5

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ

أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

23
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمجبل عامل

المجموعةالولاية التكوينيّة

التاريخ 1412/02/05

جلسات المجموعة(9 جلسة)

التوضيح

تتحدّث هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في ضمن سلسلة محاضرات عن الولاية التكوينيّة عن حقيقة العبودية كسبيلٍ وحيدٍ للوصول إلى الله تعالى، كما أنها تُبيّن الأخطار المهلِكة التي تترتّب على العلم المجرّد عن التعبّد والنية الصالحة. فما الذي جعل إبليس يسقط من مقامه الرفيع رغم علمه وعبادته الطويلة؟ وكيف يمكن للمؤمن تجنّب هذه الأخطار؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها.

/۱۸
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ

  • أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

  •  

  • الولاية التكوينيّة - الجلسة الخامسة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

2
  •  

  •  

  • أعوذُ بِالله مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم

  • بِسمِ الله الرَّحمَنِ الرّحيم

  • وصلَّى اللهُ عَلَى سَيّدِنا ونَبّينا وحَبيبِ قُلوبِنا

  • وطَبيبِ نُفوسِنا أبي‌ القاسِم المُصطَفى مُحمّدٍ

  • وعَلى آلِه الطيّبينَ الطّاهِرينَ المَعصومينَ المُكَرَّمينَ

  • واللَّعنُ عَلى أعدائِهِم أجمَعينَ

  • مِنَ الآنَ إلى قيامِ يومِ الدّين

  •  

  •  

  • غيرة الله تعالى تمنع غيره من الوصول إلى حريمه

  • قال الله الحكيم:

  • ﴿إِذ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلٰٓئِكَةِ إِنِّي خٰلِقُ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيتُهُۥ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سٰجِدِينَ﴾.۱ 

  • إنّ هذه الأيام هي أيّام عزاء سيّد الشهداء عليه السلام. ولرفع الشدائد عن شيعة أمير المؤمنين، والتعجيل في فرج إمام الزمان، صلّوا على محمد وآل محمد.

  • آلت نتيجةُ المواضيع السابقة إلى المسألة التالية: وهي أنّ الملائكة كان لديهم في بواطنهم اعتقادٌ تامٌّ بالمصلحة التامّة لأوامر الله تعالى ونواهيه، وكذلك الحال بالنسبة لحضرة الشيطان؛ فمن هذه الناحية، لم يكن هناك فرقٌ بينه وبين الملائكة.

  • وعندما قلتُ «حضرة» الشيطان، فذلك لأنّه ـ على عكس ما كنّا نظنّ ـ يتمتّع بمقامٍ عالٍ جدًّا؛ وذلك لأنّ الله تعالى له مقام العزّة والغيرة، وهو المانع من وصول غيره إليه. وإذا كان من المقرّر أن يصل كلّ أحدٍ إلى ذلك المقام، لَخَرَجَ الله من مقامه كإله؛ لأنّ ذلك المقام هو مقام العزّة، والعزّة مختصّة بالله تعالى، ولا يستطيع أيّ أحدٍ الوصول إليه. ذلك المقام هو مقام الغيرة، ولا يمكن لأيّ شخصٍ عابثٍ أن يصل إليه. يقول المرحوم الشيخ الرّئيس:

  • «جَلَّ جَنابُ الحَقِّ عن أن يكونَ شَريعةً لِكُلِّ واردٍ».٢

  • إنّ مقام عزّة الله تعالى أسمى من أن يتمكّن كلّ وافدٍ من دخوله.

  • إبليس حاجبٌ يمنع الأغيار من دخول حرم الله تعالى

  • من هنا، جعل الله تعالى لمقامه حارسًا وحاجبًا، ليمنع أيّ شخصٍ فيه أدنى رائحةٍ من الغيريّة أو الأنانيّة من أن يأتي إلى هناك. لهذا، فإنّ حضرة الشيطان وإبليس، ليس فقط حاجبًا ومانعًا لي ولك ـ على كلّ حال، نحن لا نحتاج إلى حاجب، فنحن موجودون هنا في المراتب الدنيا! ـ بل إنّه لا يسمح لعظماء الأولياء والأنبياء، والذين لم يصلوا إلى مقام المخلَصين، بالوصول إلى هناك. إذن، لا بدّ أن يكون الشيطان قويًّا جدًّا! فما هذه القوّة التي أعطاها الله له ليكون حاجبًا ومانعًا للإنسان مهما كانت قوّته ومهما كان مقامه؟! فهو يتغلّب على الجميع، ﴿إِلاّ مَا رَحِمَ رَبِّي﴾٣؛ أي: إلاّ في ذلك الموضع الذي يُمسك الله بيد الإنسان، ويُظهِر هذا الإنسان عجزه؛ هناك، تغلب رحمة الله تعالى على غضبه وقَهره، ولا يستطيع الشيطان أن يفعل شيئًا.

    1. سورة ص، الآيتان ۷۱-۷٢.
    2. الإشارات والتّنبيهات، ص ۱٤٩.
    3. سورة يوسف، الآية ٥٣.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

3
  • خطأ بعض المفسّرين في بيان علّة اعتراض الملائكة وجوابه

  • لقد اعترض الملائكة على الله تعالى بسبب خلقه لآدم؛ لأنّهم كانوا مطّلعين على المستقبل.

  • ﴿قَالُوٓاْ أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيٓ أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾.۱

  • «قالت الملائكة: يا الله! أنت تخلق وتُنشئ أناسًا سيكونون مفسدين وسفّاكين للدماء، في حين أنّنا موجودات نسبّح ونقدّس لك بالحمد والشكر؟! فقال تعالى: أنا أعلم ما لا تعلمون!»

  • يقول بعض العلماء: 

  • إنّ الملائكة لا يعلمون الغيب ولا المستقبل. وبما أنّ هناك أفرادًا كانوا يعيشون على هذه الأرض قبل خلق آدم، وكانوا من أهل سفك الدماء والفساد وما شابه ذلك، فقد شبّه الملائكة هذا الجيل بالجيل السابق وقالوا: «إنّ هؤلاء الأفراد السابقين على الكرة الأرضية كانوا على هذا النحو، فماذا استفدتَ وماذا حصّلتَ من نتائجَ من المخلوقات السابقة، لتأتي وتخلق مثلهم مرّة أخرى؟!».٢

  • ﴿قَالُوٓاْ أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا﴾؛ أي أنّه سيُفسد فيها. ولكن، يبدو أنّ هذه المسألة غير تامّة؛ وذلك لأنّ الملائكة تقع في عالم المجرّدات، والعالم المجرّد فوق عالم المادّة؛ وفي عالم المجرّدات ـ وهو عالم الثوابت ـ كلّ شيء موجودٌ بشكل ثابت، ولا حاجة لمرور الزمان. فمن دخل عالم التجرّد لا يحتاج إلى مرور الزمان لكي تتّضح له الأمور، بل سيكون كلّ ما سبق وما سيتأخّر واضحٌ بالنسبة إليه. فالزمان يُطرح بالنسبة لي ولك، حيث تتّضح لنا المسائل بمروره. وأمّا الأفراد الذين يصلون إلى عالم الملكوت، فإنّ الزمان لا يُطرح هناك، بل إنّ كلّ ما كان في الماضي وما سيكون في المستقبل، كلّه موجودٌ أمام أعينهم بشكلٍ موحّد. وبناءً على ذلك، فإنّ الملائكة مطّلعون على ما قبل وما بعد. 

  • وعلى هذا الأساس، كان اعتراضهم على الله تعالى هو: «يا الله! نحن نُسبّحك ونُقدّسك. وبما أنّ لديك عبادٌ بهذه الطيبة، وكلّ هذا العدد من الملائكة، حيث لديك ملائكة مقرّبون، ولديك ملائكةٌ في حالة ركوعٍ دائم أو سجودٍ دائم أو قيام، فما الذي ينقصك لتخلق خلقًا آخر سيبدأ بالفساد وسفك الدماء وما شابه ذلك؟! فلا حاجة لك بعدُ إلى ذلك».

    1. سورة البقرة، الآية ٣۰.
    2. التّبيان في تفسير القرآن، ج ۱، ص ۱٣٢؛ الأصفى في تفسير القرآن، ج ۱، ص ٢٤.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

4
  • الجهل بالأسرار سبب اعتراض الملائكة على الله واعتراض الناس على أوليائه تعالى

  • فأجابهم الله تعالى: ﴿إِنِّيٓ أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾؛ بمعنى: «لا يحقّ لكم التطفّل في هذا الأمر!». أمّا التعبير المؤدّب والأكثر لباقةً فهو ﴿إِنِّيٓ أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾! فالملائكة لم يكونوا مطّلعين؛ ولو كانوا مطّلعين، لما اعترضوا على الله. إنّ كلّ هذه الاعتراضات نابعةٌ من الجهل. ولأنّنا جاهلون، نسأل دومًا: «لماذا هكذا؟! ولماذا ذاك؟!». لو كنّا مطّلعين، لما اعترضنا! كما أنّهم لا يستطيعون الإفصاح عن الأسرار، لذا لا خيار لديهم سوى أن يقولوا: «لا يحقّ لك التطفّل»، أو «ستفهم ذلك لاحقًا!» أو «لنترك الآن هذا الموضوع!». ولكنّ التعبير العامّي هو «لا يحقّ لك التطفّل»! أي أنّه لا يوجد لديك الاستيعاب ولا الاستعداد لفهم ذلك! ولا يُمكننا أيضًا إخبارك بذلك؛ فلو أخبرناك لأنكرت! لذا، لا تطلبوا منّي أن أقول كلّ كلمة؛ تذكّروا ذلك!

  • الوصول إلى مقام الكمال هو الهدف من الخِلقة

  • ومن هنا، اعترض الملائكة وقالوا: «يا الله! نحن نقدّسك ونسبّحك؛ فإذا أردتَ أن يركع الجميع لك، أو يسجد الجميع لك، أو ينام الجميع، أو يقف الجميع، فنحن موجودون! فما الحاجة إلى عبادٍ آخرين؟!». ولكنّ حساب الله تعالى منفصلٌ عنّا، وهو يقول:

  • ما بري از پاک وناپاکى همه***وز گران‌جانى وچالاکى همه 
  • من نکردم خلق تا سودى کنم***بلکه تا بر بندگان جودى کنم۱
  • يقول:

  • نحن منزّهون عن كلّ من الطهر والنجاسة *** وعن ثقل الروح (الكسل) وخفّتها (النشاط) جميعًا.

  • ما خلقتُ الخلق كي أحصد منفعة *** بل لأجود على العباد وأمنحهم فضلاً

  • يقول: إنّ هذه الخِلقة التي قمنا بها، ليست من أجل أن نحصل على نفعٍ منها، بل هي قائمةٌ على أساس أن يصل بعض الخلق إلى الكمال. إنّ الوجود البسيط الذي لديه القابليّة لكلّ أنواع الاستعدادات يتحوّل ـ بواسطة خلق الله تعالى الذي يتنزّل من مقامه ـ إلى استعدادٍ تامّ، ليحصل كلّ واحدٍ من [المخلوقات] على موقعه الخاصّ به؛ لهذا، فإنّ اعتراض الملائكة ليس في محلّه.

  • روايةٌ تفيد بوجود أفرادٍ قبل آدم

    1. المثنويّ المعنويّ (ميرخاني)، الكتاب الثاني، ص ۱٤٩.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

5
  • أمّا نحن، فمن اعتراض الملائكة نفهم مسألةً واحدة، وهي أنّه: لدينا في الروايات، ونُقِلت روايةٌ عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه سُئل: «هل كان هناك أفرادٌ على الأرض قبل خلق آدم أم لا؟» فقال الإمام: «بلى، كانوا موجودين». فسُئِلَ: «هل كان هناك أفراد قبل هؤلاء أيضًا؟». فقال الإمام: «نعم، كانوا»،۱ وهكذا.

  • الحديث هنا: إنّ واحدةً من الآيات التي تدلّ على أنّ الإنسان أشرف المخلوقات، هي هذه الآيات التي تتحدّث عن اعتراض الملائكة. فعندما يعترض الملائكة ويقولون: «يا الله، لماذا أتيتَ وخلقتَ خلقًا ونحن نسبّحك؟» فمن هذا الاعتراض تتّضح هذه المسألة: لو كان هناك أفرادٌ قبل خلقتنا، وكان الله تعالى قد خلق أفرادًا في مرتبتنا ومقامنا، لما كان هناك مجالٌ لاعتراض الملائكة. حينها، لم يكن باستطاعة الله أن يقول لهم: ﴿إِنِّيٓ أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾؛ لأنّ الملائكة كانوا سيعلمون بهذا السرّ قبل خلقتنا، وهذا الخَلق الجديد سيكون مثلهم، تمامًا مثلهم. إذن، في هذه الحالة، لم يكن باستطاعتهم أن يعترضوا. فلو كان الله قد خلق مثلنا من قبل، لكان هؤلاء الملائكة قد اطّلعوا على ذلك الخَلق وعرفوا هذه الخصائص، وعرفوا السرّ الذي وضعه الله في وجود الإنسان ولم يضعه في بقيّة الأشياء. في هذه الحالة، لما اعترضوا، بل لَقالوا: «هذا أيضًا مثل ذاك». فلأنّه لم يكن هناك موجودٌ مثل الإنسان من قبل، فقد ظنّوا أنّ آدم أيضًا مثل البقيّة، ولأنّهم لم يروا هذه الخصائص في خلق من المخلوقات السابقة، فقد ظنّوه مُضاهيًا للبقيّة، واعترضوا. وإلاّ، لم يكونوا ليعترضوا.

  • ضرورة سجود الملائكة للأفراد قبل آدم لو كان سرّ آدم موجودًا فيهم

  • من هنا، يُمكننا أن نستفيد أنّه: لو كان هناك إنسانٌ قبلنا في مقامنا ومكانتنا، ولو كانت تلك الخاصّية التي وضعها الله تعالى في وجود الإنسان قد وُضِعَت في وجود أمثال الإنسان في المخلوقات السابقة، لوجب على الملائكة أن يسجدوا لهم قبل أن يسجدوا لآدم! وذلك لأنّه طبقًا للقاعدة الشائعة بين الطلاّب، فإنّه يُقال: «حُكمُ الأمثالِ فيما يجوزُ وفيما لا يجوزُ واحِدٌ».٢ فإذا كان الشيئان متماثلين، سيكونان متماثلين أيضًا في الصفات السلبيّة والصفات الثبوتيّة. فهل كان سبب أمر الله للملائكة بالسجود لآدم هو شامة آدم أو عينه أو حاجبه أو طوله الذي يبلغ ثلاثة أمتار أو لون بشرته أو خصائص جسده، أم أنّ ذلك يرجع إلى أنّه تعالى قال: ﴿إِنِّيٓ أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ﴾؟ فكان ذلك بسبب جهلهم، وبسبب سرٍّ كان الملائكة جاهلين به. ولو كان ذلك السرّ موجودًا في الأجيال التي سبقت آدم، لوجب على الملائكة أن يسجدوا لهم قبل أن يسجدوا لآدم؛ فلماذا يجب عليهم السجود لآدم؟! لأنّ هذه الخاصّية موجودةٌ هناك أيضًا بنفس الكيفيّة! فالله تعالى لا يقوم بأفعالٍ شكليّة وخالية من الحكمة والمصلحة مثلنا، فيقول: «لأنّني أريد ذلك، اسجدوا لآدم!».٣

    1. راجع: قصص الأنبياء عليهم السلام، الروانديّ، ص ٣٥ ـ ٤۰؛ ناسخ التواريخ (فارسيّ)، كتاب هبوط آدم، ج ۱، الفصل الثالث، ص ٤۸.
    2. الأربعين في أصول الدين، الفخر الرازيّ، ج ٢، ص ٣٢٣.
    3. لمزيد من الاطّلاع على علم الملائكة وأشرفيّة الإنسان على الملائكة والمسائل ذات الصلة بهذه الأبحاث، راجع: أفق وحي (فارسي)، ص ۱٣۰ ـ ۱۷٤؛ أسرار الملكوت، ج ٢، ص ٢٦۰ ـ ٢٦۱.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

6
  • تطابق الأوامر التشريعيّة الكاملة مع العالم التكويني

  • لهذا، فإنّ الأفراد الذين يقولون: «هناك فاصلةٌ بين الخَلق والأمر» هم مخطئون تمامًا؛ فلا يوجد أيّ فاصلٍ أصلاً بين الخَلق والأمر! فالموضوع المطروح اليوم هو: «ما المشكلة في أن يكون التكوين على أساسٍ ونهجٍ منفصل، وأن تكون أوامر الله ونواهيه وشرعه على أساسٍ منفصل، فلا تكون هناك علاقة بينهما؟!»؛ وهو نفس الكلام الذي يقوله الأشاعرة! يقولون: «لا بأس أن يأمر اللهُ الإنسانَ بالمستحيل؛ فالله قادرٌ مطلق، فهو يأمر، وحتّى عندما لا نستطيع أن نُنفّذ، فإنه يعاقبنا ويعذّبنا! فهو جبّار ويُمكنه فعل كلّ شيء، سواءً رضينا أم لم نرض!».۱

  • ردٌّ على من يرى عدم لزوم تطابق التشريع مع التكوين

  • يقول هؤلاء العلماء: 

  • «عالم التكوين (عالم الخَلق) له حساباته الخاصّة به: فمن ناحية، خلق الله الإنسان على أساس شاكلة معيّنة، ووضع في نفسه مجموعة من الخصائص. ومن ناحية أخرى، تنتاب الله تعالى رغبةٌ، فيشرِّعُ الأوامر والنواهي؛ إذ تُراودُه رغبةٌ، [فيقول]: «يا هذا، صلِّ الصبحَ ركعتين، لا ثلاث ركعات؛ إنّها إرادتي!» لماذا؟! «هذا ليس شأنك! الأمرُ كذلك وحسب!».

  • ولكن المسألة هنا هي أنّ: كلّ شريعةٍ يجب أن تتطابق مع الحقيقة وتكون طريقًا لها. فلا يمكن أن يُكوّن الله تعالى وجودًا، وأن يتحقّق منه تكوينٌ، في حين، يكون الطريق الذي وضعه لهذا التكوين مخالفًا لشاكلته. والنتيجة التي تُستخلَص من كلامهم هي أنّه: على سبيل المثال، قد تكون هناك ـ من وجهة نظر التكوين ـ مصلحة تامّة للإنسان في شرب الخمر، ويكون مفيدًا لجسده وروحه، وتكون لديه علاقةٌ مفيدةٌ ومصلحةٌ مع شاكلته بأجمعها، ولكن يتعلّق به نهيٌ من الله تعالى، فيتوجّب علينا أن نتركه! فهذا هو الكلام الذي يقوله هؤلاء.

  • يقولون: «إنّ للوجود حساباته الخاصّة به. والقيمة المترتّبة على الأحكام مبنيّةٌ على الاعتبارات؛ فالله يأمر اليوم، وينهى غدًا. بمعنى أنّ نهيًا قد يكون في وقتٍ ما مجرّد إرضاء للمولى (لا لأنّ فيه مصلحة)، وفي وقتٍ آخر يكون سببًا لغضبه، ولا تكون له أيّ علاقة بوجود ذلك الشخص. وعلى العكس: من المحتمل أن تكون الصلاة مضرّةً للإنسان من جميع الجهات؛ أيّ أنّها في صميم الواقع وعالم التكوين مضرّةٌ للنفس والروح وخلايا الإنسان، ولكنّ الله تعالى رغب في إيجابها على الإنسان». هذا خطأٌ عظيمٌ جدًّا! يجب أن تتوافق الشريعة مع الحقيقة؛ فالشريعة هي طريق الحقيقة. إنّ من يصنع شيئًا، يُبيّن أيضًا طريقة استخدامه، فيقول: «عزيزي، اذهب من هذا الطريق، لا تذهب من ذاك؛ قم بهذا العمل، لا تقم بذاك؛ وإلاّ فإنّه سيتلف!».

    1. الإبانة عن أصول الديانة، الأشعريّ، ص ۱٣۸؛ اللمع في الردّ على أهل الزّيغ والبدع، الأشعريّ، ص ٩۸ ـ ۱۰۱؛ مقالات الشيخ أبي ‌الحسن الأشعريّ، ابن‌ فورك، ص ۱۱۱؛ المطالب العالية، الفخر الرازيّ، ص ٣۰٥ ـ ٣۱٣؛ شرح المقاصد، التفتازانيّ، ج ٤، ص ٢٩٦؛ التمهيد، الباقلانيّ، ص ٢٩٤.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

7
  • الصلة الوثيقة بين أوامر الله ونواهيه وشاكلة الأفراد

  • بناءً على ذلك، فإنّ عالم الوجود لديه علاقةٌ وثيقةٌ بنوع الأفعال والسلوكيات التي يجب أن تُستخدم فيه. إنّ الله تعالى هو الذي خلقنا على هذا النحو، وهناك علاقةٌ وثيقةٌ بين أوامره ونواهيه وبين طريقة وجودنا وخِلقَتنا. فإذا وُضِعَ أحد هذه الأوامر والنواهي الإلهيّة في غير محلّه، فإنّه سيضرّ بشاكلتنا وطريقنا في ذلك الموضع؛ فالأمر دقيقٌ وحسّاسٌ إلى هذا الحدّ!

  • قالت الملائكة: «لماذا خلقتَ آدم؟ إنّ آدم هذا مثل الأفراد السابقين!» فأجاب الله تعالى: «إنّ آدم الذي خلقتُه يتمتّع بخاصّيةٍ لم تكن موجودةً في الأفراد الآخرين؛ ولو كانت موجودةً في الأفراد الآخرين، لَوجب عليكم أن تسجدوا لهم أيضًا!». وبما أنّه لم يكن لدى الملائكة أيّ خلفيّةٍ سابقة عن السجود وخصائص آدم، فإنّنا نفهم أنّ الإنسان أشرف المخلوقات. هذه مسألة.

  • أوجه التشابه بين إبليس والملائكة

  • أوّلاً: الجهل بسرّ آدم

  • المسألة الأخرى هي: هل كان إبليس مطّلعًا على ما كان الملائكة مطّلعين عليه؟ لو لم يكن إبليس مطّلعًا، لما كان عليه حرج؛ ولكنّه كان مطّلعًا! فمقدار ما يعلمه الملائكة عن خِلقة الإنسان، يعلمه إبليس أيضًا. الملائكة جاهلون بالمسألة العليا، وهو مقام "لي مع الله"؛۱ وبسبب هذا الجهل، فإنّهم يعترضون على الله تعالى. إبليس أيضًا جاهلٌ بنفس المقام؛ لذا، لا يوجد من هذه الناحية أيّ اختلافٍ بين الملائكة وإبليس.

  • ثانيًا: وجوب طاعة الأوامر الإلهيّة

  • والخلاف ينشأ هنا، حيث إنّ الملائكة، من ناحية، ولأنّهم وصلوا إلى الفعليّة التامّة ضمن حدود وجودهم، فإنّهم يعلمون أنّ أوامر الله تعالى واجبة الطاعة؛ لأنّه تعالى لا يأمر أبدًا بخلاف المصلحة. فالله تعالى حقٌّ مطلق، وأمره أيضًا حقٌّ مطلق، وهو أمرٌ مولويٌّ ويجب إطاعته والقيام به، سواءً علمتُ أم لم أعلم. هذا ما يعلمه الملائكة؛ وإبليس أيضًا يعلم هذا الأمر تمامًا دون زيادة أو نقصان، حيث يعلم بدوره أنّ أوامر الله يجب أن تُطاع؛ ولهذا، فقد عبده تعالى آلاف السنين الربوبيّة (لا السنين المادّيّة) جنبًا إلى جنب مع الملائكة٢؛ عبادةً كانت مبنيّةً على التشريع وأمر الله تعالى ومقتضى المصلحة في العبادة: ﴿كَانَ مِنَ ٱلجِنِّ فَفَسَقَ عَن أَمرِ رَبِّهِۦ﴾٣؛ فكان جنبًا إلى جنب مع الملائكة، ثمّ ارتكب العصيان والفسق. 

    1. لمزيد من الاطّلاع على هذا المقام العرفانيّ، راجع: معرفة الله، ج ۱، ص ٩٦ ـ ۱۰٥.
    2. نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٢۸۷:
      «فاعتَبِروا بِما كانَ مِن فعلِ اللهِ بِإبليسَ إذ أحبَطَ عَمَلَهُ الطَّويلَ وجَهدَهُ الجَهيدَ وكانَ قد عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلافِ سَنَةٍ لا يُدرى أ مِن سِنيّ الدّنيا أم مِن سِنيّ الآخِرَةِ عن كبرِ ساعةٍ واحدَة....»
    3. سورة الكهف، الآية ٥۰.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

8
  • إبليس والملائكة يشتركان هنا من جهة أنّ كليهما يعلم أنّ أوامر الله مُطاعة؛ وكلاهما جاهلٌ أيضًا من الناحية التالية: ما هو السرّ الذي وضعه الله في آدم، والذي لم يكن موجودًا في المخلوقات السابقة، والذي من أجله أمر تعالى الملائكة بالسجود؟ في هذه النقطة، كلاهما جاهلٌ ولا يعلم؛ فلو كانا يعلمان، لسجدا؛ تمامًا كما كانا يسجدان لله تعالى حتى الآن. إنّ السجود الذي كان الملائكة والشيطان يؤدّونه لله كان قائمًا على أساس الحقّية المطلقة التي كانوا يشعرون بها في وجوده وذاته تعالى؛ ولهذا السبب كانوا يسجدون. ويبقى أنّ الكلام عن هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل طويل جدًّا.

  • ثالثًا: إبليس والملائكة يريان نفسيهما أعلى من آدم

  • هنا، وبما أنّهم كانوا يعلمون بذلك المقام، فقد كانوا يسجدون لله تعالى؛ ولكن لأنّهم كانوا جاهلين بالإنسان، فإنّ ذلك الجهل أدّى بهم إلى مقارنة أنفسهم به، فرأوا أنفسهم أعلى منه؛ كلاهما، الملائكة وإبليس، قارنا نفسيهما بالخَلق الجديد ورأيا أنّهما أعلى منه.

  • الفرق الوحيد بين الملائكة وإبليس هو مراعاة جانب العبوديّة والأدب

  • ينشأ الخلاف من هنا، فالملائكة، ولأنّهم كانوا يعلمون بالمصلحة، وكان جانب العبوديّة فيهم تامًّا، قالوا: «سواء كنّا أعلى أم لا، فإنّنا سنقوم بالسجود!»، فأطاعوا، وأظهروا الأدب؛ وبالتالي، صاروا من المفلحين.

  • أمّا حضرة إبليس، فقد قارن نفسه بالإنسان. لقد كان جاهلاً بمقام "لي مع الله"، حيث يقول النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: «لي مَعَ الله حالاتٌ لا يَحتَمِلُها مَلَكٌ مُقربٌ ولا نبيٌّ مُرسَلٌ»؛۱ أي: «عندما أتقرّب إلى الله من عالم النفس، أجد حالاتٍ معه من وجهة نظر السير الصعوديّ، وأصل إلى مكان لا يستطيع أيّ مَلَكٍ مقرّب أن يشعر به ـ ولو كان جبرائيل ـ ولا أيّ نبيٍّ مُرسَل». بمعنى أنّني أصل إلى مقام "لي مع الله"؛ وهناك، لا يوجد أيّ فاصلٍ بين العبد والله. ولأنّ الملائكة وإبليس كانا جاهلون بهذا المقام، فقد اعترضوا؛ ولكنّ الملائكة أظهرت الأدب، في حين لم يظهر إبليس هذا الأدب: فقد بدأ بالمقارنة؛ وهنا، غلبه الهوى، فعصى أمر الله.. هذا هو الفارق! هنا، عصى إبليس على الرغم من أنّه كان يعلم أنّ الله تعالى أمره بالسجود.

    1. جامع السعادات، ج ۱، ص ٤٤؛ بحار الأنوار، ج ۱۸، ص ٣٦۰؛ ج ۷٩، ص ٢٣٤، مع اختلاف يسير.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

9
  • رفض العبوديّة لله هو سبب فشل الإنسان في الوصول إلى الحقّ

  • من هنا، ندرك أنّ جميع المسائل والمشاكل التي نُواجهها ناجمةٌ عن أنّنا لم نفهم معنى التعبّد كما يجب. فأحيانًا، يذهب الإنسان في طلب أمرٍ حقّ، ويكون قصده من الحصول على هذا الأمر الحقّ هو أن يشعر به ـ وبخصائصه ـ بالوجدان، ثمّ يعمل به. إنّ هؤلاء الأفراد سيفشلون مائة بالمائة في الحصول على الحقائق، ولن يصلوا أبدًا إلى الواقع؛ لأنّ قدرتهم واستعدادهم الفكري والذهنيّ لن يصلا أبدًا إلى قدرة واستعداد الحقّ المطلق. بل إنّ الإنسان لا يُمكنه إيصال هذه الاستعدادات إلى الفعليّة إلاّ عن طريق السلوك والطريق العمليّ.

  • لهذا، لو جعلنا أساس عملنا في البداية قائمًا على أن نفهم الواقع على حقيقته [أوّلاً]، لكي نعمل بعد ذلك، فلن نصل أبدًا إلى هذا الواقع، وسنكون دومًا عُرضةً للقلق والاضطراب والشكّ، بحيث لو عشنا خمسمائة أو ستمائة سنة أو خمسة آلاف سنة، لما وصلنا إلى الواقع أبدًا؛ لأنّ فكرنا قد بُنِي على هذا الأساس.

  • القبول التامّ لأوامر الله هو شرط التقرّب إليه

  • إنّ شرط القرب من الله هو التعبّد له والانقياد له وتحصيل رضاه تعالى، حيث يتقرّب الإنسان إلى الله عندما يكون جانب التعبّد فيه قويًّا، فيقول: «أنا أعمل لأنّك أنت الذي أمرتَني!» وليس: «أنا أعمل لأنّني أفهم ذلك!»؛ إذ سيقول الله: «لن تفهم أبدًا! متى ستفهم؟! متى ستفهم حكمة أن تكون صلاة الصبح ركعتين؟! متى ستفهم حكمة أن تكون صلاة الظهر أربع ركعات؟!». هذا أمرٌ عجيبٌ جدًّا! هذه هي المسائل الدنيا المتعلّقة بي وبك، وإلاّ فإنّ هذا الكلام لا مكان له في موضعٍ آخر.

  • إنّ المشكلة التي نقع فيها ونُبتلى بها هي أنّنا اخترنا طريقين لمسارنا العمليّ وفصلنا بينهما: الطريق الأوّل، هو طريق التعبّديات والعباديّات؛ والطريق الثاني، هو طريق المسائل الاجتماعيّة والنفسانيّة والسلوكيّة. فإذا قيل لنا: «صلاة الصبح ركعتان»، فإنّنا لا نعترض ولا نتكلّم؛ ولكن، إذا قيل لنا: «افعل هذا العمل»، فإنّنا نسأل: «لماذا؟». ما الفرق في ذلك؟! على سبيل المثال، إذا قيل لنا: «صلِّ على النبيّ وآله خمسمائة مرّة في اليوم»، فإنّنا لا نعترض، ونعتبر هذا الأمر أمرًا حقيقيًّا؛ ولكن إذا قيل لنا: «غدًا، اذهب وقم بالعمل الفلانيّ»، فإنّنا نعترض ونقول: «سيّدي، لماذا علينا أن نفعل هذا؟!» إذا قيل لنا: «قم في الليل وصلِّ صلاة الليل»، فإنّنا نطيع لأنّها أمرٌ صادر من النبيّ، أو على الأقلّ لا نعترض؛ ولكن إذا قيل لنا: «اجعل مسارك العمليّ على هذا النحو؛ واجعل فكرك وخطّتك في هذا المسير على هذا الأساس؛ واجعل مسارك العمليّ والسلوكيّ في هذا الوقت على هذا النحو؛ واجعل مواجهتك للمسائل على هذه الكيفيّة»، فإنّنا نعترض في أنفسنا ولا نقوم بذلك! وذلك لأنّنا نعتبر هذه الأمور منفصلةً عن التعبّديات والمسائل الواقعيّة والحقيقيّة. فنحن نعتبرها مسائلَ عادية، ونعتبر أنفسنا أعلى وأجلّ من شخصٍ عظيم ومرشدٍ. ولكن لأنّ أشباه الأذكار والأوراد والعباديّات والتعبّديات لا قيمة عمليّة لها في نظرنا، ولأنّنا نعتبرها أمورًا تافهةً، فإنّنا لا نفكّر في هذه المسائل؛ في حين أنّني أُقسم بالله، إنّ المشكلة والعقدة والابتلاء في هذه الأذكار والأوراد والخصائص التي وُضِعَت لكلّ فردٍ على حدة، هي أكبر بكثيرٍ من المسائل الاجتماعيّة!

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

10
  • ضرورة إحاطة الأستاذ بحالات الأفراد من أجل طرحه للأوامر السلوكيّة

  • إنّ الإحاطة والاطّلاع على جوانب وخصائص الضمائر والنفوس التي كان [الأعاظم] يمتلكونها في هذا المقام ويتحدّثون عنها، كلّها لها دورٌ في هذه المسائل، وهي تشكّل الركن الأساسيّ لتربية الفرد. إنّ مسألة العمل والسير إلى الله ليست مسألةً عاديّةً ومُملاةً مُسبقًا، وليست ـ كما يُقال ـ مسألةً مُعدّةً، لكي يقوم بها أيّ أحد، ويُقال له: «خذ هذه الوصفة وانطلق!». لا أبدًا! بل إنّ جميع الخصائص النفسيّة الموجودة الآن وسابقًا وفي السنوات القادمة، وحتّى في المقام الذي يجب أن يصل فيه الإنسان إلى الفعليّة، يجب أن تُراعى من قِبَل الشخص الذي يأمر، والذي عليه أن يأخذ في الاعتبار الحالات التي كانت موجودةً في ذلك الإنسان منذ ولادته، وحتى الحالات التي يصل إليها في النهاية، ثمّ يقول له: «افعل هذا العمل». 

  • إنّنا بعيدون جدًّا عن هذا المقام! أين المسائل الاجتماعيّة من هذا؟! فنجد أيّ شخصٍ قد سار خطوتين واطّلع على شيءٍ ما، صار خبيرًا بالمسائل الاجتماعيّة! فنراه يقول: «هذه ليست شيئًا، هذه ليست مسألةً! فالأشخاص العاديّون يعلمون ما سيحدث بعد ذلك، ويقولون: "لا تفعل هذا العمل، وافعل ذاك". فهذه ليست شيئًا!».

  • وبما أنّ الأمر يبدو لنا تافهًا إلى هذا الحدّ، فإنّنا نعتبر الأذكار والأوراد أمورًا تافهةً، ونتدخّل في المسائل الاجتماعيّة والسلوك العمليّ ونبدأ بالاعتراض: «يا سيّدي، ماذا عن هنا؟! ماذا عن هناك؟! لقد أخطأ الأستاذ هنا، ولقد أحسن في هذا الموضع! كان من الأفضل لو كان الأمر هكذا، وذاك كان من الأفضل لو كان بتلك الطريقة!». 

  • يا عزيزي، هذه ليست شيئًا! أنا أعرف شخصًا ليس من السلاّك، ولا من السائرين في طريق العرفان، ولم يفعل شيئًا، فقط انكشفت له بعض الأمور؛ فأخبرني بنفسه عن كلّ المسائل؛ لقد أخبرني عن كلّ ما حدث في الماضي وحتى الآن، وما سيحدث في المستقبل، كلّه أخبرني عنه! ولكنّني لا أخبر أحدًا! هو ليس بسالكٍ، ولا قد سار في طريق العرفان، لا شيء، لا شيء... بل هو شخصٌ عاديٌّ. هذه ليست شيئًا يا عزيزي! لقد أخبر بجميع الخصائص، ماذا يحدث الآن، وماذا سيحدث لاحقًا. وحتّى الآن، كلّ ما قاله كان صحيحًا، إذن لا بدّ أن يكون ما سيحدث لاحقًا صحيحًا أيضًا.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

11
  • حصر طريق السلوك في التعبّد والطاعة للأوامر

  • هنا، يجب علينا أن نجعل طريقنا طريقًا واحدًا؛ فما الطريق إلاّ التعبّد والطاعة. وهنا، لا يقبل الأمر أيّ جدالٍ أو استجواب؛ ومن يريد الجدال فليذهب إلى بيت خاله! فهذه الأحاديث لا مكان لها هنا!

  • إبليس، على الرغم من أنّه كان يمتلك العلم، إلا أنّه لم يستخدمه. كان يعلم أنّ الأوامر الإلهيّة قائمةٌ على أساس المصلحة، وأنّ هناك حقيقةً هنا، ولكنّ الهوى غلبه على الأمر [الإلهيّ]؛ فقد استعان بالمواهب الخفيّة التي وضعها الله في وجوده، وضرب بأمره تعالى عرض الحائط؛ تمرّد ولم يسجد. فقال له تعالى: «حسنًا! بما أنّك تمرّدت، فلا بدّ لي من القضاء عليك؛ فنحن نقضي على جميع المتمرّدين!». فقال: «لا! يا الله، أمهلني!». 

  • فرأى الله تعالى أنّه قد خلق شيئًا عجيبًا! في رأيي، لم يجد أحدًا أفضل من الشيطان ليجعله حاجبًا وحارسًا لحضرته! حتّى جبرائيل لا يستطيع مقاومته! الشيطان قويٌّ جدًّا ومرتفعٌ إلى درجة أنّه لو وصل شخصٌ إلى مقام جبرائيل، فإنّ الشيطان سيأتي ويقف في طريقه، ويقول له: «لن أدعك ترتقي إلى الأعلى؟!».

  • إذا تذكرون، فقد قلت لكم قبل بضعة أيّام:۱ إنّ العمل الذي يقوم به الشيطان ليس أن يبتلي الناس بالزنا، وشرب الخمر، والسرقة، والغيبة، والافتراء؛ فهذه أعمالٌ عاديّةٌ يقوم بها الناس بأنفسهم! عمل الشيطان ومسؤوليّته هي أن يقف عند مقام جبرائيل، ويمنع أيّ شخصٍ يريد الصعود إلى الأعلى، ويقول: «إلى أين؟! لن أسمح لأيّ أحدٍ أن يتجاوز هذا المقام!». هذه هي المسألة!

  • إحاطة الشيطان بالجوانب النفسيّة للإنسان

  • من هو الذي يُبرّر ويُزيّن المسائل والجوانب النفسيّة التي تظهر للإنسان في المقامات؟ إنّه الشيطان! أمّا حبّ المال وحبّ المقام، فهذا للمراتب الدنيا؛ بل إنّ الحالات التي تظهر لنا في ذلك الموضع (أدنى أنانيّة، أدنى محاولة للحفاظ على المقام، وأدنى حُشاشة٢ متبقّية في وجودنا)، فإنّ الشيطان هو من يظهرها! 

  • إذن، يتّضح أنّ الشيطان يصعد مع الإنسان؛ فالإنسان يصعد خطوةً واحدة، وهو أيضًا يقول: «أنا أيضًا أتيت!»، ثمّ نصعد أعلى، وهو أيضًا يقول: «أنا أيضًا أتيت!»، فنقول له باستمرار: «عزيزي، دعني وشأني!». فيقول: «لا! أينما كنتَ، أنا معك!». نستمرّ في الصعود، وهو أيضًا يأتي؛ نصل إلى مقام الملائكة الأدنى ونتجاوزهم، وهو أيضًا يأتي؛ حتى نصل إلى جبرائيل، وهو أيضًا يأتي! فما هذا المقام الذي وصل إليه بحيث تسنّى له التواجد في كلّ هذه المراحل! لكن، عندما نريد أن نتجاوز هذا المقام، يعلو صراخه ونحيبه: «يا للعار! لقد أفلتَ مني واحدٌ!».

    1. مباني الإسلام، سلسلة محاضرات الولاية التكوينيّة، المحاضرة السادسة.
    2. معجم مقاييس اللغة، ج ٢، ص ۱٢:
      الحُشَاشَة: بقية النّفْس‌.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

12
  • قصّة لقاء الشيطان مع إبراهيم عليه السلام

  • لقد قرأتُ سابقًا روايةً عن إبراهيم عليه السلام، وتفاصيلها لا تخطر ببالي، ولكن مضمونها هو هذا: 

  • كان نبيّ الله إبراهيم ذات مرّةٍ يتعبّد على قمة جبل على ما يبدو؛ فجاء الشيطان وبدأ بالحديث معه. فقال له إبراهيم عليه السلام: «أنت تُضلّ كلّ هذا العدد من الخلائق والناس، فهل رأيتَ منّي شيئًا حتى الآن يُسبّب لي الابتعاد عن الله أو حالةً من الغفلة؟»، فقال: «بما أنّك سألتني بنفسك، فسأقول لك: أتتذكّر الأوقات التي كانت زوجتك تُعدّ لك فيها حساءً لذيذًا وطيّبًا؟۱ فكانت تعدّ لك حساءً باللبن أو الزبادي طيّبًا. عندما يكون ساخنًا، تشربه، فيُعجبك قليلاً! في ذلك الوقت، تنتابك قليلاً حالةٌ من الغفلة عن الله؛ وهذا هو الوقت الذي آتي فيه إليك!». فقال نبيّ الله إبراهيم: «لقد نصحتَني، ولكنّني تبتُ؛ لن آكل بعد الآن من الحساء الذي تعدّه زوجتي حتى لا تنتابني هذه الحالة من الغفلة!» فقال الشيطان: «وأنا أيضًا تبتُ عن نصح أيّ أحدٍ بعد الآن!» (لم نتّفق على أن نفترق عن بعضنا البعض! لقد أتينا لنكون رفقاء! أنت قلتَ شيئًا فقلتُ أنا أيضًا شيئًا آخر؛ والآن بما أنّك تبتَ، فإنّني أيضًا تبتُ عن نصح أيّ أحدٍ!)٢

  • قصّة حوار الشيطان مع النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسعيُه لإيجاد اليأس فيه

  • تذكّرتُ الآن هذه المسألة، ومن الجيّد الإشارة إليها: 

  • في يومٍ من الأيّام، تجسّد الشيطان للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقال له: «يا رسول الله! أريد أن أخبرك بأمر: أتدري ما هو مقامي ومكانتي؟! لقد كنتُ شخصًا سجدتُ وعبدتُ الله لأربعة آلاف سنة (أو كما في روايةٍ أخرى أربعمائة ألف سنة)! أحيانًا كانت مسبحتي تسقط من يدي، فكان ثمانون ألف مَلَكٍ يتحرّكون وينزلون ويهرعون ليأخذوا تلك المسبحة (مسبحة الشاه مقصود)، ويضعوها في يدي مرّة أخرى! أتدري لماذا وصلتُ إلى هذا الحال الآن؟! لأنّني عصيتُ الله مرّةً واحدة!».٣

  • نُقِلَ عن المرحوم الشيخ الأنصاري الهمداني رضوان الله عليه أنّه كان يقول: 

  • إنّ هذه النصيحة التي قدّمها الشيطان للنبيّ لم تكن نصيحةً؛ بل كان يريد أن يوجد اليأس في النبيّ! (إنّه موجودٌ لئيم، ذهب حتّى إلى النبيّ!) لكي يقول له: «لا تتعلّق كثيرًا بهذه الأعمال والمقامات التي أعطاكَ إيّاها الله؛ فقد ترى فجأةً أنّه يُسقِطُكَ كما أسقطني!». إنّه يريد أن يوجد اليأس! لأنّ عمل الشيطان هو الشيطنة؛ فلا يمكن أن يصدر خيرٌ أو صلاحٌ منه!٤

    1. لا يخفى أنّ هذا ليس مثل ما يقوله البعض: «سأُعدّك لك حساءً طيّبًا»، ويقصدون من ذلك التهديد بالضرب وأمثال ذلك! كلاّ!
    2. الأمالي، الشيخ الطوسيّ، ص ٣٣٩ و٣٤۰، مع اختلاف يسير.
    3. خزينة الجواهر، ص ٦٤٦ و٦٤۷، مع اختلاف يسير.
    4. راجع: مطلع أنوار (فارسي)، ج ٢، ص ٣۱٦.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

13
  • ثبات الشيطان في إضلال الناس

  • لهذا، كما ذكرتُ لكم مرّاتٍ عديدة، إذا قلنا أيّ كلامٍ وتخاذلنا عن هذا الكلام، فإنّنا علينا أن نعلم أنّ الشيطان ثابتٌ على الكلمة التي قالها! فهو الذي يقول: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغوِيَنَّهُم أَجمَعِينَ﴾۱، ويقسم بعزّة الله أنّه سيُضلّهم جميعًا، ولن يتراجع أبدًا عن كلامه! لذا، من الآن فصاعدًا، أينما واجهتموه، فاعلموا أنّه قد أقسم أنّه سيُضلّهم! أمّا كيفيّة فهم هذا الإغواء، فلها طريقةٌ خاصّة، وقد انتهت هذه الأيّام [هذا المجلس]؛ فإذا أعطانا الله التوفيق، فسنبحث هذه المسألة في وقتٍ لاحق إن شاء الله.

  • الأخطار المهلِكة لامتلاك العلم دون نيّة خيِّرة

  • على كلّ حال، لم يكن هذا العلم مفيدًا للشيطان. 

  • لقد قلتُ في يوم عاشوراء٢: إنّ سيّد الشهداء عليه السلام قال: «النّاسُ عَبيدُ الدُّنيا والدّينُ لَعِقٌ عَلى ألسِنَتِهم يحوطونَهُ ما دَرَّت مَعايشُهم فَإذا مُحِّصوا بِالبَلاء قَلَّ الدَّيانون».٣ إنّ الناس عبيدٌ للدنيا، فيستخدمون العلم من أجل الدنيا؛ أي أنّهم يتعلّمون لكي يستفيدوا من علمهم في الدنيا. إنّ جميع الأفراد الذين تسبّبوا بالهزائم والضربات التي تعرّض لها الإسلام والأمّة الإسلاميّة حتى الآن، لم يكونوا من الجاهلين؛ لأنّ الجاهل لا يستطيع القيام بعملٍ، بل إنّ جميعهم كانوا علماء، تقدّموا بعلمٍ ووجّهوا ضرباتهم بعلمٍ! فقد دخلوا من الطريق الصحيح، ومن الطرق التي يجب على الإنسان أن يكون دقيقًا جدًّا لفهمها! فنجد ظاهرهم موجّهٌ وجيّدٌ ومستحسن، ولكنّ باطنهم خطيرٌ جدًّا، وأخطر من سمّ الأفاعي! 

  • إنّ العلم وحده لا يجدي نفعًا للإنسان، بل يجب على الإنسان أن تكون لديه إرادة الخير والصلاح من هذا العلم لكي يُؤتي ثماره.

  • النهاية السيّئة لعالِمٍ كان زميلَ بحثٍ لآية الله السيد جمال الدين الكلبايكانيّ

  • ذات مرّة، ذكر الوالد [العلاّمة الطهرانيّ] حكاية عن السيّد جمال الدين الكلبايكانيّ رحمة الله عليه قال فيها: 

  • عندما كنتُ في النجف، كان لديّ زميل بحثٍ، وكان شخصًا ذكيًّا جدًّا، وفطِنًا، وعالمًا، ومُحصِّلاً، وفاضلاً، وموجّهًا، ثمّ أصبح مجتهدًا ومن الأعاظم؛ ثمّ جاء وودّعني وقال: «أنا ذاهبٌ إلى موطني في شاهرود». ومنذ ذلك الوقت، لم أعد أسمع عنه أيّ شيء. مرّ وقتٌ طويلٌ على هذه القصّة، وذات مرّة، كنتُ جالسًا في الطابق العلويّ من منزلي في جوّ الصيف الحارّ، فسمعتُ الباب يُطرق. جاء طفلي وقال: «هناك رجلٌ حليق اللحية، يرتدي قبّعةً قديمةً وعصا، ويريد أن يتحدّث معك!». فقلتُ له: «قل له أن يصعد لأراه». فدخل هذا الشخص إلى نفس الغرفة التي كنتُ فيها. فجأةً، نظرتُ فرأيتُ شخصًا غريبًا جدًّا! رجلٌ حليق اللحية، يرتدي ربطة عنق وقبّعة، ويمسك بعصا في يده، تقدّم وقال: «ألا تعرفني؟!»، فقلتُ: «كلاّ، لا أعرفك!». لم أتعرّف عليه! فقال: «أنا فلان، زميلك في البحث!»، فقلتُ له: "قبّح الله وجهك! ما هذه التمثيليّة التي تقوم بها؟!».

    1. سورة ص، الآية ۸٢.
    2. مباني الإسلام، سلسلة محاضرات الولاية التكوينيّة، المحاضرة ۱۰.
    3. تحف العقول، ص ٢٤٥؛ لمعات الحسين، ص ٢۷.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

14
  • فلم يتأثّر، وكأنّ شيئًا لم يحدث! جاء وجلس، و «بشنويد اي دوستان اين داستان!».۱ فقال: «يا سيّد، عندما ذهبتُ من النجف إلى شاهرود، وأصبحتُ عالمها الوحيد، بدأ الجميع بالتعظيم والتبجيل لي، وارتفعت مكانتي، وسمعتُ الهتافات: «لقد جاء حضرة الشيخ، لقد جاء حضرة الشيخ!»، وذبحوا لي الأبقار والأغنام، وزيّنوا المدينة، وصاحوا: «لقد جاء مرجعنا، لقد جاء ملاذنا، لقد جاء حجّة الإسلام!». 

  • مضى على هذه القصّة بعض الوقت. في يومٍ من الأيّام، دعاني حاكم شاهرود إلى منزله. عندما ذهبتُ إلى هناك، رأيتُ مائدةً وُضِعَت فيها ﴿مَا تَشتَهِيهِ ٱلأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعيُنُ﴾٢! باختصار، كلّ شيء من الأطعمة وغيرها كان موجودًا هناك، فبدأتُ بالأكل. بعد ذلك، رأيتُ أنّه من الضروريّ أن أغادر المجلس لأنّ بقائي فيه مضرٌّ بالإسلام ولا توجد فيه مصلحة! فقمتُ وخرجتُ. 

  • في الأسبوع التالي، دعاني مرّة أخرى بمناسبةٍ ما، وقال: «يا شيخ، لدينا مجلسٌ بخصوص أوضاع البلاد. وعلى أيّ حال، أنت مجتهدٌ وحجّة الإسلام في المدينة؛ لا بدّ أن تأتي». فذهبتُ، ورأيتُ أنّهم وضعوا الخمر وأشياء أخرى على مائدة الطعام! فغضبتُ وتألّمتُ جدًّا، لأنّه قد أحضر الخمر على المائدة في وجودي، وأنا الذي جئتُ من النجف، وأنا حجّة الإسلام، وبهذه العمامة! فخرجتُ منزعجًا وذهبتُ إلى المنزل. 

  • بعد بضعة أيّام، أرسل لي حضرة السلطان هديّةً من الدنانير الذهبيّة. (من تلك الدنانير التي كلّ واحدةٍ منها كالسهم في عين الإنسان؛ فالأوّل سهم، والثاني سهمٌ آخر، فتأتي هذه الدنانير الواحدة تلو الأخرى وتُصيب الإنسان). فأحضرها وقال: «يا شيخ، هذه من السلطان. أنت أعلم بالفقراء، والمحتاجين، والأيتام، وذوي الحاجة والسائلين؛ فقسّمها عليهم». فأخذتُها، وقلتُ: «حسنًا، سأضعها في مصارفها الخاصّة». 

  • اعتذرنا وما إلى ذلك... ودعاني مرّة أخرى؛ فذهبتُ ورأيتُ أنّه لا يوجد خمرٌ في المجلس. كان المجلس منظّمًا ومحترمًا جدًّا؛ ولكنّني في نهاية المجلس رأيتُ أنّهم يتشاورون ويتهامسون، ويريدون أن يقولوا شيئًا، ولكنّهم يخجلون. فجاء أحدهم إلى حضرة الحاكم وقال له شيئًا، فقال الحاكم: «عليك أن تستأذن الشيخ! لا يُمكنني أن أُبرز رأيي هنا!». فقلتُ: «ما الأمر؟»، فقال: «يا شيخ، إنّهم يريدون أن يُبلّلوا شفاههم، وهم يخجلون منك، ويستحيون. لقد طلبوا الإذن، فلا تتدخّل في الأمر هذه المرّة، ولا تقل شيئًا، وأطرق برأسك، واسمح لهم أن يفعلوا ما يريدون بأنفسهم! لا توجد مشكلة!». 

    1. المصرع الأوّل من بيت شعريّ لمولانا جلال الدين الروميّ (المثنويّ المعنويّ (آذر يزدي)، الكتاب الأوّل، ص٦) هذا هو تمامه:
      بشنوید ای دوستان این داستان***خود حقیقت نقد حال ماست آن 
      [يقول: سمعوا يا أصدقائي هذه الحكاية، فإنّها بذاتها حقيقة نقد حالنا ووضعنا الحاليّ]
    2. سورة الزخرف، الآية ۷۱.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

15
  • فلم أقل شيئًا وأطرقتُ برأسي، (والسكوت علامة الرضا!)، فجاءوا وأقاموا مأدبة شرب الخمر، وبدأ الجميع بالشرب. في هذا الوقت، قامت امرأةٌ من بين الحاضرين، وأحضرتْ إناءً من الخمر أمامي، وقالت: «يا شيخ، لا يُمكننا ذلك من دونك!». (فرفع رأسه ورأى أنّها حسناء! ورأى أنّه لا يمكنه أن يرفض طلبها، وباختصار، لا يمكن للإنسان أن يُزعج قلب مؤمنٍ أو مؤمنة!!!). باختصار، بعد اللتيا والتي، شربتُ الكأس دفعةً واحدةً. 

  • وبعد أوّل جرعةٍ، شعرتُ فجأةً أنّ نور الإيمان قد خرج منّي وذهب! ورأيتُ أنّني لم أعد ذلك الشخص السابق! لقد انتهى الأمر! فخلعتُ العمامة، (ومن الواضح إلى أين وصل الأمر)، والآن أنا مقّربٌ جدًّا من السلطان!».۱

  • إنّ العلم الذي كان لدى هذا الرجل لم ينفعه. فهل يمكنكم أن تجدوا شخصًا أفضل من هذا؟ مجتهدٌ، فاضل، ومحصّل! فكيف يضع الشيطانُ وجنودُه الإنسانَ في قبضتهم بهذه الطريقة؟! لقد جاءوا إلى هذا المسكين بهذه الطريقة، ولكنّهم يأتون إلى البقيّة بطرقٍ أخرى؛ فليس من الضروريّ أن يكون الأمر خمرًا! يأتون ويسلبون الإنسان إيمانه أيضًا؛ وفجأةً، يرى هذا الإنسان أنّ المسائل التي يطرحها تختلف كثيرًا عن المسائل التي كان يطرحها قبل عشرين سنة! شيئًا فشيئًا، يأخذون روح الإيمان منه ويجعلونه مثل بقيّة الناس. يأتون إلى هذا الشخص من هذا الطريق، ويأتون إلى الآخرين من طرقٍ أخرى، فَإذا مُحِّصوا بِالبَلاء قَلَّ الديّانون! وفي هذه القضيّة، يا لها بحقّ من ابتلاءاتٍ حصلت! ويا لها من مسائل حدثت وتحدث!

  • قصّة انحراف عالِمٍ عظيمٍ في همدان في زمن رضا شاه

  • كان المرحوم همايوني ينقل: 

  • في همدان نفسها، رأيتُ أنّه عندما خلعوا العمامات في زمن رضا شاه، قال أعظم عالِمٍ في همدان، والذي كان شيخًا محترمًا ومُبجّلاً، عندما رأى أنّه لا يتمتّع بمكانةٍ في أعين الناس: «إذن، لماذا درسنا كلّ هذه الدروس؟! ولماذا تحمّلنا كلّ هذه الصعوبات والآلام؟! إذا كان الأمر على هذا النحو، وأنّ الناس لن يهتمّوا بنا، فإنّنا سنترك كلّ هذه الدروس ونذهب للعمل من أجل مصلحة هؤلاء الناس؛ وإذا لم يكن هذا ممكنًا بهذا اللباس، فبطريقةٍ أخرى! على أيّ حال، يجب أن نسهّل أمور الناس!». 

    1. راجع: مطلع أنوار (فارسي)، ج ٢، ص ٤۱٥، الهامش.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

16
  • فخلع العمامة، وأعطوه منصب القضاء ودخل في جهاز الحكم. ولقد أطلقوا عليه اسم "جاموس العلماء"!». لقد وصل هذا الرجل الفاسق الفاجر ـ بعد أن خلع لباسه ـ إلى درجة أنّ لُصوص همدان كانوا يستحيون منه! فأولئك الذين كانوا يقومون بكلّ عملٍ سيّء، كانوا يقولون: «لقد سبقنا هذا الرجل!». 

  • أي: انظر أين يكون الإنسان، وإلى أين يمكنه أن يصل! والنقطة الأدقّ هي: قد يصل الإنسان إلى هذا الحدّ دون أن يخلع لباسه [أي لباس العلماء]! فقد يقوم بأعمالٍ لا يقوم بها أيّ لئيم أو أيّ شخصٍ وضع الله فيه أدنى ضمير. أردتُ أن أطرح المزيد من المسائل، ولكنّ حالي لا يقتضي ذلك، والموضوع قد اتّضح على أيّ حال. فهذا ما يتعلّق بالمسائل التي تحدّثنا عنها خلال الأيّام القليلة الماضية. 

  • لم يكن لديّ أيّ نيّةٍ لطرح المواضيع التي تحدّثنا عنها في هذه الأيّام، بل كان قصدي من طرح هذه الآية الشريفة هو فقط بيان السير النزوليّ للإنسان، ومواجهته للمسائل التي يُبتلى بها في هذا السير، وكذلك بيان سيره الصعوديّ والمسائل التي تحدث؛ فأردتُ أن أتحدّث ضمن هذا النطاق، ولكنّ هذه الأمور حدثت من تلقاء نفسها، ولم يكن ذلك بيدي. 

  • الحمد لله تعالى، تمّ طرح مجموعة من المسائل، ولكن، لا يمكن قول كلّ كلامٍ أو موضوع! في بعض الأحيان، قد يتسبّب قول وطرح بعض المسائل بالمشاكل للإنسان والآخرين. لقد اكتفينا بهذا المقدار، ونترك المزيد إلى وقتٍ لاحق إن شاء الله تعالى؛ لأنّنا مأمورون بأن نضع المسائل في مكانها الصحيح وموضعها المناسب، حتى لا تحدث مشكلةً ولا يكون طرحها ثقيلاً. «لِكُلِّ مَقامٍ مَقالاً»؛۱ فيجب أن يُؤخذ في الاعتبار الكلام المناسب لكلّ موقف.

  • نهي الإمام الصادق المعلّى بن خُنيس عن إفشاء الأسرار

  • تذكّرتُ هذه الرواية: كان المعلّى بن خنيس أحد أصحاب سرّ الإمام الصادق، وكان الإمام يذكر للمعلّى أشياء، وكان هو ينقلها هنا وهناك، فتصل إلى مسامع الحكّام والسلاطين. كانوا يرون أنّ المواضيع التي تُطرَح في مجالس المعلّى تضرّ بجهازهم وتتعارض مع سياستهم، فبدأوا بإيذائه وتعذيبه. في يومٍ من الأيّام، قال الإمام الصادق عليه السلام للمعلّى: «بكلامك هذا، سيأتي يومٌ وتُصلَب فيه!». وهذا ما حدث! أخذوا المعلّى المسكين، وبسبب الكلام الذي قاله ـ وكان معارضًا للحكم ـ قاموا بصلبه٢؛ لأنّه [من وجهة نظر الحكّام والسلاطين]، على أيّ حال، يجب أن تبقى دنياهم [محفوظة]؛ وبعد ذلك، فليكن ما يكون، وليمُت من يمُوت!

    1. الأغاني، ج ٢، ص ٤٥٢:«الحطيئة... قال: 
      تَحَنَّن عَليَّ هَداكَ المَليكُ***فإنَّ لِكلِّ مقامٍ مقالًا.
    2. راجع: رجال الكشّي، ص ٣۷٦ ـ ٣۸٢.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

17
  • لهذا، لا يمكن الإفصاح عن كلّ شيء. فمن بين الحقائق التي بيّنها الأئمة عليهم السلام، كان الأئمة أنفسهم لديهم كلامٌ لكلّ واحدٍ [بما يناسب مقامه]؛ فكلّ واحدٍ من أصحابهم كان في مكانةٍ، والمواضيع التي كان يقولها الإمام الصادق أو الإمام الباقر لأبي بصير أو محمد بن مسلم على سبيل المثال، لم يكونوا يصرّحون بها ـ بالتأكيد ـ للأفراد الذين كانوا في مرتبةٍ أدنى.

  • رثاء السيدة الزهراء عليها السلام

  • هذا هو اليوم الأخير من هذا المجلس، ولنذكر فيه السيّدة الزهراء عليها السلام. لن أدخل في مقدّماتٍ حول ما كانت عليه سقيفة بني ساعدة حقًّا، وما هي التمهيدات التي وُضِعَت لها من قبل، وكيف جاء أفرادٌ ماهرون وذوو رأيٍ وأذكياء، ونفّذوا ذلك الأمر بشكلٍ دقيق ومحسوب.۱ 

  • كانت لدى السيدة الزهراء عليها السلام خاصّيةٌ عجيبة، والأمر أسمى من أن نفكّر في حياتها واستشهادها عليها السلام. كانت السيدة الزهراء سرّ النبيّ، وكان وجودها لطيفًا وحسّاسًا ومتّصلاً بنفس النبيّ لدرجة أنّه لو لم يوقعوا عليها تلك المصائب بعد وفاة النبيّ الأكرم، لَكان فقدانه صلّى الله عليه وآله وسلّم بحدّ ذاته كافيًا لإهلاكها. 

  • إنّ حالات السيدة الزهراء وعلاقتها بالنبيّ غريبةٌ جدًّا! طوال حياة السيدة فاطمة الزهراء مع أمير المؤمنين عليه السلام، كان كلّ اهتمامها منصبًّا على النبيّ، وهذا أمرٌ لا يمكن قوله في كلّ مكان. كانت كلّ حياة السيدة الزهراء هي حياة النبيّ الأكرم، ولم يكن من الممكن أن يمرّ يومٌ عليها دون أن تراه مرّتين؛ وإذا لم تستطع أن تراه، كان هو بنفسه يأتي؛ لأنّه كان يعلم أنّه يجب أن يرى فاطمة وأن تراه فاطمة.٢

  • لهذا، في أحداث وفاة النبيّ الأكرم، عندما كانت السيدة الزهراء تبكي، أخبرها صلّى الله عليه وآله وسلّم بلقائها به بعد ذلك، فتبسّمت عليها السلام، وفرحت، وتوقّفت عن البكاء.٣ 

  • حقًّا، لو لم يُوقعوا هذه البلايا عليها، لَكان فقدان النبيّ وحده كافيًا لإهلاكها. لم يكن هناك حاجةٌ ليأتوا ويضغطوا الباب عليها، ويحرقوا منزلها، ويُسقطوا جنينها؛ لم تكن هناك حاجةٌ لذلك٤. لقد جاءت إلى جانب الباب دفاعًا عن زوجها (أمير المؤمنين عليه السلام). 

    1. راجع: السقيفة وفدك، ص ٣٥ ـ ٩٤؛ الإمامة والسياسة، ج ۱، ص ٢۱ ـ ٣٣؛ تاريخ الطبريّ، ج ٣، ص ٢۰٣ ـ ٢۱۱؛ أنساب الأشراف، ج ۱، ص ٥۷٩ ـ ٥٩۱؛ تاريخ اليعقوبيّ، ج ٢، ص ۱٢٣ ـ ۱٢٦؛ الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٢٥ ـ ٣٣٢؛ البداية والنهاية، ج ٥، ص ٢٤٥ ـ ٢٥۰.
    2. راجع: الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٢٣٤؛ الأمالي، الشيخ المفيد، ص ٣۱۸؛ الأمالي، الشيخ الطوسيّ، ص ۱٣٦ و٢٥۱ و٤۰۰؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ٣، ص ٢٣٢ و٢٣٣.
    3. الإرشاد، ج ۱، ص ۱۸٦ و۱۸۷.
    4. راجع: الإمامة والسّياسة، ص ٣۰؛ العقد الفريد، ج ٥، ص ۱٣؛ الهداية الكبرى، ص ۱۷٩ و٤۰۷ و٢۰۸؛ دلائل الإمامة، ص ۱٣٤؛ الاحتجاج، ج ۱، ص ۸٣؛ الملل والنّحل، ج ۱، ص ۷۱؛ الوافي بالوفيات، ج ٦، ص ۱٥؛ ميزان الاعتدال، ج ۱، ص ۱٣٩.

التعبّد هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع والقرب الإلهيّ - أخطار العلم من دون نية صالحة ومن دون تعبّد

18
  • قال عمر: «عندما سمعتُ صوت نحيب فاطمة، شعرتُ بحالةٍ من الرقّة؛ ولكنّني في هذه اللحظة، تذكّرتُ الأحقاد التي كانت لديّ من زوجها عليّ، وتذكّرتُ ما أصابنا من زوجها وأبيها، فضغطتُ على الباب».۱

  • ولَستُ أدري خَبَرَ المِسمارِ***سَل صَدرَها خَزانةَ الأسرارِ 
  • ووَكزُ نَعلِ السَّيفِ في جَنبَيها***أتيٰ بِكُلِّ ما أتى عَلَيها 
  • والبابُ والجِدارُ والدِّماءُ***شُهودُ صِدقِ ما بِهِ خِفاءُ 
  • ومـِـن نُبـوعِ الـدَّمِّ مِـن ثَديـَيـها***يعـرَفُ عَظـمُ ما جَـرى عَلَيهـا٢
  • سينه ای کز معرفت گنجينه اسرار بود***کی سزاوار فشار آن در وديوار بود؟!٣
  • [يقول: صَدْرٌ غَدَا مِنْ لُجَيْنِ العِرْفَانِ كَنْزًا لِلأَسْرَارِ، هَلْ يَسْتَحِقُّ ضَغْطًا بَيْنَ البَابِ وَالجِدَارِ؟!]

  • نادت: «يا رسولَ الله! يا أبَتاه! أهكذا يفعَلُ بِحَبيبَتِك؟! انظر ما يفعله هؤلاء القوم بابنتك!» ونادت فضّة: «يا فِضّةُ خُذيني فَقَد سَقَطَ ما في أحشائي؛٤ يا فضّة خذيني! أقسم بالله لقد أسقطوا جنيني!».

  • ﴿وَسَيَعلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ آلَ محمّدٍ ﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾٥.

  • باسمِك اللَهمّ ونَدعوك، ونُقسِمُ عليك ونَرجوكَ، بِحقّ محمدٍ وأهلِ بيتِه الأطهارِ يا الله!

  • اللهمّ اغفر لنا وارحمنا، ولا تُمِتْنا حتى تعفو عنّا، وامح بقلم عفوك جميع جرائم أعمالنا، وثبّتنا واجعلنا ثابتين على الصراط المستقيم للأئمّة الهداة عليهم السلام. اللهمّ لا تحرمنا من زيارتهم في الدنيا وشفاعتهم في الآخرة، انصر الإسلام والمسلمين، واقمع الكفّار والمعاندين. اللهمّ اشفِ مرضى المسلمين، واغفر لموتاهم وارحمهم، وعجّل في فرج إمام الزمان عليه السلام، واجعلنا من المنتظرين الحقيقيّين له.

  • بِالنَّبيّ وآلِه، وعَجّلِ اللهمّ في فرجِ مولانا صاحبِ الزّمان

  •  

  • اللَهمّ صلِّ عَلى محمد وآل محمد

    1. حار الأنوار، ج ٣۰، ص ٢٩٣ و٢٩٤، نقلاً عن دلائل الإمامة.
    2. أبيات شعريّة من: الأنوار القدسيّة، الكمبانيّ، ص ٤٣.
    3. ديوان الكمبانيّ، ص ٤٢.
    4. بحار الأنوار، ج ٣۰، ص ٢٩٤، نقلاً عن دلائل الإمامة، مع اختلاف يسير.
    5. سورة الشعراء، الآية ٢٢۷.