6

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (1)

نقد الحضارة الغربيّة

6
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم التاريخ و الاجتماع

المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان

العدد التسلسلي6

مقالات مجموعة (17 مقالة)

التوضيح

لماذا تبدو الحضارة الغربيّة مستديمة بينما لم يستمرّ النظام الاجتماعيّ الإسلاميّ طويلاً في فجر التاريخ؟ هل يُعدّ تباين الدين مع أوضاع العصر الحاضر دليلاً على فشله؟ وما الفارق الجوهريّ بين مجتمع يجعل غايته اتّباع الحقّ، ومجتمع يبني قوانينه على أهواء الأكثريّة والتمتّع المادّيّ؟ وإلى ماذا يؤول اتّباع الأهواء قرآنيًّا؟
قراءة نقديّة عميقة لأسس الحضارة الغربيّة، وإثبات لقابليّة التشريع الإسلاميّ للتطبيق والاستمرار، يعالجها العارف والمفكّر والمفسّر العظيم العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه.

/۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۱) - نقد الحضارة الغربيّة

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع؟ (۱)

  • نقد الحضارة الغربيّة

  •  

  • سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث السادس

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: تفسير الميزان ج٤

  •  

  •  

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۱) - نقد الحضارة الغربيّة

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد للّه ربّ العالمين 

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين

  • ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • [طرح العلاّمة الطباطبائي في الفصل الخامس من بحوثه الاجتماعيّة۱ بعد آية اصبروا وصابروا ورابطوا... شبهة حول قابليّة تطبيق الدين في المجتمعات المعاصرة وأنّ ما يناسبه هو نتاجات الحضارة الغربيّة التي أثبتت فاعليّتها وربّت أبناءها كما تقول الشبهة، وبعد أن أوضح الشبهة أجاب عنها بأربعة إجابات نعرض هنا لاثنتين منها:]

  • هل التشريعات الإسلاميّة الاجتماعيّة قابلة للتطبيق والاستمرار؟

  • بيان الاعتراض

  • و لعلّك تقول: لو كان ما ذكر ٢ـ من كون نظر الإسلام في تكوين المجتمع الصالح أرقى بناءً و أتقن أساسًا حتّى من المجتمعات التي كوّنتها الملل المتمدّنة المترقّية ـ حقًّا فما باله لم يقبل الإجراء إلا برهة يسيرة ثمّ لم يملك نفسه دون أن تبدّل قيصريّة و كسرويّة و تحوّل إمبراطوريّة أفجع و أشنع أعمالاً ممّا كان قبله بخلاف المدنية الغربية التي تستديم البقاء؟! و هذا هو الدليل على كون مدنيّتهم أرقى و سنّتهم في الاجتماع أتقن و أشدّ استحكامًا.

  • خصائص الحضارة الغربيّة وأسباب قوّتها في نظرهم

  • و قد وضعوا سنّتهم الاجتماعيّة و قوانينهم الدائرة على أساس إرادة الأمّة و اقتراح الطباع و الميول، ثمّ اعتبروا فيها إرادة الأكثر و اقتراحهم، لاستحالة اجتماع الكلّ بحسب العادة إرادةً، و غلبة الأكثر سنّة جارية في الطبيعة مشهودة، فإنّا نجد كلاًّ من العلل الماديّة و الأسباب الطبيعيّة مؤثّرة على الأكثر لا على الدوام، وكذا العوامل المختلفة المتنازعة إنّما يؤثّر منها الأكثر دون الكلّ و دون الأقلّ، فمن الحريّ أن يبنى هيكل الاجتماع بحسب الغرض و بحسب السنن و القوانين الجارية فيه على إرادة الأكثر. و أما فرضيّة الدين فليست في الدنيا الحاضرة إلا أمنية لا تتجاوز مرحلة الفرض و مثالاً عقليًّا غير جائز النيل. 

  • و قد ضمنت المدنيّة الحاضرة فيما ظهرت فيه من الممالك قوّة المجتمع و سعادتها و تهذُّب الأفراد وطهارتهم من الرذائل، و هي الأمور التي لا يرتضيها المجتمع كالكذب و الخيانة و الظلم و الجفاء والجفاف و نحو ذلك. 

    1. تقدّمت الفصول الأربعة في البحث السابق تحت عنوان: شدّة اهتمام الإسلام بالمجتمع وتفسير الميزان ج٤ ص ٩٤. تحت عنوان الإسلام و عنايته بالاجتماع.
    2. تقدّم ذلك في البحث السابق تحت عنوان: شدّة اهتمام الإسلام بالمجتمع

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۱) - نقد الحضارة الغربيّة

3
  • و هذا الذي أوردناه محصل ما يختلج في صدور جمع من باحثينا معاشر الشرقيّين و خاصة المحصلين من فضلائنا المتفكّرين في المباحث الاجتماعيّة و النفسيّة. 

  • الجواب على الاعتراض

  • أولاً: جميع النظريّات في أوّل ظهورها تكون مرفوضة ثمّ تقوى تدريجيًّا

  • غير أنّهم وردوا هذا البحث من غير مورده فاختلط عليهم حقّ النظر، و لتوضيح ذلك نقول: 

  • أمّا قولهم: إنّ السنّة الاجتماعيّة الإسلاميّة غير قابلة الجريان في الدنيا على خلاف سنن المدنيّة الحاضرة في جوّ الشرائط۱ الموجودة، و معناه أنّ الأوضاع الحاضرة في الدنيا لا تلائم الأحكام المشرّعة في الإسلام، فهو مسلّم، لكنّه لا ينتج شيئًا؛ فإنّ جميع السنن الدائرة في الجامعة الإنسانيّة إنّما حدثت بعد ما لم تكن، و ظهرت في حين لم تكن عامّة الأوضاع و الشرائط الموجودة إلا مناقضة لها طاردة إياها، فانتهضت و نازعت السنن السابقة المستمرّة المتعرّقة، و ربّما اضطُهدت و انهزمت في أوّل نهضتها ثمّ عادت ثانيًا و ثالثًا حتّى غلبت و تمكّنت و ملّكت سيطرتها، و ربّما بادت و انقرضت إذ لم تساعدها العوامل والشرائط بعد، و التاريخ يشهد٢ بذلك في جميع السنن الدينيّة و الدنيويّة حتّى في مثل الديمقراطيّة والاشتراك٣، و إلى مثله يشير قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ﴾٤، يشير إلى أنّ السنّة التي تصاحب تكذيب آيات الله لا تنتهي إلى عاقبة حسنة محمودة. 

  • فمجرّد عدم انطباق سنّة من السنن على الوضع الإنسانيّ الحاضر ليس يكشف عن بطلانها وفسادها، بل هو من جملة السنن الطبيعيّة الجارية في العالم لتتميم كينونة الحوادث الجديدة إثر الفعل والانفعال وتنازع العوامل المختلفة. 

  • و الإسلام كسائر السنن من جهة النظر الطبيعيّ و الاجتماعيّ و ليس بمستثنى من هذه الكليّة، فحاله من حيث التقدّم و التأخّر و الاستظهار بالعوامل و الشرائط حال سائر السنن، و ليس حال الإسلام اليوم و قد تمكّن في نفوس ما يزيد على أربعمائة مليون من أفراد البشر و نشب في قلوبهم بأضعف من حاله في الدنيا زمان دعوة نوح و إبراهيم عليهم السلام و محمّد صلّى الله عليه وآله وقد قامت دعوة كلّ منهم بنفس واحدة و لم تكن تعرف الدنيا وقتئذ غير الفساد، ثمّ انبسطت و تعرّقت و عاشت و اتّصل بعضها ببعض فلم ينقطع حتّى اليوم. 

    1. أي الظروف. (م)
    2. و من أوضح الشواهد أنّ السنة الديمقراطيّة بعد الحرب العالمية الأولى (و هي اليوم السنّة العالمية المرضية الوحيدة) تحوّلت في روسيا إلى الشيوعيّة و الحكومة الاشتراكيّة، ثمّ لحق لها بعد الحرب العالميّة الثانية ممالك أوربا الشرقيّة و مملكة الصين، فخسرت بذلك صفقة الديمقراطية فيما يقرب من نصف المجتمع البشري. و قد أعلنت المجتمعات الشيوعيّة قبل سنة تقريبًا أنّ قائدها الفقيد «ستالين» كان قد حرف مدى حكومته ـ و هو ثلاثون سنة تقريبًا بعد حكومة لينين ـ الحكومة الاشتراكية إلى الحكومة الفرديّة الاستبداديّة، و حتّى اليوم لا تزال تؤمن به طائفة بعد الكفر، و ترتدّ عنها طائفة بعد الإيمان، و هي تطوى و تبسط، و هناك نماذج و أمثلة أخرى كثيرة في التاريخ. (منه رضوان الله عليه)
    3. أي الاشتراكيّة. (م)
    4. سورة آل عمران، الآية ١٣٧.

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۱) - نقد الحضارة الغربيّة

4
  • و قد قام رسول الله صلّى الله عليه وآله بالدعوة و لم يكن معه من يستظهر به يومئذ إلا رجل و امرأة ثمّ لم يزل يلحق بهم واحد بعد واحد، و اليوم يوم العسرة كلّ العسرة، حتّى أتاهم نصر الله فتشكّلوا مجتمعًا صالحًا ذا أفراد يغلب عليهم الصلاح و التقوى، و مكثوا برهة على الصلاح الاجتماعيّ حتّى كان من أمر الفتن بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله ما كان. 

  • و هذا الأنموذج اليسير على قصر عمره و ضيق نطاقه لم يلبث حتّى انبسط في أقلّ من نصف قرن على مشارق الأرض و مغاربها، و حوّل التاريخ تحويلاً جوهريًّا يشاهد آثاره الهامّة إلى يومنا و ستدوم ثمّ تدوم. 

  • و لا تستطيع أن تستنكف الأبحاث الاجتماعيّة و النفسيّة في التاريخ النظريّ عن الاعتراف بأنّ المنشأ القريب و العامل التامّ للتحوّل المعاصر المشهود في الدنيا هو ظهور السنّة الإسلاميّة وطلوعها. و لم يهمل جلّ الباحثين من أوربا استيفاء البحث عن تأثيرها في جامعة الإنسان إلا لعصبيّة دينيّة أو علل سياسيّة، و كيف يسع لباحث خبير لو أنصف النظر أن يسمّي النهضة المدنيّة الحديثة نهضة مسيحيّة ويعدّ المسيح (عليه السلام) قائدها و حامل لوائها و المسيح يصرّح‌۱ بأنّه إنّما يهتمّ بأمر الروح و لا يشتغل بأمر الجسم، و لا يتعرّض لشأن الدولة و السياسة؟ و هو ذا الإسلام يدعو إلى الاجتماع والتآلف، و يتصرّف في جميع شؤون المجتمع الإنسانيّ و أفراده من غير استثناء، فهل هذا الصفح و الإغماض منهم إلا لإطفاء نور الإسلام ﴿وَ يَأْبَى اَللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ وإخماد ناره عن القلوب بغيًا و عدوًا حتى يعود جنسيّة لا أثر لها إلا أثر الأنسال المنشعبة. 

  • و بالجملة قد أثبت الإسلام صلوحه لهداية الناس إلى سعادتهم و طيب حياتهم، و ما هذا شأنه لا يسمّى فرضيّة غير قابلة الانطباق على الحياة الإنسانيّة، و لا مأيوسًا من ولاية أمر الدنيا يومًا ـ مع كون مقصده سعادة الإنسان الحقيقيّة ـ و قد تقدّم في تفسير قوله: ﴿كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾٢ أنّ البحث العميق في أحوال الموجودات الكونيّة يؤدّي إلى أنّ النوع الإنسانيّ سيبلغ غايته و ينال بغيتَه و هي كمال ظهور الإسلام بحقيقته في الدنيا و تولّيه التامّ أمر المجتمع الإنسانيّ، و قد وعده الله تعالى طبق هذه النظريّة في كتابه العزيز قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ وَ لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾٣ و قال: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى‌َ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (الآية)٤ و قال: ﴿أَنَّ اَلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ اَلصَّالِحُونَ﴾٥، إلى غير ذلك من الآيات.٦ 

    1. راجع الجزء الثالث في تفسير آية ٧٩ ـ ٨٠ من سورة آل عمران، ص ٣۱٦. والبحوث المنتخبة حول: المسيحيّة وتاريخها في موقع مدرسة الوحي.
    2. سورة البقرة، الآية ٢١٣.
    3. سورة المائدة، الآية ٥٤.
    4. سورة النور، الآية ٥٥.
    5. سورة الأنبياء، الآية ١٠٥.
    6.  انظر: تفسير الميزان ج٢ ص ۱٣۰. والبحث المنتخب تحت عنوان: سبع حقائق حول الدين والمجتمع.

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۱) - نقد الحضارة الغربيّة

5
  • ثانيًا: اهتمام الإسلام باتّباع الحقّ، والحضارة المعاصرة باتباع هوى الأكثريّة

  • و هنا جهة أخرى أغفلها هؤلاء في بحثهم و هي أنّ الاجتماع الإسلامي شعاره الوحيد هو اتباع الحقّ في النظر و العمل، و الاجتماع المدنيّ الحاضر شعاره اتباع ما يراه و يريده الأكثر، و هذان الشعاران يوجبان اختلاف الغاية في المجتمع المتكوّن، فغاية الاجتماع الإسلامي السعادة الحقيقيّة العقليّة، بمعنى أن يأخذ الإنسان بالاعتدال في مقتضيات قواه فيعطي للجسم مشتهياته مقدار ما لا يعوقه عن معرفة الله من طريق العبوديّة، بل يكون مقدّمة توصل إليها و فيه سعادة الإنسان بسعادة جميع قواه، و هي الراحة الكبرى ـ و إن كنا لا ندركها اليوم حقّ الإدراك لاختلال التربية الإسلاميّة فينا ـ و لذلك وضع الإسلام قوانينه على أساس مراعاة جانب العقل المجبول على اتباع الحق، و شدّد في المنع عمّا يفسد العقل السليم، و ألقى ضمان إجراء الجميع من الأعمال و الأخلاق و المعارف الأصليّة إلى عهدة المجتمع، مضافًا إلى ما تحتفظ عليه الحكومة و الولاية الإسلاميّة من إجراء السياسات و الحدود و غيرها، و هذا على أيّ حال لا يوافق طباع العامّة من الناس، و يدفعه هذا الانغمار العجيب في الأهواء و الأماني الذي نشاهده من كافّة المترفين و المعدمين، و يسلب حريّتهم في الاستلذاذ و التلهّي و السبعيّة و الافتراس إلا بعد مجاهدة شديدة في نشر الدعوة و بسط التربية، على حدّ سائر الأمور الراقية التي يحتاج الإنسان في التلبّس بها إلى همّة قاطعة و تدرّب كافٍ و تحفّظ على ذلك مستدام. 

  • و أما غاية الاجتماع المدني الحاضر فهي التمتّع من المادّة، و من الواضح أنّ هذه تستتبع حياة إحساسيّة تتبع ما يميل إليه الطبع سواء وافق ما هو الحقّ عند العقل أو لم يوافق، بل إنّما تتبع العقل فيما لا يخالف غايته و غرضه.

  • نسبيّة الأخلاق في الحضارة الغربيّة 

  • و لذلك كانت القوانين تتبع في وضعها و إجرائها ما يستدعيه هوى أكثريّة المجتمع و ميول طباعهم، وينحصر ضمان الإجراء في موادّ القانون المتعلّقة بالأعمال، و أما الأخلاق و المعارف الأصليّة فلا ضامن لإجرائها بل الناس في التلبّس بها و تبعيتها و عدمه إلا أن تزاحم القانون في مسيره فتمنع حينئذ.

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۱) - نقد الحضارة الغربيّة

6
  • و لازم ذلك أن يعتاد المجتمع الذي شأنه ذلك [على] ما يوافق هواه من رذائل الشهوة و الغضب فيستحسن كثيرًا ممّا كان يستقبحه الدين، و أن يسترسل باللعب بفضائل الأخلاق و المعارف العالية مستظهرًا بالحريّة القانونيّة. 

  • و لازم هذا اللازم أن يتحوّل نوع الفكرة عن المجرى العقليّ إلى المجرى الإحساسيّ العاطفيّ، فربّما كان الفجور و الفسق في مجرى العقل تقوى في مجرى الميول و الإحساسات، و سمّي فتوّة و بِشرًا وحسن خلق كمعظم ما يجري في أوربا بين الشبّان، و بين الرجال و النساء المحصنات أو الأبكار، وبين النساء و الكلاب، و بين الرجال و أولادهم و محارمهم، و ما يجري في الاحتفالات و مجالس الرقص وغير ذلك مما ينقبض عن ذكره لسان المتأدّب بأدب الدين.

  • و ربّما كان عاديّات الطريق الدينيّ غرائب و عجائب مضحكة عندهم و بالعكس، كلّ ذلك لاختلاف نوع الفكرة و الإدراك باختلاف الطريق، و لا يستفاد في هذه السنن الإحساسيّة من التعقّل كما عرفت إلا بمقدار ما يسوّى به الطريق إلى التمتّع و التلذّذ، فهو الغاية الوحيدة التي لا يعارضها شي‌ء و لا يمنع منها شي‌ء إلا في صورة المعارضة بمثلها، حتّى إنّك تجد بين مشروعات القوانين الدائرة أمثال «الانتحار» و «دُئِل»۱ و غيرهما، فللنفس ما تريده و تهواه إلا أن يزاحم ما يريده ويهواه المجتمع! 

  • إذا تأمّلت هذا الاختلاف تبيّن لك وجه أوفقيّة سنّة المجتمع الغربيّ لمذاق الجامعة البشريّة دون سنّة المجتمع الديني.

  • ليست الحضارة الغربيّة وحدها موافقة لهوى الإنسان

  • غير أنّه يجب أن يتذكّر أن سنّة المدنيّة الغربيّة وحدها ليست هي الموافقة لطباع النّاس حتّى تترجّح بذلك وحدها بل جميع السنن المعمولة الدائرة في الدنيا بين أهلها من أقدم أعصار الإنسانيّة إلى عصرنا هذا من سنن البداوة و الحضارة تشترك في أنّ النّاس يرجّحونها على الدين الداعي إلى الحقّ في أوّل ما يعرض عليهم لخضوعهم للوثنيّة الماديّة.

  • و لو تأمّلت حقّ التأمّل وجدت هذه الحضارة الحاضرة ليست إلا مؤلّفة من سنن الوثنيّة الأولى غير أنّها تحوّلت من حال الفرديّة إلى حال الاجتماع، و من مرحلة السذاجة إلى مرحلة الدقّة الفنيّة. 

    1. Duel أي قتال رسمي متفق عليه بين شخصين (تاريخياً باستخدام الأسلحة مثل السيوف أو المسدسات) لتسوية خلاف أو الدفاع عن الشرف. كما تُستخدم مجازياً للتعبير عن أي منافسة شديدة أو صراع ثنائي بين طرفين. (م)

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۱) - نقد الحضارة الغربيّة

7
  • و الذي ذكرناه من بناء السنّة الإسلامية على اتباع الحق دون موافقة الطبع من أوضح الواضحات في بيانات القرآن قال تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىَ وَ دِينِ اَلْحَقِّ﴾۱ و قال تعالى: ﴿وَ اَللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾٢ و قال في وصف المؤمنين: ﴿وَ تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾٣ و قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾٤ فاعترف بأنّ الحقّ لا يوافق طباع الأكثرين و أهواءهم، ثمّ ردّ لزوم موافقة أهواء الأكثريّة بأنّه يؤول إلى الفساد فقال: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ وَ لَوِ اِتَّبَعَ اَلْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ اَلسَّمَاوَاتُ وَ اَلْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾٥ ولقد صدّق جريان الحوادث و تراكم الفساد يومًا فيومًا ما بيّنه تعالى في هذه الآية. و قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اَلضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾٦ والآيات في هذا المعنى و ما يقرب منه كثيرة جدًّا، و إن شئت زيادة تبصّر فيه فراجع سورة يونس۷ فقد كرّر فيه ذكر الحقّ بضعًا و عشرين مرّة. ۸

    1. سورة التوبة، الآية ٣٣.
    2. سورة غافر، الآية ٢٠.
    3. سورة العصر، الآية ٣.
    4. سورة الزخرف، الآية ٧٨.
    5. سورة المؤمنون، الآية ٧١.
    6. سورة يونس، الآية ٣٢.
    7. انظر على سبيل المثال: تفسير الميزان ج۱۰ ص ٤٩ ـ ٥٦.
    8.  تفسير الميزان، ج٤ ص ٩۸ـ ۱۰٤.
      ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.