3

سبع حقائق حول الدين والمجتمع

دور النبوّة في حياة المجتمع

3
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم التاريخ و الاجتماع

المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان

العدد التسلسلي3

مقالات مجموعة (17 مقالة)

التوضيح

ما معنى الدين وما هدفه وكيف يرفع الاختلاف الاجتماعيّ؟ ولماذا تكاملت الشرائع السالفة في حين توقّف التكامل في الشريعة الخاتمة؟ ولماذا يجب أن تكون النبوّة معصومة؟

/۱۰
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

سبع حقائق حول الدين والمجتمع - دور النبوّة في حياة المجتمع

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • سبع حقائق حول الدين والمجتمع 

  • دور النبوّة في حياة المجتمع

  •  

  • سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث الثالث

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: تفسير الميزان ج٢

  •  

  •  

سبع حقائق حول الدين والمجتمع - دور النبوّة في حياة المجتمع

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد للّه ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

  • ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • [تقدم في البحثين السابقين۱ من سلسلة البحوث الاجتماعيّة في تفسير الميزان، أنّ الحياة الإنسانيّة كانت في بدايتها بسيطة والناس يعيشون فيها أمّة واحدة بغير اختلاف يحتاج إلى تشريعات اجتماعيّة، ثمّ وبسبب ما لدى الإنسان من علوم اعتباريّة أهمّها مبدأ وجوب الاستخدام ظهر الاختلاف الاجتماعيّ، فعالجه الله تعالى ببعث الأنبياء بالتشريعات الإلهيّة، وفي هذا السياق يتابع العلاّمة رضوان الله عليه بحثه في تفسير الآية، ملخّصًا النتائج التي ترتّب عليه في سبع حقائق حول الدين والمجتمع والنبوّة.]

  • أهداف بعثة الأنبياء وتفسير مقطع فبعث الله النبيّين مبشّرين

  • قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ﴾ إلخ، عبّر تعالى بالبعث دون الإرسال و ما في معناه لأنّ هذه الوحدة المخبر عنها من حال الإنسان الأوّلي حال خمود و سكوت، و هو يناسب البعث الذي هو الإقامة عن نوم أو قطون و نحو ذلك، و هذه النكتة لعلّها هي الموجبة للتعبير عن هؤلاء المبعوثين بالنبيين دون أن يعبّر بالمرسلين أو الرسل، على أنّ البعث و إنزال الكتاب كما تقدّم بيانه حقيقتهما بيان الحقّ للناس و تنبيههم بحقيقة أمر وجودهم و حياتهم، و إنبائهم أنهم مخلوقون لربهم، و هو الله الذي لا إله إلا هو، و أنهم سالكون كادحون إلى الله مبعوثون ليوم عظيم، واقفون في منزل من منازل السير، لا حقيقة له إلا اللعب و الغرور، فيجب أن يراعوا ذلك في هذه الحياة و أفعالها، وأن يجعلوا نصب أعينهم أنّهم من أين، و في أين، و إلى أين، و هذا المعنى أنسب بلفظ النبيّ الذي معناه: من استقر عنده النبأ دون الرسول، و لذلك عبّر بالنبيّين، و في إسناد بعث النبيّين إلى الله سبحانه دلالة على عصمة الأنبياء في تلقّيهم الوحي و تبليغهم الرسالة إلى الناس و سيجي‌ء زيادة توضيح لهذا في آخر البيان٢، و أما التبشير والإنذار أي الوعد برحمة الله من رضوانه و الجنّة لمن آمن و اتّقى، و الوعيد بعذاب الله سبحانه من سخطه و النار لمن كذّب و عصى فهما أمسّ مراتب الدعوة بحال الإنسان المتوسّط الحال، و إن كان بعض الصالحين من عباده و أوليائه لا تتعلّق نفوسهم بغير ربّهم من ثواب أو عقاب.

    1. وهما تحت العنوانين التاليين:
      ۱ـ كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
      ٢ـ النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
    2. راجع البحث المشار إليه في تفسير الميزان ج٢ ص ۱٣٤ والبحث المتخب تحت عنوان: عصمة الأنبياء. (م)

سبع حقائق حول الدين والمجتمع - دور النبوّة في حياة المجتمع

3
  • قوله تعالى: ﴿وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، الكتاب‌ فعال بمعنى المكتوب، و الكتاب بحسب المتعارف من إطلاقه و إن استلزم كتابة بالقلم، لكن لكون العهود والفرامين المفترضة إنّما تبرم بالكتابة غالبًا، شاع إطلاقه على كلّ حكم مفروض واجب الاتباع أو كلّ بيان بل كلّ معنى لا يقبل النقض في إبرامه، و قد كثر استعماله بهذا المعنى في القرآن، و بهذا المعنى سمّي القرآن كتابًا و هو كلام إلهيّ، قال تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ﴾۱، و قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾٢، و في قوله تعالى: ﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، دلالة على أن المعنى: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا ﴿إفَبَعَثَ اللَّهُ ﴾ ألخ، كما مر.

  • و اللام في الكتاب إما للجنس و إما للعهد الذهني و المراد به كتاب نوح عليه السلام لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‌ وَ عِيسى‌﴾٣، فإنّ الآية في مقام الامتنان و تبيّن أنّ الشريعة النازلة على هذه الأمّة جامعة لمتفرّقات جميع الشرائع السابقة النازلة على الأنبياء السالفين مع ما يختصّ بوحيه النبيّ صلّى الله عليه وآله، فالشريعة مختصّة بهؤلاء الأنبياء العظام: نوح و إبراهيم و موسى و عيسى [عليهم السلام] و محمّد صلّى الله عليه وآله.

  • النتائج المترتّبة على ضمّ آية كان الناس أمّة واحدة وآية شرع لكم من الدين 

  • و لما كان قوله تعالى: ﴿وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية يدل على أنّ الشرع إنما كان بالكتاب دلّت الآيتان بالانضمام: 

  • أولاً: على أنّ لنوح عليه السلام كتابًا متضمّنًا لشريعة، و أنّه المراد بقوله تعالى: ﴿وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ إمّا وحده أو مع غيره من الكتب بناءً على كون اللام للعهد أو الجنس.

  • و ثانيًا: أنّ كتاب نوح أوّل كتاب سماويّ متضمّن للشريعة، إذ لو كان قبله كتاب لكان قبله شريعة حاكمة و لذكرها الله تعالى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ (الآية).

    1. سورة ص، الآية ٢٩.
    2. سورة النساء، الآية ۱۰٣.
    3. سورة الشورى، الآية ۱٣.

سبع حقائق حول الدين والمجتمع - دور النبوّة في حياة المجتمع

4
  • و ثالثٌا: أنّ هذا العهد ـ الذي يشير تعالى إليه بقوله: ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ الآية ـ كان قبل بعثة نوح عليه السلام و قد حكّم فيه كتابه (ع).

  • قوله تعالى: ﴿وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ «مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ» بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾، قد مرّ أنّ المراد به الاختلاف الواقع في نفس الدين من حملته، و حيث كان الدين من الفطرة كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها﴾۱، نسب الله سبحانه الاختلاف الواقع فيه إلى البغي.

  • و في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ دلالة على أنّ المراد بالجملة هو الإشارة إلى الأصل في ظهور الاختلاف الدينيّ في الكتاب لا أنّ كلّ من انحرف عن الصراط المستقيم أو تديّن بغير الدين يكون باغيًا و إن كان ضالاًّ عن الصراط السويّ، فإنّ الله سبحانه لا يعذر الباغي، و قد عذر من اشتبه عليه الأمر و لم يجد حيلة و لم يهتد سبيلاً، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾٢، و قال تعالى: ﴿وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ - إلى أن قال-: ﴿وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾٣، و قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً﴾٤.

  • على أنّ الفطرة لا تنافي الغفلة و الشبهة، و لكن تنافي التعمّد و البغي، و لذلك خص البغي بالعلماء ومن استبانت له الآيات الإلهيّة، قال تعالى: ﴿وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾٥، و الآيات في هذا المعنى كثيرة، و قد قيّد الكفر في جميعها بتكذيب آيات الله ثمّ أوقع عليه الوعيد، و بالجملة فالمراد بالآية أنّ هذا الاختلاف ينتهي إلى بغي حملة الكتاب من بعد علم.

    1. سورة الروم، الآية ٣۰.
    2. سورة الشورى، الآية ٤٢.
    3. سورة التوبة، الآية ۱۰٦.
    4. سورة النساء، الآية ٩٩. 
    5. سورة البقرة، الآية ٣٩.

سبع حقائق حول الدين والمجتمع - دور النبوّة في حياة المجتمع

5
  • قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ بيان لما اختلف فيه و هو الحقّ الذي كان الكتاب نزل بمصاحبته، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾، و عند ذلك عنت الهداية الإلهية بشأن الاختلافين معًا: الاختلاف في شأن الحياة، و الاختلاف في الحقّ والمعارف الإلهيّة الذي كان عامله الأصليّ بغي حملة الكتاب، و في تقييد الهداية بقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ دلالة على أنّ هداية الله تعالى لهؤلاء المؤمنين لم تكن إلزامًا منهم و إيجابًا على الله تعالى أن يهديهم لإيمانهم، فإنّ الله سبحانه لا يحكم عليه حاكم، و لا يوجب عليه موجب إلا ما أوجبه على نفسه، بل كانت الهداية بإذنه تعالى و لو شاء لم يأذن و لم يهد، و على هذا فقوله تعالى: ﴿وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‌ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بمنزلة التعليل لقوله بإذنه، و المعنى إنّما هداهم الله بإذنه لأنّ له أن يهديهم و ليس مضطرًا موجَبًا على الهداية في مورد أحد، بل يهدي من يشاء، و قد شاء أن يهدي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم.

  • سبع حقائق دينيّة مستفادة من الآية و إثبات النبوّة العامّة

  • و قد تبين من الآية: 

  • ۱ـ تعريف الدين

  • أولاً: حدّ الدين و مُعرِّفُه و هو أنّه: نحو سلوك في الحياة الدنيا يتضمّن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأخرويّ، و الحياة الدائمة الحقيقيّة عند الله سبحانه، فلا بدّ في الشريعة من قوانين تتعرّض لحال المعاش على قدر الاحتياج.۱

  • ٢ـ أثر الدين في رفع الاختلاف

  • و ثانيًا: أنّ الدين أوّل ما ظهر ظهر رافعًا للاختلاف الناشئ عن الفطرة ثمّ استكمل رافعًا للاختلاف الفطريّ و غير الفطريّ معًا.

  • ٣ـ ٤ـ تكامل الدين وشرائعه 

  • و ثالثًا: أنّ الدين لا يزال يستكمل حتّى تستوعب قوانينه جهات الاحتياج في الحياة، فإذا استوعبتها ختم ختمًا فلا دين بعده، و بالعكس إذا كان دين من الأديان خاتمًا كان مستوعبًا لرفع جميع جهات الاحتياج، قال تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾٢ و قال تعالى: ﴿وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ﴾٣، و قال تعالى: ﴿وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ﴾.٤

    1. وسبق للعلاّمة أن عرّفه في الجزء ۱ ص ٤٢٣ بتعريف قريب من ذلك فقال: الدين مجموع مركب من معارف المبدأ و المعاد، و من قوانين اجتماعيّة من العبادات و المعاملات مأخوذة من طريق الوحي و النبوة الثابت صدقه بالبرهان. 
    2. سورة الأحزاب، الآية ٤۰.
    3. سورة النحل، الآية ۸٩.
    4. سورة حم تنزيل، الآية ٤٢.

سبع حقائق حول الدين والمجتمع - دور النبوّة في حياة المجتمع

6
  • و رابعًا: أنّ كل شريعة لاحقة أكمل من سابقتها.

  • ٥ ـ هدف بعثة الأنبياء وإثبات النبوّة

  • و خامسًا: السبب في بعث الأنبياء و إنزال الكتب، و بعبارة أخرى العلة في الدعوة الدينيّة، و هو أنّ الإنسان بحسب طبعه و فطرته سائرٌ نحو الاختلاف، كما أنّه سالك نحو الاجتماع المدني. و إذا كانت الفطرة هي الهادية إلى الاختلاف لم تتمكّن من رفع الاختلاف، و كيف يدفع شي‌ء ما تجذبه إليه نفسه؟! فرفع الله سبحانه هذا الاختلاف بالنبوّة و التشريع بهداية النوع إلى كماله اللائق بحالهم المصلح لشأنهم، و هذا الكمال كمال حقيقيّ داخل في الصنع و الإيجاد فما هو مقدّمته كذلك، و قد قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطى‌ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‌﴾۱، فبيّن أنّ من شأنه و أمره تعالى أن يهدي كلّ شي‌ء إلى ما يتمّ به خلقه، و من تمام خلقة الإنسان أن يهتدي إلى كمال وجوده في الدنيا و الآخرة، و قد قال تعالى أيضًا: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ ٢، و هذه الآية تفيد أنّ شأنه تعالى هو الإمداد بالعطاء: يمدّ كلّ من يحتاج إلى إمداده في طريق حياته و وجوده، و يعطيه ما يستحقّه، و أنّ عطاءه غير محظور و لا ممنوع من قبله تعالى إلا أن يمتنع ممتنع بسوء حظّ نفسه، من قبل نفسه لا من قبله تعالى.

  • و من المعلوم أنّ الإنسان غير متمكّن من تتميم هذه النقيصة من قبل نفسه فإنّ فطرته هي المؤدّية إلى هذه النقيصة فكيف يقدر على تتميمها و تسوية طريق السعادة و الكمال في حياته الاجتماعية؟!

  • و إذا كانت الطبيعة الإنسانيّة هي المؤدية إلى هذا الاختلاف العائق للإنسان عن الوصول إلى كماله الحريّ به و هي قاصرة عن تدارك ما أدّت إليه و إصلاح ما أفسدته، فالإصلاح (لو كان) يجب أن يكون من جهة غير جهة الطبيعة، و هي الجهة الإلهيّة التي هي النبوّة بالوحي، و لذا عبّر تعالى عن قيام الأنبياء بهذا الإصلاح و رفع الاختلاف بالبعث و لم ينسبه في القرآن كلّه إلا إلى نفسه مع أن قيام الأنبياء كسائر الأمور له ارتباطات بالمادّة بالروابط الزمانيّة و المكانيّة.

    1. سورة طه، الآية ٥۰.
    2. سورة الإسراء، الآية ٢۰.

سبع حقائق حول الدين والمجتمع - دور النبوّة في حياة المجتمع

7
  • تعريف النبوّة

  • فالنبوّة حالة إلهيّة (و إن شئت قل غيبيّة) نسبتها إلى هذه الحالة العموميّة من الإدراك و الفعل نسبة اليقظة إلى النوم۱ بها يدرك الإنسان المعارف التي بها يرتفع الاختلاف و التناقض في حياة الإنسان، وهذا الإدراك و التلقّي من الغيب هو المسمّى في لسان القرآن بالوحي، و الحالة التي يتّخذها الإنسان منه لنفسه بالنبوّة.

  • و من هناك يظهر أنّ هذا ـ أعني تأدية الفطرة إلى الاجتماع المدني من جهة و إلى الاختلاف من جهة أخرى، و عنايته تعالى بالهداية إلى تمام الخلقة٢ ـ مبدأ حجّة على وجود النبوّة، و بعبارة أخرى دليل النبوّة العامّة.

  • تقرير البرهان على النبوّة العامّة بعبارة أخرى

  • تقريره: أنّ نوع الإنسان مستخدِم٣ بالطبع، و هذا الاستخدام الفطريّ يؤدّيه إلى الاجتماع المدنيّ و إلى الاختلاف و الفساد في جميع شؤون حياته، [التي] يقضي التكوين و الإيجاد برفعها، و لا ترتفع إلا بقوانين تُصلح الحياة الاجتماعيّة برفع الاختلاف عنها، و هداية الإنسان إلى كماله و سعادته بأحد أمرين: 

  • إمّا بفطرته و إمّا بأمر وراءه.

  • لكنّ الفطرة غير كافية فإنّها هي المؤدّية إلى الاختلاف فكيف ترفعه؟ فوجب أن يكون بهداية من غير طريق الفطرة و الطبيعة، و هو التفهيم الإلهيّ غير الطبيعيّ المسمّى‌ بالنبوّة و الوحي.

  • كون مقدّمات البرهان قرآنيّة وتجريبيّة 

  • و هذه الحجّة مؤلّفة من مقدّمات مصرّح بها في كتاب الله تعالى كما عرفت فيما تقدّم، و كلّ واحدة من هذه المقدّمات تجربيّة، بيّنتها التجربة للإنسان في تاريخ حياته و اجتماعاته المتنوّعة التي ظهرت وانقرضت في طيّ القرون المتراكمة الماضية، إلى أقدم أعصار الحياة الإنسانيّة التي يذكرها التاريخ.

  • فلا الإنسان انصرف في حين من أحيان حياته عن حكم الاستخدام، و لا استخدامه لم يؤدّ إلى الاجتماع و قضى بحياة فرديّة، و لا اجتماعه المكوّن خلا عن الاختلاف، و لا الاختلاف ارتفع بغير قوانين اجتماعيّة، و لا أنّ فطرته و عقله الذي يعدّه عقلاً سليمًا [قدرا] على وضع قوانين تقطع منابت الاختلاف و تقلع مادّة الفساد، و ناهيك في ذلك: ما تشاهده من جريان الحوادث الاجتماعيّة، و ما هو نصب عينيك من انحطاط الأخلاق و فساد عالم الإنسانيّة، و الحروب المهلكة للحرث والنسل، و المقاتل المبيدة للملايين بعد الملايين من الناس، و سلطان التحكّم و نفوذ الاستعباد في نفوس البشر وأعراضهم و أموالهم في هذا القرن الذي يسمّى عصر المدنيّة و الرقيّ و الثقافة و العلم، فما ظنّك بالقرون الخالية، أعصار الجهل و الظلمة؟!

    1. يريد أنّ السبب في هذا هو تعبير القرآن عن النبوّة بالبعث وكأنّ الله يوقظ النبيّ ويبعثه من نومه الذي كان فيه وكانت فيه أمّته. (م) 
    2. أي كمال الموجود. (م) 
    3. تقدّم في البحثين السابقين أنّ من مدركات الإنسان ومعلوماته الاعتباريّة العمليّة وجوب الاستخدام بمعنى الاستفادة من كلّ ما حوله بما فيه الإنسان الآخر. (م)

سبع حقائق حول الدين والمجتمع - دور النبوّة في حياة المجتمع

8
  • و أما أنّ الصنع و الإيجاد يسوق كلّ موجود إلى كماله اللائق به فأمر جار في كلّ موجود بحسب التجربة و البحث، و كذا كون الخلقة و التكوين إذا اقتضى أثرًا لم يقتض خلافه بعينه أمر مسلم تثبته التجربة والبحث، و أمّا أنّ التعليم و التربية الدينيّين الصادرين من مصدر النبوّة و الوحي يقدران على دفع هذا الاختلاف و الفساد فأمر يصدّقه البحث و التجربة معًا: 

  • الدليلان النظري والتجريبي على رفع الدين للاختلاف والفساد

  • أما البحث: 

  • فلأنّ الدين يدعو إلى حقائق المعارف و فواضل الأخلاق و محاسن الأفعال فصلاح العالم الإنسانيّ مفروض فيه.

  • وأما التجربة:

  • فالإسلام أثبت ذلك في اليسير من الزمان الذي كان الحاكم فيه على الاجتماع بين المسلمين هو الدّين، وأثبت ذلك بتربية أفراد من الإنسان صلحت نفوسهم، و أصلحوا نفوس غيرهم من الناس، على أنّ جهات الكمال و العروق النابضة في هيكل الاجتماع المدنيّ اليوم التي تضمن حياة الحضارة و الرقيّ مرهونة [للتقدّم] الإسلامي و سريانه في العالم الدنيويّ على ما يعطيه التجزية والتحليل من غير شكّ، وسنستوفي البحث عنه إن شاء الله في محل آخر أليق به.۱

  • ٦ـ وقوف التكامل الإنساني الفرديّ والاجتماعيّ (من حيث الحقيقة) عند زمان نزول القرآن

  • و سادسًا: أنّ الدين الذي هو خاتم الأديان يقضي بوقوف الاستكمال الإنساني، قضاء القرآن بختم النبوة و عدم نسخ الدين و ثبات الشريعة يستوجب أنّ الاستكمال الفرديّ والاجتماعي للإنسان هو هذا المقدار الذي اعتبره القرآن في بيانه و تشريعه.

  • و هذا من ملاحم القرآن التي صدّقها جريان تاريخ الإنسان منذ نزول القرآن إلى يومنا هذا في زمان يقارب أربعة عشر قرنًا تقدّم فيها النوع في الجهات الطبيعيّة من اجتماعه تقدّمًا باهرًا، و قطع بعدًا شاسعًا غير أنّه وقف من جهة معارفه الحقيقيّة، و أخلاقه الفاضلة موقفه الذي كان عليه، و لم يتقدّم حتّى قدمًا واحدًا، أو رجع أقدامًا خلفه القهقرى، فلم يتكامل في مجموع كماله من حيث المجموع أعني الكمال الروحيّ و الجسمي معًا.

  • شبهة ضرورة نسخ شرائع الإسلام وجوابها

    1. راجع تفسير الميزان ج٢  ص: ۱٥۱ ، وج ٤ ص ۱۰۰ والبحث المنتخب في موقع مدرسة الوحي تحت عنوان هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟ وبحث هل يقبل الدين التطبيق في المجتمع؟ (۱). 

سبع حقائق حول الدين والمجتمع - دور النبوّة في حياة المجتمع

9
  • و قد اشتبه الأمر على من يقول: 

  • إنّ جعل القوانين العامّة لمّا كان لصلاح حال البشر و إصلاح شأنه وجب أن تتبدّل بتبدّل الاجتماعات في نفسها و ارتقائها و صعودها مدارج الكمال، و لا شكّ أنّ النسبة بيننا و بين عصر نزول القرآن وتشريع قوانين الإسلام أعظم بكثير من النسبة بين ذلك العصر و عصر بعثة عيسى عليه السلام وموسى عليه السلام، فكان تفاوت النسبة بين هذا العصر و عصر النبيّ موجبًا لنسخ شرائع الإسلام ووضع قوانين أخر قابلة الانطباق على مقتضيات العصر الحاضر.

  • و الجواب عنه: 

  • أنّ الدين كما مرّ لم يعتبر في تشريعه مجرّد الكمال الماديّ الطبيعيّ للإنسان، بل اعتبر حقيقة الوجود الإنساني، و بنى أساسه على الكمال الروحيّ و الجسميّ معًا، و ابتغى السعادة الماديّة و المعنويّة جميعًا، ولازم ذلك أن يعتبر فيه حال الفرد الاجتماعيّ المتكامل بالتكامل الدينيّ دون الفرد الاجتماعيّ المتكامل بالصنعة و السياسة، و قد اختلط الأمر على هؤلاء الباحثين فإنّهم لولوعهم في الأبحاث الاجتماعيّة الماديّة ـ و المادّة متحوّلة متكاملة كالاجتماع المبنيّ عليها ـ حسبوا أنّ الاجتماع الذي اعتبره الدين نظير الاجتماع الذي اعتبروه، اجتماعٌ ماديّ جسماني، فحكموا عليه بالتغيّر والنسخ حسب تحوّل الاجتماع المادي، و قد عرفت أنّ الدين لا يبني تشريعه على أساس الجسم فقط، بل الجسم و الروح جميعًا۱، و على هذا يجب أن يفرض فرد دينيّ أو اجتماع دينيّ جامع للتربية الدينيّة و الحياة الماديّة التي سمحت بها دنيا اليوم ثمّ لينظر هل يوجد عنده شي‌ء من النقص المفتقر إلى التتميم، و الوهن المحتاج إلى التقوية؟!

  • ۷ـ عصمة الأنبياء

  • و سابعًا: أنّ الأنبياء عليه السلام معصومون عن الخطإ.٢

  • خلاصة نتائج الأبحاث السابقة

  • فقد تبين ممّا مرّ أمور:

  • أحدها: انسياق الاجتماع الإنسانيّ إلى التمدّن و الاختلاف.

  • ثانيها: أنّ هذا الاختلاف القاطع لطريق سعادة النوع لا يرتفع و لن يرتفع بما يضعه العقل الفكري من القوانين المقرّرة.

  • ثالثها: أنّ رافع هذا الاختلاف إنّما هو الشعور النبويّ الذي يوجده الله سبحانه في بعض آحاد الإنسان لا غير.

سبع حقائق حول الدين والمجتمع - دور النبوّة في حياة المجتمع

10
  • رابعها: أن سنخ هذا الشعور الباطنيّ الموجود في الأنبياء غير سنخ الشعور الفكريّ المشترك بين العقلاء من أفراد الإنسان.

  • خامسها: أنّ هذا الشعور الباطنيّ لا يغلط في إدراكه الاعتقادات و القوانين المصلحة لحال النوع الإنساني في سعادته الحقيقيّة.

  • سادسها: أنّ هذه النتائج ـ و يهمّنا من بينها الثلاثة الأخيرة أعني: لزوم بعثة الأنبياء، و كون شعور الوحي غير الشعور الفكريّ سنخًا، و كون النبيّ معصومًا غير غالط في تلقّي الوحي ـ نتائج ينتجها الناموس العام المشاهد في هذه العالم الطبيعي، و هو سير كلّ واحد من الأنواع المشهودة فيه نحو سعادته بهداية العلل الوجوديّة التي جهّزته بوسائل السير نحو سعادته و الوصول إليها و التلبّس بها، و الإنسان أحد هذه الأنواع، و هو مجهّز بما يمكنه به أن يعتقد الاعتقاد الحقّ و يتلبّس بالملكات الفاضلة، و يعمل عملاً صالحًا في مدينة صالحة فاضلة، فلا بدّ أن يكون الوجود يهيّئ له هذه السعادة يومًا في الخارج و يهديه إليها هداية تكوينيّة ليس فيها غلط و لا خطأ على ما مرّ بيانه.۱

    1.  تفسير الميزان، ج‌٢، ص: ۱٥۷. 
      ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.