7

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (2)

نقد الديمقراطيّة والأخلاق في الغرب

6
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم التاريخ و الاجتماع

المجموعةبحوث منتخبة من تفسير الميزان

العدد التسلسلي7

مقالات مجموعة (17 مقالة)

التوضيح

هل اتّباع الأكثريّة قانون طبيعي يُبرّر الاستغناء عن الحقّ، أم أنّ الحقّ واقع ثابت لا يخضع لأهواء الأغلبية؟ وهل حقّقت الحضارة الغربية السعادة الحقيقيّة، أم أنّنا نخطئ بتقييم أخلاقيّاتها عبر “النظرة الفرديّة”، متجاهلين المنهج القرآني الذي يعتمد “النظرة الاجتماعيّة” لتقييم الأمم ككيان واحد؟ وكيف تتجلّى شخصيّة الغرب الاجتماعيّة عند احتكاكه بالشعوب الضعيفة واستعبادها بعيداً عن شعاراتها البراقة؟
مناقشة نقدية للعلامة الطباطبائي لتفكيك شبهة الأكثريّة، وتقييم المدنية الغربية بمنظار يكشف الفجوة العميقة بين شعاراتها الإنسانية وواقعها التاريخي.

/٦
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۲) - نقد الديمقراطيّة والأخلاق في الغرب

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • هل يقبل الدين التطبيق في المجتمع؟ (٢) 

  • نقد الديمقراطيّة والأخلاق في الغرب

  •  

  • سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاجتماعيّة، البحث السابع

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: تفسير الميزان ج٤

  •  

  •  

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۲) - نقد الديمقراطيّة والأخلاق في الغرب

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد للّه ربّ العالمين 

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين

  • ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • [طرح العلاّمة الطباطبائي في الفصل الخامس من بحوثه الاجتماعيّة بعد آية اصبروا وصابروا ورابطوا شبهة حول قابليّة تطبيق الدين في المجتمعات المعاصرة، وبعد أن أوضح الشبهة أجاب عنها بأربعة إجابات تقدّمت اثنتان منها في المقالة السابقة وإليك الجوابان الآخران، وهما يرتبطان بنقد الحضارة الغربيّة والنظام الديمقراطي والأخلاق خصوصًا:]

  • ثالثًا: مناقشة القول بأنّ اتّباع الأكثريّة قانون طبيعيّ لتبرير الديمقراطيّة

  • و أمّا قولهم: إنّ اتباع الأكثر سنّة جارية في الطبيعة، فلا ريب أنّ الطبيعة تتّبع الأكثر في آثارها، إلا أنّها ليست بحيث تبطل أو تعارض وجوب اتباع الحقّ، فإنّها نفسها بعض مصاديق الحقّ فكيف تبطل نفسها؟! 

  • مقدّمات توضيحيّة ثلاث

  • توضيح ذلك يحتاج إلى بيان أمور:

  • ۱ـ الواقع الخارجيّ يتبع نظامًا ثابتًا هو نظام العليّة والأكثريّة الخارجيّة أمر دائم 

  • أحدها: أنّ الأمور الخارجيّة التي هي أصول عقائد الإنسان العلميّة و العمليّة تتبع في تكوّنها وأقسام تحوّلها نظام العليّة و المعلوليّة، و هو نظام دائم ثابت لا يقبل الاستثناء، أطبق على ذلك المحصّلون من أهل العلم و النظر، و شهد به القرآن على ما مرّ۱، فالجريان الخارجيّ٢ لا يتخلّف عن الدوام والثبات، حتّى أنّ الحوادث الأكثريّة الوقوع التي هي قياسيّة هي في أنّها أكثريّة دائمة ثابتة، مثلاً النار التي تفعل السخونة غالبًا بالقياس إلى جميع مواردها، «سخونتها الغالبيّة» أثر دائم لها و هكذا، و هذا هو الحقّ. 

  • ٢ـ الإنسان يتّبع الواقع الخارجيّ بفطرته

  • و الثاني: أنّ الإنسان بحسب الفطرة يتبع ما وجده أمرًا واقعيًّا خارجيًّا بنحو، فهو يتّبع الحقّ بحسب الفطرة، حتّى أنّ من ينكر وجود العلم الجازم إذا ألقي إليه قول لا يجد من نفسه التردّد فيه خضع له بالقبول. 

  • ٣ـ الحقّ هو الواقع الخارجيّ وليس نظر الإنسان حوله

  • و الثالث: أنّ الحقّ كما عرفت هو الأمر الخارجيّ الذي يخضع له الإنسان في اعتقاده أو يتّبعه في عمله، وأمّا نظر الإنسان و إدراكه فإنّما هو وسيلة يتوسّل بها إليه كالمرآة بالنسبة إلى المرئي. 

    1.  تفسير الميزان ج۱، ص ٤٤۷ ضمن الكلام حول الإعجاز. والبحث المنتخب تحت عنوان حقيقة الإعجاز.
    2. أي الأحداث الخارجيّة. (م)

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۲) - نقد الديمقراطيّة والأخلاق في الغرب

3
  • الحقّ هو الواقع الدائم أو الكثير وما يوافقه من نظر الناس ولو كانوا قلّة وليس نظر أكثر الناس

  • إذا عرفت هذه الأمور تبيّن لك أنّ الحقيّة ـ و هي دوام الوقوع أو أكثريّة الوقوع في الطبيعة الراجعة إلى الدوام و الثبات أيضًا ـ إنما هي صفة الخارج الواقع وقوعًا دائميًّا أو أكثريًّا دون العلم و الإدراك، وبعبارة أخرى هي صفة الأمر المعلوم لا صفة العلم، فالوقوع الدائمي و الأكثريّ أيضًا بوجه من الحقّ، و أما آراء الأكثرين و أنظارهم و اعتقاداتهم في مقابل الأقلّين فليست بحقّ دائمًا، بل ربّما كانت حقًّا إذا طابقت الواقع و ربّما لم تكن إذا لم تطابق، و حينئذ فلا ينبغي أن يخضع لها الإنسان، و لا أنّه يخضع لها لو تنبّه للواقع، فإنّك إذا أيقنت بأمر ثمّ خالفك جميع الناس فيه لم تخضع بالطبع لنظرهم، و إن اتبعتهم فيه ظاهرًا فإنّما تتّبعهم لخوف أو حياء أو عامل آخر لا لأنّه حق واجب الاتباع في نفسه. 

  • ردّ القرآن لكون الأكثر محقّين 

  • و من أحسن البيان في أنّ رأي الأكثر و نظرهم لا يجب أن يكون حقًّا واجب الاتباع قوله تعالى: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾۱ فلو كان كلّ ما يراه الأكثر حقًّا لم يمكن أن يكرهوا الحقّ و يعارضوه. 

  • النتيجة

  • و بهذا البيان يظهر فساد بناء اتباع الأكثريّة على سنّة الطبيعة، فإنّ هذه السنّة جارية في الخارج الذي يتعلّق به العلم دون نفس العلم و الفكر، و الذي يتّبعه الإنسان من هذه السنة في إرادته و حركاته إنّما هو ما في الخارج من أكثريّة الوقوع، لا ما اعتقده الأكثرون، أعني أنّه يبني أفعاله و أعماله على الصلاح الأكثريّ و عليه جرى القرآن في حكم تشريعاته و مصالحها، قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اَللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾٢، و قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾٣ إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ملاكات غالبيّة الوقوع للأحكام المشرّعة. 

    1. سورة المؤمنون، الآية ٧٠.
    2. سورة المائدة، الآية ٦.
    3. سورة البقرة، الآية ١٨٣.

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۲) - نقد الديمقراطيّة والأخلاق في الغرب

4
  • رابعًا: مناقشة دعوى تحقيق الحضارة الغربية للسعادة ولتهذيب أبنائها

  • و أما قولهم: إنّ المدنيّة الحاضرة سمحت للممالك المترقّية بسعادة المجتمع و هذّبت الأفراد وطهّرتهم عن الرذائل التي لا يرتضيها المجتمع، فكلام غير خال من الخلط و الاشتباه. 

  • مفهوم السعادة بين الحضارتين الغربيّة والإسلاميّة

  • و كأنّ مرادهم من السعادة الاجتماعيّة تفوّق المجتمع في عدّته و قوّته و تعاليه في استفادته من المنابع الماديّة۱، و قد عرفت كرارًا أنّ الإسلام لا يعدّ ذلك سعادة، و البحث البرهانيّ أيضًا يؤيّده، بل السعادة الإنسانيّة أمر مؤلّف من سعادة الروح و البدن، و هي تنعّم الإنسان من النعم الماديّة و تحلّيه بفضائل الأخلاق و المعارف الحقّة الإلهيّة، و هي التي تضمن سعادته في الحياة الدنيا و الحياة الأخرى، و أمّا الانغمار في لذائذ المادّة مع إهمال سعادة الروح فليس عنده إلا شقاء.

  • هل هذّبت الحضارة الغربيّة أبناءها حقًّا؟! 

  • و أما استعجابهم بما يرون من الصدق و الصفاء و الأمانة و البِشْرِ و غير ذلك فيما بين أفراد الملل المترقّية، فقد اختلط عليهم حقيقة الأمر فيه.

  • مقدّمات توضيحيّة في كيفيّة تقييم الأفراد

  • ۱ـ سبب الخطأ في تقييمهم هو النظرة الفرديّة دون الاجتماعيّة

  • و ذلك أنّ جلّ المتفكّرين من باحثينا معاشر الشرقيّين لا يقدرون على التفكّر الاجتماعيّ، و إنّما يتفكّرون تفكّرًا فرديًّا؛ فالذي يراه الواحد منّا نصب العين أنّه موجود إنسانيّ مستقلّ عن كلّ الأشياء، غير مرتبط بها ارتباطًا يبطل استقلاله الوجوديّ، مع أنّ الحقّ خلافه، ثمّ لا يتفكّر في حياته إلا لجلب المنافع إلى نفسه و دفع المضارّ عن نفسه، فلا يشتغل إلا بشأن نفسه و هو التفكّر الفردي. و يستتبع ذلك أن يقيس غيره على نفسه فيقضي فيه بما يقضي على هذا النحو من الاستقلال.٢

  • و هذا القضاء إن صحّ فإنّما يصحّ فيمن يجري في تفكّره هذا المجرى، و أمّا من يتفكّر تفكّرًا اجتماعيًّا ليس نصب عينيه إلا أنّه جزء غير منفكّ و لا مستقلّ عن المجتمع، و أنّ منافعه جزء من منافع مجتمعه، يرى خير المجتمع خير نفسه، و شرّه شرّ نفسه، و كلّ وصف و حال له وصفًا و حالاً لنفسه، فهذا الإنسان يتفكّر نحوًا آخر من التفكّر٣، و لا يُشتغل في الارتباط بغيره إلا بمن هو خارج عن مجتمعه، و أما اشتغاله بأجزاء مجتمعه فلا يُهتمّ به و لا يقدِّره شيئًا.٤

    1. أي المصادر والموادّ الأوليّة. (م)
    2. أي يحاكم غيره بناء على النظرة الفرديّة التي تنظر إلى الإنسان وكأنّه مستقلّ عن مجتمعه ويقيّم بمعزل عنه. (م)
    3. راجع حول هذه الفكرة الميزان ج۱ ص ٤٢۱ـ ٤٢٤ والبحث المنتخب تحت عنوان: ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة.
    4. والمعنى أنّ تقييم الإنسان الذي ينظر إلى نفسه نظرة اجتماعيّة ـ وهو الإنسان الغربيّ في موضع كلامنا الآن ـ ويرى خير المجتمع خير نفسه وشرّه شرّ نفسه هذا التقييم إنّما يتمّ من خلال كيفيّة ارتباط هذا الإنسان بمن هم خارج مجتمعه، أمّا كيفيّة ارتباطه بمن هم جزء من مجتمعه فهي لا تعدّ معيارًا للتقييم؛ لأنّه غالبًا يكون حسن العلاقة معهم. وهذا واضح من المثال الذي سيذكره. (م)

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۲) - نقد الديمقراطيّة والأخلاق في الغرب

5
  • ٢ـ مثال وحدة بدن الإنسان لتوضيح النظرة الاجتماعيّة

  • و استوضح ذلك بما نورده من المثال: الإنسان مجموع مؤلّف من أعضاء و قوى عديدة تجتمعُ [جميعُها] نوعَ اجتماع يعطيها وحدة حقيقيّة نسمّيها الإنسانيّة، يوجب ذلك استهلاك الجميع ذاتًا و فعلاً تحت استقلاله، فالعين و الأذن و اليد و الرجل تبصر و تسمع و تبطش و تمشي للإنسان، و إنما يلتذّ كلّ بفعله في ضمن التذاذ الإنسان به، و كلّ واحدة من هذه الأعضاء و القوى همّها أن ترتبط بالخارج الذي يريد الإنسانُ الواحدُ الارتباطَ به بخير أو شرّ، فالعين أو الأذن أو اليد أو الرجل إنّما تريد الإحسان أو الإساءة إلى من يريد الإنسان الإحسان أو الإساءة إليه من الناس مثلاً، و أمّا معاملة بعضها مع بعض ـ والجميع تحت لواء الإنسانيّة الواحدة ـ فقلّما يتّفق أن يسي‌ء بعضها إلى بعض أو يتضرّر بعضها ببعض. 

  • فهذا حال أجزاء الإنسان۱ و هي تسير سيرًا واحدًا اجتماعيًّا، و في حكمه حال أفراد مجتمع إنسانيّ إذا تفكّروا تفكّرًا اجتماعيًّا، فصلاحهم و تقواهم أو فسادهم و إجرامهم و إحسانهم و إساءتهم إنّما هي ما لمجتمعهم من هذه الأوصاف إذا أُخِذَ ذا شخصيّة واحدة.

  • ٣ـ اعتماد القرآن النظرة الاجتماعيّة لا الفرديّة في تقييم المجتمعات ذات النظرة الاجتماعيّة

  • و هكذا صنع القرآن في قضائه على الأمم و الأقوام التي ألجأتهم التعصّبات المذهبيّة أو القوميّة أن يتفكّروا تفكّرًا اجتماعيًّا كاليهود و الأعراب و عدّة من الأمم السالفة، فتراه يؤاخذ اللاحقين بذنوب السابقين، و يعاتب الحاضرين و يوبّخهم بأعمال الغائبين و الماضين، كلّ ذلك لأنّه القضاء الحقّ فيمن يتفكّر فكرًا اجتماعيًّا، و في القرآن الكريم من هذا الباب آيات كثيرة لا حاجة إلى نقلها.٢

  • ٤ـ استثناء الصالحين من المجتمعات الفاسدة

  • نعم مقتضى الأخذ بالنَّصفة أن لا يُضطهد حقُّ الصالحين من الأفراد بذلك إن وجدوا في مجتمع واحد، فإنّهم و إن عاشوا بينهم و اختلطوا بهم، إلا أنّ قلوبهم غير متقذّرة بالفكر الفاسد و المرض المتبطّن الفاشي في مثل هذا المجتمع، و أشخاصهم كالأجزاء الزائدة في هيكله و بنيته، و هكذا فعل القرآن في آيات العتاب العامّ فاستثنى الصلحاء و الأبرار. 

    1. أي أعضاء بدنه. (م)
    2. انظر على سبيل المثال بعض آيات سورة البقرة كالآية ۷٢: ﴿وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فيها وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ والآية ۷٤: ﴿ثمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ... ﴾ فمع أنّ اليهود الذين كانوا في زمان النبيّ لم يقتلوا تلك النفس ولم تقس قلوبهم في ذلك الحين، إلا أنّهم حيث رضوا بذلك وانتموا إلى تلك الجماعة وأمضوا أفعالها وعدّوا خيرها خيرهم وشرّها شرّهم خاطبهم الله بما يفيد أنّهم هم الفاعلون لذلك.(م)

هل الدين قابل للتطبيق في المجتمع (۲) - نقد الديمقراطيّة والأخلاق في الغرب

6
  • النتيجة العامّة 

  • و يتبيّن ممّا ذكرنا أنّ القضاء بالصلاح و الطلاح على أفراد المجتمعات المتمدّنة الراقية على خلاف أفراد الأمم الأخرى لا ينبغي أن يُبنى على ما يظهر من معاشرتهم و مخالطتهم فيما بينهم و عيشتهم الداخليّة، بل بالبناء على شخصيّتهم الاجتماعيّة البارزة في مماسّتها و مصاكّتها سائر الأمم الضعيفة ومخالطتها الحيويّة سائر الشخصيّات الاجتماعيّة في العالم. 

  • فهذه هي التي يجب أن تراعى و تعتبر في القضاء بصلاح المجتمع و طلاحه و سعادته و شقائه، وعلى هذا المجرى يجب أن يجري باحثونا، ثمّ إن شاؤوا فليستعجبوا و إن شاؤوا فليتعجّبوا.۱ 

  • طريقة تعامل الحضارة الغربيّة مع المجتمعات الأخرى بعد عصر النهضة

  • و لعمري لو طالع المطالع المتأمّل تاريخ حياتهم الاجتماعيّة من لدن النهضة الحديثة الأوربيّة، و تعمّق فيما عاملوا به غيرهم من الأمم و الأجيال المسكينة الضعيفة، لم يلبث دون أن يرى أنّ هذه المجتمعات التي يُظهرون أنّها امتلأت رأفة و نصحًا للبشر تفدي٢ بالدماء و الأموال في سبيل الخدمة لهذا النوع وإعطاء الحريّة و الأخذ بيد المظلوم المهضوم حقًّا و إلغاء سنّة الاسترقاق و الأسر، يرى أنّها لا همّ لها إلا استعباد الأمم الضعيفة مساكينِ الأرض ما وجدت إليه سبيلاً بما وجدت٣ إليه من سبيل، فيومًا بالقهر، و يومًا بالاستعمار، و يومًا بالاستملاك، و يوما بالقيمومة، و يومًا باسم حفظ المنافع المشتركة، و يومًا باسم الإعانة على حفظ الاستقلال، و يومًا باسم حفظ الصلح٤ و دفع ما يهدّده، و يومًا باسم الدفاع عن حقوق الطبقات المستأصلة المحرومة و يومًا... و يومًا... .

  • النتيجة الخاصّة في تقييم أبناء المجتمعات الغربيّة

  • و المجتمعات التي هذا شأنها لا ترتضي الفطرةُ الإنسانيّةُ السليمةُ أن تصفها بالصلاح أو تذعن لها بالسعادة، و إن أغمضت النظر عمّا يشخّصه قضاء الدِّين و حكم الوحي و النبوّة من معنى السعادة. 

  • و كيف ترضى الطبيعة الإنسانيّة أن تجهّز أفرادها بما تجهّزها على السواء ثمّ تناقض نفسها فتعطي بعضًا منهم عهدًا أن يتملّكوا الآخرين تملّكا يبيح لهم دماءهم و أعراضهم و أموالهم، و يسوّي لهم الطريق إلى اللعب بمجامع حياتهم و وجودهم، و التصرّف في إدراكهم و إرادتهم بما لم يلقَهُ و لا قاساه إنسان القرون الأولى، و المعوّل في جميع ما نذكره تواريخ حياة هؤلاء الأمم و ما يقاسيه الجيل الحاضر من أيديهم، فإن سمّي ما عندهم سعادة و صلاحًا فلتكن بمعنى التحكّم و إطلاق المشيّة٥و٦.

    1. يريد بالاستعجاب الانبهار والرضى، وبالتعجّب النفور، وهو ردّ منه على ما تقدّم من استعجاب مفكّرينا بما لدى الغرب بعد نظرتهم الفرديّة. (م)
    2. في الأصل: أنّهم امتلؤوا رأفة و نصحًا للبشر يفدون (م)
    3. في الأصل: ما وجدوا ... بما وجدوا (م)
    4. أي السلام. (م)
    5. بمعنى حريّة التصرّف بغيرهم بما يشاؤون. (م)
    6.  تفسير الميزان ج٤، ۱۰٣ـ ۱۰۷.
      ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.