4

هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟

شبهات وحلول حول النبوّة

6
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم التاريخ و الاجتماع

المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان

العدد التسلسلي4

مقالات مجموعة (17 مقالة)

التوضيح

هل تكفي الفطرة الإنسانيّة والتطوّر الطبيعيّ للمجتمعات لتحقيق الكمال والسعادة الحقيقيّة للإنسان؟ ما هو الفارق الجوهريّ بين الكمال الماديّ الجسديّ والكمال الإنسانيّ الشامل؟ ولماذا نحتاج إلى النبوّة إذا كانت الطبيعة تميل بطبعها نحو الصلاح؟ إذا كانت الدعوة الدينيّة حقّاً، فلماذا لا نرى أثرها متحقّقاً بالكامل في كلّ المجتمعات، وكيف تتسرّب القيم الدينيّة والأخلاقيّة إلى الأمم حتى تلك التي ابتعدت عن الدين؟ وأخيراً، ما هي طبيعة العلاقة بين الفطرة المودعة فينا وحقيقة التشريع والنبوّة؟
بحوث عقديّة واجتماعيّة عميقة حول فلسفة النبوّة وحاجة المجتمع الإنسانيّ لنهجها التكامليّ، يعالجها المفكّر العظيم العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه.

/۵
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟ - شبهات وحلول حول النبوّة

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟

  • شبهات وحلول حول النبوّة

  •  

  • سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث الرابع

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: تفسير الميزان ج٢

  •  

  •  

هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟ - شبهات وحلول حول النبوّة

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد للّه ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

  • ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • [تعتبر النبوّة جزءًا أساسيًّا من النظريّة الاجتماعيّة القرآنيّة من وجهة نظر العلاّمة الطباطبائي، ولذلك استفاض رضوان الله عليه في سياق بحوثه الاجتماعيّة۱ في آية كان الناس أمّة واحدة... في دراسة النبوّة فلسفيًّا٢ وكلاميًّا٣ واجتماعيًّا، وهذا بحثه الاجتماعيّ حولها]

  • الشبهة الأولى: ألا يغني تكامل الإنسان الفطري عن النبوّة؟

  • فإن قلت: هب أنّ العقل لا يستقلّ بالعمل في كلّ فرد أو في كلّ قوم في جميع التقادير و لكنّ الطبيعة تميل دائمًا إلى ما فيه صلاحها و الاجتماع التابع لها مثلها يهدي إلى صلاح أفراده، فهو يستقر بالآخرة على هيئة صالحة فيها سعادة أفراد المجتمعين، و هو الأصل المعروف بتبعية المحيط، فالتفاعل بين الجهات المتضادّة يؤدّي بالآخرة إلى اجتماع صالح مناسب لمحيط الحياة الإنسانيّة، جالب لسعادة النوعِ المجتمعِ الأفرادِ، و يشهد به ما نشاهده و يؤيّده التاريخ أنّ الاجتماعات لا تزال تميل إلى التكامل وتتمنّى الصلاح و تتوجّه إلى السعادة اللذيذة عند الإنسان، فمنها ما بلغ مبتغاه و أمنيته كما في بعض الأمم مثل سويسرة، و منها ما هو في الطريق و لمّا يتمّ له شرائط الكمال و هي قريبة أو بعيدة كما في سائر الدول.

  • قلت: تمايل الطبيعة إلى كمالها و سعادتها ممّا لا يسع أحدًا إنكاره، و الاجتماع المنتهي إلى الطبيعة حاله حال الطبيعة في التوجّه إلى الكمال، لكنّ الذي ينبغي الإمعان فيه أنّ هذا التمايل و التوجّه لا يستوجب فعليّة الكمال و السعادة الحقيقيّة، لما ذكرنا من فعليّة الكمال الشهويّ و الغضبيّ في الإنسان و كون مبادئ السعادة الحقيقيّة فيه بالقوّة، و الشاهد عليه عين ما استشهد به في الاعتراض من كون الاجتماعات المدنيّة المنقرضة و الحاضرة متوجّهة إلى الكمال، و نيلِ بعضها إلى المدنيّة الفاضلة السعيدة، و قربِ البعض الآخر أو بعده، فإنّ الذي نجده عند هؤلاء من الكمال و السعادة هو الكمال الجسميّ، و ليس الكمال الجسميّ هو كمال الإنسان، فإنّ الإنسان ليس هو الجسم بل هو مركّب من جسم و روح، مؤلّف من جهتين مادّية و معنويّة، له حياة في البدن و حياة بعد مفارقته من غير فناء و زوال، يحتاج إلى كمال و سعادة تستند إليها في حياته الآخرة، فليس من الصحيح أن يَعُدَّ كمالَه الجسميَّ الموضوعَ على أساس الحياة الطبيعيّة كمالاً له و سعادة بالنسبة إليه، و حقيقتُه هذه الحقيقة.

    1. وهي تحت العناوين التالية:
      ۱ـ كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
      ٢ـ النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
      ٣ـ سبع حقائق حول الدين والمجتمع
    2. راجع حول بحثه الفلسفيّ حول النبوّة تفسير الميزان ج٢ ص ۱٤۷، والبحث المنتخب تحت عنوان: هل النبوّة مسألة كلاميّة أم فلسفيّة؟ 
    3. راجع البحوث الكلاميّة حول النبوّة في تفسير الميزان ج٢ ص ۱٣٤ وما بعدها. والبحوث المنتخبة حول النبوّة مثل عصمة الأنبياء.

هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟ - شبهات وحلول حول النبوّة

3
  • فتبيّن أنّ الاجتماع بحسب التجربة إنّما يتوجّه بالفعل إلى فعليّة الكمال الجسمانيّ دون فعليّة الكمال الإنسانيّ، و إن كان في قصدها هداية الإنسان إلى كمال حقيقته لا كمال جسمه الذي في تقوية جانبه هلاك الإنسانيّة و انحلال تركيبه، و ضلاله عن صراطه المستقيم، فهذا الكمال لا يتمّ له إلا بتأييد من النبوّة، و الهداية الإلهيّة.

  • الشبهة الثانية: هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟

  • فإن قلت: لو صحّت هذه الدعوة النبويّة و لها ارتباط بالهداية التكوينيّة لكان لازمها فعليّة التأثير في الاجتماعات الإنسانيّة، كما أنّ هداية الإنسان بل كلّ موجود مخلوق إلى منافع وجوده أمر فعليّ جار في الخلقة و التكوين، فكان من اللازم أن يتلبّس به الاجتماعات، و يجري في ما بين الناس مجرى سائر الغرائز الجارية، و ليس كذلك، فكيف يكون إصلاحًا حقيقيًّا و لا تقبله الاجتماعات الإنسانيّة؟ فليست الدعوة الدينيّة في رفعها اختلافات الحياة إلا فرضيّة غير قابلة الانطباق على الحقيقة.

  • قلت: 

  • الجواب الأوّل: تربية النبوّة لكثير من الأفراد والمجتمعات عبر التاريخ

  • أولاً: أثر الدعوة الدينيّة مشهود معاين لا يرتاب فيه إلا مكابر، فإنّها في جميع أعصار وجودها منذ ظهرت، ربّت ألوفًا و ألوفًا من الأفراد في جانب السعادة، و أضعاف ذلك و أضعاف أضعافهم في جانب الشقاء بالقبول و الردّ و الانقياد و الاستكبار، و الإيمان و الكفر، مضافًا إلى بعض الاجتماعات الدينيّة المنعقدة أحيانًا من الزمان، على أنّ الدنيا لم تقض عمرها بعد، و لما ينقرض العالم الإنساني، و من الممكن أن يتحوّل الاجتماع الإنسانيّ يومًا إلى اجتماع دينيّ صالح، فيه حياة الإنسانيّة الحقيقيّة و سعادة الفضائل و الأخلاق الراقية يوم لا يعبد فيه إلا الله سبحانه، و يسار فيه بالعدالة و الفضيلة، و ليس من الجائز أن نعدّ مثل هذا التأثير العظيم هيّنًا لا يُعبأ به.

  • الجواب الثاني: أثر النبوّة سار في جميع المجتمعات وفق مبدأي السراية والوراثة

  • و ثانيًا: أنّ الأبحاث الاجتماعيّة و كذا علم النفس و علم الأخلاق تثبت أنّ الأفعال المتحقّقة في الخارج لها ارتباط بالأحوال و الملكات من الأخلاق، ترتضع من ثدي الصفات النفسانيّة، و لها تأثير في النفوس، فالأفعال آثار النفوس و صفاتها، و لها آثار في النفوس [و] في صفاتها، و يستنتج من هناك أصلان: أصل سراية الصفات و الأخلاق، و أصل وراثتها، فهي تتّسع وجودًا بالسراية عرضًا، و تتّسع ببقاء وجودها بالوراثة طولاً.

هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟ - شبهات وحلول حول النبوّة

4
  • فهذه الدعوة العظيمة و هي تصاحب الاجتماعات الإنسانيّة من أقدم عهودها، في تاريخها المضبوط وقبل ضبط التاريخ لا بدّ أن تكون ذات أثر عميق في حياة الإنسان الاجتماعيّة من حيث الأخلاق الفاضلة و الصفات الحسنة الكريمة، فللدعوة الدينيّة آثار في النفوس و إن لم تجبها و لم تؤمن بها.

  • كلّ خير في الدنيا فهو من النبوّة

  • بل حقيقة الأمر: أنّ ما نشاهد في الاجتماعات الحاضرة من الملل و الأمم الحيّة من آثار النبوّة والدين، وقد ملكوها بالوراثة أو التقليد، فإنّ الدين منذ ظهر بين هذا النوع حملته و انتحلت به أمم و جماعات هامّة، و هو الداعي الوحيد الذي يدعو إلى الإيمان، و الأخلاق الفاضلة و العدل والصلاح، فالموجود من الخصائل الحميدة بين الناس اليوم و إن كان قليلاً بقايا من آثاره و نتائجه، فإنّ التدابير العامّة في الاجتماعات المتكوّنة ثلاثة لا رابع لها:

  • أنواع الحكم في المجتمعات وعمق تأثير الحكم الديني 

  • أحدها: تدبير الاستبداد و هو يدعو إلى الرقيّة في جميع الشؤون الإنسانيّة.

  • و ثانيها: القوانين المدنيّة و هي تجري و تحكم في الأفعال فحسب، و تدعو إلى الحريّة فيما وراء ذلك من الأخلاق و غيرها. 

  • و ثالثها: الدين و هو يحكم في الاعتقادات و الأخلاق و الأفعال جميعًا و يدعو إلى إصلاح الجميع.

  • فلو كان في الدنيا خير مرجوّ أو سعادة لوجب أن ينسب إلى الدين و تربيته.

  • واقع الحضارة الماديّة وعدم كفاية التطوّر الفطري

  • و يشهد بذلك ما نشاهده من أمر الأمم التي بنت اجتماعها على كمال الطبيعة، و أهملت أمر الدين والأخلاق، فإنّهم لم يلبثوا دون أن افتقدوا الصلاح و الرحمة و المحبّة و صفاء القلب و سائر الفضائل الخلقيّة و الفطريّة۱ مع وجود أصل الفطرة فيهم، و لو كان أصل الفطرة كافيًا، و لم تكن هذه الصفات بين البشر من البقايا الموروثة من الدين، لما افتقدوا شيئًا من ذلك.

  • هل استغنت الحضارة الغربيّة عن الحضارة الإسلاميّة؟

  • على أنّ التاريخ أصدق شاهد على الاقتباسات التي عملتها الأمم المسيحيّة بعد الحروب الصليبيّة، فاقتبسوا مهمّات النكات من القوانين العامّة الإسلاميّة فتقلّدوها و تقدّموا بها، و الحال أنّ المسلمين اتخذوها وراءهم ظهريًّا، فتأخّر هؤلاء و تقدّم أولئك، و الكلام طويل الذيل.

    1. المقصود من افتقادهم ذلك كما بيّن العلاّمة في بحث آخر هو افتقادهم له في علاقتهم مع غيرهم من الأمم الضعيفة لا في علاقاتهم فيما بينهم. راجع حول ذلك:  تفسير الميزان ج٤، ۱۰٣ـ ۱۰۷، والبحث المنتخب تحت عنوان: هل الدين يقبل التطبيق في المجتمع؟ (٢) (نقد الديمقراطيّة والأخلاق في الغرب)

هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟ - شبهات وحلول حول النبوّة

5
  • و بالجملة الأصلان المذكوران، أعني السراية و الوراثة، و هما التقليد الغريزي في الإنسان والتحفّظ على السيرة المألوفة يوجبان نفوذ الروح الدينيّ في الاجتماعات كما يوجبان في غيره ذلك و هو تأثير فعليّ.

  • الشبهة الثالثة: إن كانت الفطرة لا تكفي فلماذا يُبنى الدين عليها؟

  • فإن قلت: فعلى هذه فما فائدة الفطرة فإنّها لا تغني طائلاً و إنّما أمر السعادة بيد النبوّة؟ و ما فائدة بناء التشريع على أساس الفطرة على ما تدّعيه النبوّة؟

  • قلت: ما قدّمناه في بيان ما للفطرة من الارتباط بسعادة الإنسان و كماله يكفي في حلّ هذه الشبهة، فإنّ السعادة و الكمال الذي تجلبه النبوّة إلى الإنسان ليس أمرًا خارجًا عن هذا النوع، و لا غريبًا عن الفطرة، فإنّ الفطرة هي التي تهتدي إليه، لكنّ هذا الاهتداء لا يتمّ لها بالفعل وحدها من غير معين يعينها على ذلك، و هذا المعين الذي يعينها على ذلك و هو حقيقة النبوّة ليس أيضًا أمرًا خارجًا عن الإنسانيّة وكمالها، منضمًّا إلى الإنسان كالحجر الموضوع في جنب الإنسان مثلاً، و إلا كان ما يعود منه إلى الإنسان أمرًا غير كماله و سعادته كالثقل الذي يضيفه الحجر إلى ثقل الإنسان في وزنه، بل هو أيضًا كمال فطريّ للإنسان مذخور في هذا النوع، و هو شعور خاصّ و إدراك مخصوص مكمون في حقيقته لا يهتدي إليه بالفعل إلا آحاد من النوع أخذتهم العناية الإلهيّة، كما أنّ للبالغ من الإنسان شعورًا خاصًّا بلذّة النكاح، لا تهتدي إليه بالفعل بقيّة الأفراد غير البالغين بالفعل، و إن كان الجميع من البالغ و غير البالغ مشتركين في الفطرة الإنسانيّة، و الشعور شعور مرتبط بالفطرة.

  • و بالجملة لا حقيقة النبوّة أمر زائد على إنسانيّة الإنسان الذي يسمّى نبيًّا و خارج عن فطرته، و لا السعادة التي تهتدي سائر الأمة إليها أمر خارجٌ عن إنسانيّتهم و فطرتهم غريبٌ عمّا يستأنسه وجودهم الإنساني، و إلا لم تكن كمالاً و سعادة بالنسبة إليهم.۱

    1.  تفسير الميزان، ج‌٢، ص: ۱٤٩ـ ۱٥۱.
      ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.