المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسمجبل عامل
المجموعةالولاية التكوينيّة
التاريخ 1413/01/06
التوضيح
تتحدث هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في ضمن سلسلة محاضرات حول الولاية التكوينيّة عن حقيقة العبودية كسبيلٍ وحيدٍ للوصول إلى الله تعالى، كما أنها تبيّن الأخطار المهلِكة التي تترتّب على العلم المجرّد عن النية الصالحة والعبوديّة. فما الذي جعل إبليس يسقط من مقامه الرفيع رغم علمه وعبادته الطويلة؟ وكيف يُمكن للمؤمن تجنّب هذه الأخطار؟ تجيبك هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة وغيرها.
هو العليم
تأثير اختلاف الشواكل والخصائص النفسيّة في السلوك
استعداد الشباب لقبول الحقّ
الولاية التكوينيّة - الجلسة السادسة
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سرّه
.
أعوذُ بِالله مِن الشَّيطانِ الرَّجيم
بسمِ الله الرَّحمَنِ الرّحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين
ثمّ الصَلاةُ والسَّلامُ على سيّدِنا ونبيّنا وحَبيبِ قلوبِنا
وطبيبِ نُفوسِنا أبي القاسمِ المصطفى محمّد
وعلى آلِه الطّيبينَ الطّاهرينَ المعصومينَ
واللّعنةُ على أعدائِهم أجمعينَ إلى يومِ الدّين
قال الله في كتابه الكريم:
﴿وَأَنزَلنَآ إِلَيكَ ٱلكِتَٰبَ بالحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ ٱلكِتَٰبِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ فَٱحكُم بَينَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَهُ وَلَا تَتَّبِع أَهوَآءَهُم عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا﴾۱.
لرفع البلاء عن شيعة أمير المؤمنين عليه السلام على أيدي الأجانب، ولتعجيل فرج الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه، صلّوا على محمّد وآل محمّد.
اشتراك الإسلام مع الشرائع الماضية في الأصول والمباني
ذكرنا سابقًا أنّ جميع الشرائع الماضية تتّفق في الأصول والمباني. فالأصول التي جاء بها الدين الإسلامي المقدّس متّفقٌ عليها أيضًا في الشرائع والأديان الماضية؛ فهي تتّفق مع الدين الإسلامي المقدّس في أصل التوحيد، والمعاد، والحشر والنشر، وصفات الله تعالى، وبشكلٍ عامّ في المعارف الإلهيّة؛ هذا مع أنّ هذه المسائل قد بُيِّنَت بشكلٍ أكثر كمالاً في شريعة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، التي هي خاتمة الشرائع، كما قال: «بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ مَكارمَ الأَخلاق».٢
اختلاف خصائص جميع الموجودات بعضها عن بعض
كما أسلفنا الذكر أيضًا إلى أنّ جميع الكائنات الحيّة، بل وحتّى الكائنات غير الحيّة في نظرنا، سواءً أكانت حيوانًا أم إنسانًا أم جنًّا أم ملكًا، لها شواكل وخصائص خاصّة بها. ففي كلّ واحدةٍ منها، تجلّت صفةٌ من صفات الله تعالى أو وصفٌ من أوصافه.
إذا نظرنا إلى البشر نفسه، نرى أنّ الناس يختلفون عن بعضهم من الناحية الظاهريّة، حيث وضع الله تعالى في وجودنا أعضاءَ وأدواتٍ نستطيع من خلالها أن نحسّ ونتوصّل إلى المجهولات ونستفيد من النعم الإلهيّة. هذه الأوصاف والأدوات التي وضعها الله تعالى في وجودنا تختلف عن بعضها. على سبيل المثال، لقد وضع الله فينا عينًا نرى بها [الأشياء]؛ فبعض الناس يستطيعون الرؤية لمسافة كيلومتر واحد، وبعضهم لاثنين كيلومتر، وبعضهم لثلاثين أو أربعين كيلومتر. وهذا يعتمد على قوّة وحدّة البصر، والتي تزداد أو تقلّ بحسب تركيب الأعضاء داخل كُرة العين. وقد شُوهِدَ أنّ لدى بعض الناس قدراتٍ بصريّةً غير عاديّة. إنّ "البصر" يزداد أو يقلّ بناءً على الخصائص الموجودة داخل كُرة العين، وبواسطة القرنيّة والشبكيّة والانسجام والارتباط الحاصل بينهما. وقد نجد في بعض الحيوانات من يستطيع رؤية أعماق الأرض. وإذا لم يكن بإمكانه رؤية الأعماق، فإنّه يستطيع على الأقلّ رؤية جزءٍ ممّا يقع تحت التراب.٣ وهكذا الحال بالنسبة للأعضاء الأخرى: فالسمع، والشمّ، والتذوّق، جميعها تختلف. فمثلاً، هناك شخصٌ يُمكنه أن يرفع مائة كيلوغرام، بينما آخر يمكنه أن يرفع خمسين كيلوغرامًا.. كلّ واحدٍ يختلف عن الآخر بناءً على قوّة عضلاته وضعفها. هذه الخصائص هي خصائص ظاهريّة، وهي مرئيّة للجميع. وهكذا الحال بالنسبة للخصائص الباطنيّة، فإنّ الأفراد يختلفون فيها عن بعضهم، ومن هنا تنشأ المشاكل.
وجود الاختلاف في الخصائص الباطنيّة للأفراد
إذا نظرنا إلى إنسانٍ ما، نرى أنّ لديه حالةً من الكرم والجود كبيرة جدًّا، بينما هي قليلة لدى آخر. بعض الناس عندما يريدون أن يتصدّقوا بمالٍ، فكأنّهم يتصدّقون بأرواحهم؛ بينما آخرون لا يهتمّون لو أخذوا منهم كلّ ثروتهم.
كان هناك رجلٌ أراد أن يتخلّص من صفة البخل والطمع وما شابه ذلك. فذهب إلى الشخص الذي كان يُربّيه وقال له:
«في الحقيقة، أنا لا أستطيع الإنفاق؛ فتعالَ وافعل شيئًا! إنّ صندوق أموالي موجودٌ في ذلك المكان من البيت. اربطني بهذا العمود، واذهب إلى الصندوق. ومهما صرختُ، فافعل ما أنت فاعل، وخذ الأموال وأنفقها!».
وباختصار، فإنّ أوّل ما فعله المعلّم هو أنّه أحضر حبلاً متينًا وربط به هذا المسكين ربطًا محكمًا؛ لأنّه كان يعلم أنّ حاله سيّئ جدًّا، وأنّه قد يقتلع العمود من مكانه عندما يأتي دور صندوقه. ثمّ ذهب إلى الصندوق، ورأى الرجل أنّ أمواله تُنهَب حقًّا. فقال لنفسه: «ما هذا الشيخ الجائر! لقد قلتُ شيئًا فصدّقني!». وكان الناس يقفون حوله، لكي يأخذ المعلّم الأموال ويملؤوا بها جيوبهم. وبمجرّد أن خرج الكيس الأوّل، علا صراخ هذا المسكين في الهواء، وهكذا عندما خرج الكيس الثاني. رأى الأستاذ أنّ هذا الرجل يوشك أن يُهلك نفسه، ولكنّه صبر وتحمّل حتى انتهى الأمر. هو أيضًا سقط من شدّة التوتر والاضطراب، ورأى أنّه لا بدّ أن يرضخ لقضاء الله ولا يقتل نفسَه ويبقى حيًّا. والآن، ذهبت أمواله! على أيّ حال، أُخرِجَت الأموال، فارتاح الرجل.۱
أهميّة الإنفاق في الحياة مقارنةً بالوصيّة به
لذلك، فإنّ الإنفاق في زمن الحياة أهمّ بكثير من أن يوصي الإنسان بالإنفاق بعد وفاته، حيث إنّ أجر الوصيّة بالإنفاق قليلٌ جدًّا.
ألا تعلمون لماذا يوصي بالإنفاق؟ وهذا المسكين الذي يوصي بأن يُنفَق ثلث ماله على الإمام الحسين، ويُعطى للتكايا وما شابه ذلك، لماذا لا يقوم بهذا العمل في حياته؟
هو يرى أنّه يوشك أن يرحل عن هذه الدنيا وتنقطع يده عنها، فيقول [في نفسه]: «لماذا يأكل الورثة كلّ المال؟! دعونا نترك جزءًا منه مثلاً للإمام الحسين»؛ فيجعله على حساب الإمام الحسين. حينئذ، سيقول الإمام الحسين:
«عزيزي، لا أريد هذا المال! لو كنتَ صادقًا، لفعلتَ ذلك في حياتك!».
ومَثَل هذا الشخص، كما يُقال، هو مَثَل ذلك الزيت الذي ينسكب من المصباح، فيقولون: إنّنا ننذره للمسجد! الآن، وهو على وشك الموت، يقول: «أنفقوا ثلث مالي، وصلّوا عنّي، وصوموا، وقوموا بالحجّ عنّي، وما شابه ذلك».
يجب أن يكون كلّ شيء هنا والآن. إنّ ما يبقى للإنسان وما ينفعه، هو أن يتخلّص من تعلّقاته في هذه الدنيا، حيث عليه أن ينفي تعلّقه بواسطة وجوده المتعلّق. ولكن، عندما تنقطع يده عن كلّ شيء، فإنّ ذلك لن يُثمر عن أيّة نتيجة.
وصيّة أحد أصحاب النبيّ بالإنفاق بعد موته
تُوفّي أحد أصحاب النبيّ الأكرم، وقيل له صلّى الله عليه وآله: «لقد أوصى بأن تُنفقَ أنتَ مقدارًا من أمواله من التمر!». فذهب النبيّ وأنفق ذلك التمر. وعندما عاد، وجد تمرةً واحدةً على الأرض، فرفعها وقال:
«لَو أنفَقَ هذه في حياته، لَكان خَيرًا له من أن يَنفِقَ ذلك المقدار من المال بعد موته؛ وخاصّةً عندما أقوم أنا بذلك! (فمع أنّني أضع كلّ شيءٍ في محلّه، ولكنّ إنفاقه في حياته كان أهمّ بالنسبة إليه)».۱
استعداد الشباب الأكبر لتلقّي الحقّ ونفي التعلّقات
إنّ جميع أفراد الإنسان لديهم نفسيّاتٌ مختلفة. فمثلاً، إنّ استعداد الشابّ لتلقّي الأفكار الحقّة أكبر من استعداد الأفراد المتقدّمين في السنّ؛ وذلك لأنّ تلوّث الشابّ وتعلّقه بالدنيا لا يزال أقلّ، وهو أقرب إلى المسائل الواقعيّة والحقيقيّة ـ التي هي عبارةٌ عن نفي التعلّقات والشؤون، وعن تلك الوحدة والمعنى النازل للتوحيد الذي هو معنى «لا إله إلا الله» ـ من الأفراد المتقدّمين في السنّ الذين يقضون على هذا المعنى في أنفسهم باستمرار، ويُثقلون أنفسهم بالصّدأ والزينة. إنّ التعلّقات التي يجمعونها حول أنفسهم تُبعدهم عن معنى التوحيد؛ لهذا، فإنّ استعداد الشابّ لسماع الأفكار الحقّة والأفكار الواقعيّة أكبر بكثيرٍ من استعداد الأفراد المتقدّمين في السنّ. إنّ نموّ وحركة الشابّ نحو الكمالات أشدّ بكثير. فمثلاً، إذا نظرنا إلى رجل في سنّ الخمسين أو الستّين أراد أن يتحرّك وبسرعة، فإنّه سيقفز، ولكنّ الشابّ سيطير! إنّ سرعة الشابّ في الوصول إلى الكمالات أشدّ بكثير من سرعة الشخص المتقدّم في السنّ الذي يريد أن يسلك هذا الطريق ويقوم بهذه الحركة، حيث لن يتمكّن من ذلك ولن يمتلك القوّة للقيام به. لهذا، على الإنسان أن يحلّ مشاكله في شبابه قدر المستطاع، وعليه أن يسلك طريقه، وعليه أن يكون على الصراط المستقيم.
أهميّة وأسلوب تربية الأبناء منذ الطفولة
قال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: «عَلَيكم بِالأحداث»۱!. إنّ هؤلاء الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة أفضل من الرجل العجوز في السبعين أو الثمانين. فالأمر سيكون مختلفًا جدًّا إذا وضع الإنسانُ في قلب هؤلاء الشباب الأفكار الواقعيّة والحقيقيّة منذ صغرهم، قبل أن تحصل لديهم تعلّقات، وقبل أن يأتي الآخرون ويملؤوا عقولهم ويُشوّشوا أذهانهم بالمسائل الدنيويّة والمادّية، ويُفسدوا نفوسهم النقّية وغير المتعلّقة بهذه المسائل الدنيويّة والمادّيّة والأمور التي تُبعدهم عن حقيقة التوحيد، حيث يجب على الإنسان أن يُربّيهم بهذه الطريقة منذ البداية. فالأمر يختلف كثيرًا عن أن ينتظر الإنسان حتى يمرّ الشباب بهذه الأحداث صعودًا وهبوطًا، وتُغيّرهم حوادثُ الأيّام، ثمّ بعد مرور ثلاثين، أو أربعين، أو خمسين سنة، يبدأ بالتفكير في هذه الأمور. ففي ذلك الوقت، يكون قد فات الأوان، ولا يمكن للاستعدادات التي وضعها الله في داخله أن تتحوّل إلى فعليّة كما يجب. الأمر يختلف كثيرًا! لهذا قال:
«عَلَيكم بِالأحداثِ قبلَ أن يَسبِقَكم إليهم المُرجِئَة٢؛ أي: قبل أن يأتي الآخرون ويُدمّروهم، عليكم أن تأخذوهم وتعتنوا بهم، وتزرعوا هذه الأفكار في أذهانهم منذ البداية».
لهذا، فإنّ واجب الأبوين ليس فقط إحضار الطعام والشراب لأبنائهم، بل واجبهم أيضًا هو أن يبدأوا بزرع ما يرونه صحيحًا وواقعيًّا في عقول أبنائهم منذ سنّ الثانية، وتنشئة عقول الأطفال منذ الصغر على هذه الأفكار الواقعيّة وتنميتها؛ فلا ينبغي عليهم الانتظار حتّى يبلغوا الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، أو العشرين أو الثلاثين من العمر، ويقولون: «إنّهم سيحصلون على هذه الأمور والمسائل بأنفسهم في ظلّ التطوّرات والتغيّرات التي تحدث لهم»، بل يجب عليهم تنشئتهم منذ الطفولة على هذا الأساس وتنميتهم عليه. يجب عليهم أن يسيروا بهم على هذا الأساس الصحيح! وهذا مؤثّر جدًّا.
فرحة الشيطان بعدم فلاح الإنسان عند الأربعين من عمره
جاء في رواية: إنّ الشيطان يأمل في ضلال بني آدم أو هدايتهم حتى سنّ الأربعين. وباختصار، فإنّ أمله يستمرّ حتى يبلغ الأربعين. ولكن، عندما يبلغ الإنسانُ الأربعين ولم يكن قد سار على الصراط المستقيم بعدُ، فإنّ الشيطان يفرح جدًّا بهذا الأمر. ويُقال: إنّ حالةً من البهجة والسرور العجيبة تعتريه، ويقوم بتقبيل جبين ذلك الإنسان ويقول له:
«روحي فداك، لن تفلح بعد الآن! روحي فداك! لقد أرحتَ بالي منك. وباختصار، لقد سلكتَ هذا المسار».۱
بالطبع، يجب أن نعلم أنّ الفلاح الذي يتحدّث عنه الشيطان ليس معناه أنّك ستكون من أهل جهنّم. لا! بل المقصود هو ذلك الفوز والفلاح الذي هو مقام عزّ الوصول إلى حرم الكبرياء؛ فذلك المقام لن تناله بعد الآن! وذلك الكمال الذي فعل الله تعالى كلّ تلك الأمور وأوجدك في هذه الدنيا من أجله، لن تناله بعد الآن! هذا هو المقصود.
ما هو هدف الشيطان من إغواء الإنسان؟
ليس هدف الشيطان أن يجعل الإنسان من أهل جهنّم بهذا المعنى الشائع لدينا. بالطبع، هذا أيضًا أحد أعماله: أن يجعل الإنسان من أهل جهنّم من خلال الذنوب الظاهريّة والمعاصي الشائعة بين الناس؛ كالكذب، والافتراء، والغيبة، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والقمار، وما شابه ذلك، وارتكاب المعاصي والمحرّمات. ولكنّ هذه مرحلة، والمراحل الأعلى هي من واجب الشيطان. فهذه الأمور يقوم بها الناس بأنفسهم، ولا يحتاج الشيطان إلى بذل أيّ جهدٍ ليقوموا بها! فالناس يلعبون القمار بأنفسهم، ولا حاجة للشيطان أن يفعل هذه الأمور. نعم، الشيطان يضع الفكرة المبدئيّة في عقول الناس، والشيطان هو من يضع فكرة القمار وتبريرها، وعندما يضع الشيطان هذه الفكرة في عقل شخصٍ ما، يتحرّك الناس خلفه وينشغلون بالقمار، والسرقة، والزنا، والافتراء، والغيبة، وما شابه ذلك. إنّ الفكرة الأولى هي من الشيطان، وبعدها، يسير الناس لا محالة خلفها.
يا عزيزي، ليس هذا هو واجب الشيطان. إنّ واجب الشيطان أسمى من هذه الأمور. إنّ واجب الشيطان والجهد الذي يبذله هو ألاّ يسمح لبني آدم وأفراد الإنسان بالوصول إلى مقام الله تعالى وحرم الكبرياء. نحن نظنّ أنّ الشيطان موجودٌ فقط لكي يوسوس للإنسان بالذنوب والمحرّمات الظاهريّة ولكي يكذب هذا الإنسان، أو يغتاب، أو يفترِي، أو يسرق، أو يشرب الخمر، أو يلعب القمار، وما شابه ذلك. نعم، هذا أحدها.. هذه أدنى مرحلةٍ من مراحل عمل الشيطان؛ ولكنّ هذه الأمور لا تُشكّل واجبه الأساسي، وهي لا تتسبّب بالضغط والجُهد الذي يبذله من أجل إضلال وإغواء بني آدم. إنّ هذه الذنوب تُحلّ بتوبةٍ واحدة، وتُزال المشكلة، وهذه الذنوب تُمحى باستغفارٍ واحد.
إنّ واجب الشيطان هو أن يأتي ويعزّز الخصائص النفسيّة، والأنانيّة، والتكبّر، وحبّ الرئاسة، وحبّ المكانة، وحبّ الشخصيّة، والأمور التي لا تزول بهذه السهولة. هو يجمّلها في عين الإنسان ويضعها أمامه؛ فهذه الأمور هي التي تشكّل العائق والمانع. هذا هو واجب الشيطان وأعوانه. أمّا ارتكاب الذنوب الظاهريّة، فليس أمرًا ذا أهميّة. فالإنسان يتوب مرّةً واحدة ويستغفر، وتنتهي المشكلة. لا أريد أن أقلّل من شأن هذا الأمر؛ ولكن، في مقابل تلك الذنوب وتلك الأخطار، فإنّ هذه الأمور لا تساوي شيئًا.
حكايةٌ عن حبّ الجاه والشخصيّة المخفيّ في الإنسان
يُنقل أنّ شخصًا كان لديه مريدون. فكان يسير مع مجموعةٍ منهم في أحد الشوارع، وكان الناس يتجمّعون وينظرون إليهم. كان مريدوه يسيرون خلفه. وبينما كانوا يسيرون، مرّ حمارٌ أمامهم وأصدر صوتًا، ففقد هذا المراد (الشخص الذي يتبعه الناس) وعيه وسقط! فذهبوا وأحضروا ماءً ورشّوه على وجهه حتّى أفاق. وعندما أفاق، سألوه: «يا فلان، لقد فقدتَ وعيك وسقطتَ من صوت حمارٍ! هل هذا هو حالك وأنت الذي تربّي التلاميذ؟!». فقال: «في الحقيقة، كنتُ أقول في نفسي: "أيّ فضلٍ هذا الذي منحه الله لي! وأيّ لطفٍ قدّمه لي بأن وضع هداية كلّ هؤلاء الناس في يدي!"، حتّى أصدر هذا الحمارُ صوتًا من خلفه وقال لي: تفضّل! وباختصار، هذا هو السبب!».۱
بايزيد البسطامي! يا له من مقامٍ ويا لها من مكانة! إنّ شأن بايزيد البسطامي كان عاليًا جدًّا! إنّ مثيل بايزيد البسطامي في العرفاء نادر. إنّ الإنسان يستطيع أن يفهم مقاماته ومقامات الآخرين من الأفكار التي تُنقل عنه، ومن العبارات التي تُحكى عنه.
يُقال:
إنّ بايزيد البسطامي كان يسير مع مجموعةٍ من مريديه في مكانٍ ما. كانت السماء قد أمطرت، وكان هناك كلبٌ ملقًى على جانب الطريق. عندما أراد أن يمرّ، رفع طرف عباءته، وجمعها، لكيلا يلمس الكلب. في هذه اللحظة، التفت الكلب إلى بايزيد البسطامي وقال له كلامًا، فصرخ بايزيد وسقط! وعندما أفاق، قال: «أتعلمون ما قاله لي هذا الكلب؟ قال لي: "أنت ترفع ثوبك وتتجنّبني لكيلا تلمسني، وتنظر إليّ باحتقار! أوّلاً: أ ليس كلانا مخلوقًا لله؟ من خلقني كلبًا وخلقك بايزيد؟ هل كان أن أصبح كلبًا بيدي، وأن تصبح إنسانًا بيدك؟! وثانيًا: ما الذي تتجنّبه منّي؟ إنّها نجاسةٌ وضعها الله وجعلها. أليست النجاسة أمرًا اعتباريًّا؟! فالإنسان يتنجّس ثمّ يغتسل، وليس الأمر شيئًا آخر! فلماذا غيّرتَ حالك تجاهي؟! وفوق كلّ هذا، لو أنّك تنجّست، فبواسطة كوبٍ أو بضع حفناتٍ من الماء، تستطيع أن تغسل نفسك! يا بايزيد! اذهب وفكّر في نفسك، اذهب وفكّر في تلك النفس النجسة التي لن تُطهّرها سبعةُ بحار! هل تريد أن ترفع عباءتك؟!"».٢
على أيّ حال، لقد جاء الشيطان لهذا، وليس للنجاسة والطهارة! فالطهارة والنجاسة لا شيء! إنّ هذه الذنوب ليست مشكلة! اذهب يا عبد الله واهتمّ بنفسك وأهوائها، لا تهتمّ بالظاهر إلى هذا الحدّ! فهذا الظاهر لا أهمّية له. اذهب وفكّر في حلّ لتلك الحالة التي تأتي فيها النفسُ الخبيثة والأهواء النفسيّة وتقف أمام الإنسان وتُزيل الحقّ من ناظريه. فكّر في حلٍّ لذلك الوقت! وإلاّ، فإنّ الأعمال والسلوكيات الظاهريّة قابلةٌ للتغيير والتعديل؛ فيمكن تغيير مكانها، ويمكن تغييرها بتوبةٍ. لكنّ تلك المسائل لا تُحلّ بهذه الطريقة! إنّ الشيطان جاء لذلك، وواجبه ذلك.
هذه الأفكار التي أطرحها، سأستعرض نتائجَها إن شاء الله أيضًا إذا منحني الله التوفيق. نحن نُطيل الموضوع دائمًا ونقول: «إن شاء الله سينتهي الموضوع اليوم»، ولكنّني أرى أنّه قد ظهرت له تتمّةٌ أخرى! غدًا نأتي ونبدأ مرّة أخرى، فأرى أنّ له تتمّةً أخرى! الآن، الله أعلم بما يريد. ربّما كان في عرض هذه المسائل مصلحة، ولذلك تمّ عرضُها، وإلاّ، فإنّني لم أقصد قولها منذ البداية، ولم تخطر ببالي. لقد حدثت هذه المسألة من تلقاء نفسها هكذا.
جديّة الشيطان في إغواء الإنسان وخداعه
[جاء في القرآن الكريم، في حوار الشيطان مع الله تعالى]: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغوِيَنَّهُم أَجمَعِينَ * إِلاّ عِبَادَكَ مِنهُمُ ٱلمُخلَصِينَ﴾۱. أي: أقسم بعزّتك أن أغويهم جميعًا، إلاّ عبادك المخلَصين منهم. يجب أن نأخذ الهدف الذي وضعه الشيطان في الاعتبار! ويجب أن نرى ما هو الهدف الذي وضعه الشيطان، فنواجه هذا الهدف، حيث نرى أنّ الشيطان في هذا المقام يقوم بالمهمّة التي أوكلها الله إليه، وأنّه في هذه المهمّة أكثرنا سعيًا واجتهادًا وجدّية، فيأتينا في يقظتنا ونومنا، وفي خلوتنا وجلوتنا. فيا لها من جدّية لديه في عمله! فما الذي يمنحه الله إيّاه لكي يبذل كلّ هذا الجهد؟! وما هي المكافأة التي يهبه إيّاها حتى يبذل كلّ هذا الجهد؟! فهذا موضوعٌ آخر! وما هي النتيجة التي يحصل عليها من مراقبته للإنسان حتى يبذل كلّ هذا الجهد؟! فعندما يجلس الإنسان لدقيقةٍ في زاوية، يرى الشيطان قد أتاه؛ وعندما يذهب بين الناس، يرى أنّه قد أتاه؛ وعندما يختلي بنفسه، يرى أنّه قد أتاه؛ وعندما يجلس مع نفسه، يرى أنّه قد أتاه؛ فتأتيه الخواطر والأهواء الشيطانيّة، ويجلس في ذهنه ويُخطّط، ويرسم الخطط للناس! فما هذا الواجب والمهمّة التي يقوم بها الشيطان؟! إنّه يقوم بها بجدّيةٍ كبيرة، وبأهمّيةٍ كبيرة. والشيطان في عمله يمتلك حذاقةً ومهارةً لا يمتلكها أيّ شخصٍ آخر في إيصال أفكاره!
أنا الآن أتحدّث، وهناك ثلاثون أو أربعون رجلاً، بالإضافة إلى النساء، أيّ حوالي مائة شخص يجلسون أمامي ويستمعون إلى كلامي. إنّهم يُضيّعون وقتهم! ولو أنّني حاولتُ بجدّيةٍ أن أطرح الأفكار التي طرحتُها في هذا المجلس وهذه الأيّام على مجموعةٍ أخرى، فإنّني أُقسم بحياتي أنّه لن يجلس شخصان للاستماع إليّ! هذا، رغم أنّني لا أعلم ما هو حال هؤلاء الأفراد أنفسهم، فربّما أذهب وأتحدّث معهم! لكن، في الوقت الحالي، أقول: إنّ حوالي مائة شخصٍ يستمعون إلى هذه الأفكار.
ولكن في يوم القيامة، في صحراء المحشر، يضع الله تعالى للشيطان منبرًا، فيصعد عليه ويجلس. ثمّ يُصدر صوتًا واحدًا، فيتجمّع الجميع من أوّلهم إلى آخرهم، ومنذ خلق آدم حتى قيام الساعة، تحت منبره. ثمّ يُنهي الأمر ويضع الجميع في الجحيم، هذا، مع من أنّه يجعل الآن حياة الناس بائسة، ويقذفهم في الجحيم. إنّ جميع البلايا التي تحكم عالمنا الجاهل والمُظلم والظالم، هي بسبب وجود هذا العظيم! كلّها! ثمّ في يوم القيامة، يقول: [هل أجبرتكم؟]؛ فنجده الآن يخدع شخصًا بحبّ الرئاسة؛ ويخدع آخر بالمرجعيّة، والكتب، والرسالة العمليّة؛ ويخدع آخر بالمال، وآخر بالجمال، وآخر بمسائل أخرى كالقوّة، والشهوة، والغضب، وما شابه ذلك؛ فيجعل الجميع يقع في تلك الهاوية، ويُضلّهم، ويُبعدهم عن الله، ويُبعدهم جميعًا عن الوصول إلى ذلك الكمال والوصول إلى مقام المعبود تعالى. ثمّ في يوم القيامة، يقول: «ما دخلي أنا؟! هل أنا من قيّد أيديكم؟! هل أنا من أجبركم؟! هل أنا ...؟! لا! لا! لا!».
جميع الناس يقعون في فخّ الشيطان إلاّ المخلَصين
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغوِيَنَّهُم أَجمَعِينَ* إِلاّ عِبَادَكَ مِنهُمُ ٱلمُخلَصِينَ﴾۱. ففي يوم القيامة، يجمع الشيطان جميع الناس من أوّلهم إلى آخرهم.. جميع الناس! أيّ أنّ جميع الكفّار سيتجمّعون تحت منبره. وجميع المسلمين سيتجمّعون تحت منبره. ومن بين المسلمين، فإنّ جميع الذين ارتكبوا الذنوب الظاهريّة سيكونون من مستمعيه، والأفراد الذين لم يرتكبوا ذنوبًا ظاهريّة ولكن لديهم ذنوبٌ خفيّة سيتجمّعون أيضًا. فجميع الناس ـ بحسب اختلاف مراتبهم ـ سيتجمّعون تحت منبر الشيطان ويستمعون إلى كلامه! والوحيدون الذين لن يصغوا إلى كلامه هم الأنبياء والأولياء، وحسب! إنّ جميع الأفراد الذين هم دون المخلَصين، وحتّى المخلِصين سيأتون إلى هناك، ويستمعون إلى كلام الشيطان. على أيّ حال، فإنّه يمتلك نصيبًا أيضًا. فيقول:
﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُم﴾۱! ما دخلي أنا؟! لماذا تلومونني؟! لقد أتيتُ لأوسوس لكم، ولكن، هل أمسكتُ بأيديكم؟! لقد أتيتُ لأوسوس لكم لتقوموا بهذا العمل، ولكن هل أجبرتُكم؟! لو أنّني أجبرتُكم، لما عُوقبتم! لقد أتيتُ لأوسوس لكم لكيلا تقوموا في الليل ولا تصلّوا صلاة الليل، وأن تظنّوا ظنّ السوء بأخيكم المؤمن، وتغتابوا، وتفتروا! لقد أنسيتُكم التفكير بالله تعالى وذكره. وعندما تكونون في خلوة، بدلاً من أن تفكّروا في أنفسكم، وفي أعمالكم، وفي مشاكلكم، وفي خصائصكم النفسيّة، وتفكروا في حلٍّ لها، فإنّكم تفكّرون في الآخرين وتأتون بمسائل أخرى إلى أنفسكم. لقد رسمتُ لكم الخطط لغيركم، وجمّلتُ لكم المسائل غير الواقعيّة في نفوسكم، وتبعتموها. لقد أتيتُ بهذه الأمور إلى أذهانكم، ولكن هل أجبرتُكم؟! كلاّ!٢
الجميع في يوم القيامة سيغبطون بعضهم إلاّ المخلصين
لماذا [يقول الشيطان:] ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُم﴾٣؟ لأنّه يقول: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغوِيَنَّهُم أَجمَعِينَ* إِلاّ عِبَادَكَ مِنهُمُ ٱلمُخلَصِينَ﴾٤؛ أي: يا إلهي، إنّ المهمّة الموكلة إليّ، وذلك العشق، والاهتمام، والجدّية التي لديّ في إغواء الناس تصل إلى مرحلة المخلَصين، ولا تتعلّق بالذنوب الظاهريّة، بل بالمخلَصين! بناءً على ذلك، فإنّ جميع الأفراد، في أيّ مرتبةٍ أو مرحلةٍ كانوا، هم موضع نظر وإغواء إبليس، حتى يصلوا إلى مرحلة المخلَصين. جميعهم سيتجمّعون تحت منبر الشيطان في يوم القيامة. وكلّ واحدٍ منهم سيغبط ويتحسّر على المقدار الذي فاته من الوصول إلى ذلك المقام. هذه الغبطة والحسرة تعني الجحيم، وتعني عذاب النفس! وحينئذ، عندما ينظر الإنسانُ بشكلٍ عامّ ويرى ما يجري في العوالم العليا، وأنّه لم يستطع الوصول إلى هناك، فإنّه سيتحسّر. ﴿يَومَ يَجمَعُكُم لِيَومِ ٱلجَمعِ ذَٰلِكَ يَومُ ٱلتَّغَابُنِ﴾٥. اليوم هو يوم الغُبن والحسرة: «يا للعار! لم نصل إلى هناك!». إذن، ليس واجب الشيطان أن يُغوينا لكي نرتكب الذنوب الظاهريّة؛ فهذه ليست مشكلة. علينا أن نبحث عن أمورٍ أخرى؛ فهذه هي المشكلة المهمّة، وعلينا أن نعلم أنّ هذا هو واجب الشيطان، وأن نفكّر في حلٍّ لها!
اختلاف الشواكل والخصائص النفسيّة للأفراد وتأثيرها في السلوك
كما ذكرنا سابقًا، فإنّ الخصائص الموجودة في الشابّ قد لا تكون موجودةً في الأفراد الذين تقدّم بهم السنّ. وكذلك، فإنّ الأفراد أنفسهم يمتلكون خصائص تختلف عن الآخرين. إنّ الخصائص النفسيّة للأفراد مختلفة؛ فنجده أنّ أحدهم ذاكرته أقوى، والآخر أضعف؛ وأحدهم نفسه مستعدّة للوصول إلى الأفكار الحقّة. هنا، الأمر غريبٌ جدًّا! ولن أدخل الآن في هذا الموضوع. وإن شاء الله، إذا منحني الله تعالى التوفيق، فسأستعرض بعض المسائل في المرحلة القادمة لأبيّن: ما هو عالم العقل وما هو عالم الجهل؟ ما هي النفوس التي تنبع من عالم العقل؟ وما هي النفوس التي هي مزيجٌ من عالم العقل وعالم المادّة؟ و[كيف] أنّه كلّما زاد أحد العالَمين في النفس، زاد ميلها إليه، والمسائل التي تعود إلى هذه الأمور. إنّ هذه الأمور عميقة جدًّا، والوصول إليها يتطلّب وقتًا أكبر، وطرحَ مسائل أكثر.
خلاصة الأمر: كلّ شخصٍ في شاكلته هو على نحوٍ معيّن، وخصائص كلّ نفسٍ مختلفة عن الأخرى. فعندما ننظر إلى بعض الأفراد، نرى أنّ ميلهم إلى بعض الأفكار أكبر من ميلهم إلى أفكارٍ أخرى، ونرى أنّ ميل بعضهم إلى إدراك المسائل العلميّة شديدٌ جدًّا، بينما لا يوجد لدى البعض الآخر هذا الميل، حيث لا تمتلك نفوسهم الاستعدادَ للمسائل العلميّة، بل تمتلك الاستعداد لمسائل أخرى. نرى أنّ بعض الناس لا يميلون إلى المسائل التي تجري في هذه الدنيا والتي لها مظهرٌ جذّاب، ولكن على العكس، فإنّهم يتوقون إلى تلك الأفكار الواقعيّة والحقيقيّة، وإلى تلك المعارف الإلهيّة، لدرجة أنّهم لا يُضيّعون أيّ لحظةٍ في الوصول إليها.
انظروا من هم الذين كانوا حول أمير المؤمنين عليه السلام! ألم يكُن هناك مثل ابن عبّاس وكعب الأحبار؟! ألم يكُن مثل أبي هريرة وأبي الدرداء؟! فالأفراد الذين كانوا يأتون إلى النبيّ الأكرم ويقولون: «يا رسول الله حدّثنا؛ أخبرنا بالأحكام!» ألم يكونوا هؤلاء؟ في حين أنّ هؤلاء لم يكونوا في دائرة حواريّي أمير المؤمنين عليه السلام! ومن الذي كان في تلك الدائرة؟ كان فيها ميثم التمّار الذي كان الناس يهزؤون به، ورشيد الهجري الذي كان الناس يسخرون منه، وكميل بن زياد الذي لم يكن الناس يهتمّون به كثيرًا! هؤلاء كانوا!
عندما أُحضِرَ ميثم التمّار إلى ابن زياد قبل أحداث عاشوراء (وعلى ما يبدو أنّه أُحضِرَ إلى أبيه زياد، وليس إلى ابن زياد)،۱ التفت إليه وقال: «أ أنتَ هو ذلك الذي يقول عنه عليٌّ ذلك الكلام؟». نظر إليه باحتقار وقال: «إنّه رجل لا يُساوي شروى نقير! يا للعجب! أهو نفس الشخص الذي قال عنه عليّ كلّ ذلك الكلام؟!».٢ فهؤلاء كانوا هكذا بين الناس!
إنّ الذين يتوقون إلى إدراك المسائل العلميّة والتخصّصية هم على نحوٍ آخر. والذين يبذلون أرواحهم من أجل الوصول إلى الأفكار الواقعيّة والمسائل الحقيقيّة وعشق الله تعالى، هم في وادٍ آخر. فكلّ واحدٍ منهم على نحوٍ مختلف. وهنا، تصبح المسألة دقيقةً ومهمّة جدًّا، ويصل الأمر إلى أن يدعو الإنسان الله تعالى: «يا إلهي، خذ منّي هذا القليل الذي منحتني إيّاه من هذه المسائل والفنون والأعراف، وأعطني بدلاً منه ولو بمقدار رأس ظفر من الطهارة، والإخلاص، والصدق الذي يمتلكه عبادك البسطاء، وعبادك المخلصون!». وهنا، تصل المسألة إلى هذا الحدّ! فلكلّ شخصٍ في نفسه طريقٌ نحو الله تعالى.
| موسیا! آدابدانانْ دیگرند | *** | سوختهجان وروانان دیگرند۱ |
يقول:
يا موسى، إنّ الذين يتّبعون الآداب هم على نحوٍ *** والذين أرواحهم محترقةٌ من عشق الله هم على نحوٍ آخر.
إنّ الذين يتّبعون الآداب والأعراف، والذين يأخذون المكانة في الاعتبار، ويقولون: «آه! لا يجب أن يحدث هذا هنا! آه! لا يجب أن يحدث ذلك هناك! يجب أن تبقى مكانتنا محفوظة! يجب أن نأخذ هذه المسائل في الاعتبار!» هؤلاء جميعهم على نحوٍ واحد.
بيان خصوصيّة طريق السلوك لكلّ شخص في قصّة موسى والراعي
تذكّرت الآن قصّة موسى والراعي، مع أنّني لم أكن أريد أن أذكرها؛ لكنّني سأقرأها لكم. فذات مرّة، كنتُ قد حفظتها، ولا أعلم كم أتذكّر منها. وعلى أيّ حال، سأقرأها بقدر ما أستطيع.
كان موسى نبيًّا من الأنبياء أولي العزم، وجاء بشريعة، وبمجموعة من الأحكام الظاهريّة، حيث ينبغي أن تكون الأحكام مبنيّةً على ظاهرها؛ وفي الوقت نفسه، يجب على الأفراد الذين لديهم طريقٌ خاصّ نحو الله أن يسلكوا هذا الطريق.
[يُقال إنّ موسى عليه السلام كان يمرّ من مكانٍ ما]، فرأى شخصًا يتودّد إلى الله تعالى باستمرار. لقد استحوذ عليه حبّ الله ولم يكن يعلم ماذا يقول: «يا إلهي، روحي فداك! يا إلهي، أُضحّي بنفسك من أجلك!»، وما شابه ذلك. ومن ناحيةٍ أخرى، لم يكن قد رأى الله بعدُ، ولم تتحقّق المعرفة في نفسه بعدُ. لقد كان في بداية الطريق، ولم يكن يعلم ما إذا كان لله يدٌ وقدمٌ ورأسٌ أم لا، ولم يكن يعلم ما إذا كان له خيمةٌ وحذاءٌ، ومكانٌ، وبيتٌ، وينام ويستيقظ. لم يكن يعلم هذه الأمور وكان يظنّ أنّ الله مثله، ولكن بمقامٍ ومكانةٍ أكبر وأفضل! كان يتودّد إلى الله باستمرار، وعندما وصل موسى إليه [قال له: «ما هذا الكلام الذي تقوله؟!»]. بالطبع، على موسى أن يهتمّ بمسائل الشريعة وله تكليف ومكانة خاصّين. (إن شاء الله سأتحدّث عن هذا الأمر أيضًا). فجاء ونهى الراعي وقال له: «ما هذا الكلام الذي تقوله؟!».
| تو كجایی تا شوم من چاكرت | *** | چارُقت دوزم كنم شانه سرت |
| دستَكت بوسم بمالم پایَكت | *** | وقت خواب آید بروبم جایَكت۱ |
يقول:
أين أنت لأكون خادمًا لك *** أخيط حذاءك وأسرّح شعرك
وأُقَبّل يديك، وأُدَلِّك رجليك *** وأَكنس المكان عندما تنام؟!
فالله تعالى لا يملك حذاءً! والله تعالى ليس إنسانًا! والله تعالى لا يملك رأسًا، ولا يدًا، ولا قدمًا! وباختصار، أحزن [نبيّ الله موسى] هذا المسكين.
| ديد موسى يك شبانى را به راه | *** | كو همىگفت: «اى خدا واى الٰه |
| تو كجايى تا شوم من چاكرت؟! | *** | چارقت دوزم كنم شانه سرت! |
| اى خداى من فدايت جان من | *** | جمله فرزندان وخانمان من |
| اى فداى تو همه بزهاى من | *** | اى به يادت هِيهِى وهِىهاى من!» |
| گفت موسی: «های خیرهسر شدی! | *** | خود مسلمان ناشده کافر شدی! |
| ﴿لَمْ يَلِد﴾، ﴿لَمْ يولَد﴾ او را لایق است | *** | والد و مولود را او خالق است |
| زین سخن گر تو نبندی حلق را | *** | آتشی آید بسوزد خلق را |
يقول:
رأى موسى راعيًا في الطريق *** وكان يقول: «يا إلهي ويا ربّي،
أين أنت لأكون خادمًا لك *** أخيط حذاءك وأسرّح شعرك؟!
يا إلهي، روحي فداك *** وكلّ أولادي وعائلتي فداك
كلّ ماعزي فداك *** وفي ذكرك أقول: هِي هِي هِي ها (وهو صوت الراعي)!
قال موسى: «يا هذا، لقد صرت صلفٌا! *** لقد كفرتَ قبل أن تُسلِم!
﴿لَم يَلِد﴾، ﴿لَم يُولَد﴾ يليق بالله تعالى *** هو الذي خلق الوالد والمولود!
إن لم تُسكِت فمك عن هذا الكلام *** ستأتي نارٌ وتُحرق الخلق!»]
قال موسى: «يا عزيزي! هو الذي لا يلد ولا يُولد، وهذه الأوصاف تختصّ بالله؛ في حين أنّ الأوصاف التي تنعته بها هي أوصاف شخصٍ يُولد في هذه الدنيا، ويأتي ويذهب؛ فعلى الإنسان أن يعرف ماذا يقول عن الله، حيث يخضع هذا الأمر لمجموعة من الآداب، ويجب الحفاظ على هذه الآداب، ولا يمكن قول أيّ شيءٍ! لا يمكنك أن تقول أيّ شيءٍ يخطر ببالك!».
| گفت: «ای موسی دهانم دوختی | *** | وز پشیمانی تو جانم سوختی |
| جامه را بدرید و آهی کرد تفت | *** | سر نهاد اندر بیابان و برفت |
| وحی آمد سوی موسی از خدا | *** | بندۀ ما را ز ما کردی جُدا |
| تو برای وصل کردن آمدی | *** | نی برای فصل کردن آمدی» |
يقول:
قال: «يا موسى، لقد أخرستَ فمي *** وأحرقتَ روحي بالندم»
فمزّق ثيابه، وتنهّد تنهيدةً حارقةً *** ووضع رأسه في الصحراء ومضى.
فأوحى الله إلى موسى: «يا موسى *** لقد فرّقتَ بيني وبين عبدي
لقد جئتَ لكي تُوحِّد *** ولم تأت لكي تُفرِّق»
[قال الله تعالى لموسى:] «يجب أن توصل هؤلاء الناس إلينا! إنّ وظيفة الأنبياء هي إيصال الناس إلى درجة الفناء ومقام الوصال، وأنت تُفرّقهم! صحيح أنّنا جعلناك نبيًّا ووضعنا عليك واجبًا، ولكن انتبه...! هنا، الله تعالى يُعلّمه، وهذا هو مقام تربية موسى.
| تو برای وصل كردن آمدی | *** | نی برای فصل كردن آمدی |
| هر یكی را سیرتی بنهادهایم | *** | هر كسی را اصطلاحی دادهایم |
يقول:
لقد جئتَ لتُوحِّد لا لتُفرِّق
لقد وضعنا في كلّ شخصٍ طريقةً خاصّة *** وأعطينا كلّ واحدٍ مصطلحاته الخاصّة
لقد وضعنا في كلّ شخصٍ طريقةً خاصة.. «الطُّرُقُ إلى اللهِ بِعَددِ أنفاسِ الخلائق»؛۱ فكلّ شخصٍ هو على نحوٍ مختلف.
| در حق او مدح ودر حقّ تو ذم | *** | در حق او شهد ودر حقّ تو سَم |
| در حق او نور ودر حقّ تو نار | *** | در حق او وَرد ودر حقّ تو خار |
| موسیا آدابدانان دیگرند | *** | سوخته جان وروانان دیگرند٢ |
يقول:
في حقّه مدح وفي حقّك ذم *** في حقّه عسل وفي حقّك سمّ
في حقّه نور وفي حقّك نار *** في حقّه ورد وفي حقّك شوك
يا موسى، الذين يتّبعون الآداب مختلفون *** والذين احترقت أرواحهم مختلفون.
وكلّ واحدٍ من هؤلاء يتحرّك في طريقه الخاصّ.
اختلاف الشواكل في تفضيل الأفكار المطروحة في المجلس
تلك المسألة التي كنتُ أريد أن أقولها، سأقولها الآن؛ فجهّزوا أنفسكم جيّدًا! ففي نهاية المطاف، علينا أن نقوم بلدغتنا!٣ تلك المسألة هي: إنّ كلّ شخصٍ لديه طريقةٌ خاصّة بناءً على شاكلته؛ أحدهم يُعجبه هذا الكلام، والآخر لا يُعجبه. وأنا، في هذه الأيّام القليلة التي تحدّثتُ فيها، أعلم تمامًا أنّ بعض الناس لم يُعجبهم هذا الكلام. أنا أعلم ذلك؛ ولكن كما يقول أهل مشهد: «نحن نقوم بعملنا!». بعض الناس يأتون ويقولون: «يا فلان، نحن أتينا إلى هنا لنستمع إلى عزاء سيّد الشهداء، فما هذا الكلام الذي يقوله هذا الرجل؟! وما علاقة هذا الكلام بعزاء سيّد الشهداء؟! فهذه أيّام العزاء والمصيبة وغير ذلك! وهذه عشرة محرّم وأمثال ذلك! فما هذا الكلام؟! يجب أن يتحدّث عن الولاية ومصائب أهل البيت! فما علاقة مسألة أنّ كلّ شخصٍ له شاكلةٌ بقضيّة العزاء؟!». يا عزيزي، أين أنت؟! يا للعجب! هل يعني ذلك أنّني لا أعلم؟!
وآخر على العكس، يقول: «جيّد أنّ هذا الرجل يتحدّث عن هذه المسائل؛ يجب أن يتحدّث عنها! لا يُقال هذا الكلام في أيّ مكانٍ آخر. هذا الكلام جيّدٌ جدًّا». كلاهما يجب أن يكون، وانتقاد أحدهم والميل إلى الآخر خطأ!
هدف إقامة مجالس العزاء
إنّ ولاية الإمام الحسين ليست بأن تأتي وتجلس وتبكي! عاشوراء تأتي وتذهب كلّ عام، فما دامت ولاية الإمام ـ والتي من أجلها قدّم جسده ليُداس تحت سنابك الخيل ـ لم تتجلّ فيك بعدُ، فماذا ستستفيد وما هي النتيجة التي ستخرج بها من البكاء على سيّد الشهداء؟!
اجلس وابكِ باستمرار! لقد انتهت أيّام العزاء وذهبت! هذا، مع أنّ البكاء له أجرٌ عظيم، حيث جاء في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام [ما مفاده]: «من بكى قدر جناح ذبابة على مصيبة جدّي حرم الله جسده على النار».۱ [وفي روايةٍ أخرى:] «إذا لم تستطع البكاء فتباكَ (تظاهر بالبكاء)!».٢ ولكنّ المهمّ هو أن يكون هذا البكاء قادرًا على إحداث تغييرٍ عمليٍّ فيك ووصلِ باطنك بولاية سيّد الشهداء. إنّ سيّد الشهداء لم يكن مجرّد جسدٍ سقط على الأرض، حيث أشرت سابقًا إلى أنّ سيّد الشهداء كان تلك الولاية وذلك السرّ الذي استولى على كلّ عالم الوجود وما سوى الله. فيجب أن تفهم هذه المسألة وتُوجدها في نفسك، ويجب أن توصل نفسك إلى ذلك.
إنّ الغاية من إقامة هذه المجالس هي إحياء ذكر الأئمة؛٣ لا أن نأتي ونُقسّم المسائل إلى مجموعتين، ونضع مسائل الولاية في جانب، ومسائل التوحيد في جانبٍ آخر. أيّها الأخرق، أنت لم تفهم تلك الولاية أيضًا! تلك ليست ولاية، تلك هي الضرب على الرأس والميل إلى الظاهر. إنّ الذين أتوا وفصلوا مسألة الولاية عن مسألة التوحيد، لم يستشعروا الولاية أبدًا، ولم يفهموا ما هي الولاية.
عدم وجود فائدة من البكاء على سيّد الشهداء دون الاهتمام بأهدافه
وحينئذ، نجد هذا المسكين يُشارك في المجالس طوال هذا الوقت ـ بالطبع، أنا لا أتحدّث عنكم، بل عن جميع الناس وعن الأفراد الذين لديهم خصائص معيّنة ـ، ويذهب إلى هنا وهناك. وعلى أيّ حال، فإنّ العادة جرت حتى الآن على أن يُطرح في هذه المجالس المزيد عن الإمام الحسين، ومقتله، وقطع رأسه من طرف الشمر، وحرمانه من الماء، وما شابه ذلك. ولا يخفى أنّ ذلك لا يعني أنّه لا يُطرح شيءٌ من هذا هنا، بل يُطرح، ولكنّه ليس هذا كلّ ما يُقال.
ولأنّ ذلك الشخص يرى هذا الأمر مخالفًا لعادته وطريقته وسلوكياته، نجده يقول: «يا للعجب! هذه المجالس ليست كالمجالس المعهودة! هذه الخصائص ليست بتلك الخصائص! نحن أتينا إلى هنا لكي نبكي أكثر!». يا عزيزي، لقد بكيتَ لخمسين سنةً، فماذا حدث؟ وما هي النتيجة التي أثمرها لك هذا البكاء؟! تعالَوا وانظروا ما كان هدف سيّد الشهداء الإمام الحسين، وما كانت المسائل التي يطرحها أولئك الذين يُسمّون أنفسهم بالولائيّين والذين اعترضوا على الأولياء والموحّدين، وما هو سبب خلافهم.
إنّ الغاية من هذه المسائل هي أن نُطبّق المسائل التوحيديّة في أنفسنا، وأن نُدرك الحقيقة، وأن نُطبّق أنفسنا على هذه الحقائق.. هذا هو هدف سيّد الشهداء. أمّا المجيء والجلوس والبكاء، فما فائدة البكاء؟! أن يسير الإنسان في طريقٍ معاكسٍ لسيّد الشهداء ثمّ يبكي؟!
تفاوت درجة قساوة قلب أعداء سيّد الشهداء
بعد ظهر يوم عاشوراء، عندما نُهِبَت الخيام، جاء ذلك الدنيء على حصانه، وضرب ابنة الإمام الحسين عليه السلام في ظهرها برمحٍ، ورمى بها على الأرض، وانتزع الأقراط من أذنها، ثمّ بكى! قيل له: «لماذا تبكي الآن؟!». فقال: «أبكي لأنّها في نهاية المطاف بنتٌ وبريئة! أنا أؤذي ابنة النبيّ، وأذنها تتمزّق، والدماء تسيل منها!». فقيل له: «إذن لماذا تنتزع الأقراط؟!» فقال: «إذا لم أنتزعها، سيأتي شخصٌ آخر وينتزعها!».۱هو أيضًا يبكي، هو أيضًا رقّ قلبه؛ إذ لا يمكن لأيّ أحدٍ أن يبكي دون أن يرقّ قلبه. حتّى عمر بن سعد بكى في يوم عاشوراء! لقد بكى عدّة مرّات.. عمر بن سعد نفسه! ٢
كان عمر بن سعد من الذين لم يرغبوا في القتال، وأراد أن تنتهي الأمور بالصلح والمسامحة. كان عمر بن سعد هكذا، إلى أن جاء الشمر وأشعل الأمور.
في إحدى الرسائل التي أرسلها عمر بن سعد إلى ابن زياد، كتب:
لقد جعلتُ الحسين بن عليّ في قبضة يدي، وجعلته في قبضة الجيش، والحسين يقول: «اتركوني! سأذهب إلى مكانٍ ما، سأذهب إلى الجبال. ليس لي شأنٌ بأحد؛ سأعيش مثل أحد المسلمين. ليس لي شأنٌ بيزيد ولا بغير يزيد. لي طريقي الخاصّ».
عندما تصل الرسالة إلى ابن زياد، يشعر ببعض اللّين ويقول: «إذن، المسألة قد حُلّت!». كان الشمر موجودًا هناك؛ وعندما رأى ابن زياد بدأ بطرح هذه الأمور، قال: «يا ابن زياد! الآن الحسين بن عليّ في قبضتك، والفرصة سانحة؛ فلا تضيّعها! لو ذهب، فإنّ هذه الأحداث والمشاكل والفتن ستتجدّد». وبدأ بتحريض ابن زياد!
فكتب ابن زياد رسالةً إلى عمر بن سعد: «إذا وَصلَك كتابي هذا فَجَعجِع بِالحسين». أي: عندما تصلك رسالتي هذه، فشدّد على الحسين! ثمّ قال للشمر: «اذهب إلى عمر بن سعد». وكتب في الرسالة: «يا ابن سعد! لم أرسلك لتنصحني، وتُنهي الأمر بالصلح والمسامحة!»، [وقال للشمر:] «اذهب إلى عمر بن سعد وقل له إن أراد أن يستمرّ في هذا الأمر، فليجعل الحسين يستسلم ليزيد، وإلاّ، فليُرسل لي رأسه». وإن لم يفعل، فاقطع أنتَ رأس عمر بن سعد وتولَّ قيادة الجيش بنفسك».۱
فذهب الشمر وفعل ذلك. لم يكن عمر بن سعد هكذا؛ ولكن، عندما ظهرت هذه الأمور وجاءت الدنيا، فإنّ عمر بن سعد نفسه في ليلة عاشوراء، عندما قال له سيّد الشهداء [ما معناه]: «حرمك الله من قمح الريّ!»، بدأ يسخر من الإمام ويقول: «إذا حصلنا على شعيرها، فذلك يكفي!».٢
هذا هو الأمر. هذا لأنّهم لم يفهموا التوحيد، ولم يُدركوا مقام التوحيد. هو يعلم أنّه ابن النبيّ، وأنّ هذا العمل الذي يفعله سيُدخله جهنّم؛ ولكن، لأنّه لم يفهم التوحيد، فإنّه يبكي على حال سيّد الشهداء. في يوم عاشوراء، بكى عمر بن سعد عدّة مرّات! يبكي، ويقطع رأس الإمام الحسين أيضًا!
عاشوراء هي أحداث عشقٍ وشوق، وليست مجرّد حزن وألم
إنّ هذه المسائل التي تُطرَح هنا تُمثّل أهداف سيّد الشهداء بعينها.. إنّها نفس الأمور التي من أجلها جعل الإمام نفسه أسيرًا بيد هذا الجيش، وقدّم نفسه للقتل. الأمر هكذا، وليس مجرّد بكاءٍ وأمثال ذلك. إنّ قضيّة عاشوراء لم تكن قضيّة بكاء وما شابه ذلك، بل كانت قضيّة عشقٍ، وشوقٍ، وفرح، ووصول إلى تلك المقامات، وإدراكٍ لها.
أليس عندنا في التاريخ أنّه كلّما مرّ الوقت في يوم عاشوراء، ازداد الإمام تألّقًا وابتهاجًا، وازداد نور وجهه شدّةً؟!٣ حتى وصل الأمر إلى درجةٍ لا يمكن الحديث عنها. في ليلة عاشوراء، لم يكن هناك بكاءٌ، بل كان الأصحاب جميعهم يضحكون ويمزحون!٤ كان أحدهم مشغولاً بالصلاة.٥ لم يكونوا يعتبرون أمر التخلّي عن الجسد والوصول إلى ذلك المقام أمرًا مؤلمًا. وذلك العشق العجيب الذي كان لدى هؤلاء الأصحاب للوصول إلى تلك المقامات لا يمكن وصفه!
كان عابس بن شبيب الشاكريّ من الأفراد الذين عندما خرجوا من جيش سيّد الشهداء عليه السلام [للقِتال]، لم يجرؤ أحدٌ على مواجهته، فخلع ملابسه ودرعه،۱ وقال: «تعالوا بسرعة وخلّصوني!». كان أصحاب سيّد الشهداء يتسابقون إلى الشهادة: «يَتَسابَقونَ إلى المَوت!٢ لاَ يَمَسّونَ ألَمَ الحَديد».٣ فلم يكونوا يشعرون أبدًا بألم الرماح والسيوف. لقد كان فكرهم، وذهنهم، وعشقهم في مكانٍ آخر تمامًا، وكانوا يرون أنّ هذا الجسد عائقٌ ومانعٌ عن الوصول إلى تلك المقامات، وكانوا يقولون: «تعالوا بسرعة وأنهوا الأمر!». الأمر هكذا كان.
حينئذ، نأتي نحن، ونتجاهل الحقيقة التي كان الإمام يسعى إليها، ونهتمّ فقط بهذه الأمور الظاهريّة ونجعلها هي الأصل! عندئذٍ، سيحدث أن نجعل ولايةً ظاهريّةً عائقًا ومانعًا ومقابلاً للتوحيد الحقيقيّ.. هذا هو الأمر!
رثاء حضرة القاسم بن الحسن عليهما السلام
إنّ الإنسان ليعجب حقًّا! يقول عليّ بن الحسين عليه السلام [ما مفاده]:
في ليلة عاشوراء، خطب والدي في أصحابه وأهل بيته، وقال: «هذا الليلُ قد غَشِيَكم فَاتّخِذوه جَمَلاً»؛ أي: إنّ الليل قد غشاكم، فاستخدموه مطيّةً. فذهب الأصحاب واحدًا تلو الآخر؛ قال أحدهم: «إلى أين نذهب؟! لقد تمنّينا هذه الليلة طوال حياتنا! الآن تقول لنا: اذهبوا!». قال آخر: «ماذا نقول للنبيّ؟!».
وباختصار، كلّ واحدٍ قال شيئًا بحسب حاله وفكره. والعجيب هنا أنّنا عندما ننظر إلى التاريخ، نرى من كانوا هؤلاء الأفراد! هل كانوا بشرًا أصلاً؟!
عندما رأى الإمام أنّ أصحابه لا يتركونه، دعا لهم، وطلب لهم الوصول إلى مرضاة الله، وقال [ما معناه]: «رحمكم الله جميعًا!». وبدأ يكشف لهم عن مقاماتهم، وقال [ما مضمونه]: «جميعكم ستُقتَلون غدًا، جميعكم ستستشهدون!». جاء في التاريخ أنّ ابن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وهو القاسم الذي تقول الروايات إنّه كان مراهقًا (لم يبلغ بعد)،٤ وقف وقال: «يا عمّاه أ أنا أُقتَل؟ هل سأُقتل أنا أيضًا؟» فقال له الإمام: «كيفَ المَوتُ عِندَك؟ كيف تجد الموت؟». وهنا تكمن المسألة، وما يهزّنا ويجعلنا نفكّر هو أنّه قال: «أحلى من العسل». لم يكن يمزح. فمن كان هذا؟ وما هو مقامه؟ إنّ طفلاً لم يبلغ بعدُ ـ على أيّ حال ـ يفهم الموت إلى حدٍّ ما، ويفهم حلاوة العسل، ويفهم المتعة إلى حدٍّ ما. فماذا كان هذا الشخص، وما هو مقامه، وماذا كان يرى حتى قال: «أحلى من العسل»؟! هذا الكلام لم يكن مزحة! أبناؤهم كانوا هكذا.
ثمّ لدينا أنّه في هذه اللحظة، بكى الإمام وقال [ما معناه]: «بَلى، إنّك في مَن يُقتَل مَعي مِن الرِّجال؛ نعم، أنتَ ممن سيُقتل معي من الرجال. أنت أيضًا ستُقتل». لدينا أنّ القاسم غمره الفرح والشوق إلى درجةٍ أنّ جميع من حوله لاحظوا ذلك وقالوا: «كيف وصل إلى هذه الحالة؟». لقد فرح جدًّا؛ كأنّه وصل إلى أمنيته.۱
وعلى ما يبدو، فإنّ عليّ الأكبر استُشهِدَ في الظهر أو بعد الظهر، واستُشهِدَ أبناء الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. رأى القاسم أنّه بقي وحده، فأتى إلى عمّه وقال: «يا عمّي، ائذن لي!». لم يأذن له سيّد الشهداء عليه السلام، فذهب وعاد مرّةً أخرى، ولم يأذن له الإمام. وعندما جاء للمرّة الثالثة، كانت حالته تقول: «يا عمّي، لقد سئمت. نفسي ضاقت!». إنّ هذه العبارات من شابٍّ مراهقٍ غريبةٌ جدًّا! عندما رأى الإمام أنّ ابن أخيه لا يستسلم، جاء واحتضنه. ولدينا أنّه: «فَبَكيا حتّى غُشِيَ عَليهما»؛ أي: بكيا حتى أُغمي عليهما.
ثمّ تحرّك وذهب إلى ساحة المعركة. فقاتل وقال:
| إن تُنكروني فَأنَا فَرعُ الحَسَن | *** | سِبطُ النبيّ المُصطَفى والمُؤتَمَن |
| هذا حُسينٌ كالأسيرِ المُرتَهَن | *** | بَينَ أُناسٍ لا سُقوا صَوبَ المُزَن |
أنا ابن الحسن بن عليّ، وعمّي الحسين أسيرٌ في أيديكم. فهاجم وقتل خمسةً وثلاثين رجلاً. عندما سقط على الأرض، وبينما كان ذلك الشخص يريد أن يأتي ويقطع رأسه، صرخ قائلاً: «يا عمّاه!». لقد استدعى عمّه. تقول الرواية إنّه في كلّ هذا الوقت الذي كان فيه القاسم يُقاتل، كان سيّد الشهداء عليه السلام واقفًا على حصانه بجوار الخيمة ينتظر متى يُناديه. وبمجرّد أن صاح: «يا عمّاه»، تقول الرواية: «فَجاءَ إليه كالصَّقرِ المُنقَضّ»؛ أي: جاء إليه مثل الصقر الجارح. فنظر ورأى أنّ ذلك الشخص يوشك أن يقضي عليه. وبمجرّد أن أراد قطع رأسه، سحب الإمام سيفه، فرفع الرجل يده، فقطع الإمام يده.٢
والقصّة التي حدثت في استشهاد القاسم عليه السلام والتي بكى بسببها الإمام، هي هذه: عندما سأل الإمام: «هل أنا من المقتولين والشهداء؟» قال له الإمام [ما مفاده]: «نعم! ولكن بعد أن تُبتلى بابتلاءٍ عظيم».٣ وما هو ذلك الابتلاء العظيم؟ عندما يأتي ذلك الرجل ويقطع الإمام يده، يصرخ وينادي قومه. فينصرف الإمام عن القاسم، وينشغل بذلك الشخص ومن حوله، فيُداس جسد القاسم تحت سنابك الخيل، بينما هو لا يزال حيًّا. عندما يهدأ القتال، يأتي الإمام ويقف فوق رأس القاسم، ويرى أنّه «يَجودُ بِنَفسِهِ»؛ أي أنّ القاسم يحتضر ويُصارع الموت! كان هذا صعبًا ومؤلمًا جدًّا بالنسبة للإمام.
فصاح: «واللهِ يعِزُّ على عمِّك أن تَدعوَه فَلا يجيبُك أو يجيبُك فَلا يعينُك أو يعينُك فَلا يُغني عنك». أي: والله، من الصعب جدًّا على عمّك أن تناديه فلا يستجيب لك؛ أو يستجيب لك ولكنه لا يستطيع مساعدتك. احتضن الإمام ابن أخيه وضمّه إليه، ورفع رأسه إلى السماء وقال: «اللهمّ إنّك تَعلمُ أنَّهم دَعوني لِينصُروني فَخَذَلوني»، ثمّ قال: «بُعدًا لقومٍ قَتلوك»؛۱ أي: يا ابن أخي، قتل الله الذين قتلوك.
﴿وَسَيَعلَم الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ آلَ محمدٍ ﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾٢. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ راجِعُونَ﴾٣.
بِاسمِك اللَهمّ ونَدعوك ونُقسِمُ عليك ونَرجوك بِحقِّ محمدٍ وأهلِ بيتِه الأطهار يا الله!
اللهمّ اغفر لنا وارحمنا! ولا تُمِتْنا حتى تغفر لنا! امحُ جميع خطايانا! لا تحرمنا في الدنيا من زيارة أهل البيت، وفي الآخرة من شفاعتهم! انصر الإسلام والمسلمين! واجعل الكفّار والمعاندين أذلّة وصاغرين! اللهمّ اشفِ مرضى المسلمين، واغفر لموتاهم وارحمهم! عجّل في فرج إمام الزمان عليه السلام، واجعلنا من المنتظرين الحقيقيّين له!
بِالنَّبي وآلِه، وعجِّلِ اللَهمّ في فَرجِ مولانا [صاحب الزمان].
اللَهمّ صلِّ عَلى محمّد وآل محمّد