحتالونَ باسمِ مدرسةِ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ»، وما هي الأكاذيبُ الّتي لفّقوها؟ يقولُ لي ذلك الشّخصُ: لا بأس بنسبةِ أيِّ شيءٍ تراه صحيحًا إلى العلامةِ! ما شاء اللهُ، وعلى الإسلامِ السّلامُ! عندما يقولُ لي هذا الكلامَ، فتخيّلوا ماذا قال للنّاسِ؟! وتخيّلوا ما هي الأكاذيبُ والأمورُ الأخرى الّتي لفّقها وروّجها؟!

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

7
  • حسنًا، ما الّذي يُمكِنُ أن يقفَ في وجهِ هذه المسألةِ؟ وما هو السّلاحُ الّذي يُمكنُ إشهارُهُ في وجهِ هذا التّيّارِ؟ ما لم أكن عالِمًا بأنّ البواطنَ النّفسانيّةَ للشّخصِ يُمكنُ أن تكونَ هي نفسُها الموَلِّدةَ للمكاشفاتِ والشّهوداتِ في مقامِ العلّيّةِ، فتُصوّرُ له الأمرَ بشكلٍ وصورةٍ مختلفةٍ؛ ما لم أمتلكْ هذا العلمَ، فكيف لي أن أنجوَ من شِباكِ إبليسَ وحبائلِهِ؟ لا سبيلَ لذلك! وسنقعُ نحن أيضًا في الفخِّ. حسنًا، من أين تأتي هذه النّجاةُ من الشّيطانِ؟ إنّها تأتي من خلالِ الاطّلاعِ والمعرفةِ.

  • ثمّ ترونَ الشّخصَ بعد مرورِ فترةٍ من الزّمنِ يقولُ: عجبًا! لقد خُدِعنا، عجبًا، لقد مرّت عشرُ سنواتٍ، ثماني عشرةَ سنةً، عشرونَ سنةً! عجبًا! عجبًا! كلّ هذا بسببِ عدمِ اطّلاعِ الإنسانِ وجهلِهِ بتلك الرُّموزِ، ممّا يوقعُهُ في هذه القضايا، فيُهدِرُ خمسةَ عشرَ عامًا من عمرِهِ، أو سبعةَ عشرَ عامًا هائمًا متحيّرًا كالمخمورِ، يتخبّطُ في حياتِهِ يمنةً ويسرةً، وهكذا دواليك في سائرِ المسائلِ.

  • مسؤوليّةُ الإنسانِ تجاهَ ما يعلمُهُ

  • جاءوا وسألونا: لمن نصوّتُ في تلك الأحداثِ الّتي وقعت في السّنواتِ القليلةِ الماضيةِ؟ فأجبتُهم بأنّ تكليفنا واعتقادنا وما أمرنا به عظماؤنا يرتكزُ على قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾۱ لا أقولُ إنّه يجبُ أن يكونَ لدينا علمُ الغيبِ؛ بل يجبُ أن نعملَ بناءً على ما نعلمُهُ ونطّلعُ عليهِ، فعلمُ الغيبِ يخصُّ فئةً محدّدةً. فالآيةُ القرآنيّةُ تأمرُنا بعدمِ الخوضِ فيما لا علمَ ولا يقينَ لنا به، ﴿وَلَا تَقفُ﴾ تعني: لا تضعْ قدمَك، لا تتّبعْ، قِفْ، واحْتَطْ، ﴿وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌ إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ عَنهُ مَسولٗا﴾. لقد وهبناكَ عينًا فرأيتَ بها بعضَ الأمورِ، فلماذا تُغمِضُها؟ افتَحْها! لقد وهبناكَ أُذُنًا، وعندما سمعتَ هذا الرّجلَ يكذبُ، ورأيتَهُ بعينِك في ذلك المقطعِ المصوّرِ يكذبُ، فلماذا تُريدُ التّصويتَ له؟! ﴿إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ﴾، والفؤادُ هو العقلُ والقلبُ والفكرُ. لقد رأتْ عيناكَ أنّه يقولُ هذا الكلامَ الآنَ، ثمّ يُنكرُهُ لاحقًا، فهو إذن كاذبٌ، وأُذُناكَ قد سمعتا ذلك، فلماذا تريدُ التّصويتَ له؟ يقولونَ: نحن لا شأن لنا بهذه الأمورِ! لا شأن لك؟ غدًا سيُحاسبك اللهُ، فلماذا لا شأن لك؟ إذن لماذا وهبكَ اللهُ العينَ؟ لقد وهبكَ إيّاها لِتُبصِرَ بها. فالخروفُ، سواءٌ أكان يملكُ عينًا أم لا، فإنّهم يذبحونَه ويأكلونه.

    1. سورة الإسراء، الآية ٣٦ز

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

8
  • رحمَ اللهُ المرحومَ الشّيخَ النّوريَّ، والّذي كان رفيقًا لـ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ» وشريكَهُ في الغرفةِ. كان يقصُّ علينا قائلاً: اقترب عيدُ الأضحى، فذهبنا واشترينا خروفًا ليلعبَ به الأطفالُ بضعةَ أيّامٍ قبل أن نذبحَهُ. وعندما عُدنا إلى المنزلِ، تفاجأنا بأنّ الخروفَ أعورٌ! عجبًا! هذا الخروفُ بعينٍ واحدةٍ. فأخذنا الخروفَ وعدنا به إلى البائعِ وقلنا له: يا هذا، إنّ الخروفَ الّذي بعتَهُ لنا أعورٌ! فأجابنا: وهل تريدونه أن يقرأَ لكم دعاءَ كُميلٍ؟! إنّه أعورٌ وكفى، ألستم تريدون اللّعبَ به لعدّةِ أيّامٍ ثمّ تذبحونه! فما ضيرُ أن يكونَ أعورَ، وهل تريدونه أن يقرأَ لكم دعاءَ كُميلٍ؟!

  • أمّا نحنُ، فقد وهبنا اللهُ عينًا، فبها انظرْ! وتأمّلْ ما الّذي يجري. ولقد وهبكَ أُذُنًا، فاسمعْ، واستمعْ للأمورِ. وكلُّ ما رأيتَهُ وسمعتَهُ، ضَعْهُ على مِحكِّ قلبِك وعقلِك، وزِنْهُ، واختبِرهُ، واعملْ وفقًا له. ولا تقلْ: وما شأننا نحن؟ ولا بدّ لأحدهم أن يفوزَ، ونختارُ السّيّئَ بدلاً من الأسوأِ، وما إلى ذلك من تبريراتٍ، فاللهُ سيُحاسبُنا! لا مجالَ لهذه التّبريراتِ، ﴿كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾. ولهذا، قلتُ لهم إنّني لا أعرفُ أحدًا، لا هذا ولا ذاك، ولا أيًّا منهم. وما دمنا لا نملكُ اليقينَ، فلن نُقْدِمَ على عملٍ نتحمّلُ وِزرَهُ ووبالَهُ لاحقًا. هل رأيتم ما الّذي حدث؟ هل فهمتم الآن؟ حسنًا، أين أولئكَ الّذين ذهبوا، وأولئكَ الّذين كانوا يدّعونَ الإخبارَ عن النّفوسِ والقلوبِ، ورؤيةَ النّورِ والظّلمةِ في الأفرادِ! كيف عجزوا عن تشخيصِ الظّلماتِ؟ بماذا سيُجيبونَ الآنَ؟ لقد آلتِ الأمورُ إلى ما ترونَ! أمّا نحنُ، فماذا فعلنا؟ لقد عملنا وفقَ عِلمِنا واطّلاعِنا ومعرفتِنا بمنهجِ العظماءِ ومسارِهِم.

  • بعث لي أحدُ الأصدقاءِ من الرّفقاءِ برسالةٍ، فقد كان لدينا هواتفُ محمولةٌ آنذاك، يسألني: ما هو رأيُك؟ ولمن نُصوّتُ؟ وعلى سبيلِ الفرضِ، أيًّا من هؤلاءِ الأربعةِ نختارُ؟ فأجبتُهُ:

  • می خور که شیخ و حافظ و مفتی و محتسب***چون نیک بنگری همه تزویر می‌کنند
  • [يقول] اشرب الخمر فإنّ الشّيخَ والحافظَ والمفتي والمحتسبَ *** كلّهم يُمارسون التّزويرَ إن أمعنتَ النّظرَز 

  • وبالمناسبةِ، لقد تبيّن أنّ الأربعةَ كذلك!

  • بكلِّ بساطةٍ! وبعد أن وقعت تلك الأحداثُ والمسائلُ، قال لي: رحمَ اللهُ والدَك، لقد أرحتَنا. فلو أنّني أقدمتُ على شيءٍ آنذاك، لكنتُ أُعاني الآنَ من عذابِ الضّميرِ حيرانًا فيما يجبُ عليّ فعلُهُ إزاءَ هذه المسائلِ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

9
  • قيمةُ العلمِ والتّعلّمِ ومكانتُهُما في السّلوكِ إلى اللهِ

  • إنّ الطّريقَ هو ما سلكَهُ العظماءُ. لقد صدق المرحومُ الأنصاريّ حين قال: «إنّ الكثيرَ من الأخطارِ الّتي تعترضُ السّالك، تندفعُ وتُزالُ بالعلمِ، وبهِ تُدفعُ الموانعُ». حسنًا، البعضُ يملكُ بصيرةً واطّلاعًا. فقد قال بعضهم للرّفقاءِ أنفسِهِم، قبل ثماني سنواتٍ عندما كان البعضُ يترشّحُ للانتخاباتِ، تفرّسوا في أعينهم وقالوا إنّ الأمورَ ليست واضحةً تمامًا، بل هي مشكوكةٌ ومبهمةٌ، وقد أخبروني بذلك أيضًا. لا شأن لنا بهم الآن، بأولئك الّذين يملكون مثل هذه البصيرةِ والأمورِ. ثمّ شيئًا فشيئًا، وقعت أحداثٌ وقضايا أخرى لندعها جانبًا الآن، ولننتظرْ ما ستؤولُ إليه الأمورُ! فما رأيناه حتّى الآن كان عالاً، ويبدو أنّ ما سيأتي سيكونُ نورًا على نورٍ! ولا أدري ما الّذي ستفعلُهُ هذه البصائرُ حينها! أغاثَ اللهُ الجميعَ. هل التفتّم؟

  • حسنًا، هذه المسألةُ مسألةٌ واقعيّةٌ. فلو تحدّثَ «المرحومُ العلامةُ الطهرانيّ» أو المرحومُ الأنصاريّ عن الدّراسةِ وتحصيلِ العلمِ، لكان ذلك في محلّهِ. ولكنّكم ترونَ أنّ السّيّدَ الحدّادَ لم يكن يتدخّلُ في هذه المسائلِ بتاتًا. فهو رجلٌ حدّادٌ، وفي اللّقاءينِ الّذينِ جمعاني به في سنِّ السّابعةِ عشرةَ تقريبًا، كان يكرّرُ في كلتا الجلستينِ من البدايةِ حتّى النّهايةِ: «يا سيّد محسن، أتقِنْ درسَك». وتمرُّ خمسُ دقائقَ ليُعيدَ: «أتقِنْ درسَك». كنتُ أتساءلُ في نفسي: لماذا يُؤكّدُ على هذا الأمرِ إلى هذا الحدِّ؟ لم يكن هو من أهلِ هذه الأمورِ، أعني أنّه لم يكن يعيشُ في هذا الجوِّ، ولم يكن منشغلاً بهذه المسائلِ الدّراسيّةِ الحوزويّةِ. فما الّذي كان يراهُ إذن؟ حسنًا، إنّ أولياءَ اللهِ يَرونَ الواقعَ، ويُدركونَ أنّ كلّ ما هنالك هو دروسُ أهلِ البيتِ عليهم السّلام وعلومُهُم ومسائلُهُم. وهذه المسائلُ، إذا تعلّمها الإنسانُ وتأمّلَ فيها وبحثَ ودقّقَ، مقرونةً بصِدقِ النّفسِ وصفائِها، أفادتْهُ. وإلّا، فإن خلا من الصّدقِ والصّفاءِ، فلا ينفعُهُ ذلك! «وَلا يَزيدُ مِنَ اللهِ إِلا بُعْدًا»، فيُزاد في البعد عن الله ويُتّسعُ ويُضاف إليه.

  • تأثيرُ الصّدقِ في تحصيلِ علومِ أهلِ البيتِ عليهم السّلام

  • أمّا إن كان صادقًا، فليعملْ بما يفهمُ، ولا يُقْدِمْ على ما لا يفهمُ. ليقِفْ عند حدودِ فهمِهِ، ولا يخدعْ نفسَهُ. ولا يُسدِلِ السّتارَ على نفسِهِ وقلبِهِ وأفكارِهِ، كمن يسمعُ نباحَ كلبٍ فيقولُ: «إن شاء اللهُ قطّةٌ تؤلمُها صدرُها!». عزيزي، إنّه نباحُ كلبٍ، فلماذا تقولُ إنّها قطّةٌ تؤلمُها صدرُها؟! لا ينبغي له أن يُسدِلَ السّتارَ على نفسِهِ باستمرارٍ، ولا أن يُقحِمَ نفسَهُ دائمًا في شباكِ النّفسِ وعنكبوتيّاتِها، ولا أن يحبسَ نفسَهُ أكثرَ فأكثرَ في شرنقتِهِ كدودةِ القزِّ. فكلّما حبس نفسَهُ، ازدادتِ الشّرنقةُ سُمكًا، وصعُبَ عليه الخروجُ منها. فإن لم يفعلْ ذلك، سيُرشدُهُ اللهُ إلى الطّريقِ الصّحيحِ، وسيُريْهِ الواقعَ والحقيقةَ. وهذه المسألةُ عجيبةٌ حقًّا؛ كيف أنّ اللهَ يُري الطّريقَ لمن امتلكَ نفسًا صافيةً؟!

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

10
  • جاءني أحدهم اليومَ لزيارتي من مكانٍ ما. وتحدّثَ عن شخصٍ معيّنٍ، ممّا أثار تعجّبي كثيرًا. هذا الشّخصُ كان يمتلكُ حالاتٍ وقضايا ومكاشفاتٍ. وفي ذلك الوقتِ الّذي لم يكن أحدٌ ليقبلَ فيه أيَّ كلامٍ، قلتُ إنّ هذا الشّخصَ غارقٌ في نفسِهِ ونفسانيّاتِهِ وأنانيّاتِهِ. كانوا يضحكونَ من كلامنا آنذاك! ويقولونَ: ما الّذي يهذي به هذا؟ أعني أنّ أولئك الّذين كانوا يعدّونَ أنفسهم من أهلِ الاطّلاعِ والبصيرةِ الباطنيّةِ، لم يقبلوا كلامنا حولَ هذا الشّخصِ. حسنًا، لقد كان هو أيضًا يُظهرُ بعضَ الكراماتِ، ويتحدّثُ ببعضِ الأمورِ والأخبارِ، وكان يمتلكُ أشياءَ، ولم يكن خاليًا تمامًا. كانوا حينها يسخرونَ من كلامنا قائلينَ: ما الّذي يقولُهُ؟ إنّه بعيدٌ كلّ البُعدِ عن الحقيقةِ! إنّه يقولُ إنّ هذا الرّجلَ غارقٌ في النّفسِ والنّفسانيّاتِ والأنانيّةِ والشّيطانِ وما إلى ذلك!

  • كنّا نقولُ ذلك حينها. ثمّ رأيتُ هذا الشّابَ، رغم شبابِهِ وبساطتِهِ وعدمِ اطّلاعِهِ ـ فهو شابٌّ عاديٌّ وبسيطٌ، لم يتلقّ دراسةً حوزويّةً ولا غيرها ـ رأيتُهُ قد أدركَ هذه الأمورَ في ذلك الوقتِ، وقال لشخصٍ ما حينها: «يا هذا، إنّ الشّخصَ الّذي تتبعونه لا يفقهُ شيئًا، قد تكونُ تكشّفتْ له بعضُ الأمورِ، ولكنّ هذا لا يُعدُّ دليلاً على صحّةِ مسارِهِ». فكان ذلك الشّخصُ يُجيبُهُ: كلاّ! كيف لك أن تقولَ ذلك وأنت تملكُ شخصيّةً عظيمةً في عائلتِك، فما الّذي يُقلقُك ويُحزنُك؟ كنتُ أقولُ له: يا أخي، الأمرُ ليس كذلك. فيقولونَ: بلى، المسألةُ هكذا. ومضت سنةٌ وسنتانِ، حتّى آلَ الأمرُ إلى أن عاد هؤلاءِ أنفسُهم إلى هذا الشّابِ وقالوا له: وا أسفاه، لقد أخطأنا! قلتُ: انظروا! عندما يكونُ الإنسانُ صافيًا، يُرشدُهُ اللهُ إلى الطّريقِ الصّحيحِ. حسنًا، لم يكن هذا الشّابُ يملكُ اطّلاعًا، ولكن لصفائِهِ، جاءهُ اللهُ وأراهُ الطّريقَ الصّحيحَ في عينِهِ وأُذُنِهِ وقلبِهِ وعقلِهِ وفكرِهِ. وهذا كلُّهُ بفضلِ صفائِهِ وصِدقِهِ. والآنَ، يندبُ ذلك الرّجلُ حظّهُ قائلاً: وا أسفاه، خلف من كنّا نركضُ عشرَ سنواتٍ؟ كنّا نتبعُ هذا، واثنتي عشرةَ سنةً نركضُ خلفَ كذا وكذا!

  • حسنًا، إنّ هذا الصّدقَ وهذا الصّفاءَ مسألةٌ في غايةِ الأهمّيّةِ، ويجبُ أن يُرافقا دراسةَ الإنسانِ وتّحصيلَهُ. وبناءً عليه، يجبُ أن نعلمَ أنّ ما ندرسهُ من تاريخٍ، وتفسيرٍ، وفقهٍ، وأصولٍ، وروايةٍ، وأخلاقٍ، وحديثٍ، وأدبٍ، وما شابه، ليس عبثًا، ولا ينبغي أن نتوهّمَ أنّه مجرّدُ قراءةٍ تنتهي بالوصولِ إلى مرتبةٍ علميّةٍ معيّنةٍ وحسب. كلاّ! فهذه العلومُ تلعبُ دورًا أساسيًّا جدًّا في حياتنا، وفي اتّخاذنا للقراراتِ، وفي اهتدائنا إلى الطّريقِ الصّحيحِ. لقد ضربتُ لكم بضعةَ أمثلةٍ، وعندما اتّضحتِ الأمورُ قالوا: عجبًا! لقد أخطأنا! وبالطّبعِ، هناك الكثيرُ ممّن يُنكرونَ ذلك قائلينَ: كلاّ، من قال إنّه خطأٌ؟! ويتشبّثونَ بطرقٍ ومسائلَ أخرى. وهؤلاءِ لا نقاشَ معهم، إذ إنّ أمورهم خارجةٌ عن الدّائرةِ العلميّةِ. فالّذي يتصنّعُ النّومَ خارجٌ عن الدّائرةِ أصلاً، ولا ينبغي التّحدّثُ معه أو الاهتمامُ به، كائنًا من كان.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

11
  • ولهذا السّببِ نرى أنّ «المرحومَ العلامةَ الطهرانيّ» كان يُؤكّدُ كثيرًا على هذه المسألةِ. وكم أكّد العظماءُ على هذه الدّروسِ، كالمرحومِ القاضي، والمرحومِ الآخوند الملاّ حسينقلي، الّذين أكّدوا مرارًا وتكرارًا على هذه الدّروسِ نفسِها، فلا تتصوّروا أنّ هناك دروسًا من عالَمٍ آخرَ أو من نوعٍ مختلفٍ. إنّها الدّروسُ نفسُها وبالكيفيّةِ ذاتِها، ولكن بقلبٍ صافٍ خالٍ من الأنانيّةِ.

  • تأثيرُ النّفسانيّاتِ في تحصيلِ علومِ أهلِ البيتِ عليهم السّلام

  • أمّا إذا سعينا لدراسةِ هذه العلومِ بدافعِ الأنانيّةِ، لنتعلّمَ كيف نسحقَ الآخرين، أو نستخدمَها ضدّ غيرِنا، أو نُطبّقها في مواضعَ غيرِ مناسبةٍ، فإنّ هذا الدّرسَ سيتحوّلُ إلى مستنقعٍ آسنٍ بالنّسبةِ لنا. إنّه درسٌ واحدٌ، يحضرُهُ طالبانِ عند أستاذٍ واحدٍ. فيكونُ هذا الدّرسُ نورًا لأحدهما، بينما يكونُ، رغم فهمِهِ له، مستنقعًا للآخرِ، وفخًّا شيطانيًّا، وشبكةً يقعُ فيها. لماذا؟ لأنّ لديه مآربَ أخرى، ولذا فإنّ هذا الدّرسَ الّذي يتلقّاهُ يُسخَّرُ في خدمةِ الشّيطانِ. انظروا إلى ما يجري في هذا العالَمِ! إنّه الدّرسُ نفسُهُ، غايةَ الأمرِ أنّه يُسخَّرُ في خدمةِ الشّيطانِ، فيتلوّنُ اليومَ بلونٍ وغدًا بلونٍ آخر. عجبًا! لقد كنتَ تقولُ كذا بالأمسِ؟ فيُجيبُ: اقتضتِ المصلحةُ ذلك. عجبًا! ولماذا تقولُ كذا اليومَ؟ فيُجيبُ: تقتضي المصلحةُ ذلك. عجبًا! ما هذا التّلوّنُ؟ يومًا مع هذا، ويومًا مع ذاك، ثمّ تعودُ بعد غدٍ لتغيّرَ موقفَك! قُل لي بربّك، أين ستقفُ في النّهايةِ؟ اليومَ هنا، وغدًا هناك، ثمّ تعودُ إلى هنا! ما هذا؟! إنّ هذه الدّروسَ قد سُخّرتْ هنا في خدمةِ الشّيطانِ وأهواءِ النّفسِ؛ لأنّ القصدَ منذُ البدايةِ لم يكن للهِ. فلو كان القصدُ للهِ، فإنّ اللهَ لا يتبدّلُ ولا يتغيّرُ، ولا نملكُ سماءينِ وهواءينِ. فاللهُ هو اللهُ دائمًا.

  • ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلأَرضِ إِلَٰهٞ﴾،۱ فهو الإلهُ في السّماءِ وهو الإلهُ في الأرضِ، ولا فرقَ في ذلك.

  • في زمانِ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ»، سمعتُ خبرًا عن أحدِ أقاربنا يتعلّقُ به. ما هو؟ لقد سمعتُ قضيّةً مفادُها أنّ والدَك قد فعل كذا وكذا. فقلتُ: يجبُ أن أذهبَ وأتحقّقَ من هذا الأمرِ». لم أُسارعْ بالقولِ: «كلاّ، هذا مستحيلٌ»، بل قلتُ: يجبُ أن أذهبَ وأتحقّقَ». فجئتُ إلى مشهدَ للقائِه، وفي غمرةِ الحديثِ قلتُ له: لقد سمعتُ قضيّةً بهذا المضمونِ». فأجابني: كلاّ، لم تكنِ القضيّةُ بهذا الشّكلِ، بل كانت كذا وكذا». فقلتُ: حسنًا». لقد جئتُ وسألتُهُ ثمّ حكمتُ، لا أن أُبادرَ بمجرّدِ أن يقولَ أحدهم شيئًا بالقولِ: «كلاّ! ماذا تقولُ؟ إنّ كلامَك باطلٌ، وليس الأمرُ كذلك بتاتًا».

    1. سورة الزخرف، الآية ۸٤

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

12
  • ضرورةُ التّحرّكِ بناءً على اليقينِ في السّلوكِ

  • إنّ طريقَ اللهِ هو طريقُ الفهمِ والإدراكِ واليقينِ. فيجبُ أن يكونَ لدى الإنسانِ يقينٌ وإدراكٌ، ويجبُ أن يفهمَ المسألةَ. في زمانِ «المرحومِ العلامةِ الطهرانيّ»، عندما كان يهمُّ بالذّهابِ إلى مكانٍ ما، كان البعضُ يأتونَ ويُفرغونَ له الطّريقَ قائلينَ: «ابتعدوا، تراجعوا إلى الوراءِ، قفوا»، وكانوا يوقفونَ النّاسَ. من كانوا هؤلاءِ؟ كانوا مجرّدَ أتباعٍ وغوغاءَ! جميعهم كانوا كذلك. لم يكونوا يَرَوْنَ من العلامةِ سوى مظهرِهِ الخارجيِّ وهيئتِهِ؛ عمامةً، ولحيةً، وقامةً ممشوقةً، وهيبةً. فماذا رأَوْا أكثرَ من ذلك؟ وعندما حلّ الامتحانُ، وأسلم العلامةُ الرّوحَ إلى بارئِها، ماذا حلّ بهم؟ لقد ذهبوا جميعًا! أين ذهبوا؟

  • يأتيني رجلٌ يبلغُ من العمرِ ثمانينَ عامًا، بعد وفاةِ العلامةِ، ليقولَ لي: لقد أصبحتِ الأمورُ غريبةً جدًّا! وحدث كذا وكذا! كيف آلتِ الأوضاعُ إلى ما هي عليه! ـ وهو بهذا يُعرّضُ بي ـ ماذا حدث حتّى وصلنا إلى هذه الحالِ؟ فالتفتُّ إليه وقلتُ: نعم، نحن مستاؤونَ جدًّا، فقد فسدتِ الأمورُ، وتبدّلت، وحدثتِ انحرافاتٌ، وتغيّرت مسائلُ كثيرةٌ! فاستمرّ في ترديدِ: لقد حدث وحدث! فقلتُ له: حسنًا، ماذا تريدُ أن تقولَ؟ وما هو دليلك؟ نعم، أنا أيضًا أقولُ إنّها فسدت، فما هو مرادك؟ وماذا تريدُ أن تُثبتَ بكلامك هذا؟ أنا أعلمُ أيضًا أنّه قد حدثت أمورٌ كثيرةٌ، ووقعت حوادثُ، وتغيّرت وتبدّلت أشياءُ كثيرةٌ، ولم تعد مسائلُ كثيرةٌ في مكانِها الصّحيحِ، ولكن في النّهايةِ، ما هو كلامك؟ من هو المُقصّرُ في هذه القضيّةِ؟ ومن الّذي حاد عن هذا المسارِ؟ فأجابني: واللهِ لا أدري! فقلتُ له: إن كنتَ لا تدري، فلماذا جئتَ إلى هنا لتُضيّعَ وقتي؟ عندما تدري، تعال وتكلّم. أنا أعلمُ ما الّذي يُريدُ قولَهُ. فقلتُ له: حسنًا، بما أنّك لا تدري فاذهب، وعندما تدري تعال وتكلّم. والآن، عندما يراني في الشّارعِ، يُطأطئُ رأسَهُ ولا يُلقي السّلامَ، وعندما يراني في حرمِ الإمامِ الرّضا عليه السّلام، يُطأطئُ رأسَهُ ولا يُسلّمُ. هل هذا ما تعلّمتُموهُ من «المرحومِ العلامةِ»؟ أجبني!

  • هؤلاءِ هم أنفسُهم الّذين كانوا يُفرغونَ الطّريقَ ويصيحونَ: «تراجعوا، لقد جاء العلامةُ!». ولا أدري، هذا يُخبرُ ذاك بمجيئِهِ. لقد جاء وكفى! حسنًا، سيصعدُ ويجلسُ، ولا بأس في ذلك، فما الخطبُ؟ ما معنى أن تقولوا: تراجعوا وتقدّموا؟ عندما يأتي العلامةُ، فإنّ كلّ من يقفُ في طريقِهِ سيقومُ ويجلسُ جانبًا! لنر ما الأمرُ، وما الّذي حدث. ما هي كلّ هذه التّصرّفاتِ؟ إنّها كلّها ظواهرُ قشريّةٌ لا باطنَ لها ولا عُمقَ. كم تشرّبتم من أفكارِ العلامةِ؟ وكم رسخت عقائدُهُ في نفوسِكم؟ أمّا إفراغُ الطّريقِ فلا يحتاجُ إلى عناءٍ؛ تراجعوا إلى الوراءِ، تقدّموا إلى الأمامِ، فالعلامةُ قادمٌ. حسنًا، إنّه قادمٌ، وليكن، وهو يأتي بنفسِهِ ولم يُمسكْ به أحدٌ. فما هذه التّصرّفاتُ؟

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

13
  • حسنًا، حتّى لو ظهر الإمامُ المهديُّ عجّل الله فرجه الآنَ، فسيكونُ الأمرُ كذلك. "لقد ظهر الإمامُ المهديُّ!" ضجيجٌ وصخبٌ وجلبةٌ وما إلى ذلك! حسنًا، لقد ظهر وانتهى، فماذا ينبغي لي أن أفعلَ؟ هل ألطمُ على رأسي؟ أم أقفزُ في الهواءِ؟ أم أرفسُ كالدّوابِّ؟ إنّ هذه أفعالُ القردةِ. فماذا أفعلُ أنا؟ حسنًا، لقد ظهر الإمامُ المهديُّ، فنقومُ إجلالاً واحترامًا، ونقولِ: «تفضّل يا بن رسولِ اللهِ، ماذا تأمرُنا أن نفعلَ؟» أمّا قولُكم: «تراجعْ إلى الوراءِ» وكذا وكذا، فما هي إلّا ظواهرُ فارغةٌ.

  • أخبرني أحدُ الأصدقاءِ من الرّفقاءِ أنّه ذهب بالقربِ من مسجدِ فاطميّ حيث كان المرحومُ الشّيخُ بهجت يُقيمُ الصّلاةَ. قال: «ذهبتُ إلى هناك، وكان النّاسُ قد تجمهروا بأعدادٍ غفيرةٍ أمامَ منزلِهِ بانتظارِ خروجِهِ إلى المسجدِ، فالجميعُ، رجالاً ونساءً، يُريدونَ رؤيتَهُ ومعرفةَ شكلِهِ وهيئتِهِ. وبينما هم منشغلونَ بالنّظرِ إليه عند خروجِهِ، جاء أحدُ لاعبي كرةِ القدمِ ـ ولن أذكرَ اسمَهُ الآنَ، ولعلّه يسمعُ كلامنا ويفهم ـ جاء هو أيضًا لرؤيةِ الشّيخِ بهجت. فما كان من النّاسِ إلّا أن تركوا الشّيخَ بهجت والتفّوا حول هذا اللّاعبِ! ينظرونَ إليه ويُشيرونَ: فلانٌ قادم...» يا لك من مسكينٍ بائسٍ، تقطعُ كلّ هذه المسافةِ لترى هذا الشّيخَ، ثمّ تنشغلُ بلاعبِ كرةِ قدمٍ يركلُ الكرةَ نحو المرمى، فتُصيبُ أو تُخطئُ؟! يا عزيزي، هذه هي عقولُ النّاسِ! وهذا هو إيمانُهُم! تفضّلْ! إنّ معرفتَهُم وعقولَهُم وقدرتَهُم على التّمييزِ لا تُفرّقُ بين الشّيخِ بهجت ولاعبِ كرةِ قدمٍ، بل ويُفضّلونَ اللّاعبَ عليه! نعم يُفضّلونَهُ! فلو لم يُفضّلوهُ لما التفتوا إليه. والمسكينُ الشّيخُ بهجت يقولُ في نفسِهِ: «وا حسرتاه! بمن علّقتُ آمالي ممّن جاءوا لرؤيتي».

  • هنا ينبغي للإنسانِ أن يتفكّرَ: ما الّذي يجبُ أن نُغيّرَهُ هنا؟ وما هي القضيّةُ؟ ما الّذي يجبُ تغييره؟ وما هو التّغييرُ الّذي يجبُ أن نُحدِثَهُ في أنفسنا؟

  • لزومُ احترامِ السّالكِ إلى اللهِ للعلماءِ

  • من الأمورِ الّتي شعرتُ بضرورةِ التّأكيدِ عليها وتذكيرِ الرّفقاءِ بها، والّتي كان المرحومُ الوالدُ يُؤكّدُ عليها كثيرًا، هو احترامُ العلماءِ. كان يقولُ إنّه يجبُ على طالبِ العلمِ أن يحترمَ العلماءَ، ويُجلَّ عُظماءَهُم، وأولئك الّذين اتّصفوا بالصّدقِ والإخلاصِ والصّفاءِ. حتّى لو لم يكونوا عرفاءَ، فهل يُشترطُ أن يكونَ الجميعُ عرفاءَ؟ كلاّ! أولئك العظماءُ من أمثالِ الشّيخِ الصّدوقِ، والعلّامةِ الحلّيّ، والشّيخِ الأنصاريّ، والشّيخِ المفيدِ، والمحقّقِ الحلّيّ، والمحقّقِ الكركيّ، والشّيخِ البهائيّ، والمرحومِ صدرِ المتألّهينَ، والّذين لعلّ بعضهم قد طوى مراتبَ متقدّمةً في المعرفةِ. لا ينبغي للإنسانِ أن يُسيءَ الأدبَ مع هؤلاءِ، ولا أن يتفوّهَ بما يمسُّ مكانتَهُم، كأن يقولَ: «من هؤلاءِ! إنّهم لا يفقهونَ شيئًا!» وما إلى ذلك من العباراتِ الّتي لا تليقُ بشأنِ هؤلاءِ العظماءِ. نحن جميعًا نجلسُ على مائدتِهِم، ونستفيدُ من نِعَمِهِم، ونتنعّمُ بجهودِهِم. لا يصحُّ أن يأتي إنسانٌ ويقولَ: «هذا لم يكن يفقهُ شيئًا! إنّه لا يعلمُ شيئًا!» ما معنى «لم يكن يفقهُ شيئًا»؟! فأنت لا تساوي قلامةَ ظفرِهِ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

14
  • في إحدى المرّاتِ، كان العلامةُ جالسًا مع مجموعةٍ من أصدقائِهِ الّذين لم يكونوا يستخدمونَ تعابيرَ لائقةً بحقِّ العلماءِ. وبالطّبعِ، لم يكن هذا من فراغٍ، فقد كانوا ملتفّينَ حول شخصٍ كان يعقدُ مجالسَ في طهرانَ، وكانت أحاديثُهُ لا تبعثُ على التّفاؤلِ بالعلماءِ، وكان يستخدمُ تعابيرَ غيرَ مناسبةٍ. أنا نفسي دخلتُ في نقاشٍ حادٍّ معه ذات مرّةٍ، وباختصارٍ، ألقمتُهُ حجرًا! نعم، ألقمتُهُ حجرًا بقسوةٍ أمام مريديه وتلامذتِهِ. فقد رأيتُ أنّه لا يصحُّ أن أسكتَ وأدعَهُ يتطاولُ. فهذا يُعدُّ إساءةَ أدبٍ وقلّةَ احترامٍ للشّرعِ والتّبليغِ والإسلامِ وهذه المدرسةِ. وباختصارٍ، لقّنتُهُ درسًا لن ينساهُ! إلى أقصى حدٍّ ممكنٍ.

  • هؤلاءِ الأشخاصُ الّذين كانوا مع هذا الرّجلِ، كانوا يحملونَ الأخلاقَ نفسَها. ففي إحدى الجلساتِ، وبينما كان العلامةُ حاضرًا، تطرّقوا للحديثِ، فقال أحدهم: «إنّ هؤلاءِ لا يعلمونَ شيئًا! إنّهم ليسوا من أهلِ المعرفةِ!» فغضب العلامةُ غضبًا شديدًا وقال: «وهل يُشترطُ أن يكونَ الجميعُ من أهلِ المعرفةِ؟ إنّ الدّينَ الّذي وصل إليكم اليومَ، هو ثمرةُ سهرِ هؤلاءِ اللّياليَ ذواتِ العددِ، وثمرةُ جهودِهِم الّتي بذلوها ليُسلّموها إليكم. لقد عملوا هؤلاءِ للهِ تعالى». ثمّ وجّه العلامةُ كلامَهُ للرّجلِ قائلاً: «وأنت، هل أنت من أهلِ المعرفةِ؟ أنت الّذي تصفهُم بهذا الوصفِ، من أنت؟ أنت مجرّدُ بائعِ أقمشةٍ، لا تُجيدُ سوى قياسِ أقمشةِ الصّوفِ والقطنِ والكتّانِ، ولا تفقهُ شيئًا غير ذلك!». "إنّهم ليسوا من أهلِ المعرفةِ"، إنّه لمن غيرِ اللّائقِ أن يُعيّرَ الإنسانُ العلماءَ بهذه الطّريقةِ، ويُخاطبَهُم بمثلِ هذه العباراتِ والكلماتِ بحجّةِ أنّهم ليسوا من أهلِ المعرفةِ. وباختصارٍ، إنّ لهؤلاءِ مكانتَهُم عند اللهِ تعالى، وإذا أردنا أن نُسيءَ إليهم، نكونُ قد تطاولنا على تلك المكانةِ الّتي جعلها اللهُ لهم، واعتدينا عليها. وهذا خطٌّ أحمرُ لا يتجاوزُهُ اللهُ تعالى.

  • إمكانيّةُ الخطأِ لكلِّ إنسانٍ باستثناءِ المعصومينَ الأربعةَ عشرَ عليهم السّلام

  • بالطّبعِ، يجبُ أن نعلمَ أنّ المبرّئينَ من الخطأِ والزّللِ هم المعصومونَ الأربعةَ عشرَ عليهم السّلام فقط، أمّا غيرهُم فلا. وحتّى أولياءُ اللهِ، فهم مأمورونَ بالظّاهرِ، وحكمُهُم ومسارُ حياتِهِم وأمورهُم تجري وفقًا للظّاهرِ، إلّا في المواردِ الّتي يقصدونَ فيها أمرًا معيّنًا وتكونُ لهم فيها عنايةٌ خاصّةٌ، فتكونُ إصابتُهُم للواقعِ في تلك المواردِ. ولكن في أفعالِهِم وتصرّفاتِهِم وكتاباتِهِم، نُشاهدُ هذه المسائلَ نفسَها، ويجبُ علينا أن نتوخّى الدّقّةَ الكافيةَ تجاه هذه الأمورِ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

15
  • كان المرحومُ السيّدُ البروجرديّ يردّدُ مراراً على المنبرِ ـ حينما كان يُلقي الدّرسَ ـ قائلاً: «لا ينبغي أن تمنعَ عظمةُ العلماءِ طُلّابَ العلمِ من التّحقيقِ والمطالعةِ». فالشّيخُ الطّوسيّ كان رجلاً عظيماً، أو رجلاً من أهلِ العلمِ، [ولكنّ بعضَ] مطالبِهِ مُجانبةٌ للصّوابِ، ويجبُ على طالبِ العلمِ أن يبحثَ [عن الحقِّ]. فليس الأمرُ أنّه [بما أنّ] الشّيخَ الطّوسيّ كان رجلاً عظيماً وكان يُلقّبُ بـ “شيخِ الطّائفتينِ”، فيجبُ على الإنسانِ إذن [أن يقبلَ كلّ مطالبِهِ]. كلاّ! وكذلك الشّيخُ الصّدوقُ، فالكثيرُ من مطالبِهِ [و]الكثيرُ من مطالبِ الشّيخِ الطّوسيّ خاطئةٌ. الكثيرُ من مطالبِ الشّيخِ الطّوسيّ هي فتاوى خاطئةٌ. وهكذا بالنّسبةِ لأفرادٍ آخرينَ [مثل] صاحبِ الجواهرِ، وغيرِهم. فكونُهم شخصيّاتٍ عظيمةً لا يُعدّ دليلاً على أن يقبلَ الإنسانُ كلّ مطلبٍ، ولكن لا ينبغي لنا أيضاً أن نستخدمَ تعبيراً يُرادُ منه ـ لا سمحَ اللهُ ـ هتكُ مكانتِهِم. لقد كان العظماءُ وأهلُ المعرفةِ يؤكّدونَ كثيراً على مكانةِ كبارِ أهلِ العلمِ، لكيلا [يهتكَ الإنسانُ حُرمتَهُم] لا سمحَ اللهُ. ففي النّهايةِ، قد تفلتُ من الإنسانِ أحياناً كلمةٌ عن غيرِ قصدٍ، ويجبُ عليه أن يحذرَ [تجاه] هذه المسألةِ لئلّا تصدرَ منه إساءةٌ.

  • حسناً، لقد تحدّثنا كثيراً، ولم نكن نعرفُ ماذا نقولُ للتوّ! لقد رحمكُم اللهُ، فلو كان لدينا شيءٌ في ذهننا مسبقاً، فماذا كان سيحدثُ حينها؟! على كلّ حالٍ، جلسنا وتحدّثنا بضعَ جُملٍ و[بُيّنت] بعضُ المطالبِ. ومجرّدُ رؤيةِ الرّفقاءِ والأصدقاءِ واللّقاءِ بهم، هو أمرٌ مغتنمٌ بالنّسبةِ لنا، وكذلك إن كان لدى الأصدقاءِ مطلبٌ أو شيءٌ يبدو لهم، فإنّهم يطرحونه كي لا تبقى [مسألةٌ] عالقةً. لقد ذكرتُ لحضراتكم أنّ كلّ هذه المجالسِ واللّقاءاتِ والاستفادةِ من خدمةِ الأصدقاءِ، إنّما هي بالأساسِ لكي نتمكّنَ من إيجادِ الطّريقِ بشكلٍ أفضلَ، والتحرّكِ بصورةٍ أحسنَ. على سبيلِ المثالِ، من الأمورِ الّتي أسمعُها أحياناً وتُزعجني، هي القضيّةُ ذاتُها الّتي ذكرتُها اللّيلةَ في حديثي: ﴿وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌ﴾، فما لم يحصل لك علمٌ بشيءٍ فلا تطرحهُ، وما لم تتيقّن فلا تتحدّث به. وإذا سمعتَ شيئاً من شخصٍ، فلا تُسارعْ لإخبارِ الجميعِ به. يا أخي، لعلّه قد أخطأَ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

16
  • ضررُ نقلِ المطالبِ دونَ تحقيقٍ ودراسةٍ

  • أخبرني اليومَ أحدُ الأصدقاءِ أنّه شاعت عنهُ قضيّةٌ، في حين أنّني لم أكن موجوداً أصلاً، والشّخصُ الّذي ينقلُ عنّي لم يكن حاضراً في ذلك المجلسِ قطّ! انظروا كم هذا خاطئٌ! إذن، لماذا نقولُ نحن هذه المطالبَ؟ ولمن نزلت هذه الآيةُ القرآنيّةُ؟! ولمن قيلت هذه الرّواياتُ الواردةُ عن أهلِ البيتِ عليهم السّلام بأنّه لا ينبغي للإنسانِ أن يقولَ شيئاً حتّى يتيقّنَ؟ إذا لم نقمْ أنا وأنت بترتيبِ الأثرِ على هذا، فهل تتوقّعُ أن يأتي الآخرونَ ويعملوا به؟ هل من اللّائقِ أن يأتي الإنسانُ هكذا بكلّ طيشٍ ويهتكَ عِرضَ مؤمنٍ، ثمّ يتبيّنَ بعد ذلك أنّ القضيّةَ لا صحّةَ لها أساساً؟! ويُصبحَ هذا نفسُهُ ذريعةً لمسائلَ أخرى، ويأتي الشّيطانُ ويتّخذَ من هذا المطلبِ حجّةً! والشّيطانُ بطبيعةِ الحالِ ينتظرُ الفرصةَ ليأتي ويصولَ ويجولَ ويبدأَ بالتّخريبِ وما إلى ذلك. يجبُ علينا نحن أن نمنعَ هذه المسائلَ المخالفةَ، ويجبُ أن نأخذَ بزمامِ المبادرةِ ولا ندعَ الأمورَ تصلُ إلى هذا الحدّ. يُنقلُ لي الكثيرُ من المطالبِ من هنا وهناك، ولا أُبدي أيّ ردّ فعلٍ إطلاقاً. ربّما تمرّ أسابيعُ وتصلُ إلى مسامعي مطالبُ مختلفةٌ خلالها، وكأنّ شيئاً لم يكن! نُمرّرُها من هذه الأُذنِ، ولا يحدثُ أيّ شيءٍ. أمّا إذا أردتُ أن أنهضَ وأذهبَ لأتحدّثَ وأفعلَ، فإنّ [هذا العملَ] يُشبهُ تحريكَ مياهٍ راكدةٍ فاسدةٍ لتبدأَ بتقليبها [وإثارةِ ما فيها]. على كلّ حالٍ، انظروا [تجاه] هذه النّقطةِ بالذّاتِ، نحن لا نُرتّبُ أثراً كبيراً عليها الآنَ، لماذا؟! حسناً، يجبُ أن نُرتّبَ الأثرَ، هذا هو المطلبُ وهذه هي القضيّةُ.

  • ولذا، عندما أسمعُ قضيّةً، لا أكتفي بالشّخصِ الّذي قالها فقط. ما المانعُ أن نقومَ جميعاً بهذا الأمرِ من اللّيلةِ؟ إذا سمعنا مطلباً، فلا نكتفِ [بنقلِ القائلِ] فقط. أوّلاً، إذا رأينا أنّه ليس ضروريّاً جدّاً، فلا نُعرهِ اهتماماً كبيراً، وكأنّنا لم نسمعْهُ أصلاً. وإن لم يكن كذلك! وكان المطلبُ لافتاً ومهمّاً، ويبدو أنّه قد يُثيرُ بعضَ ردودِ الأفعالِ، فحسناً، فلنذهبْ ونُحقّقْ، ونرَ، ونسألْ عن المسألةِ ونستفسرْ من هنا وهناك. إذا حدثتْ مثلُ هذه القضايا لنا نحن، فماذا نتوقّعُ من الآخرين؟ إذا حدثت لأحدِ أفرادِ عائلتنا، فهل نرضى أن يُنسبَ شيءٌ لأحدِ أفرادِ العائلةِ ثمّ يذهبوا وينشروهُ؟ هذا لا يصحّ. يجبُ علينا أن نفعلَ الشّيءَ نفسَهُ تجاه الآخرينَ وتجاه الجميعِ. هذه هي المطالبُ الّتي أردتُ عرضَها على الرّفقاءِ، وبالطّبعِ هناك مطالبُ أخرى ذكرناها في ثنايا حديثنا، وهناك أمورٌ كنتُ أنوي [طرحَها]، وإن شاءَ اللهُ إن سنحت فرصةٌ في مجالٍ عامٍّ أكثرَ يحضرُهُ جميعُ الأصدقاءِ من طُلّابِ العلمِ، فسنطرحُها إن شاءَ اللهُ. إذا كان لدى أحدٍ سؤالٌ أو شيءٌ فليتفضّلْ لكي نُجيبَ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

17
  • كيفيّةُ مطالعةِ وتحصيلِ العلومِ الحوزويّةِ

  • سؤال: كنّا نودّ [أن نعرفَ] المنهجَ الّذي ترونه مناسباً في الدّروسِ المتداولةِ في الحوزةِ ـ سواءٌ الدّروسُ القديمةُ أو الجديدةُ ـ والكتبِ الّتي تُدرّسُ من المرحلةِ الأولى [ما هو؟] وما هو الحدّ المناسبُ لتخصيصِ الوقتِ لكتبِ الأدبيّاتِ؟ وكيف بالنّسبةِ للفقهِ والأصولِ والدّروسِ الّتي يجبُ أن نُخصّصَها من المرحلةِ الأولى إلى السّادسةِ [كيف ذلك؟] هذه المسألةُ مهمّةٌ جدّاً. الكثيرُ منّا لا يملكُ الحدّ الأدنى من الاطّلاعِ على كيفيّةِ دراسةِ كتبٍ مثل (جامعِ المقدّماتِ) الّذي أُزيل تقريباً من الحوزةِ الآن [كيف تتمّ؟] كنّا نودّ أن نعرفَ إلى أيّ مدى يجبُ أن نُرتّبَ الأثرَ على هذه الأمور؟

  • جواب: حسناً جدّاً، أقولُ لحضراتكم إنّني لا أمتلكُ اطّلاعاً على تفاصيلِ المراحلِ كالمرحلةِ الأولى والثّانيةِ وإلى أيّ حدٍّ تُدرّس. سأتحدّثُ إليكم بشكلٍ عامٍّ. سأطرحُ [المطلبَ] من جانبي وبناءً على اطّلاعي على الكتبِ الجديدةِ والقديمةِ، لأنّنا لم ندرس هذه الكتبَ الجديدةَ، ففي ذلك الزّمانِ درسنا نحن هذه الكتبَ القديمةَ، وحتّى الكتبُ الّتي كانت تُدرجُ هناك، كانت عبارةً عن نسخةٍ مُلخّصةٍ من (الرّسائلِ) في تلك الأيّامِ، ولا أدري إن كان (جواهرُ البلاغةِ) موجوداً أم لا؟ المُهمّ هو أنّه فيما يخصّ الكتبَ الّتي كانت تُدرّسُ سابقاً، سأُبيّنُ رأيي الشّخصيَّ حولها.

  • كتابُ (جامعِ المقدّماتِ) كتابٌ جيّدٌ حقّاً، وكلّ كُتبهِ مفيدةٌ، وأنا شخصيّاً درستُ كلّ (جامعِ المقدّماتِ) باستثناءِ (التّصريفِ)، أي حتّى كتاب (الأنموذجِ) الّذي لم يكن يدرسهُ الكثيرونَ في ذلك الوقتِ، قد درسناه نحن، وهو حقّاً كتابٌ مُهمٌّ ويُوضّحُ الكثيرَ من المطالبِ. لقد درستُ (شرحَ الجامي) في ذلك الوقتِ، وتباحثتُ في (شرحِ النّظّامِ).

  • لزومُ الاجتهادِ للطّلّابِ في جميعِ العلومِ الدّينيّةِ

  • في المُجملِ، أشرتُ في حديثي إلى هذه المسألةِ [وهي] أنّه يجبُ على طالبِ العلمِ أن يكونَ صاحبَ رأيٍ فيما يدرسُهُ، لا أن يتعاملَ معه كمجرّدِ نقلِ قولٍ؛ كأن يقولَ نعم، إنّ سيبويه يقولُ كذا في القضيّةِ الفلانيّةِ، أو أنّ رأيَ الكسائيّ في ألفِ النّداءِ هو كذا، أو ألف التّسويةِ وما شابه [بهذا الشّكلِ]. يجبُ أن يرى هل المسألةُ هكذا حقّاً أم لا؟ افترضوا الآن أنّني سأضربُ لكم مثالاً في هذه اللّحظةِ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

18
  • نموذجٌ من كيفيّةِ الاجتهادِ في الأدبِ العربيّ

  • على سبيلِ المثالِ، هذا المطلبُ الّذي يقولونه الآن: "يجبُ أن يكونَ المبتدأُ معرفةً، أو نكرةً مُخصّصةً لكي يكونَ مفيداً ويُسوّغَ الابتداءَ به". الجميعُ يقولُ هذا. ولذا، إذا قلتُم: "رجلٌ جاءني"، سيقولونَ إنّ هذا خطأٌ. ما معنى “رجلٌ جاءني”؟ جاءني رجلٌ، قدم إليّ رجلٌ. حسناً، هذا لا فائدةَ منه، لذا يجبُ أن يقولوا مثلاً: “رجلٌ يمتلكُ هذه الخصوصيّةَ” أو “رجلٌ بهذه الكيفيّةِ”، لكي يكونَ هناك مُسوّغٌ للابتداءِ؛ أنا لا أقبلُ هذا الكلامَ أبداً، مَن قال هذا؟ هل أُوحي إليكم لتقولوا إنّ النّكرةَ غير المُخصّصةِ لا تملكُ هذا المُسوّغَ للابتداءِ! في موضعٍ ما، قد تكونُ جملةُ “رجلٌ جاءني” كلاماً لغواً، وفي موضعٍ آخرَ لا تكونُ لغواً على الإطلاقِ. أُريدُ أن أقولَ: يا سادة، لقد جاء شخصٌ إلى هنا اليومَ، ولم أكن وحدي، فأين الخطأُ في هذا؟ أنا لا أُريدُ أن أُحدّدَ الشّخصَ أبداً، ولا أُريدُ أن يعرفَ أحدٌ مَن جاء. بل أقولُ: “رجلٌ جاءني”، أو “رجلان جاءاني”، أو مثلاً أقولُ: “رأيتُ رجلاً يمشي في الشّارعِ”، فمجرّدُ كونِهِ نكرةً ليس دليلاً على عدمِ وجودِ مُسوّغٍ للابتداءِ.

  • النّكرةُ إذا لم تكن مفيدةً، شأنُها شأنُ جميعِ الجملِ في اللّغاتِ الأخرى، كالإنجليزيّةِ والفارسيّةِ والتّركيّةِ والفرنسيّةِ، حيث يكونُ نطقُ هذه الجملةِ لغواً ولكنّهُ صحيحٌ من حيثُ التّركيبِ؛ أي إذا افترضنا أنّكَ قلتَ في اللّغةِ الإنجليزيّةِ: “جاء رجلٌ”، فلن يقولَ أحدٌ: كلامك خاطئٌ، بل سيقولونَ: لماذا تقولُ هذا إذن؟ ما هدفك من قولِهِ؟ ما النّفعُ الّذي تجنيهِ؟ لا يقولونَ إنّه خاطئٌ. [لكن] جاؤوا الآن في الأدبِ وطرحوا الأمرَ هكذا: إنّ هذا الكلامَ خاطئٌ أساساً، ولا مُسوّغَ له. أي أنّك لا تستطيعُ قولَهُ أبداً. ولماذا لا أستطيعُ؟ بل أستطيعُ. يجبُ النّظرُ إلى المُتكلّمِ نفسِهِ: ما الّذي يقصدهُ من عبارةِ “رجلٌ جاءني”؟ قد يقصدُ منها الفائدةَ رغم كونِها نكرةً. وفي بعضِ الأحيانِ، حتّى لو أتى بمعرفةٍ، فقد يكونُ كلامُهُ لغواً. افترض أنّكَ قلتَ: “جاءني زيدٌ”، حسناً، فليأتِ، فِداك عمّتي، ولماذا جاء؟ هل حقّقت هذه الجملةُ “جاءني زيدٌ” أيَّ فائدةٍ دونَ أن تذكرَ السّببَ؟! وما شأني أنا بزيدٍ لتقولَ “جاء زيدٌ”؟ جاء فليأتِ، لقد جاء إليكَ ولم يأتِ إليّ، فهناكَ أيضاً يكونُ الكلامُ لغواً. فمجرّدُ كونِ الكلمةِ معرفةً أو نكرةً ليس دليلاً على أنّه بمجرّدِ أن تُصبحَ معرفةً أو نكرةً مُخصّصةً [فإنّها تمتلكُ مُسوّغاً للابتداءِ].

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

19
  • انظروا، لقد ذكرتُ لكم الآن شيئاً بسيطاً، فهل سمعتم بهذا من قبلُ؟ لم تكونوا قد سمعتموه، ولكنّكم سمعتموه الآن. يجبُ دفعُ عجلةِ الأدبِ إلى الأمامِ بناءً على الفهمِ. أو لأضربَ لكم مثالاً أدبيّاً:

  • نموذجٌ من الاجتهادِ في البلاغةِ

  • يقولونَ إنّ هناك ثمانيةَ عشرَ مُسوّغاً للاستعارةِ، لقد قرأتم هذا أليس كذلك؟ أولئكَ الّذين قرأوا (المُطوّل)، كم عددُ [مُسوّغاتِ] الاستعاراتِ؟ البعضُ يقولُ أربعةٌ وعشرونَ، والبعضُ يقولُ ثمانيةَ عشرَ، وكلّ هذا لا طائلَ منه! المُسوّغُ والمُجوّزُ للاستعارةِ هو أن يكونَ للشّخصِ قصدٌ مفيدٌ فيها، وقد يصلُ قصدُهُ المفيدُ هذا إلى ألفِ قصدٍ، فلماذا نُقصرُها على ثمانيةَ عشرَ فقط؟! أي أنّه في أيّ موضعٍ تشعرُ فيه أنّ هذه الاستعارةَ صحيحةٌ من حيثُ الذّوقِ والفهمِ العُرفيِّ، يمكنك استخدامُها كأن تقولَ: “رأيتُ أسداً في البابِ”. أمّا إن لم يكن هذا المُسوّغُ والمُجوّزُ للاستعارةِ مُسوّغاً عُرفيّاً، فحتّى لو أردتَ استخدامَهُ، فإنّ العُرفَ لن يقبلَهُ ولن يسمحَ لك بمثلِ هذه الاستعارةِ.

  • ولذا، يجبُ عندما تدرسونَ الأدبَ أن تكونوا مجتهدينَ فيه. يجبُ أن تُبدوا آراءكم بأنفسكم. إن كان سيبويه قد قال شيئاً فقد قاله. فهو لم يعد موجوداً الآن، وعليكم أن تنظروا: هل المطلبُ الّذي نقلَهُ صحيحٌ أم خاطئٌ؟ قد يكونُ خاطئاً، وما المشكلةُ في أن يكونَ خاطئاً! الكسائيّ، والأخفشُ، والزّمخشريُّ وأمثالُهُم ـ مع أنّهم جميعاً من كبارِ أهلِ الأدبِ ـ قد تخطرُ ببالكُم نقطةٌ لم تخطر ببالِهِم في هذا الموضعِ. وبما أنّ غايةَ مسيركم العلميِّ وهدفَهُ النّهائيَّ يعودُ إلى الاجتهادِ في النّصوصِ الدّينيّةِ ـ سواءٌ القرآنُ أو الرّواياتُ والأحاديثُ ـ فيجبُ أن تصلوا من حيثُ القدرةُ والقوّةُ العلميّةُ وتحليلُ النّصوصِ إلى مستوىً يُمكّنكم من التّوصّلِ إلى هذا المطلبِ دونَ مساعدةٍ من أحدٍ. وهنا تكمنُ حاجتُكم لتقويةِ أساسِكم في الأدبِ. قوّوا أنفسكم جدّاً في النّحوِ والصّرفِ، وخاصّةً البلاغةِ. البلاغةُ مُهمّةٌ جدّاً. فهناك نكاتٌ دقيقةٌ وظريفةٌ جدّاً في البلاغةِ تتعلّقُ بالقرآنِ، بحيث يتعجّبُ الإنسانُ حقّاً: كيف استُخدمت هذه الاستعاراتُ والكناياتُ والمطالبُ بهذه الكيفيّةِ والدّقّةِ في القرآنِ الكريمِ؟ والاجتهادُ نفسُهُ هو الوصولُ إلى حقيقةِ الأمورِ التّكليفيّةِ ـ سواءٌ الاعتقاديّةُ منها أو التّكاليفُ والأحكامُ الجزئيّةُ ـ في كليهما معاً، ويجبُ الوصولُ إلى هذه المرحلةِ. بالطّبعِ، لقد بيّنتُ تفاصيلَ هذا المطلبِ في الهوامشِ الّتي كتبتها حولَ الاجتهادِ والتّقليدِ. سترونها هناك. وهناك تطرّقنا إلى مدى الخوضِ في الأدبِ أو التّفاسيرِ وما شابه ذلك. يجبُ أن تصلَ هذه القضيّةُ إلى تلك المرحلةِ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

20
  • دراسةُ بعضِ كتبِ الأدبِ العربيِّ

  • بالطّبعِ، أنا شخصيّاً لا أرى ضرورةً كبيرةً لدراسةِ (السّيوطيّ)، لأنّه أوّلاً كتابٌ مُغلقٌ، وثانياً يصعُبُ على الشّخصِ الّذي يُريدُ الانتقالَ من (جامعِ المقدّماتِ) وأمثالهِ إلى (السّيوطيّ) أن يتعاملَ معه، فبدلاً من التّركيزِ على المفاهيمِ والمعاني والقواعدِ، سيضطرُّ لتفكيكِ وحلِّ الجملِ نفسِها. أرى أنّ (ابنَ عقيلٍ) أفضلُ من (السّيوطيّ) لفهمِ المطلبِ، وهضمُهُ أسهلُ. وبالطّبعِ، فإنّ حفظَ الأشعارِ له مكانتُهُ الّتي أُقرُّ بها، ولكن من الأفضلِ أن يُقرأَ (ابنُ عقيلٍ) ويُباحثَ فيه. أمّا إذا توفّرت فرصةٌ لشخصٍ ما ليتباحثَ في (السّيوطيّ)، فهذا أمرٌ آخرُ.

  • على كلّ حالٍ، فيما يخصُّ المسائلَ الأدبيّةَ، فإنّ الكتبَ الّتي يجبُ قراءتُها حتماً هي: (شرحُ الجامي)، و(المغني) وخاصّةً البابان الأوّلُ والرّابعُ ـ ولا ينبغي الاكتفاءُ بـ (مغني اللّبيبِ) وهذه المختصراتِ الّتي ظهرت ـ و(شرحُ ابنِ عقيلٍ) حتماً، و(شرحُ النّظّامِ) الّذي يجبُ أن يُقرأَ في بدايةِ الفصولِ. هذه هي الكتبُ المتعلّقةُ بالنّحوِ وما شابهه ـ مع أنّ (شرحَ النّظّامِ) يتعلّقُ بالصّرفِ ـ أمّا كتابُ (المُطوّلِ) فيجبُ أن يُقرأَ من البسملةِ إلى الصّفحةِ الأخيرةِ، حتّى كلمة “تمّت”. كان المرحومُ السّيّدُ الوالدُ يقولُ: «مَن يدرسُ (المُختصرَ)، سيُصبحُ عالمَ مُختصراتٍ أيضاً، إنّ (المُطوّلَ) هو الّذي يبني الإنسانَ ويُحييه، ويجعلُهُ متمكّناً وخبيراً في فهمِ المطالبِ». فالّذي يدرسُ (المُطوّلَ) ستُصبحُ العباراتُ طيّعةً بين يديهِ كالشّمعِ [يُشكّلها كيف يشاءُ]. يُمكنُهُ التّلاعبُ بتلك العباراتِ للوصولِ إلى المطالبِ الواقعيّةِ. ولن تصلوا إلى هذه المطالبِ إلّا عندما تضعونَ روايةً عن الإمامِ الصّادقِ عليه السّلام أمامكم وتُريدونَ الاجتهادَ فيها، حينها ستفهمونَ ما أقولُه. هل التفتّم؟ وكما ذكرتُ، عندما كنتُ أدرسُ (الرّسائلَ) حول حُجّيّةِ خبرِ الواحدِ وما شابه، أين أفادتني تلك المطالبُ؟ لقد كان ذلك أحدَ المواردِ، فعندما [تقرأون] الرّوايةَ، ستُدركون هناك أنّ الشّخصَ الّذي يمتلكُ أساساً أدبيّاً قويّاً، يُمكنُهُ أن يستنبطَ من الرّوايةِ نفسِها فتوىً تختلفُ عن فتاوى الآخرينَ. أي أنّ الرّوايةَ نفسَها تكونُ بين يدي شخصينِ، فيستنبطُ منها هذا حكماً، ويستنبطُ الآخرُ حكماً مغايراً. ولذا، تُلاحظونَ هذا الاختلافَ في استنباطاتنا، وكيف تختلفُ طبيعةُ القضيّةِ تماماً. لقد كتبتُ (رسالةَ طهارةِ الإنسانِ) بهذا الأساسِ الأدبيِّ نفسِهِ، نعم، به. وإلّا، فمن النّاحيةِ التّاريخيّةِ لا علاقةَ لـ (رسالةِ طهارةِ الإنسانِ) بالتّاريخِ. غايةُ الأمرِ أنّنا جئنا بشواهدَ وقرائنَ أخرى وضممناها إليها لسبكِ المطلبِ وإضافةِ بعضِ الزّينةِ [عليه]، ولكنّ الأساسَ في التّوصّلِ إلى طهارةِ الإنسانِ كان المسألةَ الأدبيّةَ، من هنا انطلقنا. إنّها مسألةٌ في غايةِ الأهميّةِ، بدلاً من أن يتركَها الإنسانُ وينشغلَ بمطالبَ أخرى.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

21
  • المِلاكُ في اختيارِ الكُتبِ والدّروسِ

  • ضعوا هذا في اعتباركم: الكتبُ الّتي تُعلّمكم القاعدةَ فقط، دونَ أن تُبيّنَ لكم كيفيّةَ تطبيقها، ونقدَ هذه الكيفيّةِ، وحلَّ ذلك النّقدِ، هي كتبٌ تعتريها نقاطُ ضعفٍ. وفي هذه الحالةِ، يُعدُّ (المُغني) كتاباً مُهمّاً جدّاً، وكذلك (المُطوّلُ)، و(الجامي) من الكتبِ [المهمّةِ] جدّاً. انظروا، هذه الكتبُ تضعُ القواعدَ بين أيديكم، وتُوضّحُ لكم [أيضاً] كيفيّةَ تطبيقها، والإشكالاتِ الّتي قد تَرِدُ عليها، وكيف يُمكنُ حلُّها. هذا [ما يجعلُ الطّالبَ] ناضجاً ومُتمرّساً، ويمنحُهُ حالةً من الرّياضةِ الفكريّةِ في تطبيقِ هذه القواعدِ. والأمرُ نفسُهُ ينطبقُ على سائرِ المسائلِ والمطالبِ الأخرى. افترضوا مثلاً كتابَ (الرّسائلِ)، يُدرّسون الآنَ كتباً أخرى بدلاً منه. لقد قام بعضُ المتقدّمينَ ـ الّذين توفّاهم اللهُ ـ بتلخيصِ (الرّسائلِ)، وهو تلخيصٌ لا يُساوي شيئاً! لا يساوي فلساً واحداً! لماذا؟ لأنّهم اكتفوا بجمعِ قاعدتينِ معاً ثمّ قالوا: هذه هي النّتيجةُ، ولم يقوموا [ببيانِ المطلبِ] كما فعل الشّيخُ الأنصاريّ. إنّ [ذلك العملَ] يحتاجُ إلى عقليّةٍ كعقليةِ الشّيخِ الأنصاريّ ليأتي بقاعدةٍ ويُبيّنها، ثمّ يردّها، ثمّ يُثبتها، ويأتي بالدّليلِ، ثمّ [ينقضَ] الدّليلَ مرّةً أخرى، ويُقلّبَ الأمرَ يمنةً ويسرةً [حتّى يصلَ إلى النّتيجةِ]. وخاصّةً في كتابِ (المكاسبِ) حيث يبلغُ الذّروةَ! إنّ هذا التّقليبَ للمطالبِ هو الّذي يُقوّي قدرةَ الإنسانِ على اتّخاذِ القرارِ: ما الّذي آلت إليه النّتيجةُ في النّهايةِ؟ وما هو القرارُ؟ وماذا حدث أخيراً؟ لقد جئتَ وقلتَ، ثمّ رددتَ، ثمّ أثبتّ، ثمّ ماذا فعلتَ! إنّ هذه الرّياضةَ الفكريّةَ وهذا التّمرّسَ الّذي يُقدّمُهُ الشّيخُ في مطالبهِ، يجعلُ الطّالبَ خبيراً؛ بحيث إنّه متى ما قال أحدٌ شيئاً، لا يُسارعُ بالقولِ [دونَ دليلٍ]: “نعم، هذا صحيحٌ”. فمن جهةٍ يقولُ هذا صحيحٌ، ومن جهةٍ أخرى يقولُ شخصٌ آخرُ كلاماً فيقولُ: “هذا صحيحٌ”. لا! لا يقبلُ كلّ كلامٍ، بل يتركُ مجالاً للاحتمالِ. انظروا إلى أين يصلُ الأمرُ؟ يتركُ مجالاً للاحتمالِ لأنّه لعلّ هذا المطلبَ قد بُيّن بصورةٍ أخرى الآنَ. وبعد عشرينَ عاماً، تكتشفونَ فجأةً: عجباً! إنّ هذا الجهدَ الّذي تبذلونه الآن في هذه الدّروسِ، سيأتي لإنقاذكم في مواقفَ معيّنةٍ بعد عشرينَ عاماً.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

22
  • إذن، الكتبُ الّتي تقتصرُ على تزويدكم بالقواعدِ لا فائدةَ منها، وهذا يُصبحُ مِلاكاً. يجبُ دراسةُ الكتبِ الّتي، بالإضافةِ إلى عرضِ القواعدِ والقوانينِ والمباني والملاكاتِ، تُقدّمُ للطّالبِ والتّلميذِ كيفيّةَ تطبيقها واستخدامها، وهذا ينسحبُ أيضاً على الأصولِ.

  • أهميّةُ تجنّبِ الأمورِ الزّائدةِ

  • أمّا إذا أراد طالبُ العلمِ حقّاً أن يستفيدَ من فكرِهِ ـ وبالطّبعِ لا حاجةَ للقولِ ولا ينبغي لي طرحُ هذا الأمرِ هنا ـ فالانشغالُ، لا سمحَ اللهُ، بالأمورِ الزّائدةِ والمسائلِ الأخرى والحاسوبِ وما شابه، أنا لا أتحدّثُ عنها أصلاً، أي لا حاجةَ للحديثِ فيها، فهذه الأمورُ تُعتبرُ سُمّاً للطّالبِ، وكأنّه يتجرّعُ السّمَّ. ومثلما أتجرّعُ أنا السّمَّ هنا، فهذا [الأمرُ كذلك]، وسيُدركُ لاحقاً أيَّ وقتٍ ثمينٍ لا يُعوّضُ قد أضاع، وأيَّ عُمرٍ لا رجعةَ فيه قد أهدر، وأيَّ فرصةٍ لا تُعوّضُ [قد فوّت].

  • في وقتٍ من الأوقاتِ، كنتُ أنامُ ثلاثَ ساعاتٍ فقط في الأربعِ والعشرينَ ساعةً، أمّا الآنَ فلا أستطيعُ. فلو نمتُ أقلّ من ستِّ أو سبعِ ساعاتٍ لانهارت قوايَ وساءت حالتي، وأُصبتُ بصداعٍ وما إلى ذلك من المشاكلِ. كنتُ أنامُ في اليومِ واللّيلةِ ثلاثَ ساعاتٍ، بين الثّالثةِ والثّالثةِ والنّصفِ. ثمّ قال لي المرحومُ الوالدُ إنّ هذا غيرُ جائزٍ وأنّه غيرُ راضٍ عن ذلك، فتغيّر الأمرُ بخُلاصةِ القولِ.

  • حسناً، بما أنّ الأمرَ لم يعد كذلك الآن، وتلك الفرصةُ قد ولّت، وتلك الطّاقةُ لم تعد موجودةً؛ طوالَ فترةِ بقائنا في المدرسةِ ـ والّتي امتدّت لستِّ سنواتٍ ـ لم نشترِ صحيفةً سوى ليلتينِ فقط! ليلتينِ. ومتى كان ذلك؟ في ليلتي الخميسِ والجمعةِ. طوالَ السّنواتِ السّتِّ الّتي كنّا فيها في المدرسةِ تحت إشرافِ بعضِ كبارِ الحوزةِ الّذين كانوا يُراقبوننا. قرأنا الصّحيفةَ ليلتينِ، وصادف في إحدى اللّيلتينِ ـ كالأجلِ المُعلّقِ ـ أن مرّ أحدُ هؤلاءِ السّادةِ (حفظهُ اللهُ، وعلى كلّ حالٍ فلنُؤيّدْهُ، فما عسانا نفعلُ) ونظر ومضى، ورأى أنّنا قد اشترينا صحيفةً. وصادف أنّنا كنّا مع أحدِ الأصدقاءِ، فطرق البابَ وفتحَهُ وقال: “الحمدُ للهِ أنّكم فرغتم من دراستكم حتّى ذهبتم لشراءِ الصّحيفةِ!” فكانت هذه [تعريضاً] بنا؛ وكان الحقُّ معه، نعم كان محقّاً. لا ينبغي لطالبِ العلمِ أن يشتريَ الصّحفَ. ماذا جنينا نحن من تلك الصّحيفةِ الّتي اشتريناها في تلك اللّيلةِ؟! لم تكن سوى تُرّهاتٍ وهراءٍ. انظروا إلى الصّحفِ الآن، هل تجدونَ فيها شيئاً ذا قيمةٍ؟ إنّها لا تصلحُ إلّا لإشعالِ المدافئِ. هذا ذهب، وذاك جاء، هذا ضرب ذاك، وماذا فعل هذا، وذلك اللّاعبُ سجّل هدفاً… كلّه هراءٌ وتُرّهاتٌ. لا يوجدُ فيها مطلبٌ علميٌّ، ولا مطلبٌ أخلاقيٌّ، ولا مطلبٌ [مفيدٌ]! اذهبوا وانظروا ما الّذي يجري. هذا شتم ذاك، وهذا فعل كذا في المجلسِ، وهذا ردّ عليه! دعك من هذا يا أخي، فهذه أمورٌ لا تُساوي فلساً. إنّها أحاديثُ لا تنفعُ الإنسانَ لا في دنياهُ ولا في آخرتِهِ. فلماذا أُورطُ نفسي إذن؟ ولماذا أُضيّعُ وقتي؟ بدلاً من السّاعةِ الّتي أقضيها في قراءةِ الصّحيفةِ، أقرأُ صفحةً من درسي، أو صفحةً من كتابٍ، أو أقرأُ مطلباً لأحدِ العظماءِ، أو أقرأُ حكايةً عن شخصيّةٍ ما. فأحياناً، قراءةُ قصّةِ حياةِ شخصٍ تُغيّرُ مجرى حياةِ الإنسانِ بأكملهِ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

23
  • لزومُ مطالعةِ سائرِ العلومِ إلى جانبِ الدّروسِ الحوزويّةِ

  • فيما يتعلّقُ بـ [تجنّبِ الأمورِ الزّائدةِ] لا ينبغي لنا الحديثُ أصلاً. ولكن إلى جانبِ ذلك، انظروا، نحن ليس لدينا درسٌ أو درسانِ فقط، بل حاجتُنا ماسّةٌ، ولدينا الكثيرُ من المطالبِ الّتي يجبُ أن نصلَ إليها: لدينا مسائلُ تاريخيّةٌ، ومسائلُ أخلاقيّةٌ، ومسائلُ تتعلّقُ بسِيَرِ العظماءِ، هل انتبهتم؟ لدينا مطالبُ ليست منهجيّةً (درسيّةً)، ولدينا تفسيرٌ. يجبُ على طالبِ العلمِ أن يُدرجَ هذه الأمورَ ضمنَ دراستهِ وِفقاً للجدولِ المرسومِ له في ثنايا دروسهِ. لا أن يدرسَ عشرَ سنواتٍ، ثمّ يبدأَ بدراسةِ التّفسيرِ! أنا لا أؤيّدُ هذا الرّأيَ أبداً. يجبُ على طالبِ العلمِ أن يقرأَ الرّواياتِ تزامناً مع [دراستِهِ]. ما المانعُ من حفظِ بعضِ الرّواياتِ الأخلاقيّةِ الواردةِ عن الأئمّةِ عليهم السّلام؟ ما المانعُ من حفظِ آيةٍ قرآنيّةٍ كلّ ليلةٍ؟ أخبرني أحدهم أنّه كان يُشاركُ الغرفةَ مع شخصٍ في مدرسةِ الحُجّتيّةِ ـ والجميعُ يعرفُهُ، كان سيّداً مع شيخٍ، والجميعُ يعرفُ ذلك السّيّدَ وهو من أقاربنا أيضاً ـ قال: كنّا معاً في مدرسةِ الحُجّتيّةِ، واتّفقنا على حفظِ آيةٍ واحدةٍ كلّ ليلةٍ، آيةٍ واحدةٍ يوميّاً، ثمّ نُسمّعها لبعضنا ليلاً. قال: لقد حفظتُ سورةَ البقرةِ ووصلتُ إلى منتصفِ سورةِ آل عمرانَ، بينما حفظ ذلك السّيّدُ أربعةَ عشرَ جزءاً من القرآنِ الكريمِ! بالطّبعِ كانت ذاكرتُهُ أقوى. آيةٌ واحدةٌ فقط! انظروا، آيةٌ واحدةٌ في اللّيلةِ! قال: لقد حفظ أربعةَ عشرَ جزءاً وتقدّم عليّ. كم هذا جميلٌ! أو [مثلاً] أن يطالعَ الإنسانُ (كشكولَ) المرحومِ العلامةِ، ويُدوّنَ المطالبَ الّتي تلفتُ انتباهَهُ وتُعجبُهُ ويحفظَها. فالعلمُ يُجمعُ قطرةً قطرةً، وليس الأمرُ أن تستيقظَ صباحاً وتُصبحَ العلّامةَ الحلّيَّ! ليس الأمرُ كذلك، بل شيئاً فشيئاً وبالتّدريجِ. قد ترى بيتي شعرٍ مكتوبينِ في مكانٍ ما، فتقولُ: ما أجملَ هذا الشّعرَ!

  • سَمِعتُ أَنَّهُ فِي صَحْرَاءِ الغُورِ***سَقَطَ قَائِدُ القَافِلَةِ عَنْ دَابَّتِهِ
  • فَقَالَ: إِنَّ عَيْنَ الدُّنْيَوِيِّ الضَّيِّقَةَ***لَا يَمْلَؤُهَا إِلَّا القَنَاعَةُ أَوْ تُرَابُ القَبْرِ
  • هذا شعرٌ جميلٌ، فليجلس ويحفظهُ. أشعارُ سعديٍّ، وحافظٍ، ونظاميٍّ، وسنائيٍّ، وأشعارُ العظماءِ [مثل] ابنِ عربيٍّ، وابنِ الفارضِ، وغيرِهِم، متى ما [رأينا] شعراً لا نقُلْ “سأتركهُ لوقتٍ لاحقٍ”، لا! اكتبوهُ واحفظوهُ في حينهِ، فعندما تحفظونه يرسخُ في الأذهانِ. وشيئاً فشيئاً، تتفاجأونَ بعد عامٍ: عجباً! أيّ كَمٍّ هائلٍ من المعلوماتِ قد جمعتم لأنفسكم! ولولا ذلك لمرّت حياتُكم وأعماركم في أمورٍ أخرى وفي التّفاهاتِ. وستشعرونَ بسعادةٍ غامرةٍ! عجباً! نحن نمتلكُ الآن كلّ هذه المطالبِ والمعلوماتِ وهذا الكَمَّ من العلومِ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

24
  • وبناءً عليه، التفتوا إلى ضرورةِ الاهتمامِ بمسائلِ التّاريخِ ـ وبالطّبعِ فهذه تُصنّفُ إلى أقسامٍ: أيّ كتبِ التّاريخِ تقرأونَ؟ وأيّها تتركونَ؟ وأيّها مفيدٌ؟ وأيّها غيرُ مفيدٍ؟ ـ وكذلك التّفسيرُ، والحديثُ، والأخلاقُ، وسِيَرُ العظماءِ. إنّ الكثيرَ من المطالبِ الّتي يستفيدُ منها الإنسانُ هي كلماتُ العظماءِ الّتي دُوّنت في تراجمِ أحوالِهِم، مثل كتابِ (نفحاتِ الأُنسِ)، و(تذكرةِ الأولياءِ) وأمثالِها، سواءٌ العربيّةُ منها أو غيرُ العربيّةِ. هذه من الأمورِ [الضّروريّةِ] للإنسانِ. [وكذلك دراسةُ] (نهجِ البلاغةِ)، و(الصّحيفةِ السّجّاديّةِ)، والأدعيةِ [ضروريّةٌ للإنسانِ أيضاً]. فكم تزخرُ هذه الأدعيةُ بالمطالبِ الّتي يجبُ علينا تعلّمها وحفظها جميعاً. هل تظنّونَ أنّ الأمرَ يقتصرُ على تلك الرّواياتِ المعدودةِ في (جامعِ الأخبارِ) ولكتبِ الشّيخِ الحُرِّ العامليِّ؟ إنّ المطالبَ الموجودةَ في أدعيةِ الأئمّةِ عليهم السّلام هي الّتي تنفعُنا. الجُملُ الّتي ترونَها جميلةً في (المناجاةِ الشّعبانيّةِ) وفي دعاءِ الإمامِ الحسينِ عليه السّلام يومَ عرفةَ، دوّنوها واحفظوها؛ [تلك الجملُ الّتي] ترونَ أنّها تصلحُ كعناوينَ رئيسيّةٍ [احفظوها].

  • “إلَهي إنَّ اختِلافَ تَدبیرِکَ و سُرعَةَ طَواءِ مَقادیرِکَ مَنَعا عِبادَکَ العارِفینَ بِکَ عن السُّکونِ إلَى عَطاءٍ و الیَأسِ مِنکَ فی بَلاءٍ”، ما هذه العبارةُ؟ إنّها تتغلغلُ في العقلِ وتترسّخُ فيه، فتبدأُ بتأمّلها وتكرارِها، وكم ترتقي بمعرفةِ الإنسانِ!

  • يجبُ على طالبِ العلمِ أن يهتمّ بهذه المطالبِ إلى جانبِ دراستِهِ، غاية الأمرِ أنّ لها درجاتٍ، ومن أين يبدأ [هذا أمرٌ مُهمٌّ] ويحتاجُ إلى وقتٍ آخرَ لتوضيحهِ، ويختلفُ من شخصٍ لآخرَ.

  • مطالبُ حولَ كيفيّةِ الدّراسةِ في الحوزةِ العلميّةِ

  • سؤال: في النّظامِ الحاليِّ للحوزةِ حيث تُتركُ بعضُ الدّروسِ، ماذا نفعلُ؟

  • جواب: لقد تكلّمنا عن هذا سلفاً.

  • سؤال: أنا الآنَ في المرحلةِ الثّانيةِ ولم أدرسِ الدّروسَ بشكلٍ جيّدٍ، فماذا أفعلُ؟

  • جواب: لا تعُدْ من المرحلةِ الثّانيةِ إلى الأولى، بل تباحثْ في دروسِ المرحلةِ الأولى، لأنّك إن عُدتَ ستُضيّعُ وقتك. تباحثْ في تلك الدّروسِ أو راجعها من خلالِ التّسجيلاتِ الصّوتيّةِ المتوفّرةِ بالتّزامنِ مع دروسِ المرحلةِ الثّانيةِ لتسترجعَها [في ذهنك]. وبما أنّك درستها مرّةً، ستصلُ إلى النّتيجةِ سريعاً.

  • سؤال: الطّلّابُ الّذين هم في المرحلةِ الثّالثةِ والرّابعةِ أو أعلى، وقد اجتازوا دروسَ المراحلِ السّابقةِ دونَ تحقيقٍ وتمحيصٍ، ماذا يفعلونَ؟

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

25
  • جواب: لقد أجبتُ عن هذا.

  • [تكملة السّؤال:] خاصّةً أولئك الّذين أُصيبوا باليأسِ و[الإحباطِ] بسببِ ذلك.

  • جواب: لا! لا داعي لليأسِ والإحباطِ. فظروفُ الإنسانِ تختلفُ، ويُمكنُهُ التّكرارُ ولا إشكالَ في ذلك. هناك أشخاصٌ وصلوا إلى مراحلَ عُليا ويُدرّسون مراحلَ أدنى؛ وبمجرّدِ التّدريسِ لمرّةٍ واحدةٍ، تعودُ إليهم جميعُ المطالبِ، خاصّةً [إذا] جرت المباحثةُ. لم أقرأْ كتاباً قطُّ إلّا وتباحثتُ فيه في العامِ التّالي. جميعُ الكتبِ، كـ (القوانينِ) و(المُطوّلِ) تباحثتُ فيها مرّتين. نفسُ هذه المباحثةِ، برزت فيها مطالبُ جديدةٌ في ذهني؛ فضلاً عن التّدريسِ، فالمباحثةُ نفسُها [لها أهميّةٌ كبيرةٌ]، وكأنّها تخلقُ نوعاً من الاتّصالِ بالمسائلِ والعوالمِ [بحيث] تتدفّقُ على الإنسانِ مطالبُ جديدةٌ.

  • ولذا، لا مجالَ لليأسِ. اليأسُ ممّاذا؟! [إذا] لم يهضمِ الإنسانُ مطلباً جيّداً، فهناك ألفُ طريقٍ لاستيعابهِ: أن يسألَ، أو يتباحثَ مع طالبٍ أقوى منه قليلاً، فيستفيدَ منه في المباحثةِ؛ وفجأةً يرى أنّه قد تعلّمَ مطالبَ الكتابِ، وما تعلّمَهُ سيُصبحُ سُلّماً لاكتسابِ القدرةِ على فهمِ مطالبَ أخرى.

  • لقد درسنا (المُغني)، وعندما كنتُ أدرسُ (الرّسائلَ)، تباحثتُ في البابينِ الأوّلِ والرّابعِ من (المُغني). [حينها] فهمنا حقّاً أنّنا لم نكن قد فهمنا (المُغني) إطلاقاً عندما درسناه في طهران! لم نكن قد فهمناهُ بتاتاً في ذلك الوقتِ. والمُهمُّ أنّنا نفهمُهُ الآن. أي أنّنا فهمنا (المُغني) حقّاً في البحثِ والمباحثةِ. هل تلتفتونَ؟ فلماذا ييأسُ الإنسانُ [تجاه تحصيلِ العلومِ]؟ لا مكانَ لليأسِ، فهذه العلومُ ليست خارجةً عن قدرةِ الإنسانِ واستطاعتِهِ، كلاّ! بقليلٍ من الجهدِ، يُمكنُ للإنسانِ أن يُلمّ بالمطالبِ، واليأسُ بحدّ ذاتِهِ هو أسوأُ شيءٍ.

  • سؤال: هل يجبُ على طُلّابِ المُقدّماتِ أن يدرسوا بنفسِ منهجيّةِ طُلّابِ زمانِ المرحومِ العلامةِ، أم أنّ تلك المنهجيّةَ خاصّةٌ بذلك الزّمانِ؟

  • جواب: أتعجّبُ ممّن كتب لي هذا السّؤالَ، كيف يكونُ خطّهُ بهذا الشّكلِ؟! يجبُ على الطُّلّابِ تحسينُ خطوطهم والتّدربُ على الخطِّ. من الأمورِ الّتي كنّا نقومُ بها هي التّدربُ على الخطِّ، فما المانعُ أن يتدرّبَ طالبُ العلمِ على الخطِّ [سواءٌ] الخطُّ العريضُ [أو] النّاعمُ؟ لا أدري إن كانت هناك دوراتٌ لتعليمِ الخطِّ هنا أم لا؟! فالخطُّ الجميلُ له تأثيرٌ كبيرٌ جدّاً في روحيّةِ الإنسانِ وحالتِهِ، والمرحومُ العلامةُ كان يُوصي بالخطِّ أيضاً. حتّى إنّنا كنّا نحضرُ دوراتِ تعليمِ الخطِّ في فترةٍ ما، دوراتِ المرحومِ ميرخاني. كانا أخوينِ: السّيّدَ حسن ميرخاني والسّيّدَ حسين الّذي كان الأكبرَ ـ رحمهما اللهُ تعالى ـ وكان خطّاهما مُتشابهينِ، لكنّ السّيّدَ حسين كان أستاذاً مُربّياً، أي أنّه كان يصقلُ مهاراتِ تلاميذِهِ. نحن لم نُصبح أساتذةً، لكنّ خطّنا تحسّن قليلاً. كنّا نحضرُ دوراتِهِ في طهرانَ، وكان يُكنّ لنا محبّةً كبيرةً، وكان مَرِحاً وودوداً جدّاً، وكنّا نعودُ إلى المنزلِ لنتدرّبَ ونكتبَ. هذه المسألةُ جيّدةٌ جدّاً. وإن وُجد من بين الأصدقاءِ من يمتلكُ خطّاً جميلاً ليُقيمَ دوراتٍ للآخرينَ، حتّى لو في المنزلِ، فهذا أفضلُ ويُوفّرُ الوقتَ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

26
  • سؤال: هل يجبُ على طُلّابِ المُقدّماتِ أن يدرسوا بنفسِ منهجيّةِ طُلّابِ زمانِ المرحومِ العلامةِ، أم أنّ تلك المنهجيّةَ خاصّةٌ بذلك الزّمانِ؟

  • جواب: لا فرقَ، فالدّرسُ هو الدّرسُ.

  • سؤال: أيُّ الدّروسِ ـ أنا لا أستطيعُ قراءةَ ما كُتب هنا، فليأتِ مَن كتبهُ ليقرأهُ بنفسهِ ـ أيُّ الدّروسِ تُوصونَ بها لطُلّابِ المرحلةِ الأولى؟

  • جواب: لقد تكلّمنا عن الدّروسِ الّتي يجبُ [دراستُها] بالكيفيّةِ الّتي هي عليها، وهذه الكُتبُ الجديدةُ يجبُ تركُها بطبيعةِ الحالِ.

  • أفضلُ وقتٍ لزواجِ طالبِ العلمِ

  • يا سلام! هذا السّؤالُ الثّالثُ جيّدٌ جدّاً.

  • سؤال: ما هو السّنُّ الّذي تُوصونَ به لزواجِ طُلّابِ العلمِ؟

  • جواب: هذا يعتمدُ على ظروفِ الشّخصِ وخصوصيّاتِهِ، ولكن لا تتعجّلوا كثيراً! الكثيرونَ تعجّلوا وندموا، وإن شاء اللهُ كلّما تأخّرتم في الوقوعِ في هذا المأزقِ كان ذلك في صالحكم. فكلّما تمكّن طالبُ العلمِ من إنجازِ دروسِهِ كان ذلك أنفعَ له. لأنّه في النّهايةِ، كلّما ابتعد الإنسانُ عن بعضِ المسائلِ والمطالبِ، [كان لديه وقتٌ أطولُ للدّراسةِ]. لا شكّ أنّ للزّواجِ إيجابيّاتِهِ، لكنّ الانشغالَ الفكريَّ الّذي يجلبهُ لطالبِ العلمِ يُعدُّ بحدّ ذاتِهِ مانعاً لكثيرٍ من الأمورِ. إذا تمكّن طالبُ العلمِ من إكمالِ معظمِ دروسهِ ـ وبالطّبعِ نحن نقولُ هذا، والأمرُ يعودُ لظروفِ [كلِّ شخصٍ] ـ وإذا استطاع على الأقلِّ دراسةَ (الرّسائلِ) وتأجيلَ الزّواجِ إلى ما بعد (المكاسبِ) فما فوق، فهذا يبدو أفضلَ. لأنّه بإنهاءِ (الرّسائلِ) وما شابهها، يكونُ قد حزم أمتعتَهُ؛ أي أنّه يكونُ قد اجتاز الجزءَ الأكبرَ والضّروريَّ من الأدبِ والأصولِ والفقهِ وما إلى ذلك، وتبقى (الكفايةُ) و(المكاسبُ) وتلك الأمورُ. وأُكرّرُ أنّ هذا ليس قاعدةً عامّةً. فقد تتهيّأُ الظّروفُ لشخصٍ ما ليتمكّنَ من الزّواجِ ويرتاحَ من بعضِ المسائلِ. باختصارٍ، الخصوصيّاتُ والظّروفُ والمقتضياتُ [مهمّةٌ]، ولكن عادةً ما يُوصونَ بتأجيلِ الزّواجِ إلى ما بعد (الرّسائلِ).

  • طريقةٌ لتجنّبِ تشتّتِ الانتباهِ أثناءَ المطالعةِ

  • سؤال: ما هو الحلُّ لتجنّبِ تشتّتِ الانتباهِ وتحقيقِ الفهمِ الصّحيحِ؟

  • جواب: هذه أيضاً مسألةٌ في غايةِ الأهميّةِ، فقد يمرُّ الإنسانُ أحياناً بظروفٍ لا يفهمُ فيها الدّرسَ إطلاقاً ولا يكونُ في جوِّ الدّراسةِ؛ فينتهي الدّرسُ ويُدركُ أنّه [لم يفهم شيئاً]. المُهمّ هنا هو ألا يكونَ لديه انشغالٌ ذهنيٌّ، هذا أوّلاً. ثانياً، ألا يحضرَ الدّرسَ وهو يشعرُ بالنّعاسِ والتّعبِ. يجبُ أن يُخصّصَ وقتاً لدروسِهِ يكونُ فيه بكاملِ نشاطهِ، وإذا شعر بالنّعاسِ، فليغسلْ وجهَهُ بالماءِ ليستعيدَ نشاطَهُ فوراً. لأنّه قد يفترضُ مثلاً أنّ الأستاذَ قد ذكر مطلباً في خمسِ ثوانٍ ولم يفهمهُ، فحينها ستبقى بقيّةُ المطالبِ مُبهمةً كذلك. لذا، من الضّروريِّ ألا يكونَ مُتعباً، وأن يغسلَ وجهَهُ بالماءِ، وألا يكونَ لديه انشغالٌ فكريٌّ، والأمرُ الآخرُ هو الابتعادُ عن قضايا ومسائلِ السّاعةِ وما شابه. فهذا له دورٌ كبيرٌ؛ إمّا أن يكونَ الذّهنُ مُستعدّاً للمسائلِ العلميّةِ فقط، أو أن يكونَ مُمتلئاً بالأخبارِ والأحاديثِ والقضايا والحوادثِ بحيث لا يعودُ هناك مجالٌ لاستيعابِ هذه المطالبِ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

27
  • إنّ القضايا الجزئيّةَ والمطالبَ الكلّيّةَ تقفانِ على طَرَفَيْ نقيضٍ. فطالبُ العلمِ الّذي يُريدُ التّركيزَ على المسائلِ الكلّيّةِ لا ينبغي له أن يهتمّ بالقضايا الجزئيّةِ. وبقدرِ ما ينشغلُ طالبُ العلمِ بالمطالبِ الجزئيّةِ كالأخبارِ والأفلامِ والتّلفازِ ومختلفِ القضايا، فإنّه يفقدُ من قدرتِهِ على استيعابِ المسائلِ الكلّيّةِ. ليقبلْ مَن يشاءُ، ويرفضْ مَن يشاءُ. بقدرِ ما يلتفتُ طالبُ العلمِ إلى المسائلِ الجزئيّةِ كالأخبارِ والإذاعةِ والتّلفازِ وما شابه ذلك، فإنّه [يفقدُ] القدرةَ على إدراكِ [الكلّيّاتِ]. لا يُمكِنُ حملُ بطّيختينِ بيدٍ واحدةٍ، فاللهُ لم يمنحنا هذه القدرةَ، ويُمكِنُ لكلّ شخصٍ حملُ بطّيخةٍ واحدةٍ فقط. لا يُمكِنُ لفكرِ الإنسانِ وقلبِهِ أن يجمعَ بين الأمرينِ، إلّا لِفئةٍ خاصّةٍ ممّن تجاوزوا مقامَ الجزئيّةِ ووصلوا إلى الكلّيّةِ. نحن لسنا كذلك، بل يجبُ علينا التّركيزُ على مطالبِ العظماءِ تلك.

  • طريقةٌ لتجنّبِ الفتورِ والكسلِ في المطالعةِ

  • سؤال: إن أمكن، هلا تفضّلتم ببيانِ طُرقٍ لمعالجةِ ضَعفِ الهِمّةِ. أشعرُ بعدمِ الرّغبةِ إطلاقاً في قراءةِ الكتبِ الدّراسيّةِ ولا طاقةَ لي على القراءةِ، إن أمكن [اذكروا] طرقاً للقراءةِ.

  • جواب: فيما يخصّ ضعفَ الهمّةِ وما شابه؛ فهذا يحدثُ لأنّ الإنسانَ عندما ينشغلُ بمطالبَ أخرى، ولا تتغلغلُ حلاوةُ هذه الدّروسِ في أعماقِهِ، فإنّه يفترُ تدريجيّاً، وهذا هو السّببُ الرّئيسيُّ. أمّا طالبُ العلمِ الّذي استقرّت حلاوةُ الدّرسِ ولذّتُهُ في كيانِهِ، فإنّه لا يفترُ أبداً، ولا يشعرُ بالكسلِ في مواصلةِ الدّراسةِ. ولتحقيقِ ذلك، وكما ذكرتُ، يجبُ تفكيكُ الدّرسِ وتحليلُهُ بالكاملِ، ويجبُ على الشّخصِ أن يُطالعَ درسَ الغدِ مُسبقاً، وأن يحضرَ مُستعدّاً. في أيّامِ دراستي، لم أكن أكتفي بالمطالعةِ المُسبقةِ لدرسِ الغدِ، بل كنتُ أُراجعُ الحواشيَ أيضاً. فكان الأستاذُ يسألني في اليومِ التّالي متعجّباً: مَن أنت!؟ درسٌ لم تأخذهُ بعد، وذهبتَ وقرأتَ حاشيتَهُ!

  • كان لدينا وقتٌ، وقتٌ طويلٌ، وحسناً، لم نكن لندع وقتنا يضيعُ سُدىً. في ذلك الزّمانِ لم يكن هناك تلفازٌ ولا حاسوبٌ ولا أفلامٌ وما شابه. ـ كما ذكرتُ لكم، خلال ستّ سنواتٍ اشترينا الصّحيفةَ ليلتينِ، وفي إحداهما كُشف أمرُنا أمام ناظرِ المدرسةِ ـ فماذا كنّا نفعلُ في الغرفةِ؟ كنّا نقرأُ، نقرأُ الكتبَ. لقد كُتبت هذه الكتبُ من أجلنا، ولذا كنتُ دائماً في حالةٍ من البهجةِ.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

28
  • كنتُ أتحدّثُ ليلةَ البارحةِ لشخصينِ أو ثلاثةٍ قائلاً: عندما كنتُ أفتحُ الكتابَ، كنتُ أذوبُ عشقاً فيه، وكأنّني أُريدُ أن ألتهمه التهاماً! أي عندما أفتحُ الكتابَ للدّرسِ، كأنّني أُريدُ أن آكلَ صفحاتهِ، إلى هذا الحدّ كنتُ متعلّقاً بالكتابِ، فلم أكن أُريدُ أن تنتهيَ تلك الصّفحةُ من الدّرسِ، بل كنتُ أتمنّى أن تستمرّ ساعتينِ أو ثلاثاً، ولا أُريدُ أن أُغلقَ الكتابَ بسرعةٍ، هل تلتفتونَ؟ حسناً، عندما يكونُ لدى طالبِ العلمِ وقتٌ، ففيمَ يقضيهِ؟ أنتم مثلي، وأنا مثلكم، ما الفرقُ؟ يجبُ أن يستفيدَ منه، وإن لم يستفدْ منه، فسيقضيهِ في أمورٍ أخرى.

  • حسناً، إذا قام [طالبُ العلمِ] بهذا العملِ، سيتولّدُ لديه الشّوقُ، هذا أوّلاً. ثانياً، لطريقةِ تدريسِ المُدرّسِ دورٌ كبيرٌ: كيف يُدرّسُ لكي يبثّ روحَ الحماسِ والانشراحِ في المُتلقّي؟ لا أن يقولَ بجفافٍ: “الأمرُ كذا، وهذا ما قالهُ سيبويه، وانتهى الأمرُ”. هذا لا ينفعُ. [الصّحيحُ أن يقولَ:] “لقد قال هذا الكلامَ، ولكن يَرِدُ عليه هذا الإشكالُ، قُل لي أين الإشكالُ في كلامهِ؟”. انظروا، أن يبدأَ بتحريكِ ذهنِ المُتلقّي وإشراكهِ في النّقاشِ، هل تنتبهونَ؟ طريقةُ التّدريسِ نفسُها مهمّةٌ: كيف يُدرّسُ؟ وكيف يبعثُ الشّوقَ في الحاضرينَ ويُشركهُم في العملِ؟ افترضوا مثلاً طريقةَ التّدريسِ في الجامعةِ، حيث يطرحُ الأستاذُ موضوعاً، ويطلبُ من الطُّلّابِ البحثَ عن مصادرهِ والعودةَ بها. ففي اليومِ التّالي يأتي أحدهم ويقولُ: “هذا مذكورٌ هنا”، وآخرُ يقولُ: “مكتوبٌ هناك، في الكتابِ الفلانيِّ”، حينها يتبيّنُ مَن الّذي اجتهد وبحث أكثرَ؟ ومَن الّذي قضى ليلتَهُ في المتنزّهاتِ ودُورِ السّينما؟ ومَن الّذي ذهب إلى المكتبةِ وبدأَ بالدّراسةِ والبحثِ؟ تتّضحُ حينها كيفيّةُ البحثِ والتّحقيقِ. فطريقةُ المُدرّسِ تلعبُ دوراً في هذه القضيّةِ.

  • سؤال: برأيكم، في أيِّ سنةٍ دراسيّةٍ أو بعد دراسةِ أيِّ كتابٍ، يجبُ الدّخولُ في المطالبِ العقليّةِ والمنطقِ وما شابه؟

  • جواب: لا بأس بالدّخولِ في المنطقِ بعد الانتهاءِ من الأدبِ؛ أي بعد دراسةِ (المُطوّلِ) يدخلُ الإنسانُ في المنطقِ، ثمّ ينتقلُ إلى (البدايةِ) والفلسفةِ وأمثالِها.

  • سؤال: ماذا عن المجلاّتِ والمقالاتِ العلميّةِ؟ هل تُعتبرُ من الجزئيّاتِ؟

  • جواب: لا! إنّها تُعدّ من المطالبِ العلميّةِ ولا إشكالَ فيها.

قيمة العلم ومقامه في كلام أهل البيت ولزوم الإتقان في التحصيل - المنهجيّة الصحيحة للتعمّق العلميّ وتجاوز عقبات الفهم

29
  • سؤال: بعضُ الأساتذةِ يتّخذونَ من الدّمجِ بين العلومِ والمسائلِ الفلسفيّةِ والعرفانيّةِ منهجاً لهم في التّدريسِ؛ هل ترونَ هذه الطّريقةَ جائزةً للطُّلّابِ؟

  • جواب: يجبُ على الأستاذِ أن يُراعيَ مستوى إدراكِ الطّالبِ ويأخذهُ بالحُسبانِ.

  •  

  • اللّهمّ صلّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ