المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم التاريخ و الاجتماع
المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان
العدد التسلسلي5
التوضيح
هل يمكن للإنسان أن يعيش بدون مجتمع؟ كيف بدأت الحياة الاجتماعيّة للإنسان وما هي صورها المختلفة وكيف تطوّرت؟ ما هو دور الأديان بصورة عامّة في تأسيس وتطوير الحياة الاجتماعيّة للإنسان؟ وبماذا يختلف الإسلام عن الشرائع السابقة في هذا المجال؟ ما هو السرّ في اهتمام الإسلام بالحياة الاجتماعيّة للإنسان؟ ما النقلة النوعيّة التي أحدثها القرآن في علم التأريخ وكيف ظهرت في أعمال المؤرّخين اللاحقين؟
بحوث تأسيسيّة في الاجتماع الإسلاميّ على ضوء القرآن الكريم يعالجها المفكّر العظيم العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه.
هو العليم
شدّة اهتمام الإسلام بالمجتمع
أثر الثقافة الاجتماعيّة على الفرد
سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث الخامس
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: تفسير الميزان ج٤
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
تمهيد
[تعرّض العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه لبحث اجتماعيّ مفصّل آخر ضمن تفسيره لآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾۱ بنى فيه على ما أسّسه في آية ﴿كان الناس أمّة واحدة فبعث الله النبيّين... ﴾٢ والذي عُرِضَ في الأبحاث الأربعة السابقة٣، وبيّن في هذا البحث الجديد ضمن ۱٥ فصلاً أسس وملامح النظام الاجتماعيّ والثقافي والسياسي في الإسلام، سنعرضها تباعًا ضمن هذه السلسلة:]
﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صَابِرُوا وَ رَابِطُوا وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صَابِرُوا﴾ «إلخ»، الأوامر مطلقة فالصبر يراد به الصبر على الشدائد، و الصبر في طاعة الله، و الصبر عن معصيته، و على أي حال هو الصبر من الفرد بقرينة ما يقابله.
و المصابرة هي التصبر و تحمل الأذى جماعة باعتماد صبر البعض على صبر آخرين فيتقوى الحال و يشتد الوصف و يتضاعف تأثيره، و هذا أمر محسوس في تأثير الفرد إذا اعتبرت شخصيته في حال الانفراد، وفي حال الاجتماع و التعاون بإيصال القوى بعضها ببعض و سنبحث فيه إن شاء الله بحثا مستوفى في محلّه.
قوله تعالى: ﴿وَ رَابِطُوا﴾ أعم معنى من المصابرة و هي إيجاد الجماعة الارتباطَ بين قواهم و أفعالهم في جميع شئون حياتهم الدينيّة أعم من حال الشدّة و حال الرخاء، و لما كان المراد بذلك نيل حقيقة السعادة المقصودة للدنيا و الآخرة و إلا فلا يتم بها إلا بعض سعادة الدنيا و ليست بحقيقة السعادة، عقّب هذه الأوامر بقوله تعالى: ﴿وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يعني الفلاح التامّ الحقيقي.
۱ـ الإنسان والمجتمع
كون النوع الإنساني نوعًا اجتماعيًّا لا يحتاج في إثباته إلى كثير بحث، فكلّ فرد من هذا النوع مفطور على ذلك٤، و لم يزل الإنسان يعيش في حال الاجتماع على ما يحكيه التاريخ و الآثارُ المشهودة الحاكيةُ لأقدم العهود التي كان هذا النوع يعيش فيها و يحكم على هذه الأرض.
و قد أنبأ عنه القرآن أحسن إنباء في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا»﴾ (الآية)۱ و قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا﴾ ٢، و قال تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾٣، و قال تعالى: ﴿وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً﴾ ٤، إلى غير ذلك.٥
٢- الإنسان و تطوّر حياته الاجتماعيّة
الاجتماع الإنسانيّ كسائر الخواصّ الروحيّة الإنسانيّة و ما يرتبط بها، لم يوجد حين وجد تامًّا كاملاً لا يقبل النماء و الزيادة، بل هو كسائر الأمور الروحيّة الإدراكيّة الإنسانيّة، لم يزل يتكامل بتكامل الإنسان في كمالاته الماديّة و المعنويّة، و على الحقيقة لم يكن من المتوقّع أن تستثنى هذه الخاصّة من بين جميع الخواصّ الإنسانيّة، فتظهر أوّل ظهورها تامّة كاملة أتمّ ما يكون و أكمله، بل هي كسائر الخواصّ الإنسانيّة التي لها ارتباط بقوّتي العلم و الإرادة، تدريجيّة الكمال في الإنسان.
و الذي يظهر من التأمّل في حال هذا النوع أنّ أول ما ظهر من الاجتماع فيه الاجتماع المنزليّ بالازدواج؛ لكون عامله الطبيعيّ ـ و هو جهاز التناسل ـ أقوى عوامل الاجتماع؛ لعدم تحقّقه إلا بأزيد من فرد واحد أصلاً، بخلاف مثل التغذّي و غيره. ثمّ ظهرت منه الخاصّة التي سميناها في المباحث المتقدّمة من هذا الكتاب٦ بالاستخدام، و هو توسيط الإنسان غيره في سبيل رفع حوائجه ببسط سلطته و تحميل إرادته عليه، ثمّ برز ذلك في صورة الرئاسة كرئيس المنزل و رئيس العشيرة و رئيس القبيلة و رئيس الأمّة، وبالطبع كان المقدّم المتعيّن من بين العِدّة أوّلاً أقواهم و أشجعهم، ثمّ أشجعهم و أكثرهم مالاً و ولدًا، و هكذا حتّى ينتهي إلى أعلمهم بفنون الحكومة و السياسة. و هذا هو السبب الابتدائي لظهور الوثنيّة وقيامها على ساقها حتّى اليوم وسنستوفي البحث عنها فيما سيأتي إن شاء الله العزيز.۷
و خاصّةُ الاجتماع بتمام أنواعه (المنزليّ و غيره) و إن لم تفارق الإنسانيّة في هذه الأدوار و لو برهة، إلا أنّها كانت غير مشعور بها للإنسان تفصيلاً، بل كانت تعيش و تنمو بتبع الخواصّ الأخرى المعنيّ بها للإنسان كالاستخدام و الدفاع و نحو ذلك.
دور النبوّة في إصلاح المجتمع
و القرآن الكريم يخبر أنّ أول ما نبّه الإنسان على الاجتماع تفصيلاً و اعتنى بحفظه استقلالاً نبّهه عليه النبوّة؛ قال تعالى: ﴿وَ ما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾۱، و قال: ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾٢، حيث ينبئ أنّ الإنسان في أقدم عهوده كان أمّة واحدة ساذجة لا اختلاف بينهم حتّى ظهرت الاختلافات و بانت المشاجرات، فبعث الله الأنبياء و أنزل معهم الكتاب ليرفع به الاختلاف، ويردّهم إلى وحدة الاجتماع محفوظة بالقوانين المشرّعة.
و قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.٣ فأنبأ أنّ رفع الاختلاف من بين الناس و إيجاد الاتّحاد في كلمتهم إنّما كان في صورة الدعوة إلى إقامة الدين و عدم التفرّق فيه فالدين كان يضمن اجتماعهم الصالح.٤
و الآيةكما ترى تحكي هذه الدعوة (دعوة الاجتماع و الاتّحاد) عن نوح عليه السلام، و هو أقدم الأنبياء أولي الشريعة و الكتاب، ثمّ عن إبراهيم ثمّ عن موسى ثمّ عيسى عليهم السلام.
و قد كان في شريعة نوح و إبراهيم النزر اليسير من الأحكام، و أوسع هؤلاء الأربعة شريعةً موسى، وتتبعه شريعة عيسى على ما يخبر به القرآن، و هو ظاهر الأناجيل، و ليس في شريعة موسى على ما قيل إلا ستمائة حكم تقريبًا.
فلم تبدأ الدعوة إلى الاجتماع دعوة مستقلّة صريحة إلا من ناحية النبوّة في قالب الدين كما يصرّح به القرآن، و التاريخ يصدّقه على ما سيجيء.٥
٣- الإسلام و عنايته بالمجتمع
لا ريب أنّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي أسّس بنيانه على الاجتماع صريحًا، و لم يهمل أمر الاجتماع في شأن من شؤونه، فانظر إن أردت زيادة تبصّر في ذلك إلى سعة الأعمال الإنسانيّة التي تعجز عن إحصائها الفكرة و إلى تشعّبها إلى أجناسها و أنواعها و أصنافها، ثمّ انظر إلى إحصاء هذه الشريعة الإلهيّة لها وإحاطتها بها و بسط أحكامها عليها ترى عجبًا، ثمّ انظر إلى تقليبه ذلك كلّه في قالب الاجتماع ترى أنه أنفذ روح الاجتماع فيها غاية ما يمكن من الإنفاذ.
ثمّ خذ في مقايسة ما وجدته بسائر الشرائع الحقّة التي يعتني بها القرآن و هي شرائع نوح و إبراهيم وموسى و عيسى حتّى تعاين النسبة و تعرف المنزلة.
و أمّا ما لا يعتني به القرآن الكريم من الشرائع كأديان الوثنيّة و الصابئة و المانويّة و الثنويّة و غيرها فالأمر فيها أظهر و أجلى.
و أمّا الأمم المتمدّنة و غيرها فالتاريخ لا يذكر من أمرها إلا أنّها كانت تتبع ما ورثته من أقدم عهود الإنسانيّة من استتباع الاجتماع بالاستخدام، و اجتماع الأفراد تحت جامع حكومة الاستبداد والسلطة الملوكيّة فكان الاجتماع القوميّ و الوطنيّ و الإقليميّ يعيش تحت راية المُلك و الرئاسة، و يهتدي بهداية عوامل الوراثة و المكان و غيرهما من غير أن تعتني أمّة من هذه الأمم عناية مستقلّة بأمره، و تجعله موردًا للبحث و العمل، حتّى الأمم المعظّمة التي كانت لها سيادة الدنيا حينما شرقت شارقة الدين و أخذت في إشراقها و إنارتها، أعني إمبراطوريّة الروم و الفرس فإنّها لم تكن إلا قيصريّة و كسرويّة تجتمع أممها تحت لواء الملك و السلطنة، و يتبعها الاجتماع في رشده و نموّه ويمكث بمكثها.
نعم يوجد فيما ورثوه أبحاث اجتماعيّة في مسفورات حكمائهم من أمثال سقراط و أفلاطون و أرسطو وغيرهم إلا أنّها كانت أوراقًا و صحائف لا ترد مورد العمل، و مُثُلاً ذهنيّة لا تنزل مرحلة العين و الخارج، و التاريخ الموروث أعدل شاهد على صدق ما ذكرناه.
فأوّل نداء قرع سمع النوع الإنسانيّ و دعي به هذا النوع إلى الاعتناء بأمر الاجتماع بجعله موضوعًا مستقلاًّ خارجا عن زاوية الإهمال و حكم التبعيّة هو الذي نادى به صادع الإسلام عليه أفضل الصلاة و السلام، فدعا الناس بما نزل عليه من آيات ربّه إلى سعادة الحياة و طيب العيش مجتمعِين، قال تعالى: ﴿وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾۱، و قال: ﴿وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا... ﴾ إلى أن قال: ﴿وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (يشير إلى حفظ المجتمع عن التفرق و الانشعاب) ﴿وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾٢ و قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾٣، إلى غير ذلك من الآيات المطلقة الداعية إلى أصل الاجتماع والاتحاد.
و قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾۱، و قال: ﴿وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾٢، و قال: ﴿وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى﴾٣، و قال: ﴿وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾٤ إلى غير ذلك من الآيات الآمرة ببناء المجتمع الإسلاميّ على الاتفاق و الاتّحاد في حيازة منافعه و مزاياه المعنوية و المادية و الدفاع عنه على ما سنوضّحه بعض الإيضاح.
٤ ـ اهتمام الإسلام بتأثير المجتمع على الفرد وبالثقافة الاجتماعيّة العامّة
قاعدة إنتاج الأجزاء عند انضمامها لفوائد جديدة
الصنع و الإيجاد يجعل أوّلاً أجزاءً ابتدائيّة لها آثار و خواصّ، ثمّ يركّبها و يؤلّف بينها على ما فيها من جهات البينونة، فيستفيد منها فوائد جديدة مضافة إلى ما للأجزاء من الفوائد المشهودة. فالإنسان مثلاً له أجزاء و أبعاض و أعضاء و قوى لها فوائد متفرّقة ماديّة و روحيّة، ربما ائتلفت فقويت و عظمت كثقل كلّ واحد من الأجزاء و ثقل المجموع و التمكّن و الانصراف من جهة إلى جهة و غير ذلك، و ربما لم تأتلف و بقيت على حال التباين و التفرّق كالسمع و البصر و الذوق و الإرادة و الحركة إلا أنّها جميعًا من جهة الوحدة في التركيب تحت سيطرة الواحد الحادث الذي هو الإنسان، و عند ذلك يوجد من الفوائد ما لا يوجد عند كلّ واحد من أجزائه، و هي فوائد جمّة من قبيل الفعل و الانفعال و الفوائد الروحيّة والماديّة، و من فوائده حصول كثرة عجيبة في تلك الفوائد في عين الوحدة، فإن ّالمادة الإنسانيّة كالنطفة مثلاً إذا استكملت نشأتَها قدِرت على إفراز شيء من المادّة من نفسها، و تربيتِها إنسانًا تامًّا آخر يفعل نظائر ما كان يفعله أصله و محتده من الأفعال الماديّة و الروحيّة، فأفراد الإنسان على كثرتها إنسان و هو واحد، و أفعالها كثيرة عددًا واحدة نوعًا، و هي تجتمع و تأتلف بمنزلة الماء يقسم إلى آنية، فهي مياه كثيرة ذات نوع واحد، و هي ذات خواصّ كثيرة نوعها واحد، و كلّما جمعت المياه في مكان واحد قويت الخاصّة وعظم الأثر.
و قد اعتبر الإسلام في تربية أفراد هذا النوع و هدايتها إلى سعادتها الحقيقيّة هذا المعنى الحقيقيّ فيها و لا مناصّ من اعتباره، قال تعالى: ﴿وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً﴾۱، و قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى﴾٢، و قال: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾٣.
تكوّن شخصيّة جديدة للمجتمع لها حياتها وموتها وآثارها
و هذه الرابطة الحقيقيّة بين الشخص و المجتمع لا محالة تؤدّي إلى كينونة أخرى في المجتمع حسب ما يمدّه الأشخاص من وجودهم و قواهم و خواصّهم و آثارهم، فيتكوّن في المجتمع سنخ ما للفرد من الوجود و خواصّ الوجود. و هو ظاهر مشهود. و لذلك اعتبر القرآن للأمّة وجودًا و أجلاً و كتابًا وشعورًا و فهمًا و عملاً و طاعة و معصية فقال:
﴿وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ﴾٤، و قال: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا﴾٥ و قال: ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾٦، و قال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾۷، و قال: ﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ﴾۸، و قال: ﴿وَ هَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾٩، وقال: ﴿وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾۱۰.
القرآن أوّل من أرّخ للأمم وأحدث نقلة نوعيّة في علم التأريخ
و من هنا ما نرى أنّ القرآن يعتني بتواريخ الأمم كاعتنائه بقصص الأشخاص بل أكثر حينما لم يتداول في التواريخ إلا ضبط أحوال المشاهير من الملوك و العظماء، و لم يشتغل المؤرّخون بتواريخ الأمم والمجتمعات إلا بعد نزول القرآن، فاشتغل بها بعض الاشتغال آحاد منهم كالمسعودي و ابن خلدون حتّى ظهر التحوّل الأخير في التاريخ النقلي بتبديل الأشخاص أممًا، و أوّل من سنّه على ما يقال: أغوست كُنت الفرنسي المتوفى سنة ۱۸٥۷ ميلاديّة.
شدّة تأثير المجتمع على الفرد
و بالجملة لازم ذلك على ما مرّت الإشارة إليه ۱۱ تكوّن قوى و خواص اجتماعيّة قوية تقهر القوى والخواص الفرديّة عند التعارض و التضادّ، على أنّ الحس و التجربة يشهدان بذلك في القوى و الخواصّ الفاعلة و المنفعلة معًا، فهمّة الجماعة و إرادتها في أمر كما في موارد الغوغاءات و في الهجمات الاجتماعيّة لا تقوم لها إرادة معارِضة و لا مضادّة من واحد من أشخاصها و أجزائها، فلا مفرّ للجزء من أن يتبع كلّه و يجري على ما يجري عليه، حتّى أنّه يسلب الشعور و الفكر من أفراده و أجزائه، و كذا الخوف العام والدهشة العامّة كما في موارد الانهزام و انسلاب الأمن و الزلزلة و القحط و الوباء أو ما هو دونها كالرسومات المتعارفة و الأزياء القوميّة و نحوهما تضطرّ الفرد على الاتّباع و تسلب عنه قوّة الإدراك والفكر.
ما سرّ اهتمام الإسلام بالمجتمع وما مظاهره؟
و هذا هو الملاك في اهتمام الإسلام بشأن الاجتماع ذلك الاهتمام الذي لا نجد و لن نجد ما يماثله في واحد من الأديان الأخر، و لا في سنن الملل المتمدّنة و لعلّك لا تكاد تصدّق ذلك، فإنّ تربية الأخلاق والغرائز في الفرد و هو الأصل في وجود المجتمع لا تكاد تنجح مع كينونة الأخلاق و الغرائز المعارضة والمضادة القويّة القاهرة في المجتمع إلا يسيرًا لا قدر له عند القياس و التقدير.
فوضع أهمّ أحكامه و شرائعه كالحج و الصلاة و الجهاد و الإنفاق و بالجملة التقوى الدينيّة على أساس الاجتماع و حافظ على ذلك، مضافًا إلى قوى الحكومة الإسلاميّة الحافظة لشعائر الدين العامّة و حدودها، و مضافًا إلى فريضة الدعوة إلى الخير و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر العامّة لجميع الأمّة بجعل غرض المجتمع الإسلامي ـ وكلّ مجتمع لا يستغني عن غرض مشترك ـ هي السعادة الحقيقيّة و القرب والمنزلة عند الله، و هذا رقيب باطنيّ لا يخفى عليه ما في سريرة الإنسان و سرّه فضلاً عمّا في ظاهره، وإن خفي على طائفة الدعاة و جماعة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هذا هو الذي ذكرنا أنّ الإسلام تفوق سنّة اهتمامه بشأن الاجتماع سائر السنن و الطرائق.۱