7

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان

النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

17
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمجبل عامل

المجموعةالولاية التكوينيّة

التاريخ 1413/01/07

جلسات المجموعة(9 جلسة)

التوضيح

كيف كان التراب هو الأصل الأوّل لخلقة الإنسان؟ ما هي العلاقة بين اختلاف البشر في الخلقة وكمالهم؟ لماذا لا يمكن لأيّ أحد أن يجعل أعمال غيره الله مقياسًا لأعماله هو؟ ما هو دور الأنبياء والأولياء في توجيه الناس؟ ما هي حقيقة الوحي؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة العلامة السيد محمد محسن الحسيني الطهراني قدّس الله سرّه في ضمن سلسلة محاضرات حول الولاية التكوينيّة عن هذه الأسئلة والمزيد.

/۱٩
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان

  • النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

  •  

  • الولاية التكوينيّة - الجلسة السابعة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

2
  •  

  •  

  • أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم

  • بِسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيم

  • الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمين

  • ثُمَّ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيّدِنا وَنَبيّنا وحَبيبِ قُلوبِنا

  • وطَبيبِ نُفوسِنا أبي ‌القاسمِ المُصطَفى مُحَمَّدٍ

  • وَعَلى آلِهِ الطَّيبينَ الطّاهِرينَ المَعصومينَ المُكَرَّمينَ

  • وَاللَّعنَةُ عَلى أعدائِهِم أجمَعينَ مِنَ الآنَ إلى يومِ الدِّين

  •  

  •  

  • قالَ اللهُ في كِتابِه: 

  • ﴿وَأَنزَلنَآ إِلَيكَ ٱلكِتَٰبَ بِٱلحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ ٱلكِتَٰبِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ فَٱحكُم بَينَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَهُ وَلَا تَتَّبِع أَهوَآءَهُم عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا وَلَو شَآءَ ٱللَهُ لَجَعَلَكُم أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبلُوَكُم فِي مَآ ءَاتَىٰكُم فَٱستَبِقُواْ ٱلخَيرَٰتِ إِلَى ٱللَهِ مَرجِعُكُم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم فِيهِ تَختَلِفُونَ﴾۱.

  • لرفع البلاء عن شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، والتعجيل في فرج إمام الزمان عجّل الله تعالى فرجه، صلّوا على محمّد وآل محمّد.

  • سبب اختلاف البشر في الخلقة تمهيد لهم نحو الكمال

  • وردت في القرآن الكريم آياتٌ تدلّ على اختلاف شَواكل النفوس، واختلاف هيئاتها، واختلاف خَلْقِها وخُلُقها. يقول تعالى في سورة نوح: ﴿مَّا لَكُم لَا تَرجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَد خَلَقَكُم أَطوَارًا﴾٢؛ أي: لماذا لا تتوقّعون من الله تعالى أن يكون لكم وزنٌ واعتبارٌ في الآخرة، مع أنّه خلقكم أطوارًا (بأشكال وخصوصيّات مختلفة)»؟ بمعنى أنّ هذه الكيفيّة في الخلقة هي عاملٌ للوصول إلى الكمال، حيث يتمكّن الإنسان ـ بفضل تلك الخصوصيات الموجودة في ذات كلّ فرد ـ من أن يسلك طريق كماله، وأن يتحرّك نحو ذلك المبدأ بمعزلٍ عن الآخرين.

  • الحقيقة الأولية لخلقة الإنسان هي التراب

  • بعد أن يذكر اللهُ تعالى عدّة آياتٍ في سورة الروم بقوله: ﴿وَمِن ءَايَٰتِهِۦٓ...﴾، ﴿وَمِن ءَايَٰتِهِۦٓ...﴾، ﴿وَمِن ءَايَٰتِهِۦٓ...﴾، يقول: ﴿وَمِن ءَايَٰتِهِۦٓ أَن خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾٣. وواقعًا، إنّها من الآيات المهمّة التي تُبيّن يد الخلقة في تكوين الإنسان. إنّ خلقة وجودنا وتكوينه كلّها من تراب، ولكنّ الله تعالى يُجري تغييرات وتحوّلاتٍ في هذا التراب؛ وبواسطة هذه التغيّرات والتبدّلات، يتكوّن وجود الإنسان.

  • لا يقول في هذه الآية: إنّنا خلقنا أبدانكم من تراب، بل يقول: ﴿وَمِن ءَايَٰتِهِۦٓ أَن خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ﴾؛ بمعنى: خلقناكم من تراب، لا أبدانكم. فالبدن من التراب حتمًا؛ أيْ إنّ تغييراتٍ وتحوّلاتٍ تحدث في هذا التراب حتى تتوفّر فيه قابلية التجرّد. ومن ثمّ، وبواسطة خطاب ﴿وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾٤، يحدث ذلك التجرّد التامّ الأخير في التراب والمادّة. وبواسطة تلك «النفخة»، يصل إلى مرحلة التجرّد التامّ. وعندما يصلُ إلى هذه المرحلة، تكون نفس الإنسان قد تكوّنت من التراب في الحقيقة.. هذا هو معنى الخلق من التراب.

    1. سورة المائدة، الآية ٤۸.
    2. سورة نوح، الآيتان ۱٣ و۱٤.
    3. سورة الروم، الآية ٢۰.
    4. سورة الحجر، الآية ٢٩؛ سورة ص، الآية ۷٩.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

3
  • التراب هو أصل تكوّن نفس الإنسان المجرّدة

  • وعليه، يمكن أن تكون هذه الآية دليلاً على أنّ المادّة والتراب هما اللذان يتسبّبان في تكوّن نفس الإنسان؛ وهذا بخلافِ أولئك الأفراد والعلماء الذين يعتقدون أنّ حساب النفس يختلف عن حساب البدن. فهم يرون أنّ هناك جهتَين تتحرّكان في هذا العالم: جهة المادّة، وبموازاتها جهة المجرّدات. فجهة المادّة تسيرُ في طريقها، والمجرّدُ أيضًا يسير في طريقه. وهذا التراب الذي يتحوّل إلى غذاء، ويتحوّل في وجود الإنسان إلى نطفة، عندما يستقرّ في رحم الأمّ، يسيرُ في حالته المادّية. وحينما يبلغُ مرحلةً يستعدّ فيها لفيضان الروح عليه، تُفاض عليه الروح من قِبل الله تعالى ومن عالم المجرّدات.

  • نظرية ابن سينا في منشأ النفس المجرّدة ونقدها

  • وذلك ما يعتقد به المرحوم الشيخ الرئيس في قوله: 

  • هَبَطَت إلَيكَ مِنَ المَحَلِّ الأرفَع***وَرقاءُ ذاتِ تَعَزُّزٍ وتَمَنُّع۱.
  • إنه يعتقد أن حساب المادّة مختلف عن حساب النفس والروح. فلكلٍّ منهما حسابه الخاصّ، فتأتي الروح من العالم الأعلى، ويستقرّ البدن في رحم الأمّ، ثمّ يلتقي هذان الاثنان، وتُعطى الحياة للجنين في رحم الأمّ.. هذا ما يعتقده هو. ولكنّ الأمرَ ليس كذلك، وحقيقة المسألة أنّنا لا نرى في هذا العالم شيئين باسم «المادّة» و«المجرّد»، ولا نشعرُ بوجود حقيقتين مختلفتين ومنفصلتين عن بعضهما البعض، بل هي حقيقة واحدة فقط؛ وهذه الحقيقة تتجلّى في أطوار وأشكال مختلفة، بحيث إذا قُدّر لتلك الحقيقة أن تظهر على هذه الصورة، فيجب أن تمرّ بأحوالٍ معيّنة، وإذا قُدّر لنفس الكيفيّة التي حصلت عليها تلك الحقيقة أن تعود إلى حالتها الأوّلية، فيجب أن تمرّ بأحوال وخصوصيّاتٍ أخرى.

  • توقّف إدراك بعض المسائل الفلسفيّة على الوجدان والشهود

  • لقد تذكّرتُ الآن هذه المسألة، وهي أنّ هذه الأمور التي ذكرها علماؤنا وأعاظمُ الحكماء والفلاسفة والمفكّرون المسلمون ـ رضوان الله عليهم جميعًا ـ في كتبهم وبيّنوها، هي مسائلٌ أوضحوها بالعقل والفكر والتدبّر وبتلك الخصوصيات التي حصلوا عليها من هنا وهناك. ولكن، حتّى تصبحَ هذه المسائل وجدانيّةً للإنسان، وحتّى يُحيطَ بها إحاطةً علميةً وعينيّةً كاملةً، فإنّها لا تُحلّ له على النحو الذي ينبغي؛ لهذا، نرى صدر المتألّهين رحمة الله تعالى عليه يقرنُ ـ في مختلف أجزاء كتابه ـ أبحاثَه البرهانيّة والفلسفيّة بالمكاشفات الوجدانيّة، ويقول: «هذه المسألة ثبتت لي بالمكاشفة» أو: «هذه القضيّة اتّضحت لي بعناية من الله تعالى»؛٢ أي إنّه لا يكتفي بالوصول إلى قضيّة ما عن طريق العقل فحسب، بل يبحثُ عن حقيقة هذه القضيّة.

    1. وفيات الأعيان، ج ٢، ص ۱٦۰، نقلاً عن أبي علي ابن سينا.
    2. راجع: الحكمة المتعالية، ج ۱، ص ۸.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

4
  • كنتُ في وقتٍ من الأوقات أفكّرُ في مسألة تكوّن آدم، وكيف يمكن للتراب أن يتحوّل إلى مجرّد لا توجدُ بينه وبين المادّة أيّة علاقةٍ على الإطلاق! فالمادّة لها ثقل ووزن وجسم، أمّا المجرّد فليس كذلك؛ فليس له ثقلٌ ولا وزن، بل لو أصبح تجرّده تامًّا إلى حدٍّ ما، فلن تكون له حتّى صورة. إنّ المعاني المجرّدة التي تُفاض على الإنسان، ويصلُ إليها لاحقًا، هي أمورٌ لا يصادفُ فيها أيّة صورة. أي: إذا سألوك: «ماذا رأيت؟»، فلن تستطيعَ أن تُجيبَ على الإطلاق عمّا رأيت. فأقلّ شيء في هذه المسألة هو أن يكون لهذا المعنى المجرّد صورةٌ حتى تشرحَها، غير أنّه لا يملك أيّة صورةٍ بتاتًا.

  • أشعار ابن الفارض عن علمه الحضوريّ بحقائق العوالم الربّانيّة

  • لهذا، فإنّ ابن الفارض ـ وهو من أعاظمِ العرفاء المسلمين ومن أولياء الله، وخلاصةُ القول، إنّه يحتلّ مكانًا رفيعًا في هذه المسألة ـ يُعبّرُ عن هذه الأمور بالنحو التالي:

  • يَقولونَ لي: «صِفها فأنتَ بَوَصفِها***خبيرٌ! أجَل عِندي بِأوصافِها عِلمُ.
  • أي: يقولون لي: «صِف لي المعاني والحقائق التي رأيتها هناك»، فأُجيبُهم: «نعم، عِندي بِأوصافِها عِلمُ! أنا لديّ علمٌ وخبرةٌ! لقد ذهبتُ ورأيتُ! وأنا لا أدّعي ولا أُنكر». 

  • فالمسألة واضحةٌ جدًّا. إنّه يعرضُها بكلّ جرأة وشجاعةٍ وعدم خوف، ويقول: نعم، لقد ذهبتُ وشاهدتُ، ومن أراد ذلك، فليتفضّل! فأنا لا أخفي شيئًا ولا أكتم المسألة عن أيّ أحد، كما لا أدّعي الباطل. نعم، عِندي بِأوصافِها عِلمُ. أنا لديّ خبر؛ فقد ذهبتُ ورأيتُ، فماذا تريدون الآن؟! يقولون: «اذكر لنا ما يدور هناك!» فيقول:

  • صَفاءٌ ولا ماءٌ ولُطْفٌ ولا هَوا***ونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جِسمُ
  • أي: هناك صفاءٌ ولطفٌ. لا يوجدُ هناك أيّ كدرٍ، ولا يوجدُ هناك أيّ غشّ. إنّه عالمُ صفاءٍ لطيفٍ بلغَ فيه الصفاءُ واللطفُ مرحلتهُ المطلقة، في حين أنّه لا يوجدُ هناك لا ماءٌ ولا هواءٌ. 

  • فعلى الأرض، أينما تبحثُ عن الصفاء واللطف، فلا بدّ أن يكون هناك ماءٌ وهواءٌ وخُضرةٌ وشجرٌ؛ ولكنّ هذا الأمرَ غيرُ موجودٍ هناك. ففي ذلك العالم نورٌ، وليس هناك نارٌ تُضيءُ هذا النور، وفيه روحٌ، وليس هناك جسمٌ يحتضنُ تلك الروح.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

5
  • تَقَدَّمَ كُلَّ الكائِناتِ حَديثُها***قَديمًا ولا شَكلٌ هُناكَ ولا رَسمُ
  • فلا توجدُ هناك حتّى صورة؛ أيْ: لا توجدُ أيّة صورةٍ لشرح هذه القضيّة.

  • مكاشفة حول كيفيّة العلاقة بين المادّي والمجرّد

  • كنتُ أُفكّرُ أحيانًا في نفسي: كيف يُمكن أن تتعلقَ مسألةٌ مجرّدة بالمادّة؟ فمن الناحية الفلسفيّة والعقليّة، تكون هذه المسألة قابلةٌ للحلّ، ولا نرى وجود أيّ تعارضٍ بينهما. ولكنْ على أيّ حال، فإنّ إدراكها بحيثُ تُحقّقُ الطمأنينة النفسيّة ـ كما في قوله تعالى: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾۱ـ هو أمرٌ صعبٌ جدًّا على الإنسان. ولقد فكّرتُ في هذه القضيّة مليًّا، من دون تُحلّ لي من الناحية الباطنيّة.

  • وذاتَ ليلة، رأيتُ في المنام أنّهم أظهروا لي معنىً في هذا المنام. أظنّ أنّ ذلك كان قبل شهر أو شهرين، حيث كنتُ في تلك الليلة نفسها أفكّرُ في هذه الأمور وأنا ذاهبٌ للنوم. وعادةً، عندما أذهبُ إلى النوم، أضعُ مسألةً في ذهني وأبدأ في حلّها حتى أغفو. وفي تلك الليلة، كنتُ أفكّرُ في قضيّة «الربط والارتباط بين المجرّد والمادّي»، أو كما نقول نحنُ كطلاّب: نزولُ المجرّد إلى عالم المادّة؛ وهي من أهمّ وأصعب المسائل في الفلسفة، فغفوتُ وأنا أُفكّرُ فيها. وفي المنام، أظهروا لي تكوّن شيءٍ ما. وعلى ما يبدو، أظهروا لي طفلاً أو إنسانًا عظيمًا، لا أتذكّر القضيّة بدقّة؛ لأنّ أصل القضيّة كان غامضًا بعض الشيء.

  • لقد شعرتُ أنّ ما أظهروه لي كان معنىً مجرّدًا، ولا يمكنُ وصفه وشرحه وبيانه، حيث كان هناك معنىً مجرّدٌ يتنزّل من العالم المجرّد. وفي المكان الذي كان فيه، لم يكن له أيُّ شكلٍ أو صورة أو خصائص ظاهريّة. وعندما نزل إلى عالمٍ أدنى، أصبحت له صورة؛ أيْ إنّ هذه الصورة الدُنيا التي أصبحت على هيئة إنسانٍ وطفل، كانت في ذلك العالم مجرّدَ صورةٍ فقط وليس لها جسم، ثمّ رأيتُ آنذاك تلك الصورة تنزلُ إلى هذا العالم وتتحوّل إلى جسم. لقد تحوّلت هي نفسها إلى جسم، من دون أن ينضاف إليه شيءٌ من الخارج. لقد نزلت تلك الصورة نفسها، وأصبحت هنا جسمًا. وعندما نظرتُ إليها، وشعرتُ بذلك الإنسان والطفل الذي كان هناك إلى جواري، وبينما كنتُ أفكّرُ في نفسي: «عجيب! ما هذا الشيءُ الذي تحوّل من دون صورةٍ وشكلٍ إلى صورةٍ وشكل؟!»، جرت جميعُ الأشعار التي أحفظها عن مولانا [جلال الدين الروميّ] وغيره على لساني، وبدأتُ أُنشدُها في ذلك المنام، حيث يقولُ مولانا في هذا الصدد:

    1. سورة البقرة، الآية ٢٦۰.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

6
  • مُنْبَسِط بودیم ویک گوهر همه***بی‌سر وبی‌پا بُدیم آن سر همه
  • یک گوهر بودیم همچون آفتاب***بی‌گره بودیم وصافی همچو آب
  • چون به صورت آمد آن نورِ سره***شد عدد چون سایه‌های کنگره۱
  • يقول: 

  • كنّا مُنْبَسِطين وجوهرًا واحدًا كلُّنا *** بلا رأس ولا قدم كنّا ذاك الأصل كلُّنا

  • كنّا جوهرًا واحدًا مثل الشمس *** كنّا بلا عُقد، وصافين كصفاء الماء

  • فلمّا تجسّد ذلك النور الصافي *** أصبح عددًا كظلال الأبراج (الشرفات)

  • أو يقولُ في موضعٍ آخر: كنّا في ذلك العالم كلّنا بلا لونٍ ولا أثر.٢ كلّ هذه إشاراتٌ إلى هذا الموضوع. 

  • وباختصار، كنت أعيش في عالمي الخاصّ، وهناك، بدأتُ أُنشدُ الشعرَ لنفسي. وفي هذه الأثناء، وبينما كنتُ أنظرُ إلى ذلك الطفل، رأيتُ فجأةً أنّ هذا الإنسان الذي يملك جسمَ الإنسان وصفاته، عادَ مرّةً أخرى وتحوّل إلى تلك الصورة، وتحرّك من ذلك العالم، وعادَ إلى عالم المعنى، وأضحى من دون صورة.

  • يعني لو سألني أحدهم الآن: «كيف يتنزّلُ الوجودُ المنبسط إلى هذا العالم؟»، فلن أحتاجَ إلى دليلٍ أو برهان، ولن أكون بحاجة إلى قاعدةٍ فلسفيّة، أو إلى أبحاث الملاّ صدرا أو ابن سينا وأمثالهما. فلستُ بحاجةٍ إلى أيٍّ من هذه الأمور. لقد أوضحوا لي كلّ هذه المسائل بسهولةٍ تامّة في غضونِ ثانيةٍ واحدة. فلتتصوّروا الآن ما يجري لذلك الإنسان الذي انكشفت له أسرارُ العالم كلّها من غير حسابٍ ولا كتاب، فإنّه لن يكون محتاجًا إلى كتابٍ ولا حسابٍ ولا دراسةٍ ولا أيّ خصوصيات أخرى. إنّ الأمر سيكون حينئذ رائعًا جدًّا.

  • الآيات تدلّ على أنّ ظروف خلقة كلّ إنسان تتوافق مع ما يقتضيه وجوده

  • يقول الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَمِن ءَايَٰتِهِۦٓ أَن خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾٣؛ أي: لقد خلقناكم من تراب، ثمّ أصبحتم بشرًا وبدأتم في الحركة والانتشار.. هذه هي المرحلة الأولى. وفي المرحلة الثانية التي نُبتلى بها جميعًا، يقول: ﴿وَمِن ءَايَٰتِهِۦٓ أَن خَلَقَ لَكُم مِّن أَنفُسِكُم أَزوَٰجًا لِّتَسكُنُوٓاْ إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُم مَّوَدَّةً وَرَحمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍ لِّقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾٤؛ أي: من آيات الله أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا وتطمئنّوا إليها. فنفسُنا لا تطمئنّ بدون زوج، وخلقتنا تحتاج إلى الزوج والزواج لتحقيق الطمأنينة؛ سواء تعلّق الأمر بالمرأة تجاه الرجل أو بالرجل تجاه المرأة. فلا بدّ أن يكون هذان الاثنان معًا حتى تتحقّق تلك الطمأنينة ﴿وَجَعَلَ بَينَكُم مَّوَدَّةً وَرَحمَةً﴾.

    1. المثنويّ المعنويّ (ميرخاني)، الكتاب الأوّل، ص ۱٩.
    2. المثنويّ المعنويّ (آذر يزدي)، الكتاب الأوّل، ص ۱۱۱:
      چون كه بى‌رنگى اسير رنگ شد***موسيى با موسيى در جنگ شد
      چون به بى‌رنگى رسى كان داشتى***موسى وفرعون دارند آشتى‌
      گر تو را آيد بر اين نكته سؤال***رنگْ كِى خالى بوَد از قيل وقال‌
      اين عجب كاين رنگ از بى‌رنگ خاست***رنگ با بى‌رنگ چون در جنگ خاست؟!
      يقول: حينما أضحى اللاّلَوْن أسير اللون *** صار موسى في حرب مع موسىحين تصل إلى اللاّلَوْن الذي كنت تمتلكه (من قبل) *** فإنّ موسى وفرعون سيتصالحانوإن خطر لك سؤال حول هذه المسألة *** فمتى يكون اللون خاليًا من القيل والقال (الجدال)؟فيا للعجب كيف نشأ هذا اللون من اللاّلَوْن *** وكيف صار اللون في حرب مع اللاّلَوْن؟!]
    3. سورة الروم، الآية ٢۰.
    4. سورة الروم، الآية ٢۱.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

7
  • كيف يُمكن أن يكون لدينا إنسانان أحدهما في جهةٍ من الأرض والآخر في جهةٍ أخرى منها، وعندما يلتقيان ويُقرأ عقدُ النكاح ـ «أنكَحتُ موكّلتي لموكّلك»، فيُقال في الجواب «قَبِلتُ» ـ، نجد أنّ هذين الاثنين يميلان إلى بعضهما ويتجاذبان؟! فمن أين أتت هذه المسألة؟ ﴿وَمِن ءَايَٰتِهِۦٓ﴾.. إنّها من آيات الله تعالى!

  • ولكنْ، على الإنسان أن يحافظَ على هذه الطمأنينة! فلا يتحوّلُ قوله تعالى: ﴿لِتَسكُنُوٓاْ﴾ إلى «لِتَسكُبوا»!۱ ﴿لِتَسكُنُوٓاْ﴾ يعني أن تجدَ طمأنينةً، لا أن تسقطَ على الأرض! ﴿وَجَعَلَ بَينَكُم مَّوَدَّةً وَرَحمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍ لِّقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، إنّها من آيات الله!

  • وهناك آيةٌ أخرى: ﴿وَمِن ءَايَٰتِهِۦ خَلقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ وَٱختِلَٰفُ أَلسِنَتِكُم وَأَلوَٰنِكُم إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍ لِّلعَٰلِمِينَ﴾٢؛ أي: من آيات الله لأولئك الذين يفهمون هو خلقه للسماوات والأرض، وأنّ الله تعالى خلقكم مختلفين في الصورة والخلق والشكل. ﴿وَٱختِلَٰفُ أَلسِنَتِكُم وَأَلوَٰنِكُم﴾. فمن أين جاء هذا اللون؟ ومن أين جاءت هذه الألسنة المختلفة؟ وكيف تُستخدم هذه المصطلحات للتعبير عن الأفكار وفهمها؟ إنّها مسائل دقيقة جدًّا، حيث إنّ كلّ هذه الأمور تفاضُ من العالم الأعلى على عقول البشر، فيأخذُ كلّ واحدٍ منهم من تلك المعاني بحسب قابلياته، ثمّ يضعها في متناول الآخرين، فتنشأُ لغةٌ. لهذا، فإنّ الألسنة تختلف، حيث تدلّ هذه الآيات الشريفة على أنّ خلقة كلّ إنسان تتناسب مع مقتضيات وجوده التي قدّرها الله تعالى.

  • التناسب بين الابتلاء وبين النعم الإلهيّة التي تُعطى للإنسان

  • المسألة الآن هي أنّ الله تعالى، بناءً على ما يعطيه لكلّ إنسان، يتوقّع منه أمورًا ويطلبُ منه أشياء. فيُعطي شخصًا مالاً، ويطلبُ منه أن يُنفق. ففي آيةٍ قرآنيّة كريمة، يقول تعالى: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا﴾؛ أي: إنّنا وضعنا لكلّ واحدٍ منكم طريقًا خاصًّا. ﴿وَلَو شَآءَ ٱللَهُ لَجَعَلَكُم أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾؛ أي: لو أرادَ الله تعالى، لخلقكم جميعًا على نحو واحد، ولجعلكم جميعًا أمّةً واحدة. ﴿وَلَٰكِن لِّيَبلُوَكُم فِي مَآ ءَاتَىٰكُم﴾٣؛ أي: ولكنّ الله أرادَ أن يختبركم من خلال الخصائص التي منحكم إيّاها؛ بمعنى أنّ هذه الخصائص هي طريقٌ نحو الكمال. فهو يعطي أحدَهم مالاً، ويختبره عن طريق هذا المال.

    1. يُقال «سُكب على الأرض» للشيء حينما يسقط ويُصبّ على الأرض.
    2. سورة الروم، الآية ٢٢.
    3. سورة المائدة، الآية ٤۸.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

8
  • رأي إبراهيم الأدهم بخصوص تكليف الإنسان في الامتحانات المختلفة

  • يُحكى أنّ إبراهيم الأدهم عندما التقى بأحد أدعياء التصوّف في طريقه إلى مكّة، سأله: «كيف حالك؟». فأجابه: «إذا رزقني الله، آكل، وإلاّ شكرتُه». فقال له: «هذا عملُ كلاب الكوفة: إذا وجدوا عظمةً أكلوها، وإلاّ صبروا». فسأله: «وماذا تفعل أنت؟» فأجاب: «إذا رزقني الله، أُنفق، وإلاّ صبرتُ وشكرتُ».۱

  • إنه يُعطي شخصًا مالاً، ويتوقّع منه إنفاقه. وبالمقابل، يُعطي شخصًا آخر فقرًا، ويتوقّع منه الصبر والشكر. حسنًا، من الذي يُعطي الفقر؟ الله هو الذي يُعطي الفقر. ومن الذي يُعطي المال؟ الله هو الذي يُعطي المال أيضًا. فيُعطي شخصًا مالاً ويقول له: «تعالَ وأنفق!». ويُعطي آخر فقرًا ويقول له: «احمد واشكر، واصبر! لا تتذمّر إلى هذا الحدّ! لا تتوقّع شيئًا من الآخرين! لا تتوقّع أن يُنعمَ عليك الآخرون! اجعل توقّعك من الله وحده!». فيختبره بالفقر. وكذلك، يُعطي شخصًا صحّةً وسلامةً، ويتوقّع منه أداء التكاليف، ورعاية أمور الناس، وقضاء حوائجهم. ومن ناحية أخرى، يُعطي شخصًا مرضًا، ويتوقّع منه الصبر والشكر. ويتوقّع منه أن يقول لله: «يا إلهي، الآن وقد أعطيتني المرض، كم كان من الممكن أن أرتكبَ من الذنوب! ولكنّني لم أفعل ذلك بسبب هذا المرض».

  • النظرة التوحيدية للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحة

  • يقول الإمام السجّاد عليه السلام في دعاءٍ له في الصحيفة السجّادية بخصوص المرض: «يا إلهي، لا أعلم على أيٍّ من هاتين النعمتين أشكرك، هل أشكرُكَ على نعمة الصحة والسلامة، أم على نعمة المرض؟ فأشكرك على نعمة الصحّة؛ لأنّك جعلتني قادرًا على قضاء حوائج الناس، والقيام بطاعاتك، وعلى استخدام هذه الصحّة والسلامة في سبيل رضاك. ومن ناحية أخرى، فقد أعطيتني المرض، وكم كان من الممكن أن أرتكبَ من الجرائم والذنوب بسبب الصحّة والسلامة، ولكنّ يدي قد كُبّلت بسبب هذا المرض! فلا أعلمُ على أيّة مسألةٍ أشكرك، هل على الصحّة أم على المرض؟!»٢. على الصحّة وعلى المرض! فعلى الإنسان أن يكون شاكرًا على كليهما. هذا مقابلَ ذاك، وذاك مقابلَ هذا!

  • ﴿وَلَٰكِن لِّيَبلُوَكُم فِي مَآ ءَاتَىٰكُم﴾، نُعطيكَ الصحة، فنختبرك بها، ونعطيكَ المرض، فنختبرك به. نعطي الآخر مالاً، فنختبره بماله، ونعطي آخرَ فقرًا، فنختبره به. نعطي شخصًا علمًا، فنختبره به. أين يستخدمُ العلماءُ علمَهم؟ هل يستخدمون ذلك العلم للرياء والسُمعة؟ هل يستخدمونه للوصول إلى المطامع الدنيويّة؟ هل يستخدمونه لكسبِ رضا الأنظمة والحكومات الجائرة؟ فيضعون تحت تصرّفهم كلّ ما يطلبونه منهم. هل يستخدمون ذلك العلم للقضاء على حقائق الدين ومبادئه، ويُظهرون دينَ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله كدينٍ لا قيمةَ له في أعين الناس؟ هل يكسرون ظهرَ النبيّ الأكرم بهذا العلم، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «قَصَمَ ظَهري رَجُلان»٣؟ إنهم بتعلّمهم بضعة مصطلحات وبضعة تبريرات، يُظهرون حقيقةً دينيّةً مهمّةً على أنّها عكسُ ما هي عليه، ويستخدمون هذا العلم في خدمة الآخرين!

    1. راجع: حلية الأولياء، ج ۸، ص ٣۷.
    2. الصحيفة السجّادية، ص ۷٦:
      «اللهمَّ لَكَ الحَمدُ عَلىٰ ما لَم أزَل أتَصَرَّفُ فيه مِن سلامةِ بَدَني، ولَكَ الحَمدُ علىٰ ما أحدَثتَ بي مِن علّةٍ في جسدي فما أدري يا إلهي، أيّ الحالَينِ أحَقُّ بالشُّكرِ لك، وأيّ الوقتَينِ أوليٰ بالحمدِ لك؟ أ وقتُ الصّحّةِ الّتي هَنَّأتَني فيها طيباتِ رزقِك، ونَشَّطتَني بها لِابتِغاءِ مَرضاتِك وفضلِك، وقوَّيتَني معها عليٰ ما وَفَّقتَني له مِن طاعتِك، أم وقتُ العلّةِ الّتي مَحَّصتَني بها والنِّعَمِ الّتي أتحَفتَني بها، تخفيفًا لِما ثَقُلَ به على ظَهري مِن الخطيئاتِ، وتطهيرًا لِمَا انْغَمَسْتُ فيه مِن السّيئاتِ، وتنبيهًا لِتَناوُلِ التّوبةِ وتذكيرًا لِمَحوَ الحَوبَةِ بِقَديمِ النِّعمَة؟»
    3. معدن الجواهر، ص ٢٦:
      وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «قَصَمَ ظَهري رَجُلان: عالِمٌ مُتَهَتِّكٌ وجاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ؛ هذا يُضِلُّ النّاسَ عن عِلمِه بتَهَتُّكهِ وهذا يدعوهُم إلى جَهلِهِ بتَنَسُّكِه».

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

9
  • نحنُ نختبرهم بهذا العلم. فالله تعالى هو الذي يُعطي هذا العلم والبصيرة والفهم. وفي المقابل، لا نعطي العلمَ للبعض الآخر؛ فيطمئنّون من هذه الناحية، ويقولون: «الحمدُ لله أنّنا لا نملكُ هذا! الحمدُ لله أن الله لم يُعلّمنا هذه المصطلحات القليلة»! وعندئذٍ، نُخضعهم لطاعة شخصٍ قد وصل، حتى يتمكّنوا من تحقيق هدفهم من خلال طاعته وتقليده. إنّها قضيّةٌ في غاية الأهميّة! على الإنسان أن يستخدم هذه البصيرة التي أعطاها الله له، وعليه أن يعلمَ أين يستخدمها.

  • ومن هنا، فإنّ الله تعالى قد قدّر لكلّ إنسانٍ نوعًا من المقتضيات التي يُطالبه ويُسائله طبقًا لها. فلكلّ إنسانٍ خصوصياته ولكلٍّ مقتضياته. لذلك، فإنّ عمل أيّ فردٍ لن يكونَ معيارًا لحركة عمل شخصٍ آخر، ولن يكون عمل أيّ فردٍ مقياسًا لعمل شخصٍ آخر، إلاّ إذا كان هذا العمل مُصادقًا عليه من قِبَلِ شخصٍ مُحيطٍ به؛ وإلاّ فلن يكونَ مقياسًا بأيّ وجهٍ من الوجوه.

  • وعندئذٍ، حينما ننظر إل هؤلاء الذين يملكون هذه الخصائص؛ كالمال والجاه والمكانة، فبما أنّ هذه الأمور مُفاضة من قبل الله تعالى، فإنّه تعالى يسلبها أحيانًا منهم؛ وهذا أيضًا يدخلُ تحت قوله: ﴿لِّيَبلُوَكُم فِي مَآ ءَاتَىٰكُم﴾. فكنتَ تملكُ مالاً، لكن، من الآن فصاعدًا ستكونُ فقيرًا. أو كنتَ فقيرًا، لكن، من الآن فصاعدًا ستملكُ مالاً. أو كنتَ تتمتّع بالصحّة، لكن، من الآن فصاعدًا ستكون مريضًا. أو كنتَ مريضًا، لكن من الآن فصاعدًا ستتمتّع بالصحّة، وما شابه ذلك.

  • حكاية تغيّر المكانة الاجتماعيّة لأمّ جعفر البرمكيّ

  • طالعتُ في التاريخ أنّ أحد رجال بلاط هارون الرشيد ـ كان نديمًا له ـ قال:

  • ذاتَ يومٍ، ذهبتُ إلى منزل أمّي لأزورها وأطمئنّ عليها، فرأيتُ امرأةً جالسةً بجوارها ترتدي ملابسَ باليةً وممزّقة، ولكنّ حديثها كان يحملُ آثارَ العظمة والنُبل والرصانة. جلستُ وبدأتُ الحديث معها. فالتفتت أمّي إليّ وقالت: «أتعلمُ من هي؟» قلتُ: «لا». فقالت: «هذه المرأة هي أمُّ الفضل وجعفر ابني يحيى البرمكيّ». (إنّ قضيّة الفضل وجعفر ابني يحيى البرمكيّ وغضب هارون عليهما وإسقاطهما من مكانتهما في بلاط الخلافة معروفةٌ للجميع). جلستُ وتحدّثتُ معها، وقلتُ لها: «حدّثيني عن أعجبِ ما مرّ بكِ من عجائب الدهر!».

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

10
  • فقالت: «سأُخبرُك بقضيّة حصلت في أحد أيّام النيروز: كنتُ جالسةً في قصري، وأربعمائة جاريةٍ تخدمني، وكنتُ ألومُ ابني جعفر البرمكيّ على عدد الجواري الذي وفّره لي، وكنتُ أقول له: "أنا أمّك، ويجبُ عليك أن ترفعَ من مكانتي أكثر من هذا!"». (أربعمائة جاريةٍ تخدمها، ومع ذلك كانت تلوم ابنها!). وقالت: «واليومَ مرّ عليّ يومٌ أصبحتُ فيه محتاجةً إلى لقمة عيشٍ»!

  • مددتُ يدي إلى جيبي، وأخرجتُ عشرةَ دراهم ووضعتُها أمامها. فتملّكها شعورٌ من الفرح والسعادة حتى رأيتُها على وشك أن تُصاب بسكتةٍ قلبيّة! 

  • هذا من عجائب الدهر! يرفعُ إنسانًا... ﴿قُلِ ٱللَهُمَّ مَٰلِكَ ٱلمُلكِ تُؤتِي ٱلمُلكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلمُلكَ مِمَّن تَشَآءُ﴾۱.

  • على السالك أن يكونَ مستعدًّا لتكييف نفسه مع تغيّر المقامات والأحوال

  • على الإنسان أن يُعدّ نفسه دائمًا للتقلّبات وتغيّر الأحوال. مهما تغيّرت حاله، يجب ألاّ تختلفَ لديه المسألة. يجب على الإنسان أن يُنمّيَ هذه الحالة من الاستعداد في نفسه؛ فلا ينبغي له أن يُفكّرَ بشكلٍ لحظيٍّ وفي الحاضر، ولا ينبغي له أن يُفكّرَ في وضعه الحاليّ، بل يجب أن يكونَ دائمًا بعيدَ النظر، وأن يُهيّئَ نفسه للمستقبل، بحيث مهما تغيّرت أحواله، يجب ألاّ يكون ذلك سببًا في بُعده، بل سببًا في قربه.

  • لذلك، فإنّ ما يهمّ الإنسان هو أن ينظرَ هل حاله الحالية هي حالُ قربٍ إلى الله تعالى، أم أنّه أمرٌ آخر؟ لا يجب على الإنسان أن ينظرَ إلى غيره، بل عليه أن ينظرَ إلى حاله الآن، هل هي حالٌ تُقرّبه، وهل هي حالُ إخلاصٍ وانبساط، وفتح بابٍ وانشراح صدر؟ إذا وجدَ في نفسه هذه الحال، فعليه أن يشكر الله تعالى، وإلاّ، فعليه أن يسعى لتغيير وضعه. على الإنسان أن ينظرَ إلى نفسه دائمًا، ولا ينبغي له أن يشغلَ باله بالآخرين. يجبُ على الإنسان أن يراقبَ نفسه دائمًا، وأن يرى هل هذه الحال التي هو عليها تُقرّبه من الله وهي حالٌ حسنة؟ لا فرقَ في ذلك: سواء كان في حالة انبساط أو في غيرها، وسواء كان في حال البكاء أو في غيرها؛ فكلّ هذه أحوالٌ تأتي من الله تعالى، غاية الأمر، على الإنسان أن ينظرَ ـ في الحدود التي يستطيع فيها أن يكيّف نفسه مع الواقع ـ هل حاله هذه تُساعده على الوصول أم لا؟ فليذهبْ في طلبها! وهذا هو الذي سيكونُ ملاكًا بالنسبة إلينا.

    1. سورة آل عمران، الآية ٢٦.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

11
  • تعليمات الأنبياء والأولياء نابعةٌ من إحاطتهم بالنفوس

  • ولهذا السبب، فإنّ وظيفة الأنبياء والأولياء هي أن يضعوا لكلّ إنسانٍ طريقًا يتناسبُ مع خصائصه؛ لأنّهم يُحيطون بالنفوس. فيقولون لشخصٍ: «عليك الآن أن تقومَ بهذا القدر من العمل»، ويقولون لآخر: «لا يجبُ عليك أن تعملَ الآن!». فكسبُ الرزق والعمل من أفضل الأعمال وأحسن الأفعال؛ فيقولون لشخصٍ: «يجبُ عليك أن تعمل أربعَ ساعاتٍ في اليوم! ولا تعمل أكثر من ذلك، فهذا مضرٌّ لك». وإذا عملَ هذا الشخصُ أكثر، فإنّ ذلك سيكونُ مضرًّا له، وسوف يسقط من الناحية النفسيّة. ويقولون لشخصٍ آخر: «عليك أن تعمل من الصباح حتى الليل!». قد يكونُ العمل لهذا الشخص صعبًا ومُتعبًا ويُسبّبُ له الأذى، ولكنّه يملكُ خصائص وأسرارًا كامنةً في نفسه، بحيث إذا لم يُلقِ بنفسه في هذه البؤس والشقاء، فمن المحال أن تزولَ منه تلك الخصائص النفسيّة! فيجبُ عليه أن يعمل، وأن يتحمّل كلّ هذه المصاعب، وأن يتعبَ في هذا العمل حتى يَتَغَلّبَ على نفسه، وإلاّ فلن تكون هناك أيّة فائدة.

  • ومن ناحية أخرى، يكون شخصًا آخر يمتلكُ خصائص يكون فيها العملُ سببًا في زيادة مشاكله النفسيّة، بحيث إنّ كسبَ الرزق أكثرَ من اللازم يزيد من المشاكل النفسيّة لديه؛ فيُقال لهذا الشخص: «اعمل أربعَ ساعاتٍ فقط بقدر الضرورة والحاجة! فإذا كسبتَ المال فذلك حسنٌ، وإذا لم تكسبه، فارجعْ إلى بيتك».

  • فالذي يُمكنه أن يحدّدَ هذا الطريق هو العالِمُ بالخصائص النفسيّة لكلّ واحد وشاكلته، بينما أنا وأنت لا نستطيعُ ذلك. فيقول لأحد: «صلِّ إحدى وخمسين ركعةً من النوافل والواجبات! ويجبُ عليك أن تُؤدّيها كلّها بأيّة كيفيةٍ كانت»! ويقول لآخر: «صلِّ واجباتك فقط، واترك النوافل!». فإذا أدّى هذا الشخصُ النافلة، فإنّها تكونُ ذنبًا بالنسبة إليه! هي نافلةٌ، ولكنّها ذنبٌ، ولا يجبُ عليه أن يُؤدّيها؛ لأنّ صلاته للنافلة في تلك اللحظة خطرٌ عليه!

  • وقد رأيتُ بأمّ عيني أشخاصًا خالفوا هذه التعليمات وأفرطوا، فسقطوا في قعر جهنّم! لقد أفرطوا، لا أنّهم قصّروا! فمثلاً، قيلَ له: «افعل هذا العمل!»، ولكنه قام بفعله مرّتين؛ مثلَ الوليد بن عقبة الذي كان سكرانَ، فذهبَ ووقفَ في المحراب يُصلّي. وشعرَ بحالةٍ حسنةٍ وسرور «ما شاء الله، يا لها من صلاة!»؛ فقد قضى ليلتَه في اللهو والعبث والأنس؛ وفي الصباح، ذهبَ ليصلّيَ بالناس أيضًا! فصلّى ثلاثَ ركعاتٍ بدلاً من ركعتين. فقالوا له: «يا هذا! لقد صلّيتَ ثلاثَ ركعات!». فقال: «أنا الآن في حالٍ حسنةٍ. وإن شئتم، صلّيتُ بكم أكثرَ من ذلك!».۱

    1. تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ۱٦٥؛ مروج الذّهب، ج ٢، ص ٣٣٥؛ الأغاني، ج ٥، ص ۸٦.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

12
  • إنّ هذه الزيادة في العمل تمامًا مثل عمله، لا تختلفُ عنه أبدًا.. هذا على هذه الصورة، وذاك على صورةٍ أخرى. وهل تظهرُ النتيجةُ في نفس اللحظة؟ لا، بل بعد عشرِ سنواتٍ، سترى أنّه قد سقط فجأة. فهذه القطراتُ كلّها تتجمّع، وتزداد، وتتحوّل إلى سيلٍ هدّامٍ يقضي على نفسِ الإنسان وعلى كلّ كيانه! لهذا، فإنّ عمل أحدِهم لا يكونُ معيارًا لغيره بأيّ وجهٍ من الوجوه.

  • هذا من خصائص الوليّ. فالوليّ لا يُشرّع، ولا يجعلُ صلاة الركعتين ثلاثًا، ولكنّه يضعُ الحدود والقياسات. وهو وحده من يستطيعُ القيامَ بهذا الأمر؛ لأنّه هو فقط من صار متّصلاً، ولا يستطيعُ غيره ذلك.

  • گفت نوح ای مردمان منْ من نی‌ام***من ز جان مُردم۱ به جانان می‌زی‌ام٢ 
  • يقول: 

  • قال نوح: أيّها الناس، أنا لستُ أنا *** أنا متّ عن نفسي، وصرت حيًّا بالحبيب

  • كان نوح نبيًّا في زمانه، وكان يقول: «هذه الأوامر والنواهي التي أُوجّهها إليكم، أنا لا أُوجّهها إليكم [حقيقةً]، بل أنا مجرّد لسانٍ، مجرّد قلم، أنا مجرّدُ حاكٍ وواسطة، أنا لستُ أنا، أنا غيرُ موجود. إنّ هذه المسألة تأتي إلى وجودي وتَفيضُ من وجودي عليكم. فأنا لا أتصرّفُ من نفسي ولا أقومُ بأيّ عملٍ من تلقاء ذاتي».

  • حقيقة الوحي هي انعكاس المشيئة الإلهيّة في نفس الوليّ الإلهيّ

  • نفسُ النبيّ هكذا. فلو اتّضحَ لنا الوحي، لانحلّت الكثيرَ من المسائل، وليس فقط مسائل الأنبياء، بل مسائل الآخرين أيضًا. دعوني أكشفُ لكم سرًّا: إنّ الوحي عبارة عن تجلٍّ لمعنى من المعاني في نفسِ موسى، وعيسى، وإبراهيم عليهم السلام، وفي نفسِ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله.

  • نامِ احمد نامِ جمله انبیاست***چون ‌که صد آید نود هم پیش ماست٣ 
  • يقول: 

  • اسم أحمد يختصر اسم جميع الأنبياء *** فالحصول على المائة يتضمّن الحصول التلقائيّ على التسعين

  • فيشعرُ النبيُّ في نفسه أنّ هذا الأمرَ يجب أن يُبلّغه للناس.. هذا هو الوحي. يجلسُ النبيّ ويتحدّثُ معكم، وفجأةً يشعرُ أنّه يجب أن يقولَ المسألة الفلانيّة الآن، فيقولها.. هذا هو الوحي!

  • هذه القضيّة موجودةٌ أيضًا عند غير النبيّ؛ فيكون وليُّ الله جالسًا يتحدّثُ معكم، وإذا به فجأةً يقول: «يا فلان، اذهبْ وافعلْ كذا وكذا!». من أين جاءته هذه الفكرة؟! وكيف قالها؟! فمجرّدُ أنّه يشعرُ فجأةً في وجوده أنّه يجب أن يقولَ لك هذه القضيّة، فهذا هو الوحي. ولهذا السبب، لا يوجدُ أيُّ فرقٍ بين الأولياء والأنبياء من هذه الناحية.٤ وهذا يحلّ الكثير من المسائل للإنسان؛ لأنّ «الأنا» لم تعُد موجودةً.

    1. خ ل: مرده [أي: ميّت].
    2. المثنويّ المعنويّ (مير خاني)، الكتاب الأوّل، ص ۸٢؛ المثنويّ المعنويّ (آذر يزدي)، الكتاب الأوّل، ص ۱٤۰.
    3. المثنويّ المعنويّ (آذر يزدي)، الكتاب الأوّل، ص ٥٢.
    4. الحقيقة، أخشى أن أُفصح عمّا هو أسمى من هذا! كنت أريد أن أقول أشياء أخرى أيضًا، ولكن: "فلْيَكُنِ القولُ مُوجزًا والسلامُ" *** 
      در‌نیابد حال پخته هیچ خام***پس سخن کوتاه باید والسّلام! 
      يقول: لا يُدرِكُ حالَ الناضجِ أيُّ شخصٍ ساذجٍ *** فَلْيَكُنِ القولُ مُوجزًا والسلامُ!

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

13
  • گفت نوح ای مردمان منْ من نی‌ام***من ز جان مُردم۱، به جانان می‌زی‌ام
  • چون بمُردم از حواس بوالبشر٢***حقْ مرا شد سمع وادراک وبصر٣
  • يقول: 

  • قال نوح: أيّها الناس، أنا لستُ أنا *** أنا متّ عن نفسي، وصرت حيًّا بالحبيب

  • حينما فنيت عن حواسّ الآدميّين *** صار الحقّ سمعي وإدراكي وبصري.

  • عندما فنيتُ عن الحواسّ الإنسانيّة، لم يعدْ فيّ حسّ ولا أملٌ ولا هوىً. وعندما تزولُ كلّ هذه الأمور، يأتي هو بدلاً منها، فتصبحُ عيني عينَه، وأذني أذنه، وأفعالي أفعاله، وتصبحُ خيالاتي خيالاته، وتصبحُ وجدانيّاتي وجدانيّاته؛ فيضحى الأمرُ شيئًا واحدًا! ولهذا، نرى الأئمّة عليهم السلام يطرحون لأصحابهم أمورًا مختلفةً في أطوارٍ مختلفة. 

  • تعليمات الإمام الباقر عليه السلام العجيبة لجابر بن يزيد الجعفيّ

  • على سبيل المثال، لدينا عن جابر بن يزيد الجعفيّ٤ أنّه خرجَ ذاتَ يومٍ من المدينة متوجّهًا إلى الكوفة، فبعث إليه الإمام الباقرُ عليه السلام برسالة. فلمّا ابتعدَ عن المدينة بمسيرِ منزلين أو ثلاثة، رأى شخصًا قادمًا من بعيدٍ على جمل، فجاءَ وسلّمه رسالة. فرأى مَن حوله أنّ جابر بن يزيد عندما قرأ الرسالة، تغيّر لونه على الفور!

  • ذهبَ إلى الكوفة. وعندما خرجَ من منزله في الصباح، رأوه يحملُ عصًا، وكالأطفال الذين يركبون على العصيّ ويجرّونها كالحمير، كان جابرُ يجرُّ عصًا وراءه وهو يقولُ باستمرار: «أجدُ منصورَ بنَ جمهور، أميرًا غيرَ مأمور»، وأمثالَ ذلك. كان يقولُ هذا الكلام باستمرار. على ما يبدو، كان منصور بن جمهور حاكم الكوفة آنذاك، أو أصبح حاكمًا فيما بعد. تجمّعَ الأطفال حوله، وبدأوا يرمونه بالحجارة ويسخرون منه. فرأى الناسُ أمرًا عجيبًا! جابر بن يزيد الجعفيّ، هذا الرجل العظيم، وهذا العالم من أهل البيت الذي انتشرَ اسمه في جميع البلاد الإسلاميّة، يأتي بعصا يلعب بها الأطفال! لقد جُنّ!

  • يُقال: مرّ يومان أو ثلاثة أيّام على هذا الأمر، فجاءت رسالةٌ من الخليفة الأمويّ إلى حاكم الكوفة، ورد فيها: «سمعتُ أنّ شخصًا يُدعى جابر بن يزيد الجعفيّ يعيشُ في الكوفة، في مدينتك. فبمجرّد وصولِ هذه الرسالة، اضربْ عنقَه وابعثْ برأسه إليّ». فالتفتَ الحاكم إلى من حوله وقال: «إنّ جابرٌ هذا قد جُنّ!». فانتشرَ الخبرُ في جميع المدينة: «عجيب! لقد جُنّ!».

    1. خ ل: مرده [أي: ميّت]
    2. خ ل: حواسات بشر [أي: حواسّ الإنسان]
    3. المثنويّ المعنويّ (ميرخاني)، الكتاب الأوّل، ص ۸٢؛ المثنويّ المعنويّ (آذر يزدي)، الكتاب الأوّل، ص ۱٤۰.
    4. كان جابر بن يزيد الجعفيّ في أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام بمنزلة سلمان الفارسيّ في أصحاب النبيّ الأكرم وأمير المؤمنين عليهما السلام. ولقد كان رجلاً عجيبًا! ويُحكى عنه أنّ الإمام الباقر عليه السلام قال عنه إنّه «بحرٌ لا يُنزَف!».

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

14
  • لقد تظاهرَ بالجنون؛ فالجنونُ ينفعُ كثيرًا، خاصّةً في بعض الأوقات! فإذا فهمَ الناسُ أنّ الإنسان لا يُدركُ شيئًا، يتركونه وشأنه، وإلاّ فإنّهم سيلاحقونه باستمرار. إنّ الجنونَ ينفعُ كثيرًا! يذهبُ الإنسانُ إلى حال سبيله مرتاحَ البال؛ فلا هو يشغلُ باله بأحد، ولا أحدٌ يشغلُ باله به! هنيئًا له!

  • باختصار، التفتَ الحاكمُ إلى من حوله وقال: «اكتبوا رسالةً إلى الخليفة الأمويّ مفادها أنّ هذا الشخص الذي أمرتني بضرب عنقه مجنونٌ، فهو يتجوّلُ مع الأطفال ويلعبُ معهم. فمنذ أن عادَ من مكّة، فإنّ حرّ الحجاز ـ على ما يبدو ـ قد أحدثَ خللاً في قواه العقليّة»! فعدلَ الخليفةُ عن قراره.

  • بعد فترةٍ، جاءَ أمرٌ بعزل حاكم الكوفة، وجاءَ حاكمٌ آخر بدلاً منه، فتغيّرت القضيّة وانتهت المسألة. وبالطبع، تركَ جابرُ كلّ ما كان يفعله، ووضعَ تلك العصا في منزله، وعادَ إلى ما كان عليه جابر بن يزيد الجعفيّ الأوّل.۱

  • تصرّف الإمام الكاظم عليه السلام مع عليّ بن يقطين من أجل تربيته

  • أو مثال عليّ بن يقطين الذي كان وزيرًا ذا سلطة ونفوذ في بلاط هارون الرشيد، وأبقى عليه موسى بن جعفر عليه السلام هناك من أجل بعض المصالح، حيث قام بأعمالٍ عظيمةٍ وهو في بلاط هارون. ولقد كان واحدًا من أصحاب الإمام موسى بن جعفر عليه السلام المقرّبين حقًّا، وكم كان مُعزّزًا ومكرّمًا ومقرّبًا من الإمام! وكم كان الإمام يوجّهُ إليه الأوامر والنواهي!

  • يُروى عنه أنّه جاءَ إلى المدينة ذات مرّةٍ، وأرادَ أن يزور الإمام موسى بن جعفر عليه السلام. فطرقَ الباب، وخرجَ عنده الخادم، فقال له: «أبلغْ مولاي سلامي، وقلْ له إنّني عليّ بن يقطين». فذهبَ الخادمُ، وقال له الإمام: «لا تسمحْ له بالدخول إلى المنزل!». فشعرَ هذا الصحابيّ المقرّب بالضيق الشديد وذهب. ثمّ عادَ في الليلة التالية. فقال الإمام: «لا تسمحْ له بالدخول!».

  • وعندما بدأ عليُّ بن يقطين يتضرّعُ ويتوسّلُ ويبكي، قال: «أبلغْه سلامي وقلْ له: إذا ارتكبتُ ذنبًا، فأخبرني به حتى أسعى لإصلاحه». فقال الإمام: «قُل له أن يدخلَ». فلمّا دخلَ، سأله الإمام: «ماذا فعلتَ مع إبراهيم الجمّال؟».

    1. راجع: الكافي، ج ۱، ص ٣٩٦.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

15
  • كان إبراهيم الجمّالُ من أصحاب الإمام موسى بن جعفر عليه السلام. وكان يملكُ جمالاً يُؤجّرها. وفي إحدى المرّات، أرادَ إبراهيم الجمّالُ أن يزورَ عليَّ بن يقطين، فمنعهُ من الدخول إلى منزله. فغضبَ إبراهيم وذهب إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وقال له: «ذهبتُ إلى عليّ بن يقطين، فمنعني من الدخول إلى منزله». ربّما كان لديه عملٌ، أو لم يكن راغبًا في ذلك. على كلّ حال، ربّما كان من أولئك الذين لا يحظون باهتمام كبير.

  • فقال الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: «أتفعلُ هذا بمؤمنٍ من المؤمنين وشيعيٍّ من شيعتي؟!». فقال عليّ بن يقطين: «يا ابنَ رسول الله! ما العملُ الذي يجبُ عليّ أن أقومَ به؟». فقال الإمام: «عليك أن تذهبَ وتُرضي إبراهيم الجمّال!». فقال عليّ: «يا ابنَ رسول الله/ أنا هنا في المدينة، وإبراهيم في الكوفة، فكيف أذهب من هنا إلى الكوفة؟!». فقال الإمام: «لا بأسَ في ذلك؛ اخرجْ من المدينة، وهناك جملٌ ينتظرك. اركبْه، وهو سيوصلك».

  • خرجَ عليُّ بن يقطين من المدينة، وركبَ الجمل في منتصف الليل. ولم تمرّ بضعُ لحظاتٍ حتى وجدَ نفسه في الكوفة. أتى به الجملُ وتوقفَ عند بابِ منزل إبراهيم الجمّال. فطرقَ الباب، فنادى إبراهيم: «من الطارق؟». فقال: «عليُّ بن يقطين!». فقال إبراهيم: «ماذا يفعلُ عليّ بن يقطين، وزيرُ هارون، عند بابي؟!». فقال له: «افتحْ الباب!». باختصار، فتحَ له الباب ودخل، وقال: «يجبُ عليك أن ترضى عنّي!». فقال: «قد رضيتُ». فاستلقى عليٌّ على الأرض ووضعَ وجهه عليها، وقال لإبراهيم الجمّال: «لا فائدةَ من ذلك! عليك أن تضع قدمك على وجهي، وتجعلَ وجهي تحت أقدامك الخشنة»! رفضَ إبراهيم ذلك، ولكنّه أجبره في النهاية. استلقى عليّ بن يقطين على الأرض، وتقدمَ إبراهيم ومسحَ على وجهه بقدميه الخشنتين. وفي نفس الوقت، قال عليٌّ: «هل رضيتَ عنّي؟». فقال: «قد رضيتُ عنك».

  • ركبَ عليٌّ الجملَ مرّة أخرى. وبعد بضعِ لحظاتٍ، وجدَ نفسه في المدينة. فذهبَ إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، ففتحَ الإمامُ له ذراعيه: «ما شاء الله! أهلاً بك! تفضّلْ! كم هذا جيّد!».۱ هذا هو العملُ الصحيح!

    1. راجع: عيون المعجزات، ص ۱۰۰ و۱۰۱.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

16
  • أبقى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام عليَّ بن يقطين في بلاط هارون، وقال له: «ابقَ هناك، واعتنِ بشيعتي، وادفعْ عنهم المشاكلَ التي تُحدقُ بهم».۱ فكانَ عليٌّ مقرّبًا جدًّا في بلاط هارون؛ ولهذا، عندما كان البعضُ يسعى لإيذائه لدى هارون، ويقولون إنّه على علاقةٍ بالإمام موسى بن جعفر عليه السلام، كان الإمامُ يوجّهُ إليه تعليماتٍ تُغيّرُ رأيَ هارون، فيظنُّ هارون أنّه لا توجدُ أيّة علاقةٍ بينهما. وقضيّة الوضوء [على منهج أهل السنّة] التي تعرفونها جميعًا خيرُ دليلٍ على ذلك.٢

  • ضرورة الإشراف على النفوس لتربية الأفراد

  • المسألة هي أنّ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام يستطيعُ أن يضعَ شخصًا في بلاط الحكم، ويقول له: «اذهبْ وكنْ وزيرًا لهارون!». ولكنْ، هل يمكنُني أن أجعلَ عمل عليّ بن يقطين مقياسًا لي؟! لا يمكنني ذلك أبدًا! إذا جعلتُه مقياسًا لي، فإنّني سأُلقي بنفسي في نارِ جهنّم! فالإمام موسى بن جعفر عليه السلام هو من يستطيعُ أن يُدرك هل ذهاب هذا الشخص إلى البلاطِ مُفيدٌ أم مضرٌّ له. أنا لا أستطيعُ أن أُدرك ذلك، وعملُ عليّ بن يقطين ليس مقياسًا لي.

  • عتاب آية الله السيد جمال الدين الكلبايكانيّ لقائم مقام رفيع بسبب تشبيه نفسه بعليّ بن يقطين

  • يُروى أنّ قائم مقام رفيع، الذي كان في بلاط رضا شاه، وكان رجلاً يُصلّي ويُطلقُ لحيته، ذهبَ في إحدى المرّات إلى المرحوم آية الله السيد جمال الدين الكلبايكانيّ، الذي كان من أعظمِ مراجع النجف، فعنّفَه السيّد وقال له: «أتذهبُ إلى بلاط الظالمين وتخدمُهم؟!». فأجاب: 

  • يا سيّدي! ما أفعله هو ما فعله عليّ بن يقطين؛ فقد ذهبَ هو إلى بلاط هارون الرشيد واعتنى بالشيعة، ودرأَ عنهم المصائبَ التي كانت تُحدقُ بهم. وأنا أيضًا ذهبتُ إلى بلاط رضا شاه لأدفعَ المصائبَ التي تُحدقُ بشيعتنا، فقد يلحقُ الأذى بأحدهم، وقد يُظلمُ شخصٌ ما، وأنا أدفعُ عنه ذلك.

  • فقال المرحوم السيد جمال الدين الكلبايكانيّ: 

  • اخرس! يذهبون إلى بلاط الظلم ويأكلون كلّ ما فيه من قبح، ثمّ يتذرّعون بعليّ بن يقطين! يفعلون كلّ الأخطاء، ثمّ يتذرّعون بعليّ بن يقطين. ذاك كان موسى بن جعفر، وذاك كان عليّ بن يقطين! أين أنت من عليّ بن يقطين؟! اعثرْ على مثل موسى بن جعفر، ثمّ انطلقْ بأمره إلى أيّ مستنقعٍ تريد أن تذهبَ إليه!٣

    1. راجع: قرب الإسناد، ص ٣۰٥ و٣۰٦؛ رجال الكشّي، ص ٤٣٣؛ قضاء حقوق المؤمنين، ص ٢٣.
    2. راجع: الإرشاد، ج ٢، ص ٢٢۷: 
      عن محمّدِ بن الفضل قال: «اختلفَتِ الروايةُ مِن بينِ أَصحابنا في مسحِ الرجلَينِ في الوضوء، أَهوَ من الأصابِع إِلى الكَعْبَينِ، أَمْ مِنَ الكَعبينِ إِلى الأصابِع؟ فكتبَ عليُّ بن يقطين إِلى أَبي الحسن موسى عليه السلام: "جُعِلْتُ فِداكَ، إنّ أَصحابَنا قَدْ اختلفُوا في مسحِ الرجلينِ، فإِن رأَيتَ أَنْ تَكتُبَ إِليَّ بخطِّكَ ما يكونُ عَملي بحَسَبِهِ، فَعَلْت إِنْ شاءَ اللهُ"
      فكتبَ إِليهِ أَبو الحسنِ عليه السلام: 
      "فَهِمْتُ ما ذَكَرْتَ مِنَ الاختِلافِ في الوُضوء، والذي آمرُكَ بهِ في ذلكَ أَنْ َتتمضمض ثلاثًا، وتَستَنْشِقَ ثلاثًا، وتغسِلَ وَجْهَكَ ثلاثًا، وتُخَلِّلَ شَعْرَ لحيَتِكَ (وتَغْسِلَ يدَكَ إِلى المِرفقَينِ ثلاثًا) وتمسَحَ رأسَكَ كُلَّه، وتمسَحَ ظاهِرَ أُذُنَيْكَ وباطِنَهُما، وتَغْسِلَ رِجْلَيْكَ إِلى الكَعْبَينِ ثلاثًا، ولا تُخالفْ ذلكَ إلى غيرِه".
      فلمّا وصَلَ الكتابُ إِلى عليِّ بنِ يقطين، تعجَّبَ ممّا رُسِمَ لَهُ فيهِ ممّا جميعُ العصابةِ على خلافهِ، ثم قال: "مولايَ أَعلمُ بما قال، وأَنا ممتثلٌ أَمرَهُ"، فكانَ يعملُ في وضوئهِ على هذا الحدِّ، ويخالفُ ما عليه جميعُ الشِيعةِ، امتثالاً لأمرِ أَبي الحسنِ عليه السلام.
      وسُعِيَ بعَليِّ بنِ يقطين إِلى الرشيدِ وقيِلَ لَهُ: "إِنّه رافِضي مخالِف لَكَ"، فقالَ الرشيدُ لِبعضِ خاصَّتِه: "قَدْ كَثُر عِندي القولُ في عليِّ بن يَقطين، والقرْفُ له بخلافنا، ومَيْلُهَ إِلى الرَّفْضِ، ولَسْتُ أَرى في خِدْمته لي تقصيرًا، وقَدِ امْتَحَنْتُه مِرارًا، فما ظَهَرْتُ منه على ما يُقْرَفُ به، وأُحبّ أَن أستَبرئَ أَمرَهُ مِنْ حيثُ لا يَشْعُرُ بذلك فَيَتَحرّز منّي". فقيلَ له: "إِنّ الرافِضَةَ ـ يا أَميرَ المؤمنين ـ تُخالِفُ الجماعةَ في الوُضوء فتُخَفِّفُه، ولا ترى غَسْلَ الرِجْلين، فامْتَحِنْهُ مِنْ حَيث لا يَعْلمُ بالوقوفِ على وضوئه". فقال: "أَجَلْ، إِنَّ هذا الوَجْهَ يَظْهَرُ به أَمْرُه".
      ثمّ تركه مدَّةً وَناطَهُ بشيءٍ من الشُّغْلِ في الدارِ حتى دَخَلَ وَقْتُ الصلاة، وكانَ عليُّ بن يَقْطين يَخلُو في حُجْرةٍ في الدارِ لِوُضُوئهِ وَصَلاتِه، فلَمّا دَخَلَ وَقْتُ الصلاةِ وَقَفَ الرشيد مِنْ وَراء حائطِ الحُجْرَةِ بحيث يَرى عَليَّ بن يقطين ولا يَراه هو، فَدَعا بالماءِ لِلْوُضُوء، فَتَمَضْمَضَ ثلاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثلاثًا، وغَسَلَ وَجْهَهُ، وخَلَّل شَعْرَ لِحْيَتِه، وغَسَلَ يَدَيْه إِلى المِرْفَقَيْن ثلاثًا، ومَسَحَ رَأْسَهُ وأُذنَيْه، وغَسَلَ رِجْلَيْهِ، والرشيدُ يَنْظُرُ إِليه، فَلَمَا رآه قد فَعَلَ ذلك لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ حتى أشْرفَ عليه بحيث يَراه، ثم ناداهُ: كَذبَ ـ يا عليّ بن يقطين ـ مَنْ زَعَمَ أَنّكَ مِنَ الرّافِضَةِ. وصلُحَتْ حالهُ عِنْدَه.
      ووَرَدَ عليه كتابُ أَبي الحسن عليه السلام: "ابتدِئ من الآن يا عليَّ بن يقَطين، تَوَضَّأ كما أَمَرَ اللهُّ، اغْسلْ وَجْهَكَ مَرّةً فريضةً وًاخْرى إِسباغًا، وَاغْسلْ يَدَيْكَ مِنَ المِرْفَقَيْنِ كذلكَ، وَامْسَحْ بِمُقَدَمِ رَأْسِكَ وَظاهِرِ قَدَمَيْكَ مِنَ فَضلِ نَداوَةِ وُضُوئكَ، فَقَدْ زالَ ما كان يُخافُ عَلَيْكَ، والسلام"».
    3. راجع: مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٢، ص ٤۰٥ و٤۰٦.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

17
  • لهذا، فإنّ أعمال أيّ شخصٍ وتصرّفاته لا تكون مقياسًا لغيره. وقد انتهى حديثنا إلى هنا، حيث كان كلامنا عن الخصائص الفرديّة لكلّ إنسان، وأنّ لكلٍّ منهم في الواقع شريعةً خاصةً به، وأنّ الوليَّ ـ الذي يتّصلُ بعالم الغيب ويُحيطُ بالنفوس ـ هو وحده من يُمكنه أن يحدّدَ شريعةَ كلّ فردٍ وطريقَه، ولا يمكنُ لغيره أن يفعلَ ذلك. لقد قدّمتُ لكم ما هو لازمٌ وضروريّ، وإن شاء الله، سنتطرّقُ غدًا إلى الحديث عن آية خلقة الملائكة وأمثالها.

  • مرثيّة اليوم السابع من محرّم

  • اليومُ هو اليومُ السابعُ من شهر محرّم. ومنذ اليوم، مُنعَ الماء عن أهل البيت عليهم السلام!۱ إنّ مسألة العطش في قضيّة كربلاء هي مسألةٌ عجيبةٌ حقًّا. فنحنُ نرى في الكثير من الروايات أنّ هذه القضيّة كانت موضعَ اهتمام الأنبياء السالفين.٢ لدينا روايةٌ تقول إنّه عندما طلبَ النبيّ زكريا من الله تعالى أن يرزقَه ولدًا، جاءه خطابٌ يقول: «سوف نُعطيك ولدًا. وستكونُ خصائصه وأفعاله وتصرّفاته والأمورُ التي ستحدث له شبيهةً بخصائصِ ابنِ نبيّ آخر الزمان».

  • وعندما أوضحَ اللهُ تعالى الأحداث للنبيّ زكريا، وصلَ إلى مسألة العطش. وعندئذٍ، جاءه الخطاب: «يا زكريا! إنّ ابنَ هذا النبيّ سيُستشهدُ في صحراءٍ قاحلة، بجوارِ نهرٍ، في حين يُغمى على نسائه وأطفاله من شدّة العطش!».٣

  • يُروى في كتب التاريخ أنّ رسالةً من ابن زياد وصلت إلى عمر بن سعد في هذا اليوم؛ جاءَ في الرسالة: «لقد بلغني أنّكَ تخلو بالحسين بن عليّ وتقيمُ معه المجالس، وتقضي هذه المجالس بالحديث معه والمسامحة! أنا لم أُرسلك لتتساهلَ أو تتسامحَ معه أو تُصالحَه! فَإذا قَرَأتَ كتابي هذا فَحُل بَينَهُ وبَينَ ماءِ الفُراتِ، فَإنّي حَلَّلتُهُ عَلَى اليَهودِ والنَّصارى وحَرَّمتُهُ عَلَى الحُسَينِ وأصحابِه»٤.

  • لقد كانت مسألة العطش مسألةً عجيبةً! ولقد كانت صعبةً جدًّا على أهل بيت سيّد الشهداء عليه السلام، حتى أنّ كتبَ التاريخ تروي أنّه في يوم عاشوراء، أُغمي على الجميع من شدّة العطش! لقد رأيتُ في أحد المصادر أنّ الأطفال الصغار كانوا يرفعون ثيابهم من شدّة العطش، ويضعون أجسادهم العارية على القِربِ الفارغة.٥

    1. واقعة الطفّ، ص ۱٩۱؛ الإرشاد، ج ٢، ص ۸٦.
    2. راجع: بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٣٤٣ و٣٤٥.
    3. عند إجراء قليل من البحث في المصادر التاريخية والروائية، لم أعثر على القصّة المذكورة بهذه الصيغة. أمّا قصّة طلب الذريّة من قِبل النبي زكريا وتغيّر أحواله عند سماع اسم الإمام الحسين عليه السلام، فقد وردت في كتاب كمال الدين، ص ٤٦۱. (المحقِّق)
    4. الإرشاد، ج ٢، ص ۸٦؛ إكسير العبادات، ج ٢، ص ۱۸٥؛ ناسخ التواريخ (منشورات مدين)، ج ٢، ص ٣٤۷.
    5. راجع: إكسير العبادات، ج ٢، ص ۷٢۷.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

18
  • از آب هم مضایقه کردند کوفیان***خوش داشتند حرمت مهمان کربلا 
  • بودند دیو ودد همه سیراب ومی‌مکید***خاتم ز قحط آب سلیمان کربلا
  • زان تشنگان هنوز به عیّوق می‌رسد***فریاد العطش ز بیابان کربلا۱ 
  • يقول: 

  • بالماءِ أيضًا بَخِلَ الكوفيّونَ *** فما أحسنَ ما صانوا حُرمةَ ضيفِ كربلاء!

  • كانَت الشياطينُ والوحوشُ كُلُّها ريّانةً *** وكان يَمُصُّ خاتَمَهُ (من الظمأ) سليمانُ كربلاء!

  • مِن أولئك العطاشى، لا تزالُ تصلُ إلى "العَيُّوق *** " صيحةُ "العطش!" من صحراء كربلاء!

  • بعدَ ظهر عاشوراء، استُشهدَ جميعُ الأصحاب؛ واستُشهدَ أولادُ أهل البيت عليهم السلام. لم يبقَ أحدٌ بجوارِ الإمام، فنادى عليه السلام:

  • هَل مِن ذابٍّ يَذُبُّ عَن حَرَمِ رَسولِ الله؛ هَل مِن مُوَحِّدٍ يخافُ اللهَ فينا؛ هَل مِن مُغيثٍ يرجُو اللهَ بِإغاثَتِنا؛ هَل مِن مُعينٍ يرجو ما عِندَ اللهِ بِإعانَتِنا!

  • عندما سمع أهلُ البيت هذه الاستغاثة، رفعوا أصواتهم بالبكاء والنواح! فعادَ الإمامُ إلى خيامِ الحرم ليُودّعهم. فوجدَ أنَّ أهلَ بيته قد يئسوا من حياته، ورأى حالَ الأطفال الصغار، فنادى: 

  • يا زينب، ناوليني الطفلَ الرضيع؛ أي: أحضري ذلك الطفلَ الصغير حتى أُودّعه أيضًا.

  • عندما أخذَ الإمامُ الطفلَ، رأى أنَّ العطشَ قد أضناه. لقد غلبه العطش حتّى أُغمي عليه، ولم يعُد يرى في وجهه أيَّ رمق، فرفعَ الطفلَ على يديه، ووضعَه أمامَ الجيش:

  • يا قَومُ إن لَم تَرحَمُوني فَارحَموا هذا الطّفلَ ألا تَرَونَهُ كيفَ يتَلَظّى عَطَشًا؟!

  • أي: ألا ترون كيف يئنّ من شدّة العطش؟! وكيف أُغمي عليه من شدّة التعب؟!

  • فَرَماهُ حَرمَلَةُ بِسَهمٍ، فَذَبَحوهُ مِنَ الوَريدِ إلَى الوريد! ٢

  • ﴿وَسَيَعلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ﴾ آلَ مُحَمَّدٍ ﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾،٣ و﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَٰجِعُونَ﴾٤.

  • بِاسمِك الّلهُمَّ ونَدعوك ونُقسِمُ عليك ونَرجوك بِحَقِّ مُحَمَدٍ وأهلِ بَبتِهِ الأطهار يا الله!

  • إلهي، اغفرْ لنا وارحمْنا، ولا تأخذنا من هذه الدنيا حتى تغفرَ لنا، وامسحْ بقلمَ عفوِك جميع ذنوبنا وأفعالنا. إلهي، ثبّتنا على الصراط المستقيم وعلى المنهج القويم للأئمّة عليهم السلام، ولا تحرمنا من زيارتهم في الدنيا وشفاعتهم في الآخرة. إلهي، انصرِ الإسلام والمسلمين، واقمعِ الكفّار والمخالفين. إلهي، اشفِ مرضى المسلمين، واغفرْ لأمواتهم وارحمهم، وعجّلْ في فرج الإمام المهديّ عليه السلام، واجعلْنا من منتظريه الحقيقيّين والواقعيين.

    1. ديوان محتشم الكاشانيّ، ص ٥۱.
    2. اللهوف، ص ۱۱٦ ـ ۱۱۷.
    3. سورة الشعراء، الآية ٢٢۷.
    4. سورة البقرة، الآية ۱٥٦.

دور الأولياء في تحديد الشريعة الخاصّة بكلّ إنسان - النظرة التوحيديّة للإمام السجّاد عليه السلام إلى المرض والصحّة

19
  • بِالنَّبيّ وآلِه، وعَجِّلِ الّلهُمَّ في فَرَجِ مَولانا صاحبِ الزَّمان.

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد