المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم التاريخ و الاجتماع
المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان
العدد التسلسلي2
التوضيح
كيف عالج الله تعالى مشكلة النزاع في المجتمع الإنسانيّ؟ وما الفارق بين التشريعات الإلهيّة والوضعيّة في ذلك؟ وهل صحيح أنّ الدين قائم على الجهل والتقليد ومحاربة العلم؟ وما الفرق بين النزاع الاجتماعيّ والنزاع الدينيّ؟ وهل للإنسان حياة اجتماعيّة بعد الدنيا؟
يعالج العلاّمة الطباطبائي ذلك في هذا البحث ضمن تفسيره لآية كان الناس أمّة واحدة، مؤصّلاً للنظريّة الاجتماعيّة في القرآن ودور النبوّة فيها.
هو العليم
النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
الفوارق بين التشريع الدينيّ والوضعي
سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث الثاني
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: تفسير الميزان ج٢
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطاهرين
مقدّمة في الربط بين البحث السابق والحالي
[تقدّم في القسم الأوّل من هذه السلسلة أنّ للإنسان نوعان من المدركات والعلوم: حقيقيّ نظريّ، واعتباريّ عمليّ، وأنّ من المدركات العمليّة وجوب الاستخدام واستفادة الإنسان ممّا حوله، وأنّ الاستخدام لم يقتصر على مظاهر الطبيعة بل يمتدّ إلى استخدام الناس لبعضهم، ولكنّ جميع الناس يريدون هذا فيضطّرون إلى الاجتماع العادل لتحقيق التوازن في الاستفادة من بعضهم، الأمر الذي لا يخلو من خروقات حين تسنح الفرصة من قبل القويّ لأكل حقّ الضعيف، وفي هذا السياق يتابع العلّامة البحث في بيان آليّة الحلّ الإلهيّة لهذا الاختلاف والنزاع]
أسباب حدوث النزاع في المجتمع الإنسانيّ
و من هنا يعلم أن قريحة الاستخدام في الإنسان بانضمامها إلى الاختلاف الضروريّ بين الأفراد من حيث الخلقة و منطقة الحياة و العادات و الأخلاق المستندة إلى ذلك، و إنتاج ذلك للاختلاف الضروريّ من حيث القوة و الضعف يؤدّي إلى الاختلاف و الانحراف عن ما يقتضيه الاجتماع الصالح من العدل الاجتماعي، فيستفيد القويّ من الضعيف أكثر مما يفيده، و ينتفع الغالب من المغلوب من غير أن ينفعه و يقابله الضعيف المغلوب ما دام ضعيفًا مغلوبًا بالحيلة و المكيدة والخدعة، فإذا قوي وغلب قابل ظالمه بأشد الانتقام، فكان بروز الاختلاف مؤدّيًا إلى الهرج والمرج، و داعيا إلى هلاك الإنسانيّة، وفناء الفطرة، و بطلان السعادة.
وإلى ذلك يشير تعالى بقوله: ﴿وَ ما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾۱، و قوله تعالى: ﴿وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾٢، و قوله تعالى في الآية المبحوث عنها: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (الآية).
و هذا الاختلاف كما عرفت ضروريّ الوقوع بين أفراد المجتمِعين من الإنسان لاختلاف الخلقة باختلاف الموادّ، و إن كان الجميع إنسانًا بحسب الصورة الإنسانيّة الواحدة، و الوحدة في الصورة تقتضي الوحدة من حيث الأفكار و الأفعال بوجه، و اختلاف الموادّ يؤدي إلى اختلاف الإحساسات والإدراكات و الأحوال في عين أنّها متّحدة بنحو، و اختلافها يؤدّي إلى اختلاف الأغراض و المقاصد و الآمال، و اختلافها يؤدّي إلى اختلاف الأفعال، و هو المؤدّي إلى اختلال نظام الاجتماع.
و ظهور هذا الاختلاف هو الذي استدعى التشريع۱، و هو جعل قوانين كليّة يوجب العمل بها ارتفاع الاختلاف و نيل كلّ ذي حقّ حقّه، و تحميلها الناس٢.
الفارق بين التشريع الدينيّ والتشريعات الوضعيّة
و الطريق المتّخذ اليوم لتحميل القوانين المُصلِحةِ لاجتماع الإنسان أحدُ طريقين:
الأوّل: إلجاء الاجتماع على طاعة القوانين الموضوعة لتشريك الناس في حقّ الحياة و تسويتهم في الحقوق٣ ـ بمعنى أن ينال كلّ من الأفراد ما يليق به من كمال الحياة ـ مع إلغاء المعارف الدينيّة من التوحيد و الأخلاق الفاضلة، و ذلك بجعل التوحيد ملغى غير منظور إليه و لا مرعيّ، و جعل الأخلاق تابعة للاجتماع و تحوّله، فما وافق حال الاجتماع من الأخلاق فهو الخلق الفاضل، فيومًا العفّة، و يوما الخلاعة، و يومًا الصدق، و يومًا الكذب، و يوما الأمانة، و يوما الخيانة، و هكذا.
و الثاني: إلجاء الاجتماع على طاعة القوانين بتربية ما يناسبها من الأخلاق٤ و احترامها مع إلغاء المعارف الدينيّة في التربية الاجتماعيّة.
و هذان طريقان مسلوكان في رفع الاختلافات الاجتماعية و توحيد الأمّة المجتمعة من الإنسان: أحدهما بالقوة المجبرة و القدرة المتسلّطة من الإنسان فقط، و ثانيهما بالقوّة و التربية الخلقية، لكنّهما على ما يتلوهما من المفاسد مبنيّان على أساس الجهل، [و] فيه بوار هذا النوع و هلاك الحقيقة الإنسانيّة، فإنّ هذا الإنسان موجود مخلوق للّه متعلّق الوجود بصانعه، بدأ من عنده و سيعود إليه، فله حياة باقية بعد الارتحال من هذه النشأة الدنيويّة، حياة طويلة الذيل، غير منقطعة الأمد، و هي مرتّبة على هذه الحياة الدنيويّة، و كيفيّة سلوك الإنسان فيها، و اكتسابه الأحوال و الملكات المناسبة للتوحيد الذي هو كونه عبدًا للّه سبحانه، بادئًا منه عائدًا إليه، و إذا بنى الإنسان حياته في هذه الدنيا على نسيان توحيده، وستر حقيقة الأمر، فقد أهلك نفسه و أباد حقيقته.
مثال جميل لحال التشريعات الوضعيّة بطريقتي فرضها
فمثل الناس في سلوك هذين الطريقين كمثل قافلة أخذت في سلوك الطريق إلى بلد ناءٍ، معها ما يكفيها من الزاد و لوازم السير، ثمّ نزلت في أحد المنازل في أثناء الطريق، فلم تلبث هنيئة حتّى أخذت في الاختلاف: من قتل، و ضرب و هتك عرض، و أخذ مال و غصب مكان و غير ذلك، ثمّ اجتمعوا يتشاورون بينهم على اتخاذ طريقة يحفظونها لصون أنفسهم و أموالهم.
فقال قائل منهم: عليكم بالاشتراك في الانتفاع من هذه الأعراض۱ و الأمتعة، و التمتّع على حسب ما لكلّ من الوزن الاجتماعي، فليس إلا هذا المنزل و المتخلّف عن ذلك يؤخذ بالقوّة و السياسة.٢
و قال قائل منهم: ينبغي أن تضعوا القانون المصلح لهذا الاختلاف على أساس الشخصيّات الموجودة [الذي] جئتم بها من بلدكم الذي خرجتم منه، فيتأدّب كلّ بما له من الشخصيّة الخلقيّة، ويأخذ بالرحمة لرفقائه، و العطوفة و الشهامة و الفضيلة، ثمّ تشتركوا مع ذلك في الانتفاع من هذه الأمتعة الموجودة، فليست إلا لكم و لمنزلكم هذا.
و قد أخطأ القائلان جميعًا، و سَهَيَا عن أنّ القافلة جميعًا على جناح سفر، و من الواجب على المسافر أن يراعي في جميع أحواله حال وطنه و حال غاية سفره التي يريدها فلو نسي شيئًا من ذلك لم يكن يستقبله إلا الضلال و الغيّ و الهلاك.
و القائل المصيب بينهم هو من يقول: تمتّعوا من هذه الأمتعة على حسب ما يكفيكم لهذه الليلة، وخذوا من ذلك زادًا لما هو أمامكم من الطريق، و ما أريدَ منكم في وطنكم، و ما تريدونه لمقصدكم.
اختصاص التشريع الديني باستناده إلى العلم بحقيقة الإنسان والوجود
و لذلك شرَع الله سبحانه ما شرَعه من الشرائع و القوانين واضعًا ذلك على أساس التوحيد والاعتقاد والأخلاق و الأفعال، و بعبارة أخرى وضعُ التشريع مبنيٌّ على أساس تعليم الناس وتعريفهم ما هو حقيقة أمرهم من مبدئهم إلى معادهم، و أنّهم يجب أن يسلكوا في هذه الدنيا حياة تنفعهم في غد، ويعملوا في العاجل ما يعيشون به في الآجل.
فالتشريع الدينيّ و التقنين الإلهيّ هو الذي بني على العلم فقط دون غيره، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾٣، و قال تعالى في هذه الآية المبحوث عنها: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية، فقارن بعثة الأنبياء بالتبشير و الإنذار بإنزال الكتاب المشتمل على الأحكام والشرائع الرافعة لاختلافهم.
و من هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَ قالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾۱، فإنّهم إنّما كانوا يصرّون على قولهم ذلك، لا لدفع القول بالمعاد فحسب، بل لأنّ القول بالمعاد و الدعوة إليه كان يستتبع تطبيق الحياة الدنيويّة على الحياة بنحو العبوديّة، و طاعة قوانين دينيّة مشتملة على موادّ وأحكام تشريعيّة: من العبادات والمعاملات والسياسات.
و بالجملة القول بالمعاد كان يستلزم التديّن بالدين، و اتباع أحكامه في الحياة، و مراقبة البعث والمعاد في جميع الأحوال و الأعمال، فردّوا ذلك ببناء الحياة الاجتماعيّة على مجرّد الحياة الدنيا من غير نظر إلى ما وراءها.
و كذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾٢، فبيّن تعالى أنّهم يبنون الحياة على الظنّ و الجهل، و الله سبحانه يدعو إلى دار السلام٣، و يبني دينه على الحقّ و العلم، و الرسول يدعو الناس إلى ما يحييهم، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾٤، و هذه الحياة هي التي يشير إليها قوله تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾٥، و قال تعالى: ﴿أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ:﴾، و قال تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي وَ سُبْحانَ اللَّهِ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٦، و قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾۷ و قال تعالى: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ﴾۸، إلى غير ذلك، والقرآن مشحون بمدح العلم و الدعوة إليه و الحثّ [عليه]، و ناهيك فيه أنّه يسمّي العهد السابق على ظهور الإسلام عهد الجاهليّة كما قيل.
الردّ على تهمة بناء الدين على الجهل والتقليد ومحاربة العلم
فما أبعدَ من الإنصاف قولُ من يقول: إنّ الدين مبنيّ على التقليد و الجهل، مضادٌّ للعلم و مباهت له، وهؤلاء القائلون أناس اشتغلوا بالعلوم الطبيعيّة و الاجتماعية فلم يجدوا فيها ما يثبت شيئًا ممّا وراء الطبيعة، فظنّوا عدم الإثبات إثباتًا للعدم، و قد أخطأوا في ظنّهم، و خبطوا في حكمهم، ثمّ نظروا إلى ما في أيدي أمثالهم من الناس المتهوّسين من أمور يسمّونه باسم الدين، و لا حقيقة لها غير الشرك، و ﴿الله بريء من المشركين و رسوله﴾۱، ثمّ نظروا إلى الدعوة الدينيّة بالتعبّد و الطاعة فحسبوها تقليدًا و قد أخطأوا في حسبانهم، و الدين أجلّ شأنًا من أن يدعو إلى الجهل و التقليد، و أمنع جانبًا من أن يهدي إلى عمل لا علم معه، أو يرشد إلى قول بغير هدى و لا كتاب منير٢، ﴿وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ﴾.٣
و بالجملة فهو تعالى يخبرنا أنّ الاختلاف في المعاش و أمور الحياة إنّما رفع أول ما رفع بالدين، فلو كانت هناك قوانين غير دينيّة فهي مأخوذة بالتقليد من الدين.
الاختلاف في الدين بغيًا
ثمّ إنّه تعالى يخبرنا أنّ الاختلاف نشأ بين النوع في نفس الدين، و إنّما أوجده حملة الدين ممّن أوتي الكتاب المبين من العلماء بكتاب الله ﴿بغيًا بينهم﴾ و ظلمًا و عتوًّا، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ... ﴾ إلى أن قال: ﴿وَ ما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾٤، و قال تعالى: ﴿وَ ما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾٥، و الكلمة المشار إليها في الآيتين هو قوله تعالى: ﴿وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾٦ فالاختلاف في الدين مستند إلى البغي دون الفطرة، فإن الدين فطري و ما كان كذلك لا تضل فيه الخلقة و لا يتبدّل فيه حكمها كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ:﴾۷ فهذه جمل ما بني عليه الكلام في هذه الآية الشريفة.
انعدام الحياة الاجتماعيّة للإنسان بعد الدنيا
ثمّ إنّه يخبرنا أنّ الإنسان سيرتحل من الدنيا التي فيها حياته الاجتماعيّة، و ينزل دارًا أخرى سمّاها البرزخ۱، ثمّ دارًا أخرى سمّاها الآخرة، غير أنّ حياته بعد هذه الدنيا حياة انفراديّة، و معنى كون الحياة انفراديّة، أنّها لا ترتبط بالاجتماع التعاوني، و التشارك و التناصر، بل السلطنة هناك في جميع أحكام الحياة لوجود نفسه لا يؤثر فيه وجود غيره بالتعاون و التناصر أصلاً، و لو كان هناك هذا النظام الطبيعيّ المشهود في المادّة لم يكن بدّ عن حكومة التعاون و التشارك، لكنّ الإنسان خلّفه وراء ظهره، و أقبل إلى ربّه، و بطل عنه جميع علومه العمليّة، فلا يرى لزوم الاستخدام و التصرّف و المدنيّة و الاجتماع التعاونيّ و لا سائر أحكامه التي يحكم بها في الدنيا، و ليس له إلا صحابة عمله و نتيجة حسناته وسيّئاته، و لا يظهر له إلا حقيقة الأمر و يبدو له ﴿النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون﴾٢، قال تعالى: ﴿وَ نَرِثُهُ ما يَقُولُ وَ يَأْتِينا فَرْداً﴾٣ وقال تعالى: ﴿وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَ ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾٤ و قال تعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾٥ و قال تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾٦ و قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ﴾۷ و قال تعالى: ﴿وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾۸ إلى غير ذلك من الآيات، فهذه الآيات كما ترى تدلّ على أنّ الإنسان يبدّل بعد الموت نحو حياته فلا يحيا حياة اجتماعيّة مبنيّة على التعاون و التناصر، و لا يستعمل ما أبدعه في هذه الحياة من العلوم العمليّة٩، و لا يجني إلا ثمرة عمله ونتيجة سعيه؛ ظهر له ظهورًا فيجزى به جزاءً.
تفسير آية كان الناس أمّة واحدة
قوله تعالى: ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، الناس معروف و هو الأفراد المجتمعون من الإنسان، و الأمّة هي الجماعة من الناس، و ربّما يطلق على الواحد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ﴾۱، وربما يطلق على زمان معتدّ به كقوله تعالى: ﴿وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾٢، أي بعد سنين و قوله تعالى: ﴿وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَة﴾٣، و ربما يطلق على الملة و الدين كما قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾٤، و في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ٥، و أصل الكلمة من أمّ يأمّ إذا قصد فأطلق لذلك على الجماعة لكن لا على كل جماعة، بل على جماعة كانت ذات مقصد واحد و بغية واحدة هي رابطة الوحدة بينها، و هو المصحّح لإطلاقها على الواحد و على سائر معانيها إذا أطلقت.
و كيف كان فظاهر الآية يدلّ على أن هذا النوع قد مرّ عليهم في حياتهم زمان كانوا على الاتّحاد والاتفاق، و على السذاجة و البساطة، لا اختلاف بينهم بالمشاجرة و المدافعة في أمور الحياة، و لا اختلاف في المذاهب و الآراء، و الدليل على نفي الاختلاف قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، فقد رتّب بعثة الأنبياء وحكم الكتاب في مورد الاختلاف على كونهم أمّة واحدة فالاختلاف في أمور الحياة ناش بعد الاتّحاد و الوحدة، و الدليل على نفي الاختلاف الثاني قوله تعالى: ﴿وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ فالاختلاف في الدين إنما نشأ من قبل حملة الكتاب بعد إنزاله بالبغي.
و هذا هو الذي يساعد عليه الاعتبار، فإنّا نشاهد النوع الإنساني لا يزال يرقى في العلم و الفكر، ويتقدّم في طريق المعرفة و الثقافة، عامًا بعد عام، و جيلاً بعد جيل، و بذلك يستحكم أركان اجتماعه يومًا بعد يوم، و يقوم على رفع دقائق الاحتياج، و المقاومة قبال مزاحمات الطبيعة، والاستفادة من مزايا الحياة، و كلّما رجعنا في ذلك القهقرى وجدناه أقلّ عرفانًا برموز الحياة، وأسرار الطبيعة، و ينتهي بنا هذا السلوك إلى الإنسان الأوّلي الذي لا يوجد عنده إلا النزر القليل من المعرفة بشؤون الحياة و حدود العيش، كأنّهم ليس عندهم إلا البديهيّات و يسير من النظريّات الفكريّة التي تهيّئ لهم وسائل البقاء بأبسط ما يكون، كالتغذّي بالنبات أو شيء من الصيد و الإيواء إلى الكهوف والدفاع بالحجارة و الأخشاب و نحو ذلك، فهذا حال الإنسان في أقدم عهوده، و من المعلوم أنّ قومًا حالهم هذا الحال لا يظهر فيهم الاختلاف ظهورًا يعتدّ به، و لا يبدو فيهم الفساد بُدوًّا مؤثّرًا، كالقطيع من الغنم لا همّ لأفراده إلا الاهتداء لبعض ما اهتدى إليه بعض آخر، و التجمّع في المسكن و المعلف و المشرب.
غير أنّ الإنسان لوجود قريحة الاستخدام فيه كما أشرنا إليه فيما مرّ لا يحبسه هذا الاجتماع القهريّ ـ من حيث التعاون على رفع البعض حوائج البعض ـ عن الاختلاف و التغالب و التغلّب، و هو كلّ يوم يزداد علمًا و قوّة على طرق الاستفادة، و يتنبّه بمزايا جديدة، و يتيقّظ لطرق دقيقة في الانتفاع، وفيهم الأقوياء و أولوا السطوة و أرباب القدرة، و فيهم الضعفاء و من في رتبتهم، و هو منشأ ظهور الاختلاف، الاختلاف الفطريّ الذي دعت إليه قريحة الاستخدام، كما دعت هذه القريحة بعينها إلى الاجتماع و المدنيّة.
و لا ضير في تزاحم حكمين فطريّين، إذا كان فوقهما ثالث يحكم بينهما، و يعدّل أمرهما، و يصلح شأنهما، و ذلك كالإنسان تتسابق قواه في أفعالها، و يؤدّي ذلك إلى التزاحم، كما أنّ جاذبة التغذّي تقضي بأكل ما لا تطيق هضمه الهاضمة و لا تسعه المعدة، و هناك عقل يعدل بينهما، و يقضي لكل بما يناسبه، و يقدّر فعل كل واحدة من هذه القوى الفعّالة بما لا يزاحم الأخرى في فعلها.
و التنافي بين حكمين فطريّين فيما نحن فيه من هذا القبيل، فسلوك فطرة الإنسان إلى المدنيّة ثم سلوكها إلى الاختلاف يؤدّيان إلى التنافي، و لكنّ الله يرفع التنافي برفع الاختلاف الموجود ببعث الأنبياء بالتبشير و الإنذار، و إنزال الكتاب الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.۱و٢