المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
التاريخ 1414/02/26
التوضيح
لماذا واجه المشركون دعوة النبيّ بكل ذلك العنف والإنكار؟ وهل كان هدف النبيّ مجرد نطق الناس بكلمة التوحيد أم التحقّق الوجوديّ بها؟ ما هي الأسرار الباطنيّة والرحمانيّة خلف تنقّلات أولياء الله وأسفارهم الشاقّة؟ وكيف نُصحّح التصوّرات التاريخيّة المغلوطة حول زواج النبيّ من السيدة زينب، مفرّقين بين الدوافع النفسانيّة والكمال الرحماني؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه عن هذه التساؤلات، مسلطةً الضوء على مقام الرأفة النبويّة والمظلوميّة التي لحقت ببيت الوحي عليه السلام.
هو العليم
شدّة معاناة النبيّ في سبيل تبليغ الرسالة والتحقّق بالتوحيد
فلسفة أسفار أولياء الله وحقيقة زواج النبيّ من السيّدة زينب بنت جحش
مباني الإسلام ـ محطّات من السيرة النبويّة ـ الجلسة الرابعة عشرة
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذُ باللَهِ من الشّيطانِ الرّجيم
بسمِ اللَهِ الرّحمنِ الرّحيم
الحمدُ لِلّهِ ربِّ العالَمينَ
والصّلاةُ على أشرفِ رُسُلهِ وخاتَمِ سُفَرائهِ
محمّدٍ وآلهِ الغُرِّ المَيامينَ
ولعنةُ اللَه على أعدائِهم أجمعين
قالَ اللَهُ تَعالى في كتابهِ الكريم:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.۱
سبق أن ذكرنا أنّه لمّا أُمِرَ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله بالصَّدع بالدعوة والإبلاغ العام، دعا بني عبد المطلّب، فأتوا إلى منزله، ثمّ حصل منهم التَّحاشي والاستنكاف والرفض؛ وفي ذلك المجلس نفسه، عرَّف النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله أميرَ المؤمنين عليه السلام للناس خليفةً له ووصيًّا ووزيرًا ووارثًا، إذ قال:
أنتَ أخي ووَصيّي ووارِثي وخَليفَتي مِن بَعدي.٢
السببان الرئيسان لمعارضة المشركين للرسول الأكرم
ويُمكن إرجاع كلّ أذى المشركين إلى أمرين رئيسين:
الأمر الأوّل: تقليدهم الأعمى لنهج آبائهم وأجدادهم، وعجزهم عن التخلّي عن هذا النهج. فبشكل عامّ، يصعُب على الإنسان أن يتخلّى عن التقليد، وأن يشقّ طريقه بنفسه مستعينًا بعقله. وهذه مسألةٌ مرَّ ذكرُها سابقًا.
الأمر الثاني: أنَّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله حينما كان يدعو إلى كلمة «لا إله إلّا الله»، لم يكن هدفه مجرّد الشهادة اللفظيّة بها، بل كان مرادُه التحقُّقَ بحقيقتها؛ وهذا التحقُّق بـ«لا إله إلّا الله» هو الذي يبعث على هرب الجميع! لو تعلمون أيَّ بلاءٍ تُنزله بنا هذه الجملة! ألم تقرؤوا تلك الحكاية في المثنويّ؟!
| روستایی گاو در آخور ببست | *** | شیر، گاوش خورد وبر جایش نشست٣ |
يقول:
ربط قرويٌّ بقرةً في معلفها، فافترسها الأسد، وجلس مكانها
اذهبوا وطالعوا هذه القصّة! حينها، ستُدركون أيَّ بلاءٍ تُنزله بنا جملة «لا إله إلّا الله» هذه، وماذا تفعل بنا! إنّها تفعل بالإنسان فعلاً، لا يُعلم معه كم سيبقى من الناس على وجه الأرض ثابتًا على هذه الكلمة! ولسنا الآن في مقام الإحصاء لنقول: سيبقى واحدٌ أو اثنان أو ثلاثة! الله عالمٌ بالصواب! خلاصة القول، لا أظنُّ أنّه سيبقى أحدٌ غير عليٍّ وحوضِه!!٤
كلّ هذا لأنّ هذه الجملة تُفزِع الإنسان، وتُزلزل كيانه، وتصهر وجوده صهرًا يبلغ معه أنينه العرش الأعلى! هذه الجملة الواحدة تفعل بالإنسان فعلاً تنفد معه طاقته على التحمُّل في مواطن عديدة!
الدعايات المُغرضة للمشركين ضدّ النبيّ وتأثيرها في نفوس العوامّ
لقد كان الكفّار والمشركون يعلمون إلى أين ستؤول الأمور؛ فمكانتهم كلّها ستزول، وحساباتهم كلّها ستُطوى؛ وبقول هذه الكلمة الواحدة، يجب التخلّي عن جميع تلك المواقع الاجتماعيّة. لهذا، لم يرضخوا، وشرعوا في إيذائه؛ فأتوا، وقالوا: «إنّ النبيّ قد جُنَّ، ومسَّه الجنُّ، وتلبَّس به الشيطان!».
حسنًا، لقد كانت وسائل الدعاية في أيديهم، وكانوا من سادة القوم ورؤساء قريش، ويمتلكون المال والإعلام وكلّ وسيلة لتبرير أفعالهم؛ فكانوا يتّهمون النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله بشتّى التهم، ويُحذّرون الناس من الانجذاب إليه.
لا أظنُّ أنني سأتمكّن اليوم من تناول هذا الموضوع؛ وإذا سنحت الفرصة غدًا أو في يوم آخر إن شاء الله تعالى، سأعرض بعض المسائل حول دوافع الشياطين لإضلال الناس، ولماذا يُسرُّون بانحراف أحدهم.
لقد استخدموا كلّ وسيلة ومن كلّ جانب ليحولوا دون اجتماع الناس حول النبيّ؛ ومن الواضح أنّ الناس ينظرون إلى الأمور بإحساساتهم، وعقولُهم في أعيُنهم، ولا يلتفتون إلى القضايا بعقولهم؛ لهذا، فإنّ استصغار النبيّ في أعين الناس من شأنه أن يكون مُؤثّرًا في تحقيق أهدافهم الشيطانيّة. فعندما يرى الناس شخصًا ذا جاهٍ وجلال، والناس يقصدونه من كلّ صوب، ويُحيطون به، وله دارٌ وقصرٌ ومؤسّسات كذائيّة، فإنّ هذا الأمر سيجد له مكانًا في نفوسهم شاءوا أم أبوا، وسيلتفتون إليه شاءوا أم أبوا؛ وهذه مسألة واضحة. أمّا إذا كان المرء وحيدًا لا ناصر له، ورآه الناس فردًا لا يتبعه أحد، ووضعُه غيرُ مستقرّ، ولا يُعبأ به كثيرًا، فإنّهم لن يلتفتوا إليه ولا إلى أفكاره.
الفرق بين الزيارة عن معرفة والزيارة عن إحساسات
من المؤكّد أنّه لا يوجد لأحد بين الأئمّة عليهم السلام جميعًا حَرَمٌ كحَرَمِ الإمام الرضا عليه السلام؛ فحرم النبيّ وأمير المؤمنين وسيّد الشهداء وحرم العسكريّين عليهم السلام ـ وفّق الله جميع شيعة أمير المؤمنين للتشرّف بزيارة العتبات المقدّسة إن شاء الله ـ لا يُماثل أيٌّ منها حرمَ الإمام الرضا عليه السلام. فمنذ اللحظة التي يدخل فيها الإنسان من الباب، وينظر إلى جلال وجمال وجبروت وكبرياء الإمام الرضا عليه السلام، تهبط نفسه شاء أم أبى، وتهبط، وتهبط. يجتاز الصحن الأول ليصل إلى الصحن الثاني، ثمّ يجتازه رويدًا رويدًا حتّى إذا بلغ باب الحرم، استأذن للدخول لا إراديًّا ودخل الرواق! حتّى يصل إلى مقامٍ لا يعود يشعر فيه بشيء من وجوده! كلّ هذا بسبب المظاهر! إن كان في هذا الحرم إمام واحد، ففي مقبرة البقيع أربعة أئمّة: الإمام المجتبى، والإمام زين العابدين، والإمام الباقر، والإمام الصادق عليهم السلام.. أربعة أئمّة هناك؛ ولكن، اذهبوا إلى هناك، وانظروا كيف يذهب الناس [للزيارة]!
لقد رأيت هذا العام أنّ جميع الزوار ـ باستثناء نفر قليل ـ كانوا يمشون بأحذيتهم حتّى مقربة من قبور الأئمّة عليهم السلام! ولقد رأيتُ بنفسي عددًا من أشهر علماء مشهد يمشون بنعالهم حتّى اقتربوا من القبر! أي: لم تكن تفصلهم عن القبر سوى خمسة أو ستّة أمتار! والآن، لو قيل لهذا السيّد: تعالَ وادخل حرم الإمام الرضا عليه السلام المطهّر بحذائك! فهل سيدخل بنعليه، أم سيستوحش، ويخلعهما من باب الدخول الأوّل؟! كلّ هذا لأنّ عقول الناس في أعينهم. أيّها الأحمق! هناك أربعة أئمّة مدفونون، وهنا إمام واحد!
ولكنّ هذا لأنّهم يرون هناك ترابًا، ولا سقف، ولا قبّة مذهّبة، ولا أبوابًا فخمة، ولا أروقة وما إلى ذلك؛ لهذا، يذهبون إلى هناك، ويُخرجون كتابًا، ويقرؤون زيارة، ثمّ يعودون.
ورد في الرواية: «من زارنا عارفًا بحقِّنا فله من الثواب كذا وكذا!».۱
هل اتّضح الأمر الآن؟ هذا ما يُسمّى «المعرفة».
لقد أمضى ذلك السيّد خمسين عامًا في الدرس، ثمّ هو يمشي بحذائه إلى جوار قبور الأئمّة عليهم السلام؛ فما قيمة هذه الزيارة؟! بقدر جناح بعوضة! ولكنّك ترى شخصًا آخر له معرفة بالإمام، ويعرف مقامه عليه السلام، وهو وليٌّ ومحبٌّ ومُوالٍ، لا يفرُق عنده بين وجود سقف وعدمه؛ فالحقيقة هي المعيار والقيمة لديه.. ثواب زيارة هذا الشخص هو بالمقدار الذي ورد في رواية عائشة، حيث قال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله [ما معناه]: «من زار ولدي الحسين فله ثواب حجّة مقبولة معي! وله ثواب حجّتين! وله ثواب ثلاث حجّات!»، حتّى بلغ سبعين حجّة.٢
وفي رواية أخرى: يُكتب له ألف حجّة وألف عمرة.٣
كلّ هذه مراتب تحصل للزائر بفضل معرفته بالمَزور. فمقدار معرفة الزائر بالمَزور ومقدار علمه به هو ما له القيمة!
لو أتاك زائر إلى منزلك لا تعرف مِن خصائصه شيئًا، فإنّك لن تلتفت إليه؛ أمّا لو أتاك من يعرفك، ويطّلع على خصوصيّاتك ومسائلك الخاصة، وهو من أصحاب سرّك، فحينئذٍ، سيختلف وضعك وتعاطيك مع هذا الشخص اختلافًا كبيرًا!
كلّ هذا لأنّ الناس يتبعون إحساساتهم، وعقولُهم في أعينهم.
أساليب المشركين للحطّ من مكانة النبيّ الاجتماعيّة في أعين الناس
كانوا [أي المشركون] يتراجعون هم، ويدفعون الأطفال والفتيان إلى الواجهة، ليسخروا من النبيّ، ويرموه بالحجارة، ويُصفّقوا، ويُحدثوا ضجيجًا؛ وما إن يهمّ النبيّ بقراءة القرآن للناس في مكان ما، حتّى يبدؤوا بالصياح والضوضاء كيلا يسمع الناس صوته صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وفي خضمّ ذلك، كان بعض أصحاب الاستعداد ـ الذين يختلف حسابهم عن البقيّة ـ يأتون، ويتلصّصون قائلين: «دعنا نذهب، ونرى ما يقول! لا نلتفت إلى هؤلاء، ولنذهب لنرى ما يريد أن يقول!». فالحملات الدعائيّة ضد النبيّ عظيمة، والمنابر والخطب ضدّه كثيرة؛ ولكن، دعنا لا نلتفت إلى هذا، ولنذهب بأنفسنا لنرى حقيقة الأمر! فكانوا يأتون، ويرون ما يُثير عجبهم! مسائل وكلام آخر يُطرح هنا! فكان هذا الكلام ينسجم مع فطرتهم؛ ولهذا، كانوا يميلون إليه، ويأتون، ويُسلمون.
والآن، ورغم كلّ هذا الأذى، ورغم كلّ أولئك الذين كانوا يفعلون به ما يفعلون، لم يكن النبيّ يستسلم؛ فكان يتحرّك إلى أيّ مكان يحتمل فيه وجود شخص [قابل للهداية]؛ يذهب إلى السوق، وإلى المسجد الحرام، ويصعد الجبل. وحينما يرى بضعة أفراد يُبرمون صفقة، يقصدهم ويقول: «أتمّوا عملكم!»، فإذا أتمّوه، قال: «ألا تريدون أن تفلحوا؟ ما هو دينكم ومذهبكم؟».
أساليب رسول الله صلّى الله عليه وآله في التبليغ
كانت أساليب النبيّ في التبليغ مختلفة، فلم يكن يكتفي بالوقوف في مكان واحد، وقول: «أيّها الناس، تعالوا وأسلموا!»، بل كان يذهب إلى الناس، ويتحدّث معهم؛ وبعد أن يأنس بهم ويمزح معهم، يفتح الطريق رويدًا رويدًا في ثنايا الحديث، ويدعوهم إلى ما عنده؛ كما كان يُخاطب الناس في المحافل العامّة. كان هذا دأب النبيّ ونهجه طوال حياته؛ هكذا كان النبيّ مجدًّا في عمله وسلوكه!
لم يكن العدد يهمُّ النبيّ، بل كان الفرد هو ما يهمّه. فإذا شعر النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله بوجود استعداد للهداية إلى الإسلام في شخص ما، تحمّل كلّ المشاق في سبيل تحقيق هذا الأمر. ففي قضيّة سفر النبيّ إلى الطائف، كانت كلّ مشقّته من أجل شخص واحد فقط، وهو عَدَّاس؛ ومع ذلك، قام النبيّ بهذه الرحلة. لم يكن النبيّ يحسب حساب الجموع، وكم عدد الذين سيميلون إلى هذا الأمر الآن؛ بل كان ينظر: مَن هو المفيد هنا؟ ومن هم الثابتون هنا؟ وبطبيعة الحال، كان المحيطون به ينتفعون أيضًا في هذه القضيّة بحسب استعداداتهم. لهذا، كان سفر النبيّ إلى الطائف سفرًا عجيبًا جدًّا.
وفاة أبي طالب وخديجة عليهما السلام واشتداد أذى قريش
في السنة الثامنة بعد البعثة، فقد النبيُّ أبا طالب عليه السلام. وبعد ثلاثة أيّام، تُوفّيت خديجة عليها السلام أيضًا، وبعضهم نقل أنّ الفاصل كان ثلاثين يومًا، وبعضهم قال سنة؛۱ أي: خلال سنة واحدة على الأكثر، فقد النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله نصيرين وسندين مهمّين له في تبليغ الرسالة؛ الأوّل: أبو طالب عليه السلام بما له من مقام ومكانة؛ والثاني: خديجة عليها السلام. ومنذ السنة الثامنة للبعثة، تضاعف أذى قريش للنبي واشتدّ.
دعوة رسول الله صلّى الله عليه وآله للقبائل
خرج النبيّ من مكّة، وبدأ دعوته في القبائل. وفي هذه الرحلة، كان يُرافقه زيد بن حارثة.٢ زيد بن حارثة هو ذاك الذي رُفعت الحجب عن عينيه في شبابه، فكان يُشاهد الحقائق؛ وقصّته أنّه بعد قدومه إلى المدينة، دخل النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله المسجد ذات يوم، فرآه جالسًا، وقد اصفرّ لونه؛ وبعد حديث قصير مع رسول الله، شرع يُخبر عن أمور ما وراء عالم الطبيعة والدنيا.٣
انطلق النبيّ مع زيد بن حارثة، وخرجا من مكّة؛ فوصلا إلى قبيلة بكر بن وائل ودخلاها، فلم يكرموهما، ولم يُدخلهما أحدٌ بيته، فخرجا من تلك القبيلة. ثمّ انطلقا مجّددًا؛ وبعد أن قطعا مسافة، وصلا إلى قبيلة قحطان، فأكرموا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأطعموه، ومكث النبيّ عندهم يومين أو ثلاثة، وبدأ بالدعوة رويدًا رويدًا؛ فجمعهم كلّهم في محفل واحد حوله، وبلّغهم رسالته؛ ولكنّ الناس وكبراءهم اجتمعوا، وسخروا منه، وتكرّر هنا ما كان يحدث له في مكّة، فطردوه.٤ هذه هي الدعوة القبليّة!
رحلة النبيّ صلّى الله عليه وآله التبليغيّة إلى الطائف
خرج النبيّ من مكّة، وسار، وسار، حتّى وصل إلى الطائف. والمسافة بين الطائف ومكّة بعيدة جدًّا. مكث في الطائف مدّة، حيث ورد في بعض الروايات أنّ إقامة النبيّ في الطائف كانت عشرة أيّام، وفي بعضها خمسين يومًا.٥ كان صباح النبيّ وظهيرته ومساءه طوال هذه المدّة يمضي في شؤون التبليغ؛ لكن، لم يعبأ به أحد، فأصابه اليأس وعاد. وفي طريق عودته مرَّ ببستان، فقام غلام اسمه عَدَّاس ـ كان مُكلّفًا بحراسة البستان ـ بوضع طبق من العنب أمامه بأمرٍ من شيبة صاحب البستان. فبدأ النبيّ مع زيد بن حارثة بالأكل، وقالا: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
قال عدّاس للنبي: ما سمعتُ بهذا الاسم قط!
فقال له النبيّ [ما معناه]: «من أين أنت؟ وما دينك؟».
قال: «أنا نصرانيّ من أهل نينوى».
فقال النبيّ [ما مفاده]: «بخٍ، بخٍ! مرحبًا بك يا من أنت من أرض أخي يونس بن متّى!».
قال: لا أحد هنا يعرف يونس بن متّى؛ فكيف يكون أخاك؟
فعرض النبيّ عليه رسالته، وقال [ما مضمونه]: «نعم، لقد كان نبيًّا وأنا نبيّ!».
فابتهج عدّاس كثيرًا، وقال: «عجبًا! لقد قرأتُ في الإنجيل والتوراة أنّ نبيًّا كهذا سيأتي، وكم كنتُ أنتظرك!». وأسلم في الحال، وأكبَّ على يدي النبيّ وقدميه، وصار من خيرة المسلمين.۱
يعني أنّ كلّ عناء النبيّ في هذه الرحلة٢ كان من أجل هداية شخص واحد فقط! أمّا ما سينشأ عن هذا الشخص الواحد في المستقبل، فهذا أمر آخر!
السبب الرئيس في أسفار أولياء الله تعالى
وبشكل عامّ، فإنّ سبب حركة أولياء الله وأسفارهم هو أنّ صورة شخص ما تتجلّى وتظهر في لوح ضميرهم؛ فإذا رأوا تلك الصورة قابلة للهداية، تجشّموا عناء السفر والوصول إليه، وأخذوا بيده. وبطبيعة الحال، تختلف كيفيّة ذهابهم ومساعدتهم، فهي مبهمة وليست واضحة تمامًا؛ لهذا، فإنّ عملهم ومنهجهم يختلف عن منهجنا. بالنسبة للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، لم تكن المسألة مسألة شخص واحد، بل كانت المسألة أن يُؤخذ بيد هذا الشخص وأن يُهدى؛ هذا ما كان يهمّ النبيّ، أي أنّ العدد لم يكن مهمًّا لديه.
ذات يوم، سألتُ والدي المرحوم العلاّمة: ما هي الأبعاد الكامنة في أسفار أولياء الله؟ فنحن حينما نسافر، نذهب للتنزّه وتغيير الجوّ والخروج من السأم، ثمّ نعود إلى أماكننا؛ ولكن لوحظ، على سبيل المثال، أنّ بعض أولياء الله تعالى ـ بحسب حالهم ـ كانوا يُكثرون من السفر، وبعضهم كانت أسفارهم قليلة. فما هو سبب السفر؟ يُنقل مثلاً أنّ المرحوم الشيخ الأنصاريّ كان يُكثر السفر إلى الهند وباكستان؛ وكذلك كان يُسافر كثيرًا خارج همدان. فما هي الغاية التي كانوا يهدفون إليها في هذه الأسفار؟ فأجاب:
لقد سألتُ هذا السؤال حضرة السيّد الحدّاد رضوان الله عليه، وقلت له: ما هي غاية أسفار المرحوم الشيخ الأنصاريّ؟ ولماذا كان يذهب إلى هنا وهناك؟ فقال: «بشكل عامّ، هناك غايتان في أسفار أولياء الله:
الغاية الأولى: أنّهم يشعرون بوجود شخص في مكان ما بحاجة إلى من يأخذ بيده، فيذهبون إلى هناك، ويأخذون بيده. (هذه هي غاية سفرهم؛ إنّ عمل الأولياء يختلف كثيرًا عن عملنا!).
الغاية الثانية، وهي الغاية الأهمّ في مثل هذه الأسفار: أنّه يظهر في ضمائرهم أنّ عذاب الله وعقابه على وشك أن ينزل بقومٍ، فيذهبون هم من باب الرحمة والعطف إلى ذلك المكان، ويرفعون ذلك العذاب والعقاب؛ في حين، لا أحد يعلم ولا أحد يدري.
وحينئذ، إن رُفع هذا العقاب والعذاب إما أن يتعدّى إليهم هم، فتتلقّى نفوسهم ذلك الأمر الذي كان من المُقرّر أن يحلّ بذلك القوم؛ أو أنه لا يتعدّى إلى نفوسهم، بل يكتفون بالذهاب إلى هناك، ويرفعون بوجودهم وحضورهم ذلك العقاب والعذاب والبليّة عن تلك الأمّة».۱
لهذا، نرى أن كلّ ما يُنسب إلى الأولياء من أمور إنّما هو بسبب جهل الإنسان بما في ضمائرهم. فلو كنّا على علم، لما نسبنا إليهم خلاف ما يدور في ضمائرهم. وسبب نسبة أهل السنّة هذه الأمور إلى النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله هو أنّ معرفتهم سطحيّة.
حكمة أمر الله بتزويج زيد بن حارثة زينب بنت عمة النبيّ
قضيّة زينب هي إحدى القضايا التي واجهت النبيّ في تاريخ الإسلام! وما واجه أميرَ المؤمنين عليه السلام من قضايا ـ سواء في حياة النبيّ أم بعدها ـ كان كلّه من هذا الباب.
كانت زينب بنت جحش ابنة عمة النبيّ، وكان زيد بن حارثة مُتبنَّى النبيّ؛ وبسبب شدّة العلاقة بين زيد والنبيّ، ولكونه عتيق النبيّ، كانوا يُسمّونه زيد بن محمّد؛ ولكن، بعد نزول الآية التي تأمر بأن يُدعى الأبناء بالتبنّي بأسماء آبائهم، لا بأسماء من تبنّاهم،٢ صار يُدعى زيد بن حارثة. وقبل نزول هذه الآية، أُمر النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله من قِبَل الله تعالى أن يُزوّج زينب لزيد. أراد النبيّ ـ بأمر من الله ـ أن يُوضّح للناس أمرين في قضيّة واحدة:
الأمر الأوّل: أنّ الكفاءة في الزواج قائمة في الإسلام على الدين والخلق، لا على الفوارق الطبقيّة؛ فإذا كان شخص يتمتّع بمرتبة رفيعة من حيث الصفات والخصال الإنسانيّة ـ وإن كان في مستوى متدنٍّ من حيث الشؤون الدنيويّة ـ فهو كفؤٌ لمن يتمتّع بخصال باطنيّة مناسبة وله في الوقت نفسه مكانة ظاهريّة عالية وبارزة.٣
الأمر الثاني: بما أنّ العرب كانوا قد درجوا على معاملة الابن بالتبنّي كالابن الحقيقيّ، واعتبار زوجته ككنّتهم؛ وبالتالي تحريم الزواج بها، أراد النبيّ بنسخ هذه السنّة أن يُوضّح هذه القضيّة للناس! في حين لم يكن أحد على علم بهذه الأمور.
كانت زينب فتاة فائقة الجمال، ومن قبيلة مرموقة، ومن أشراف قريش. وقد أُمر النبيّ من قبل الله أن يُزوّجها لزيد، فأتى وعرض عليها الأمر؛ لكنّها رفضت، وقالت: «أ أتزوّج أنا بمثل هذا الرجل؟! لقد كان عبدًا؛ فأين أنا وأين هو!». ورفض أبوها كذلك!
فقال لها النبيّ [ما معناه]: «هذا أمر الله، وأنا أقول هذا عن الله تعالى!».۱
مظلوميّة أولياء الله بسبب عدم مراعاة الناس لأحوالهم
والآن، انظروا كيف يكون حال العظماء والأولياء! سمعتُ مرّةً من حضرة السيّد الوالد [العلاّمة الطهرانيّ]، في معرض حديثه عن أحد العظماء الذين كان الناس يزورونه ولا يُراعون حاله في زياراتهم كما ينبغي، أنّه كان يقول: «أُشبّه مظلوميَّته أحيانًا بمظلوميّة النبيّ!». ولكنّ المسألة هنا هي أنّه عندما كان الناس يأتون إلى النبيّ، ويُؤذونه بعض الشيء، كانت تنزل آية من الله تعالى فورًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبيّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.٢
أي: عندما تأتون إلى النبيّ، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوته، ولا تتشاجروا عنده!
أو تلك الآية التي نزلت بشأن الصدقة، والتي تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾.٣ أي: من الآن فصاعدًا، كلّ من يأتي إلى رسول الله، يجب أن يحضر معه هديّة!
عندما تأتون إلى النبيّ، لا تظنّوا أنّه عاطل عن العمل! كانوا يأتون إلى النبيّ، ويقولون: «يا رسول الله، حَدِّثْنِا! قصَّ علينا من أخبار الأنبياء السابقين وتاريخ الماضين!». كلّ من فرَّ من بيته، يأتي إلى النبيّ! وكلّ من تشاجر مع زوجته، يأتي إلى النبيّ! وكلّ من لم يجد عملاً أو تجارة، يأتي إلى النبيّ ويقول: «يا رسول الله، اجلس وقصَّ علينا!»؛ ولا بدّ أنّه عندما كان يحين وقت الظهر، كان يجلس ويتناول الغداء ويقول: لا بأس، هذا مكان جيّد! يا له من نبيّ رؤوف ورحمة للعالمين! وكما يُقال في المثل: «در دیزی باز است، حیای گربه کجاست ؟!».٤ كانوا يأتون ويؤذون النبيّ؛ لهذا، نزلت هذه الآية، وطُرحت مسألة المال، فقالوا: «لا وألف لا! هذا مال، وليس روحًا لكي يُبذل بسهولة!!!». وعندما طُرحت مسألة المال، تراجع الجميع ولم يبقَ إلاّ رجل واحد، وهو أمير المؤمنين عليه السلام؛ فحساب أمير المؤمنين مختلف تمامًا.
وبعد أن أدرك الجميع أن كلّ ذلك كان أوهامًا، وأنّ هناك أمورًا أخرى في الحسبان، نُسخت الآية، وأُذن لهم بزيارة النبيّ إن أرادوا.۱
هذا ما يتعلق بالنبيّ؛ أمّا المرحوم الوالد، فكان يقول: وهل يستطيع هذا الشخص [الوليّ] أن يقول: لقد نزلت عليَّ آية تأمركم ألاّ تأتوا إليّ؟! أو أن يقول: إنّ زياراتكم هذه تُزعجني؟! سيقولون: يا سيّدي، أيّ إزعاج في هذا؟! الحمد لله، أنت جالس تضحك، وتتحدّث معنا، فأين الإزعاج في هذا؟!
إنّ المسألة دقيقة للغاية! ولكنّ لطف الله بنا يجعل كلّ هذا مستورًا، فلا يُعاقبنا تعالى على ما نرتكبه من جرأة.
تحليل لاقتراح أبي ثمامة الصيداويّ على الإمام الحسين إقامة صلاة الظهر يوم عاشوراء
المسألة دقيقة جدًا! سأكون جريئًا حينما أذكر الكلام التالي، ولكنّ الحديث جرَّ حديثًا، ولا بدّ من توضيح مسألة هنا؛ فعندما كنت أطالع تاريخ كربلاء، وقفتُ عند هذه الحادثة: في ظهر عاشوراء، حان وقت الزوال، وكان الإمام عليه السلام حينها منشغلاً بالقتال، ومعه نفر من أصحابه يُقاتلون؛ وفي تلك الأثناء، التفت إليه أبو ثمامة الصيداويّ، وهو أحد شهداء كربلاء ومن خيرة أصحاب الإمام، وقال: يا ابن رسول الله، إنّها صلاة الظهر، وهي آخر صلاة في حياتنا! لقد حان وقت الظهر والزوال، ونودُّ أن نصلّي هذه الصلاة معك!
ففرح الإمام كثيرًا، وشجّعه، وحفّزه قائلاً [ما معناه]: بَشَّرتَني بِالصَّلاةِ، بَشَّرَكَ اللَه بِالجَنّةِ.٢
ثمّ أمر الإمام أصحابه بالعودة، والابتعاد عن الميدان. فأقبل نفر من الأصحاب، مثل حبيب بن مظاهر، ووقفوا أمام الإمام ليتلقّوا السهام دونه فلا تصيبه؛٣ وبالفعل، بعد انتهاء الصلاة، استُشهد حبيب بن مظاهر في ذلك الموضع.٤
كنتُ أفكّر في هذه القضيّة: لو كنّا مكانهم، ماذا كان علينا أن نفعل؟ بالطبع، نحن لا نعلم بواطن الأمور كما ينبغي، ويجب أن نأخذ في الاعتبار أنّ خصائص الأفراد تختلف، وكلّ إنسان له طابع خاصّ؛ ولكن، لو كانت المسألة بحسب الظاهر، لما كان ينبغي لنا أبدًا أن نقترح إقامة الصلاة على الإمام! سواء أراد الإمام أن يُصلّي أم لم يرد؛ فما شأننا نحن؟! لماذا نُخضع إرادة الإمام لإرادتنا؟! أ لم يكن الإمام يرى أنّ وقت الزوال قد حان؛ فلماذا نأتي نحن، ونقول له: صلِّ! الإمام نفسه يستطيع أن يقوم ويُصلّي! هذه المسألة دقيقة ورقيقة إلى درجة أنّه حتّى لو تعلّقت بالصلاة، فإنّه على الشخص الواعي ألاّ يفعلها!
طبعًا ـ كما ذكرت ـ يجب أن نأخذ في الاعتبار الظروف آنذاك، وما كان عليه أبو ثمامة الصيداويّ من حال، أو ما كان عليه الإمام من حال؛ فقد تكون هناك أمور لا علم لنا بها. ونحن هنا لا نريد أن نُحدّد تكليفًا لشهداء كربلاء الذين قال عنهم الإمام عليه السلام [ما معناه]: «لم يأتِ مثلهم ولن يأتي مثلهم»!۱ ولكنّ الحديث هنا هو أنّه: لو كانت المسألة ظاهريّة، ولم يكن هناك أمر غير اعتياديّ، فإنّ مجرّد اقتراح الصلاة على الإمام هو أمر خاطئ، ولا ينبغي للإنسان أن يفعله!
الإمام أعلم بحاله! فهو في صلاة دائمة!٢ لا ينبغي لنا أن نُشفق على صلاة الإمام أو على فوات وقتها؛ فالإمام في أفق آخر لا تصله أفكارُنا! إن أردت أن تفعل شيئًا، فقم به بنفسك، وتنحَّ جانبًا، وصلِّ صلاتك! وما شأنك بالإمام؟ واجبك هو أن تُصلّي! لعلّ الإمام لا يُريد أن يُصلّي الآن، وربّما يكون الإمام في حالٍ لو أراد أن يُصلّي فيها، لَنَزَلَ عن حاله ذاك!
| گاهگاهی این رکـوع و این ســجود | *** | كَلِّمينـى یا ُحمیــرای مـن اســت٣ |
يقول:
أحيانًا، يكون هذا الركوع والسجود، شأنُه شأنُ قولي: كلّميني يا حُميراء
بطبيعة الحال، هناك الكثير ممّا يُمكن قوله بخصوص هذه المسألة؛ فالتكاليف تزداد دقّة ورقّة وحساسيّة بحسب ظروف كلّ شخص؛ وفي كلّ مرتبة ورتبة يصل إليها الإنسان، ينشأ له تكليف خاصّ بتلك المرتبة؛ وهذه الحالة هي إحدى تلك الحالات.
تحليل قصّة زواج النبيّ بزينب بنت جحش
أتى النبيّ، وزوّج زينب لزيد فقبلت. ولكن، ليس كلّ زواج يُكتب له النجاح! بدأت زينب بالنشوز! لقد فعل النبيّ ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى؛ ولكنّ المسألة هي أنّ مشيئة الله تقتضي أمرًا آخر، ولا بد من تحقّق هذا الأمر الثاني؛ ألا وهو أنّ زوجة الابن بالتبنّي أجنبيّة عن الرجل، ويجوز له أن يتزوّج بها.
ورد في التاريخ أنّه: دخل النبيّ الأكرم يومًا منزل زيد، فلم يكن زيد موجودًا، ووقعت عين النبيّ على زينب، فَتَعَجَّبَ! لقد تعجّب النبيّ من حُسن زينب وجمالها!٤
في تلك الفترة، كانت الخلافات بين زينب وزيد قد بلغت أوجها، وقد أتى زيد إلى النبيّ مرارًا وطلب فراقها؛ لكنّ النبيّ لم يقبل، وقال: «أمسك عليك زوجك!». أي أنّ الأمر لم يأتِ بعدُ. كان النبيّ يرى كلّ هذه الأحداث، لكنّه كان يرى أنّه لم يأتِ أمرٌ بعدُ. أتى زيد إلى النبيّ مرّة أخرى، فقال له النبيّ: «لم يأتِ أمرٌ بعد!». لكن، بعد هذه الحادثة، عندما قال للنبيّ: «يا رسول الله، لقد نفد صبري!»، هنا، نزل جبريل وأمر النبيّ: «يجب أن تتزوّج بزينب!».
كان زواج النبيّ بزينب من القضايا التي [لم يكن لها سابقة في تاريخ العرب حتّى ذلك الحين!] فماذا سيقول الناس؟! لقد كتبوا في هذه الكتب نفسها:
عندما دخل النبيّ منزل زيد ووقعت عينه على زينب، أوقع الله الخلاف بينهما إرضاءً لقلب النبيّ، وبعد انفصالهما، تزوج النبيّ بزينب.۱
الفرق بين مُدركات رسول الله وغرائزه الإلهيّة والغرائز الماديّة والنفسانيّة لسائر الأفراد
هذا ما ينسبه أهل السنّة إلى النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله.٢ ولكنّ المسألة ليست كذلك، والأمر مختلف تمامًا؛ فإعجابنا يختلف كثيرًا عن إعجابه صلّى الله عليه وآله وسلّم! فأين نحن من النبيّ! هو في عالم ونحن في عالم آخر! إعجابه مبنيّ على تغيّر في معدن نفسه، لا على حفظ تلك المكانة والغرائز الموجودة؛ فمعدن نفسه قد تغيّر في الأساس، ونفسه قد تغيّرت أصلاً، ومسألة الغريزة عنده أصبحت على نحو آخر، وإحساسه في المسائل الغريزيّة يختلف عن إحساسنا، والمسألة مختلفة تمامًا!
لأضرب مثالاً على ذلك: تُدعى إلى بستان، وعندما تدخله، ترى نهرًا يجري فيه، وألوانًا وأشجارًا وخضرة وأزهارًا؛ وكلّ أسباب البهجة والسرور موجودة فيه. لو كنّا نحن، فإنّ أوّل فكرة تخطر ببالنا هي: لماذا ليس هذا البستان لنا؟! ليت هذا البستان كان لنا! أو: ليت صاحب البستان وهبه لنا! أو: لو كان هذا البستان لنا، لفعلنا فيه أمورًا أفضل! هذا ما يُسمّى: النفس والمسائل النفسانية! أمّا لو دخل النبيّ هذا البستان، لقال: «ما شاء الله، يا لها من شجرة عجيبة! ويا لها من زهرة جميلة! ويا له من ماءٍ عذب!». وما إلى ذلك.
هنا، توجد نظرتان وفكرتان:
الفكرة الأولى: فكرة شيطانيّة ونفسانيّة: «من الجيّد أن يكون هذا لنا!». هذه تصبح نفسانيّة.
الفكرة الثانية: التفكير في حقيقة الشيء: «يا لها من زهرة جميلة، ويا لها من نضارة وخضرة!». هذه تُصبح رحمانيّة.
ونظائر هذه المسألة كثيرة جدًّا. فقد تقع عين الإنسان على امرأة فائقة الجمال؛ وهنا، قد تُطرح فكرتان:
الفكرة الأولى: «لتكن لي! لماذا تكون لغيري؟! ما الفرق بيني وبين الآخر؟!». لهذا، تصبح هذه الفكرة شيطانيّة؛ وذلك أن نريد كلّ شيء لأنفسنا، ولا يهمّ أيّ بلاء يحلّ بالآخرين ما دمنا نحن المنتفعين في القضيّة!
الفكرة الثانية: أن ننظر إلى الأمر والمسألة بواقعيّة: «يا له من خيار مناسب!»، ولكنّ مسألة «لِمَن يكون هذا الخيار مناسبًا؟ هل يُناسبني أنا، أم أنّني أراه مناسبًا لشخص آخر؟»، فإنّ هذا الفكر وهذه النظرة هي نظرة واقعيّة وغير نفسانيّة. أن تريد الشيء لنفسك مسألة؛ وأن تنظر إلى حقيقة الأمر نفسه مسألة أخرى. لهذا، بما أنّ المعدن النفسانيّ للأولياء والأنبياء قد تغيّر، فإنّه لا تخطر ببالهم أبدًا فكرة الذات والأنا، وإنّما المطروح هو حقيقة الأمر نفسه وكيف هو، ولمن يصلح، ولمن يُناسب! إنّهم ينظرون فقط إلى نفع الشخص نفسه وباطن الأمر، لا إلى نفع الأفراد المنتسبين إليهم؛ لهذا، لا يُمكننا أبدًا أن نقيس أفعال الأولياء بمقاييسنا، فالأمر يختلف.
الهدف الساميّ للنبيّ الأكرم من رحلته الشاقّة إلى الطائف
قطع النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله تلك الرحلة الطويلة إلى الطائف، فاهتدى شخص واحد؛ ولكن، لو كنّا نحن، فهل كنّا سنفعل ذلك؟! افترض أنّهم قالوا لك الآن: «اذهب إلى أفريقيا، وليس بطائرة تُقلّك في ثلاث أو أربع ساعات! لا، بل انطلق في هذه الرحلة الطويلة سيرًا على الأقدام، واقطع الصحاري واحدة تلو الأخرى، لتهدي شخصًا واحدًا هناك ثمّ تعود!»، هل تفعل ذلك؟ أبدًا، أبدًا!
| كارِ پاكان را قياس از خود مگير | *** | گرچه باشد در نوشتن شير، شير |
| جمله عالم زين سبب گمراه شد | *** | كم كسى ز ابدال حق آگاه شد |
| همسرى با انبيا برداشتند | *** | اوليا را همچو خود پنداشتند |
| اين ندانستند ايشان از عمىٰ | *** | هست فرقى در ميان بىمنتها۱ |
يقول:
لا تقِسْ أفعالَ الطاهرين على أفعالك، وإن تشابهَ لفظا “الأسد” و“الحليب” في الكتابة٢
ضلَّ العالمُ كلُّه لهذا السبب، وقلَّ من عرفَ أبدالَ الحقِّ
ادَّعَوْا مماثلةَ الأنبياء، وظنّوا الأولياءَ مثلهم
لم يعلموا لِعَمَاهم أنَّ بينهما فرقًا لا مُنتهى له]
«لا منتهى له» يعني: نحن في هذا الجانب من الخطّ، وهم في الجانب الآخر! نحن على هذا الشطّ من النهر، وهم على الشطّ الآخر! نحن على هذا الساحل، وهم على الساحل الآخر من المحيط الهادئ! هذا هو الفرق.. فرق بسيط وتافه جدًّا!!! إنّه الفرق نفسه بين من يقول «لا إله إلّا الله» التي يقولها النبيّ بلسانه، وبين من أحرقَت «لا إله إلّا الله» نسيج وجوده، وذرّته رمادًا في الريح! للأولياء حساب، ولنا حساب آخر.. كلّ في موضعه!
قلق النبيّ على أمّته في آخر لحظات حياته الشريفة
كم عانى النبيّ حقًّا من أجل هؤلاء الناس! فلم يأتِ ذكر أيّ نبيّ في القرآن بمثل رأفة النبيّ ورحمته: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.۱
لقد ظلّ النبيّ يذكُر أمَّته حتّى يومه الأخير؛ وهو راقد في فراشه يقضي آخر لحظات ودقائق عمره، يأتي جبريل، ويُريه أبواب الجنّة والنار، ويأتيه بمفاتيحهما، ويقول: «أدخل من شئت! هذا مكانك، وهذا هو المقام الذي أعدّه الله لك!». لكن النبيّ كان قلقًا! [فيُقال له]: يا رسول الله، لقد أعطيناك الجنّة، ووضعنا النار تحت تصرفّك، فلماذا أنت قلق؟ فيقول [ما معناه]: «أنا قلق على أمّتي!».
إنّها الدقائق الأخيرة من حياة النبيّ؛ وبعد دقائق معدودة، فارق النبيّ الدنيا. هذا النبيّ يُصبح: ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. هكذا هو النبيّ؛ ولكن، من الجانب الآخر، ماذا فعل الناس بهذا النبيّ وذريّته؟! أين هم من النبيّ!
لطم وجه فاطمة الزهراء عليها السلام وغصب فدك من أهل البيت
يقول أمير المؤمنين عليه السلام [ما مضمونه]: لقد أعطانا النبيّ فدكًا ـ وأنتم تعلمون أيّها الناس أنّنا كنّا ننفق أموالها على الفقراء ـ لكنّهم لم يُطيقوا أن يروها في أيدينا!٢
قالوا: «هؤلاء يملكون أموالاً، فلنذهب ونأخذها منهم!»، فأتوا، وأخذوها منهم.
وعندما ذهبت فاطمة الزهراء عليها السلام إلى أبي بكر للمطالبة بفدك، وأخذت منه صكّها، اعترض طريقها في العودة ذلك المرتدّ عديم الدين؛ ولمّا أبت أن تُسلّمه الصكّ، لطم وجهها.٣
الهجوم على بيت فاطمة الزهراء عليها السلام
لم يكد يجفّ كفن النبيّ حتّى أضرم هؤلاء الناس النار في باب بيت الوحي ومهبطه، وأسقطوا ابنة النبيّ أرضًا؛ وهي بذلك المقام والمكانة!٤
| أَيُهجَمُ العِدىٰ عَلىٰ بَيتِ الهُدىٰ | *** | ومَهبِطِ الوَحيِ ومُنتدى النَّدىٰ |
| وَلَستُ أدري خَبَرَ المِسمارِ | *** | سَلْ صَدرَها خَزينةَ الأسرارِ |
| وَوَكزُ نَعلِ السَّيفِ في جَنبَيها | *** | أتى بِكُلِّ ما أتى عَلَيها |
| وَالبابُ والجِدارُ والدِّماءُ | *** | شُهودُ صِدقٍ ما بِهِ خِفاءُ٥ |
| سينهای كز معرفت گنجینۀ اسرار بود | *** | كی سزاوار فشار آن در ودیوار بود٦ |
[يقول: صدرٌ كان بالمعرفة كنز الأسرار، كيف يليق به ضغط ذلك الباب والجدار]
لقد فعلوا ما فعلوا حتّى علت صيحتها [ما معناه]: «يا فِضّةُ، خُذيني! فَواللَه سَقَطَ ما في أحشائي!».
أتت إلى جوار قبر النبيّ، ونادت [بما مضمونه]: «يا أبتاهُ، انظر ما يفعل هذا القوم ببقيّتك».۱
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.٢
بِاسمِك اللَهُمَّ ونَدعوك، ونُقسِمُ عليك ونَرجوك، بمحمّدٍ وأهلِ بَيتِهِ الأطهار، يا اللَهُ يا اللَهُ يا اللَهُ…
والحمد لله ربّ العالمين