16

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام

نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

18
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةمحطات من السيرة النبويّة

التاريخ 1414/02/28


التوضيح

كيف يتحوّل الخطر والموت إلى لذّة وبهجة عند أولياء الله؟ ما هو الفرق الجوهريّ بين طريق أداء التكليف وطريق العشق في الوصول إلى الحقّ؟ وهل يُمكن للشيطان أن يُوحي لأوليائه بأفكارٍ تخريبيّة تُشبه الوحي الرحمانيّ؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله تعالى عليه عن هذه الأسئلة، مستعرضًا الأسرار الغيبيّة لليلة المبيت، وحقيقة العشق الذي جعل شهداء كربلاء يتفرّدون بمقامٍ لا يلحقهم فيه مَن بعدهم.

/۱۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام

  • نقض إنكار "المحدّث النوريّ" لمقام العشق وفلسفة قاعدة "الإمكان الأشرف" في السير والسلوك

  •  

  • مباني الإسلام ـ محطّات من السيرة النبويّة ـ الجلسة السادسة عشرة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

  • .

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ والصّلاةُ والسّلامُ على سيِّدِنا ونَبيِّنا

  • وحَبيبِ قُلوبِنا وطَبيبِ نفوسنا أبي‌ القاسِمِ المصطفى محمّدٍ

  • وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطّاهِرينَ

  • واللّعنَةُ على أعدائِهِم أجمَعين

  •  

  •  

  • تقييم الإنسان لحاله من خلال دراسة تاريخ النبيّ صلّى الله عليه وآله

  • قال الله تعالى في مُحكمِ كتابه:

  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.۱

  • إنّ تاريخ النبيّ تاريخٌ مليءٌ بالعِبَر، حيث يجد الإنسان نفسه حاضرًا تمامًا في زمانه صلّى الله عليه وآله، ويُمكنه استيعاب موقعه وحاله في وضعه الراهن. فكم من أفرادٍ جاهدوا وآثروا وضحّوا في زمان النبيّ صلّى الله عليه وآله بكلّ صدقٍ، ثمّ انحرفوا في نهاية المطاف واتّخذوا لأنفسهم مسارًا آخر.

  • شدّة معاناة المسلمين في سنوات الحصار في شِعب أبي طالب

  • لقد اشتدّت الأمور وصَعُبت على النبيّ صلّى الله عليه وآله وأصحابه في السنة الرابعة أو الخامسة أو السادسة للبعثة، حتّى إنّهم لم يجدوا مخرجًا سوى الهجرة أو التخلّي عن التبليغ والرسالة. فقد تزايدت ضغوط المشركين واشتدّ أذاهم بشكل كبير، وضيّقوا الخناق على النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى حدّ أنّ أصحابه كانوا في خوفٍ وذُعرٍ دائمين، ولم يكن لديهم أيّ أمنٍ على أرواحهم.

  • في هذه الأثناء، قام أبو طالب عليه السلام بإيواء النبيّ صلّى الله عليه وآله وجمعٍ غفيرٍ من أصحابه داخل شِعب أبي طالب ـ الذي يقع في شارع الحجون، وهو معروفٌ وواضحٌ الآن ـ وحاصر المشركون ذلك المكان. وكان رجالٌ من بني هاشم ممّن يتّفقون مع النبيّ صلّى الله عليه وآله في المبدأ والمنهج، كحمزة عليه السلام، يحرسون ذلك الشِعب. [وبعد ذلك، اجتمع كفّار مكّة ووقّعوا معاهدةً تنصّ على مقاطعة المسلمين وعدم إقامة أيّة علاقةٍ معهم، سواءً في البيع أو الشراء أو الزواج أو غير ذلك]. ومضت ثلاث سنواتٍ على هذه الحال.

  • حراسة أمير المؤمنين عليه السلام لرسول الله صلّى الله عليه وآله

  • لم يبتعد أمير المؤمنين عليه السلام طيلة هذه السنوات الثلاث عن خيمة النبيّ صلّى الله عليه وآله لحظةً واحدة؛ فقد كان الوضع بالغ الخطورة، وكان احتمال هجوم المشركين واردًا في كلّ لحظة، وكانت حياة النبيّ مُعرّضةً للخطر. فكان صلّى الله عليه وآله ينام ليلاً، بينما يبقى أمير المؤمنين عليه السلام يقظًا حتّى الصباح. وطوال هذه السنوات الثلاث، أوقف أمير المؤمنين عليه السلام نفسه على خدمة النبيّ صلّى الله عليه وآله. وكذلك قدّم حمزة سيّد الشهداء عليه السلام في هذه المدّة تضحياتٍ جليلة.٢

    1. سورة البقرة، الآية ٢۱۸.
    2. مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ۱، ص ٦٣ ـ ٦۷؛ دلائل النبوّة، ج ٢، ص ٣۱۱ ـ ٣۱٥.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

3
  • ومضت الأيّام على هذه الحال إلى أن خرج النبيّ صلّى الله عليه وآله مع أصحابه من الشِعب.۱ وفي نفس وقت الخروج من الحصار، تُوفّيت السيّدة خديجة عليها السلام؛ وبعد مدّةٍ وجيزةٍ، تُوفّي أبو طالب عليه السلام، ففقد النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله ناصرَيه ومُعينَيه: السيّدة خديجة عليها السلام وأبو طالب عليه السلام.٢ ولمّا رأى المشركون أنّ المسلمين قد فقدوا هذين السندين والداعمين، استهانوا بالنبيّ صلّى الله عليه وآله، وقالوا: «لقد انتهى أمره ولم يعُد يُشكّل خطرًا!». ولكن، بعد انقضاء مدّةٍ قصيرة، تجدّد أذى المشركين.

  • اجتماع المشركين في دار الندوة وعزمهم على قتل رسول الله

  • وخلاصة القول، آل الأمر إلى أن اجتمع سادة قريش في دار الندوة يتشاورون فيما يصنعون برسول الله صلّى الله عليه وآله؛ أي ليحسموا أمره، ويقضوا على هذا الوجود المقدّس! فأخذ كلّ واحدٍ منهم يُدلي برأي. وهنا، تمثّل لهم الشيطان في صورة شيخٍ في عالم المكاشفة والمثال ـ فقد ظهر لهم في عالم المثال، لا بصورةٍ جسمانيّة؛ لأنّ هذا هو أقصى ما يُمكنه فعله، إذ يملك من القدرة ما يُمكّنه من التصرّف في قلوب أوليائه ـ وجلس بجانب هؤلاء المشركين.

  • فقال قائلٌ منهم: «إنّ سبيل دفع هذه الفتنة هو أن يذهب رجلٌ، فيقتل النبيّ!».

  • فقال الشيطان: «ليس هذا برأي؛ لأنّه إن قتله رجلٌ واحد، اجتمعت بنو هاشم فقتلوه، فإنّ لهم قوّة ومنعة».

  • وقال بعضهم: «نحبسه في سجنٍ، ونناوله الماء والخبز من كوّةٍ، حتّى يبقى فيه إلى أن يهلك».

  • فردّ الشيطان: «وهذا أيضًا ليس برأي؛ لأنّكم إن أبقيتم على هذا الوجود الجاذب للناس، لَعَلِم المسلمون بخبره وسألوا عنه، ولَرُبّما هجم أنصاره في ليلةٍ فأخرجوه وهرّبوه. فهذا الرأي لا يصحّ أيضًا».

  • فتكلّم كلّ واحدٍ منهم برأي؛ فقال أحدهم: «نُركبه جملاً ونوثقه عليه، ثمّ نوجّه الجمل نحو القبائل!».

  • فرفض ذلك أيضًا وقال: «وهذا ليس بصائب!».

  • وأخيرًا، قدّم أبو جهلٍ اقتراحًا.

  • منشأ الأفكار الباطلة وكيفيّة إيحاء الشيطان لأوليائه

  • إنّ الآية الكريمة: ﴿إِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَولِيَآئِهِم﴾٣ ناطقةٌ بهذه المسألة! نحن نظنّ أنّ الأفكار الرحمانيّة التي ترد أذهاننا هي من عند الله، وأنّ جنود الرحمن هم من يُلقون بالمعاني الرحمانيّة في فكر الإنسان، بينما الأفكار الباطلة التي تخطر بباله هي من صنع الإنسان نفسه ووليدة فكره؛ ولكنّ الأمر ليس كذلك، بل بسبب ارتباط الإنسان وأُنسه بالأبالسة والشياطين، فإنّ هؤلاء يقومون بإلقاء الأفكار الباطلة في ذهنه ونفسه؛ فيأنس الإنسان بهذه الأفكار ويتفاعل معها؛ وبمقدار ما يَرِد من هذه الأمور على الذهن، يقلّ مقدار الواردات الرحمانيّة، وتأخذ تلك الأفكار الباطلة بالرسوخ تدريجيًّا، مُزيحةً جنود الرحمن شيئًا فشيئًا، حتّى تستولي الواردات الشيطانيّة على قلب الإنسان بالكامل؛ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿خَتَمَ ٱللَهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِم وَعَلَىٰ سَمعِهِم وَعَلَىٰٓ أَبصَٰرِهِم غِشَٰوَةٌ﴾.٤ فكلّ ما يَرِد على ذهن الإنسان وفكره ونفسه إنّما هو نتيجةٌ لارتباطه بأحد المبدأين: مبدأ الرحمن، أو مبدأ الشيطان!٥

    1.  معرفة الإمام، ج ٦، ص ٢٢٥:
      «كان الرسول الأكرم ومعه المسلمون محاصرين في شعب أبي طالب عليه السلام ... إلى أن ثبت إعجاز النبيّ؛ إذ أخبر عمّه أنّ الله قد سلّط على معاهدتهم حشرة الأرضة، فأكلتها ولم تبق منها إلاّ عبارة: بِاسْمِكَ اللهُمَّ».
    2. تاريخ اليعقوبيّ، ج ٢، ص ٣٥؛ السيرة الحلبيّة، ج ٢، ص ٤۰.
    3. سورة الأنعام، الآية ۱٢۱.
    4. سورة البقرة، الآية ۷.
    5. لمزيد من الاطّلاع، راجع: أفق وحي (فارسيّ)، ص ٢٥٣ ـ ٢٦۱.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

4
  • ولهذا، إن رأيتم شخصًا يحمل أفكارًا سليمة، وفكرُه فكر صفاءٍ ومروءة، وَجُودٍ وسخاء، وديدنُه العفو والأُنس، ومسلكُه الإخلاص ونبذ الأنانيّة والذاتيّة؛ فاعلموا أنّ أُنسه وارتباطه النفسيّ بالمبادئ الرحمانيّة قويّ! وإن رأيتم شخصًا يتحرّك في الاتّجاه المعاكس لهذه الأفكار، فذلك بسبب بُعده النفسانيّ المرتبط بمبادئ الشياطين والأبالسة، ومن خلالهم يُوحى إليه: ﴿إِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَولِيَآئِهِم﴾؛ فترد هذه الواردات الشيطانيّة على نفسه.

  • إنّ عبادة المال، وحفظ الإنّية، والتشبّث بالمنصب والمكانة، والاستئثار بكلّ شيء، والتخلّي عن الآخرين، وعزل الحسابات الشخصيّة عن الغير، والفرعونيّة، وما شابه ذلك، هي من الصفات التي تُلهَم إليه باستمرار عبر هذا الطريق؛ في حين أنّ هذا المسكين لا يشعر بذلك! فهو لا يُدرك أنّ حاله الراهن وأفكاره الحالية ناتجةٌ عن ارتباطه بتلك المبادئ. فكلّ طيفٍ من هذين الطيفين يسعى لطرد الآخر؛ وبمقدار غلبة أحدهما على الآخر، تظهر آثار هذه الغلبة في الإنسان.

  • أنت تذهب إلى المسجد لِتُصلّي، وببركة الصلاة تعتريك حالةٌ من الصفاء والخفّة والبهجة؛ هنا، تغلّبت جنودُ الرحمن، وأزاحت جنود الشيطان. وعندما تذهب إلى مكانٍ آخر، وتُصيبك حالةٌ من الكدورة، فاعلم أنّ جنود الشياطين قد حلّت هناك، وتغلّبت على جنود الرحمن، ممّا أدّى إلى حصول هذه الكدورة لك في ذلك المكان.

  • إنّ الإنسان في ارتباطه بذلك المبدأ الرحمانيّ يمتلك منذ البداية صفاءً وبهجة وانبساطًا؛ ولكن لاحقًا، وبسبب الحركة في الاتّجاه المعاكس، وترتيب الأثر على وساوس جنود الشيطان تلك، تُسلب منه تلك الحالة شيئًا فشيئًا، وتقلّ ثم تقلّ، إلى أنّ يجد الإنسان نفسه فجأة ـ ودون أن يُحدث هذا النقصان هزّةً في وجوده أو يوجب له تنبّهًا ـ أنّه تغيّر تغيًّرا فاحشًا، وبينه بونٌ شاسع عن حالته السابقة، بحيث لا يُمكنه بتاتًا العودة إلى ما كان عليه؛ وهذا بسبب الابتعاد عن المبادئ الرحمانيّة، واستيلاء جنود الشيطان على وجود الإنسان.

  • إنّ الاستدراج الذي يخشاه جميع الأولياء والأنبياء وجميع العرفاء والعظماء والكُمَّل، ويحذرون منه دائمًا، هو هذه المسألة؛ حيث إنّ ارتباط نفس الإنسان بجنود الشيطان يشتدّ، ويقوى شيئًا فشيئًا نتيجةً لترتيب الأثر على الواردات [الشيطانيّة]، ومتابعتها، وعدم الانفصال عنها. وعندما ترتبط نفس الإنسان بها، فإنّ هذا الارتباط يُحدث ردّ فعلٍ في ذهن الإنسان وفكره؛ ولذلك، يُرتّب الإنسان الأثر على هذه الواردات.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

5
  • إلقاءات الشيطان على أبي جهل لقتل النبيّ الأكرم

  • في تلك الجلسة أيضًا، تجسّد الشيطان للمشركين بهذا النحو، وهو نفس الشيطان الذي يتجسّد لنا في كلّ لحظة من اللحظات، ولكنّنا لا نعلم به؛ غاية الأمر أنّه جاء هناك بصراحة ووضوح؛ لأنّه كان يُريد تصفية حساب النبيّ، وخلاصة الأمر: كان يريد القول: «إذا أُزيح هذا النبيّ، فستكون أموري على ما يُرام! ولن أواجه أيّة مشقّة، ولن أحتاج بعد ذلك إلى أيّ سعي وجهد!»؛ لهذا، تجلّى لهم هناك في صورةٍ، وجاء ليدلّهم على الطريق، حيث قال الشيطان: «أنا أُقدّم لكم طريقًا جيّدًا!»، وألقى هذه الفكرة في فكر أبي جهل وذهنه. وعندما ألقى هذه الفكرة، جلس هو أيضًا جانبًا، وأيّد هذه الفكرة وأقرّها!

  • هذه إحدى دقائق الطريق، وكيف أنّ الإنسان تخطر بباله مسألة دون أن يكون مُلتفتًا، ولا يدري من أين جاءت، ثم يجلس هو نفسه ليُؤيّدها ويُقرّرها؛ والحال أنّ الشخص الذي أيّد والشخص الذي جاء بالفكرة هما شخصان مختلفان [في الحقيقة]، ويأتي ويتجلّى بصورتين مختلفتين؛ أوّلاً، يُلقي الفكرة في الذهن، وعندما يرى أنّ الإنسان قد تفاعل معها، يشرع بالتوقيع على تلك الفكرة ويُصادق عليها.

  • لقد قرّر الشيطان فكرة أبي جهل، فقال أبو جهل: بنو هاشم قبيلة واحدة، وقواهم وقدرتهم لا تتمكّن من التغلّب على جميع القبائل؛ فإذا جئنا من كلّ قبيلة بشخص واحد ليُصبحوا أربعين شخصًا، ويقوم هؤلاء الأربعون بقتل النبيّ؛ فحينها، لن يتمكّنوا [بنو هاشم] من الاقتصاص من الجميع، ولا بدّ أن يقبلوا بالدية، ونحن سندفع لهم كلّ ما يطلبونه، وتنتهي المسألة!

  • قالوا: «يا لها من فكرة رائعة! يا أبا جهل، لقد حسمت القضيّة!»

  • اطّلاع النبيّ على كيد الكافرين والأمر بالهجرة

  • لكن، هناك مسألة هنا، وهي أنّ هؤلاء يجلسون، ويُفكّرون، ويُقدّرون الجوانب المختلفة؛ لكنّهم غافلون عن تلك اليد التي في الأعلى، ولا خبر لديهم عن مشيئة الله القاهرة التي هي فوق كلّ الإرادات! هم يقومون بالأعمال، لكنّ الذي يُدبّر الأمور هو أحد آخر؛ وإلاّ، لو لم يكن الأمر كذلك، فمن المعلوم بيد مَن ستكون الدنيا بأسرها!

  • لقد قبلوا بهذه المسألة، وتقرّر أن يقضوا على النبيّ في إحدى الليالي وهو في حال الاستراحة.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

6
  • هنا، نزلت هذه الآية على النبيّ: ﴿وَإِذ يَمكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثبِتُوكَ أَو يَقتُلُوكَ أَو يُخرِجُوكَۖ وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ ٱللَهُۖ وَٱللَهُ خَيرُ ٱلمَٰكِرِينَ﴾.۱

  • أي: يُريد المشركون أن يمكروا بك ليعتقلوك ويضعوك في السجن، أو يقتلوك، أو يخرجوك؛ في حين أنّ مكر الله أعلى (الله تعالى فوق كلّ هذه الحيل)!»

  • ﴿وَرَحمَتِي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ﴾٢ أي أنّ رحمة الله تعالى تتفوّق على كلّ شيء (حتّى على جميع جنود الأبالسة والمشركين)!»

  • إيثار أمير المؤمنين في أحداث هجرة النبيّ الأكرم

  • جاء النبيّ الأكرم إلى أمير المؤمنين. إنّ أفضل شخص لمثل هذا الموقف هو أمير المؤمنين عليه السلام وحده. وحقًّا، هذا النبيّ لو لم يكن لديه أمير المؤمنين، لم يكن معلومًا ما الذي كان سيحدث! جاء إلى أمير المؤمنين وقال: «يا عليّ، لقد جاء الأمر بأن أُهاجر!»

  • فقال أمير المؤمنين: «بسم الله، لنهاجر ونمضِ!»

  • فقال النبيّ: «لا يمكن أن يتمّ الأمر هكذا، فالجميع سيعلمون ويلتفتون! المشركون ينوون اقتحام منزلي ليلاً والقضاء عليّ! يجب أن تكون طريقة الهجرة بحيث إذا وافقتَ، يجب أن تنام في مكاني حتّى أتمكن أنا من الخروج من هذا المنزل!»

  • قال أمير المؤمنين عليه السلام: «لا ضير في ذلك يا رسول الله، أنا مستعدّ للمبيت في فراشك!».

  • فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: «إن نمتَ في مكاني، فسيقتلونك بدلاً منّي!».

  • فبدأ أمير المؤمنين عليه السلام بالضحك! ورد في الروايات أنّه ضحك، وقال: «أو تَسْلَمُ وتصل إلى المدينة؟».

  • فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: «نعم!».

  • فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «لا مشكلة إذن، فليقتلوني! القتل ليس أمرًا ذا بال!».

  • بعد ذلك، بشّره النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ أي: عندما قَبِل أمير المؤمنين عليه السلام بالقتل والتضحية في سبيل رسول الله، حينها بشّره النبيّ قائلاً: «يا عليّ، وأنت أيضًا ستلحق بي!».

  • في تلك اللحظة، جاءت البشارة! فهم لا يُبشّرون منذ البداية؛ بل يقولون في بادئ الأمر: «إن جئتَ فستُقتل!»، ليختبروا ما الذي سيفعله؛ أيقبل أم لا؟ وعندما ضحك أمير المؤمنين عليه السلام وقال: «أهذا فقط؟! سيقتلونني؟! وما عسى أن يكون هذا الأمر الخطير يا رسول الله؟!»، عندما تكلّم بهذا، قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: «أبشر، فإنّك ستلحق بي في المدينة أيضًا!». وهنا، يكمن الفرق بين أمير المؤمنين عليه السلام وبيننا!

    1. سورة الأنفال، ص ٣۰.
    2. سورة الأعراف، الآية ۱٥٦.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

7
  • اختفاء رسول الله صلّى الله عليه وآله ثلاثة أيّام في طريقه من مكّة إلى المدينة

  • قصّة هذه الحادثة مفصّلة؛ وخلاصتها أنّ أمير المؤمنين عليه السلام جاء، وبات في فراش النبيّ صلّى الله عليه وآله. وعند طلوع الفجر، اقتحم المشركون منزله، فنهض أمير المؤمنين عليه السلام من مكانه، ورأى المشركون أنّه أمير المؤمنين وليس النبيّ!

  • قالوا: «يا عليّ، أين ذهب النبيّ؟».

  • فأجابهم: «أَ وَكُنتم قد جعلتموه أمانةً عندي؟!».

  • خرج النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله من مكّة، واختفى لثلاثة أيّامٍ في «غار ثور»؛ وفي هذه الأيّام الثلاثة، كان أمير المؤمنين عليه السلام يأتيه بالطعام سرًّا. وبعد أن بحث المشركون في كلّ حدبٍ وصوب، وتقصّوا أثره دون أن يعثروا عليه، تحرّك النبيّ صلّى الله عليه وآله نحو المدينة، وكان يمشي ليلاً، ويتخفّى نهارًا حتى وصل إليها.۱ وقصّة هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى المدينة مفصّلة جدًّا.٢

  • سعادة أمير المؤمنين بإيثاره في «ليلة المبيت» لشدّة عشقه للنبيّ الأكرم 

  • كنت أفكّر في نفسي ذات مرّة بشأن أمير المؤمنين عليه السلام؛ لو سُئل: «بماذا شعرت حينما نمت في فراش النبيّ؟ ألم تشعر بالخوف؟».

  • لقال عليه السلام: «لم أقضِ في حياتي كلّها ليلةً بذاك السرور والسعادة!».

  • وأمير المؤمنين لا يمزح هنا، فالمسألة جدّية! فعلى أيّ أساسٍ تُبنى هذه القضيّة؟ وما حقيقتها؟

  • عندما يتأمّل الإنسان في الأعمال التي قام بها أمير المؤمنين عليه السلام في المدينة، يرى أنّه كان عاشقًا للنبيّ، ولم يكن يرى لنفسه أيّ وجود [في قباله]!

  • بعد ذلك، خطرت في ذهني هذه الفكرة، وهي أنّ المسألة لعلّها تكون على النحو التالي:

  • إنّ مَن يُلقي بنفسه في البحر ليغرق، لا يخشى بعد ذلك من بلل ثيابه أو ضياع خاتمه أو ما تحتويه جيوبه؛ فالإنسان الذي يُلقي بنفسه في البحر قاصدًا الغوص في أعماقه، لا يعبأ إن ابتلّت ثيابُه، أو سقط الخاتم من يده، فليس في ذلك مشكلة! فمَن الذي تخطر بباله مثل هذه الأفكار؟ ومَن الذي يكترث لهذه الأمور؟ إنّه الشخص الذي يريد الحفاظ على آثاره الوجوديّة.

  • أمّا أمير المؤمنين عليه السلام، فقد صفّى حساباته منذ البداية، وحسم أمره، وقال: «أنا أمتلك بدنًا وروحًا، وأريد أن أُصلح هذه الروح والنفس؛ فما العمل؟». تارةً، يقع الإنسان في صراعٍ وتضادّ بين البدن والروح، محتارًا في أن يُحافظ على البدن، أم على النفس والروح! فإن أراد إيصال الروح إلى الكمال، تعرّض البدن للأذى؛ وإن أراد الحفاظ على سلامة البدن، توقّفت الروح عن المسير! ولكنّ أمير المؤمنين جاء وقال: فلأطرح البدن جانبًا، وليكُن بعد ذلك ما يكون!

    1. راجع: تفسير القمّي، ج ۱، ص ٢۷٢ ـ ٢۷۷؛ إعلام الورى، ص ٦۱ ـ ٦٩؛ قصص الأنبياء عليهم السلام، الراونديّ، ص ٢٣٥ ـ ٢٣۸.
    2. لمزيد من الاطّلاع، راجع: بحار الأنوار، ج ۱٩، ص ٢۸ ـ ۱۰٣.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

8
  • كان أمير المؤمنين عاشقًا للنبيّ، لم يكن يشعر في وجوده بشيءٍ على الإطلاق سوى النبيّ، ولم يكن في مُخيّلته شيءٌ سوى حياة النبيّ ووجوده؛ أي: عندما كان يرى نفسه بجانب النبيّ، كان يرى النبيّ فقط، ولا يرى نفسه! ولهذا، لم يكن يتصوّر لنفسه نومًا ولا راحة، ولا وجودًا في الدنيا سوى وجود النبيّ، ولم يكن في ذهنه أيّ تصوّر سوى تصوّر وجود النبيّ؛ وكأنّ أمير المؤمنين كان مجرّد بدنٍ بلا روحٍ لا قيمة له سوى أداء الأعمال! هكذا كان يتصوّر نفسه! هذه هي القضيّة والمسألة التي غفل عنها الكثير من الناس، ولا يزالون غافلين عنها!

  • نقد كلام المحدّث النوريّ وإثبات العشق لله تعالى

  • عندما وصل المرحوم المحدّث النوريّ، في مناسبةٍ ما، إلى بحث فناء المحبّ في المحبوب، وأنّ المحبّ لا يرى شيئًا سوى المحبوب، بدأ يسخر من هذه المسائل، ويقول:

  • في الأساس، نحن لا نملك عشقًا، ولا نملك محبّةً زائدة؛ كلّ هذه طرقٌ خاطئة، وهي مخالفة لطريق الله تعالى، ولا توصل إطلاقًا إلى إدراك المعارف الدينيّة ونيل الكمالات؛ وهذه مجرّد أمور دنيويّة!

  • ثمّ يذكر في هذا الباب روايةً عن الإمام الصادق عليه السلام، حيث سأله أحد أصحابه: «يا ابن رسول الله، ما العشق؟ ما حقيقته وواقعه؟».

  • فقال عليه السلام: «قُلُوبٌ خَلَتْ عَن ذِكرِ اللَهِ، فَأذاقَها اللَهُ حُبَّ غَيرِهِ».۱

  • ثمّ يقول المحدّث النوريّ: هذه المسألة التي يعتقد بها الكثير من الأعاظم والعرفاء، ويقولون: «العشق حقيقةٌ واحدة، وهذا العشق والمحبّة المجازيّين قد ينتهيان في الأخير إلى تلك المحبّة الحقيقيّة!»٢ هي مسألة مجانبة للصواب، وخلافها قائمٌ بالبرهان؛ لأنّه من المستحيل أن يكون مسار شخصٍ مخالفًا لأمرٍ ما، لكنّه يصل في النتيجة إلى هذا الأمر!٣

  • طريق الله هو طريق الطاعة والعبوديّة، وليس طريق المخالفة والعصيان، وليس طريق الانحراف! عندما تريد أن تسلك طريقًا، يجب أن تسير في المسار المخصّص له؛ فإن سلكت مسارًا خاطئًا، فلن تصل أبدًا إلى ذلك المقصد الذي ينتهي إليه هذا الطريق. وبالتالي، إذا سلك الإنسان طريقًا مخالفًا للأمر، فمن المستحيل أن يصل هذا الطريق إلى المقصد، بل سينتهي به الأمر في مكانٍ آخر.

    1. الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٦٦۸؛ علل الشرائع، ج ۱، ص ۱٤۰، مع اختلاف يسير.
    2. من باب المثال، راجع: مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٣، ص ۷٥.
    3. راجع: نفس الرحمن في فضائل سلمان، المحدّث النوريّ، ص ٣٢۸.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

9
  • تر‌سـم نر‌سی به کعبه ای اعـرابی***کاین ره که تو می‌روی به ترکستان است۱ 
  • يقول: 

  • أخشى ألاّ تصلَ إلى الكعبةَ يا أعرابيُّ، فهذا الطريق الذي تسلكه يؤدي إلى تركستان!

  • فالطريق طريقٌ آخر، وما أمر به الله تعالى هي مسألة أخرى!

  • ولكن، بالنسبة لكلام المحدّث النوريّ، يجب أن أقول: كلّ هذه المسائل تنشأ من أنّ الإنسان يُريد أن يُبدي رأيه في مسألةٍ ما، دون أن يكون له تخصّصٌ فيها ويكون أهلاً لهذا العلم. فالمسائل ذات البعد النفسانيّ، يجب الحديث عنها في حيطة البحث عن الأمور النفسانيّة، والمسائل المتعلّقة بالظاهر، يجب الحديث عنها في موضعها الخاصّ؛ والخلط بين هاتين القضيّتين يُؤدّي إلى أن يكون الحكم على الآخر حكمًا خاطئًا وجانبًا للصواب.

  • أيّها المحدّث الجليل! أنت الذي ليس لديك علمٌ بهذه الأمور، وأنت الذي لم تبحث في المباحث المعنويّة والمسائل الحقيقيّة والعرفانين العمليّ والنظريّ، وميزتك وخصوصيّتك الوحيدة هي البحث في أحوال رواة الحديث والرجال، لا يُمكنك إبداء الرأي في هذا المجال؛ فأنت تُبدي رأيًا، وربّما يكون رأيك غير صحيح!

  • يذكر الإمام الصادق عليه السلام رواية عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: إِنَّ الجَنَّةَ لَأعشَقُ لِسَلمانَ مِن سَلمانَ لِلجَنَّةِ؛٢ أي: بقدر ما تشتاق الجنّة لرؤية سلمان وتعشق رؤيته، فإنّ سلمان لا يلتفت إليها بهذا المقدار!

  • كما ينقل بعض علماء الشيعة روايةً عن النبيّ الأكرم أنّه قال: أفضَلُ النّاسِ مَن عَشِقَ العِبادَةَ فَعانَقَها وأَحَبَّها بِقَلبِه وباشَرَها بِجَسَدِه وتَفَرَّغَ لَها، فَهوَ لا يُبالي عَلىٰ ما أَصبَحَ مِنَ الدُّنيا، عَلىٰ عُسرٍ أَم عَلىٰ يُسرٍ!٣

  • أي: أفضل الناس وأفضل أفراد أمّتي هو ذلك الشخص الذي يعشق العبادة؛ ليس فقط يحبّ العبادة، بل يعشقها!

  • وقد استعمل النبيّ الأكرم بنفسه لفظ «العشق» في هذه الأحاديث.٤

  • حقيقة عبادة الله تعال

  • العبادة تعني الاتّصال بالله تعالى؛ العبادة تعني مقام العبودية، وليس مجرّد أداء الصلاة؛ أي ألاّ تخرج هذه المسألة ـ من جهة الاتّصال بالله تعالى ـ من ذهن الإنسان ولو للحظة واحدة، ولا تغيب فكرة هذه القضية عن باله ولو لبرهة، ولا تحلّ أفكار أخرى محلّ هذه الفكرة، بل تخطر هذه الفكرة في ذهنه دائمًا.

    1. سعدي، الجلستان (روضة الورد)، الباب الثاني في أخلاق الدراويش، الحكاية ٦.
    2. روضة الواعظين، ج ٢، ص ٢۸٢، مع اختلاف يسير.
    3. الكافي، ج ٢، ص ۸٣؛ مشكاة الأنوار، ص ۱۱٢؛ بحار الأنوار، ج ٦۷، ص ٢٥٣.
    4. لمزيد من الاطّلاع على الآيات والروايات الواردة في باب المحبّة والعشق لله تعالى، راجع: جامع السعادات، ج ٣، ص ۱٥۰ ـ ۱٥٦.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

10
  • وهذا نظير الأمّ التي مرض طفلها، وهو يوشك على مفارقة الحياة، فتحتضن هذا الطفل وتركض به من هنا إلى هناك، ومن شارع إلى آخر، باحثة عمّن يشفيه لها! فهل تُفكّر الأمّ في تلك اللحظة بالطعام؟ وهل تُفكّر في تلك اللحظة بالمنزل؟ وهل تُفكّر في شخص آخر أو مكان آخر؟ وهل تُفكّر في المسائل المتعلّقة بالمنزل وما شابه ذلك؟ هل كُنِسَ المنزلُ اليوم أم لا، وهل غُسلت الأواني أم لم تُغسل؟! كلاّ، بل تتوجّه كل أفكار هذه الأمّ في تلك اللحظة نحو هذه القضيّة فقط: وهي أن تصل بهذا الطفل في أسرع وقت ممكن إلى مكان يجد فيه الشفاء والصحّة!

  • يقول النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم [ما معناه]: أفضل الناس، هو ذلك الشخص الذي رسّخ الارتباطَ بالله تعالى في نفسه إلى حدّ أنّه لا يتركه وشأنه ولو للحظة واحدة، «فَباشَرَها بِجَسَدهِ»؛ أي أنّه في هذه الحالة، يسحب معه جسده أيضًا وراء هذه القضيّة!

  • أينما احتمل أنّ أمره سيُقضى يذهب إلى هناك، وأينما احتمل أنّ حاجته ستُقضى يسافر إلى هناك، وأيّ عمل يحتمل أن يُحقّق له هذا الأمر يقوم به حتّى تتجسّد هذه القضيّة في وجوده. أمّا إذا لم نكن كذلك، وتعاملنا مع هذا الأمر كتعاملنا مع بقيّة الأمور والمسائل الأخرى التي نلتفت إليها في حياتنا اليوميّة، فلن نصل إلى هذا المقام؛ بل إنّنا نتقدّم ونسبق البقيّة بمقدار ما نوليه من اهتمام لهذه المسألة.

  • فالشخص الذي يكون في مثل هذه المكانة: «فَهُوَ لا يُبالي على ما أصبَحَ، على عُسرٍ أم على يُسرٍ»؛ أي لا يفرق معه كيف تمضي أيامه؛ وسواء مرّت أموره اليوميّة بصعوبة أم بسهولة.

  • إذ لم يعُد يلتفت إلى شيء في مجرى الأمور اليوميّة، بل يُوجّه فكره دائمًا إلى تلك الوجهة.

  • هر کجا یوسف‌رخی باشد چو ماه***هست جنّت، گرچه باشد قعر چاه۱
  • يقول: 

  • أينما كان ذو وجهٍ يوسفيّ مُشرقٍ كالقمر، فتلك هي الجنّةُ وإن كانت في قعرِ البئرِ 

  • عندما يتّصل الإنسان بالله تعالى، تغمر نفسه لذّة من هذا الارتباط تجعل جميع لذّات الدنيا لا تُساوي شيئًا أمامها!

    1. المثنويّ المعنويّ، الكتاب الثالث.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

11
  • خطاب الإمام عليّ عليه السلام للمشركين المهاجمين في «ليلة المبيت»

  • حينما جاء الكفّار، وواجهوا أمير المؤمنين عليه السلام، قالوا لبعضهم البعض: «لنقتل عليًّا بدلاً من النبي!»، فبما أنّه ليس موجودًا بنفسه، وقد أجلس هذا مكانه؛ حسنًا، فلنقضِ عليه إذن!

  • فقال أمير المؤمنين عليه السلام [ما مفاده]: ما الذي تظنّونه؟! لقد منحني الله قوّةً لو قُسمت على جميع ضعفاء العالم لأصبحوا كلّهم من الأقوياء! ولقد منحني الله علمًا لو قُسم بعضُه على جميع جهّال العالم لأصبحوا كلّهم من العلماء! ولقد منحني الله حِلمًا لو قُسم بعضه على جميع المستضعفين في العالم لأصبحوا كلّهم من الحلماء! أتريدون أن تقضوا عليّ؟! أتخيفونني وتريدون أن تشعروني بالضعف؟! أين الضعف منّي، وما هذا الكلام؟!۱ 

  • «فَهُوَ لا يُبالي على ما أصبَحَ مِنَ الدنيا، على عُسرٍ أم على يُسرٍ»؛ إنّه لم يعد خائفًا! ولذلك، في مثل هذا الوضع والمكانة، فإنّ إبداء الرأي في هذه المسألة هو من أكبر الأخطاء. فهذا الأمر يجب أن يتحدّث فيه مَن طوى السير الباطنيّ والسير المعنويّ في جميع المقامات؛ فهو وحده من يُمكنه إبداء الرأي، وإلاّ، فلا يُمكن لأحد غيره أن يفعل ذلك.

  • أبيات المرحوم صدر المتألّهين حول العشق لله تعالى

  • للمرحوم صدر المتألّهين أشعار يقول فيها:

  • مذاهبُ شَتّى لِلمُحبّينَ في الهَوى***ولي مَذهبٌ فَردٌ أدينُ بهِ٢ وَحدِي
  • إنّي عَشِقتُ وما في العِشقِ مِن بَأسِ***ما أطيَبَ العشقَ لولا شَنعَةُ النّاسِ!
  • ما لي وللنّاسِ، كَم يُؤذونَني سَفَهًا!***ديني لِنَفـسي وديـنُ النّاسِ للنّـاسِ٣
  • يقول:

  • للمُحِبّين مذاهبُ مختلفة، وكلّ امرئٍ يسير في طريقٍ ووجهةٍ تبعًا لهواه وإحساساته؛ أمّا أنا، فلي مذهبٌ يخصّني وحدي! من بين هؤلاء المُحبّين ذوي المذاهب المختلفة، اخترتُ لنفسي مذهب العشق؛ إلّا أنّ الآخرين يُزعجونني، ولا يتركونني أمضي قُدُمًا في مذهبي ومسلكي هذا!.

  • يقول: إنّ لي محبّة الله استحوذت على كياني بحيث لم تترك في وجودي متّسعًا لغيره!

  • وبعد أن يبحث في مسألة العشق، ويُثبت أنّ «العشق حقيقةٌ واقعيّة وواقعٌ حقيقيّ»، يقول: «من بين جميع هذه المذاهب، اخترتُ لنفسي هذا المنهج وهذا المسلك؛ ولهذا، لا تشغلني أيّة مسألةٍ ولا أيّ مطلبٍ آخر، فالقضيّة محصورةٌ في هذا الأمر فحسب!»

    1. التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام، ص ٤٦٩.
    2. خ ل: أعيش به.
    3. رساله سه اصل (رسالة الأصول الثلاثة)، صدر المتألّهين، ج ۱، ص ٥.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

12
  • إثبات العشق لله تعالى من خلال قاعدة «إمكان الأشرف»

  • بعبارةٍ أخرى، إذا أردنا أن نتحدّث حول هذه المسألة بطريقةٍ علميّةٍ وفنّية، يُمكن تناولها على النحو التالي:

  • هناك قاعدةٌ متداولة بين طلبة العلوم الدينيّة وأهل العلم تُسمّى بـ «قاعدة إمكان الأشرف».۱ على سبيل المثال: إذا كان لديك حركةٌ بطيئةٌ في هذا العالم، فإنّ قاعدة إمكان الأشرف تقتضي وجود حركةٍ أسرع منها؛ لتصل في النهاية إلى «الحركة المطلقة» التي لا توجد بعدها أيّة حركة؛ وكما يُفترض في النظريّات الفيزيائيّة الحديثة، تتحوّل المادّة إلى طاقة بحيث لا يتبقّى حينها أيّة حركة.

  • أو لنفترض أنّنا تصوّرنا في هذه الدنيا علمًا جزئيًّا؛ كأن يكون شخصٌ قد درس في تخصّصٍ ما لمدّة سنةٍ واحدة، فإنّ قاعدة إمكان الأشرف تقتضي وجود دراسةٍ لسنتين أو ثلاث سنوات تفوق تلك السنة؛ وصولاً إلى مرحلة «الإطلاق» في هذا العلم، بحيث لا يكون هناك أيّ علمٍ أرقى وأعلى منه متحقّقًا في الوجود.

  • وهكذا الحال في الجمال؛ فإذا كان هناك شيءٌ جميل، فإنّ لهذا الجمال مراتب، حتّى يصل إلى مرتبة «الجمال المطلق»، وهو المتمثّل في جمال الله تعالى.

  • فقاعدة إمكان الأشرف تقتضي تحقّق حالة «الإطلاق» لتلك الصفة في الواقع وفي نفس الأمر؛ وأمّا مسألة وجود شخصٍ متّصفٍ بذلك في هذه الدنيا من عدمه، فتلك مسألةٌ أخرى.

  • الآيات والروايات في باب العشق لله تعالى

  • حديثنا الآن في المسألة التالية: توجد لدينا آية قرآنيّة جاء فيها: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾٢ كما أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «وَاجعَل لِسانِي بِذِكرِكَ لَهِجًا وَقَلبِي بِحُبِّكَ مُتَيَّمًا»٣ ونحن قد أقررنا أصل المحبّة، وهذه المحبّة عبارة عن رفع الإثنينيّة بين شيئين؛ لأنّ الإنسان عندما تنشأ لديه محبّةٌ تجاه محبوب ما، فإنّه يضع جانبًا آثاره الوجوديّة التي تفصله عن هذا المحبوب؛ فما يجده بينه وبين ذلك المحبوب هو فقط نفسُ وجود المحبوب ونفسُ وجوده هو؛ وأمّا آثار الكثرة التي تتسبّب في البينونة والاختلاف بينه وبين المحبوب، فإنّها تزول شيئًا فشيئًا.٤

  • فإذا كنتَ تحبّ شخصًا، وكانت هذه المحبّة في مرحلةٍ جزئيّة، فإنّك ستُفكّر مع نفسك: ما هي الخصائص التي يمتلكها هو، وما هي الخصائص التي أمتلكها أنا؟ وبالنظر إلى خصائص كليكما، تنشأ محبّة. حينئذ، إذا زادت هذه المحبّة، فإنّك تقوم تدريجيًّا بتقليل مميّزاتك ومميّزاته، بحيث لا تعود مسألة "أنّني أملك المال وهو لا يملكه" تبدو مهمّة في نظرك؛ وكذلك مسألة "أنّني أمتلك العلم وهو لا يمتلك"؛ فهذا العلم لا يتسبّب في إحداث مسافة بينك وبين المحبوب. وهكذا، كلّما زادت هذه المحبة، فإنّ آثار الكثرة الوجوديّة للإنسان ـ والتي تعود إلى تقيّده في هذا العالم ـ تتنحّى جانبًا شيئًا فشيئًا. وفي نهاية المطاف، الشيء الوحيد الذي يتبقّى هو نفس وجود هذا ووجود ذاك؛ وهذه المرتبة هنا هي عبارة عن الغاية في مرتبة العشق والمحبة!

    1. راجع: الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، ج ۷، ص ٢٤٤ ـ ٢٥۸.
    2. سورة البقرة، الآية ۱٦٥.
    3. مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ۸٥۰، مقطع من دعاء كميل.
    4. توحيد علمي وعيني (فارسي)، ص ۱٩۱، الهامش ٣:
      «بناءً على مفاد الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ (البقرة، الآية ۱٦٥)، فإنَّ العشقَ والتَّيْمَ وفرطَ المحبّةِ يُوصِلُ الإنسانَ إلى اللهِ تعالى. ومن لوازم هذه المحبّة أن يُسلِّم الإنسانُ إرادتَه واختيارَه واستقلالَه للهِ عزَّ وجلَّ؛ فيندرجَ تحت رعايته التامّة وولايته المطلقة؛ كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران، الآية ٦۸)، وقال جلَّ شأنه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة، الآية ٢٥۷).
      وعند هذه المرتبة، تتحقّق له حقيقة التوحيد؛ فيرى نفسَه فانيًا فناءً محضًا في البحرِ اللامتناهي لحياة الحضرة الأحديّة وقدرتها وعلمها ونورها، ويشهد ذاتَه وسائرَ الموجودات ممحوّةً ومضمحلّةً وفانيةً في عظمته جلّ جلاله، ويُعاين الأشياءَ كلَّها ذات وجودٍ مجازيٍّ ومُستعارٍ، بحيث يكون انبساط وجود الحقّ قد استوعب ما سواه كلّه، ولا تكون ثَمّة ذرّة بعيدة عن إشراق شمس الحقيقة تلك، بل تكون هناك ذات بَحتة بسيطة، مُدركة، شاعرة، عالمة، حكيمة، قادرة، وحيّة؛ هي التي أحاطت بأرجاء الوجود كافّةً، وبصرح عالَم الكائنات؛ وهذه هي حقيقة مقام الولاية المُلازم لمقام التوحيد. يقول الراغب الأصفهاني في مفرداته: "الوَلَايَةُ: حُصُولُ الشَّيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، حُصُولاً لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا"».

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

13
  • فناء المحبّ في المحبوب، المرحلة الأخيرة من العشق

  • أعلى من هذه المرتبة، توجد مرتبة أخرى، وبناءً على قاعدة (إمكان الأشرف)، فإنّ حقيقة العشق والكمال النهائيّ لهذا العشق يتحقّقان في تلك المرتبة، وهي: أن يزول وجوده (أي المُحبّ) أيضًا بالكامل، ولا يعود يرى سوى المحبوب وكفى! هذه تصبح المرتبة الأخيرة للمحبّة!

  • وحينئذ، إذا قبلنا بالمحبّة في مرتبةٍ ما، فلماذا لا يجب أن نقبل بالمرتبة الأعلى وما فوقها؟! فالاشتداد الموجود في آية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾، في أيّة مرتبة يجب أن يكون؟ هل يجب علينا أن نُحبّ الله فقط بهذا القدر وفي هذه المرحلة: أنّه خلقنا، وفي مقابل الأعمال التي نقوم بها سيمنحنا الثواب هناك؟! هل إذا صعد الشخص بقدمه درجةً ورتبةً أعلى، يكون ذلك خطًا؟ الأمر ليس كذلك!

  • هل ينبغي علينا أن نُحبّ الله تعالى بهذا المقدار، ونتعلّق به بهذا المقدار، بحيث نُطالبه في ذلك العالم (الآخرة) بناءً على ما أعطانا إيّاه؟ أم لا، بل نرتفع أعلى من هذا، ونضع آثارنا الوجوديّة جانبًا؟! وبما أنّه جلّ وعلا مبدأ كلّ الحقائق ومنشأ كلّ الواقعيّات، ومبدأ الفيض والجمال والكمال والعلم، فلماذا لا يصل الإنسان ـ من حيث الاشتداد في الوجود والمحبّة ـ إلى مقامٍ بحيث لا يتبقّى منه أيّ وجود لنفسه، بل يفنى ويندكّ في وجود المبدأ الأعلى؟! لماذا يكون الوصول إلى ذلك المبدأ خطًا، ولكنّ قبول تلك المرتبة الدُنيا يكون صحيحًا؟! ولهذا، فإنّ الله تعالى يقول في القرآن الكريم:

  • ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾؛ أيّ أنّ الذين آمنوا، حبُّهم لله أكثر من أيّ شيء!

  • يُرجّحون حبّ الله على كلّ شيء، بل يُرجّحون حبّ الله حتّى على أنفسهم! وهذا هو مقام الفناء ومقام العشق! فهل هو شيءٌ غير هذا؟!

  • كان المرحوم القاضي قد علّم هذا الدعاء للمرحوم الشيخ عبّاس القوجاني: اللَهمَّ ارزُقني حُبَّكَ، وحُبَّ ما تُحِبُّهُ، وحُبَّ مَن يُحِبُّكَ، والعَمَلَ الّذي يُبَلِّغُني إلى حُبِّكَ، وَاجعَل حُبَّكَ أحَبَّ الأشياءِ إلَيّ!۱

  • بمعنى: اجعل حُبّك هو أحبّ الأشياء عندي، وأيّ شيء أحبّه أنا، فلتكن محبّتك فوقه! ومن جملة الأشياء التي أُحبّها، هي آثاري الوجوديّة نفسها! ففي هذا الدعاء، يُخاطب النبيّ الأكرم ربّه قائلاً: «يا ربّ، اجعل محبّتك بديلاً حتّى عن محبّتي لنفسي!» هذه هي نفس المحبّة التي يمتلكها أمير المؤمنين عليه السلام!

    1. بحر المعارف، ج ٢، ص ٣٥۱؛ مطلع أنوار (فارسيّ)، ج ٢، ص ۱۱٣؛ معرفة الله، ج ۱، ص ٢٢٦، الهامش ٢.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

14
  • الاختلاف في السير والسلوك بين طريق أداء الوظيفة وتحمّل المشقة وطريق المحبّة والعشق لله

  • ولذلك، فإنّ الحركة نحو الكمال وسير وسلوك العبد نحو الله، يتمّ عبر طريقين:

  • الطريق الأوّل: طريق أداء الوظيفة، والتكليف، والمجاهدة، والمكابدة، والرياضة، وتحمّل المشقّة؛ هذا الطريق هو طريقٌ يجب على الإنسان فيه أن يتحمّل، وأن يُؤدّي الأعمال، وأن يُكابد الصعاب، وأن يجعل وجوده لطيفًا وخفيفًا بواسطة تحمّل هذه الرياضات، ويقضي بواسطة هذه الأمور على تلك الأنانيّة والذاتيّة والنفسانيّة التي تمنعه من الوصول إلى الكمال وتُعيقه عن إزالة الحُجُب. هذا طريق.

  • الطريق الثاني: هو طريقٌ لا نصب فيه، ولا رياضة، ولا مشقّة، ولا يتضمّن كلّ هذا التعنيف وإيجاد المتاعب للنفس؛ هذا الطريق، هو طريق المحبّة!

  • فإذا وصل السالك والعبد ـ بواسطة المحبّة والعشق للبارئ، وبواسطة تجلّي جذبات الله في وجوده ـ إلى نقطةٍ لا يعود يرى فيها أيّ وجود لنفسه، فإنّه ـ شاء أم أبى ودون أن يقصد أو لا يقصد ـ سيقطع هذا الطريق؛ وفي هذه الحالة، لن يشعر بأيّة رياضة، ولن يُدرك أيّة مجاهدة، ولن يحسّ في نفسه بأيّ تعب. هذا ما يُسمّونه: طريق العشق والمحبّة؛ وهذا يُصبح "الطريق المختصر"، وهذا يُصبح "أقصر مسافة" بين حركة الإنسان ووصوله إلى المبدأ. فالآن، أيّهما أفضل؟! ولهذا، كان المرحوم السيّد الحدّاد يقول:

  • اطلبوا من الله أن يرزقكم العشق! العشق شيءٌ عظيم، اطلبوا من الله أن يجعل لكم هذا الطريق!

  • وحينها، لن تشعروا هناك بأيّ تعب، ولا بأيّة مشقّة، ولن تشعروا حتّى بأنّكم تقطعون طريقًا؛ أبدًا أبدًا! شئتم أم أبيتم، ستقعون في مُنحدر وفي مسار مُعبّد يحركّونكم فيه ويدفعونكم دفعًا، بحيث مهما أردتم أن تكبحوا جماح أنفسكم، فلن تتوقّفوا! ستمضون وتصلون إلى هناك!

  • هذا هو الشيء الذي يمحو كلّ الآثار الوجوديّة للإنسان، ولا يُبقي له شيئًا من نفسه!

  • تفسير أبيات من المثنويّ المعنويّ في باب العشق لله تعالى

  • لنذهب إلى المثنوي، ونرَ ماذا يقول:

  • شاد باش ای عشق خوش سـودای ما***ای طبیب جملـه علّت‌های مـا
  • ای دوای نِخوَت و ناموس ما***ای تو افلاطون و جالینـوس ما۱
    1. المثنويّ المعنويّ، الكتاب الأوّل، ص ٦.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

15
  • يقول:

  • طِبتَ يَا عِشْقَنَا… يَا عَذْبَ الْوَلَهِ وَالْجُنُونِ، يَا طَبِيبًا شَافِيًا لِجَمِيعِ عِلَلِنَا وأسقامِنَا

  • يَا دَوَاءَ كِبْرِيائِنَا وَشرفنا، يَا مَنْ أَنْتَ لَنَا أَفْلَاطُونُ وَجَالِينُوسُ.

  • انتبهوا جيّدًا لهذا البيّت الثاني، فلنا شأنٌ معه! استحضِروا هذا البيت الثاني في أذهانكم دائمًا، وانظروا إلى ماذا يريد أن يقول:

  • عشق آن زنده گزین کو باقی است***کز شراب جان‌فزایت ساقی است
  • عشق آن بگزین که جملـه انبیـا***یافتند از عشق او کار و کیا
  • تو مگـو ما را بدان شه بار نیست***با کریمان کارهـا دشوار نیست
  • يقول: 

  • فَاخْتَرْ عِشْقَ ذَلِكَ الْحَيِّ الَّذِي يَبْقَى، ذَاكَ الَّذِي يَسْقِيكَ مِنْ مُدَامَةٍ تُحْيِي النُّفُوسَ

  • وَاصْطَفِ عِشْقَ مَنْ نَالَ كُلُّ الأَنْبِيَاء، بِفَضْلِ عِشْقِهِ… الرِّفْعَةَ وَالسُّؤْدَدَ وَالْمَقَامَ

  • وَلَا تَقُلْ: “أَنَّى لَنَا الْوُصُولُ إِلَى حَضْرَةِ ذَلِكَ الْمَلِكِ؟”، فَمَعَ الْكِرَامِ… لَا تَكُونُ الأُمُورُ عَسِيرَةً.۱

  • عشق الله وحده هو الحيّ؛ والبقيّة كلهم أموات، يبقون لبضعة أيّام ثمّ يرحلون! هؤلاء كلّهم مظاهر، والمظهر الذي يفنى بعد يومين أو ثلاثة؛ هو في الحقيقة ميّتٌ حتّى في زمن حياته ولا دوام له!

  • شاد باش ای عشق خوش سـودای ما***ای طبیب جملـه علّت‌های مـا
  • يقول: 

  • طِبتَ يَا عِشْقَنَا… يَا عَذْبَ الْوَلَهِ وَالْجُنُونِ، يَا طَبِيبًا شَافِيًا لِجَمِيعِ عِلَلِنَا وأسقامِنَا

  • أيّ مرضٍ موجود في وجودنا، يزول بهذا العشق! فتزول جميع الأمراض؛ يزول حبّ الجاه، يزول حبّ المقام، يزول حبّ النفس، يزول حبّ الزوجة والولد، يزول حبّ الرئاسة، يزول حبّ الدنيا؛ يزول كلّه، ويحرق كل هذه الأشياء ويذرّيها في الرياح!

  • «يَا دَوَاءَ كِبْرِيائِنَا وَشرفنا»؛ هنا تكمن العقدة التي ابتلينا بها جميعًا!

  • فالعشق دواء لأمرين:

  • الأوّل: دواء لأمور الدنيا؛ الأنانيّة، التكبّر، و … .

  • الثاني: دواء للدين؛ ذاك الدين المزيّف الذي يُعشّش في رؤوسنا، وتلك الشريعة الخاطئة والمقلوبة التي اعتقدنا بها.

  • عندما يأتي العشق، يمحو كلّ الآثار الدنيويّة الذميمة! وذلك السيّد الذي كان يمتلك حتّى اليوم هذا المقام وتلك البرامج، يترك المال والجاه والرئاسة جانبًا، ويرتدي قميصًا وسروالاً، ويمشي في الشوارع، ويضحك في وجوه الناس جميعًا!

  • كلام مجنون ليلى في جواب طلب أقاربه لترك عشقها

  • قال المحيطون بالمجنون: هذا الرجل لا يصلُح حالُه، فلنأخذه إلى مكّة على الأقلّ؛ لأنّه يُقال: من تمسّك هناك بأستار الكعبة ودعا، استجاب الله دعاءه! ولهذا، أخذوا المسكين من تلك الحال وذلك الوضع، وجاؤوا به إلى مكّة. قالوا للمجنون: «ادعُ! ادعُ الله أن يُخرج محبّة ليلى من قلبك!» فقال: «إلهي، زدني حبًّا لها!».

    1. المصدر نفسه، ص ۱٤.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

16
  • ومهما كانوا يقولون له، كان يضحك عليهم، ويقول: «أيّها الجهلة، ماذا تدركون أنتم أصلاً ممّا يمرّ بي الآن؟!».۱

  • «يَا دَوَاءَ كِبْرِيائِنا وَشرفنا»: الشرف هو الدين؛ أي أنّ ما نتصوّره في أذهاننا دينًا، يأتي العشق ويمحو كلّ تلك التصوّرات!

  • تضحية الإمام الحسين عليه السلام العاشقة بكلّ التعلّقات في يوم عاشوراء

  • وهذا هو العمل الذي قام به الإمام الحسين! ماذا فعل الإمام الحسين؟ ألم يُسلّم نساءه وأطفاله للأسر؟! ألم يكن يعلم أنّهم سينظرون إلى وجوه نسائه وأطفاله؟! ألم يكن يعلم أنّ الناس سيرون السيّدة زينب عليها السلام بلا خمار؟! هذا أمر يسهل قوله باللسان فقط! هل كان يعلم بكلّ هذا أم لا؟ كان يعلم بكلّ شيء!

  • الأسر لا يتحمّل هذا الكلام؛ ولكن، يا حسين، أنت أيضًا الذي تُريد أن تأتي إلينا، [اعلم أنّ طريقنا] لا يتحّمل هذا الكلام [وهذه الحسابات الدنيويّة]! هذه هي القضيّة!

  • فالقتل ليس بشيء مهمّ، ونحن نقبل أن تُقتل. حسنًا جدًا، تعال! ستُقدّم ولدك أيضًا، وتُقدّم أطفالك أيضًا؛ ستقدمهم جميعًا، وكلّ ما يتعلّق بالدنيا ستُقدّمه؛ ولكن يبقى شيء آخر، وهو شرفك؛ فهل ستُقدّمه هو أيضًا أم لا؟ نعم، سأُقدّمه!

  • «يا دواءَ كبريائنا وشرفنا»؛ يأتي العشق فيقضي على هذين الأمرين!

  • احتفظوا بهذا البيت الشعريّ في أذهانكم دائمًا، فإنّه يفعل الكثير من الأمور، وردّدوه مع أنفسكم دائمًا، وانظروا ماذا سيفعل!

  • حضور أمير المؤمنين في كربلاء وكلامه عن الشهداء العشّاق

  • خرج أمير المؤمنين عليه السلام من الكوفة مع بضعة نفر من أصحابه، وساروا حتّى وصلوا إلى كربلاء ونينوى، فالتفت إليهم، وقال [ما معناه]: هل تدرون أيّ أرض هذه؟ هذه أرضٌ استُشهد فيها مئتا نبيّ ومئتا سبط نبيّ!

  • ولكن، دعوا كل هذا جانبًا! ما أريد أن أقوله هو هذا: وَمُناخُ رِكابٍ، ومَصارِعُ عُشّاقٍ، شُهَداء لا يَسبِقُهُم مَن كانَ قَبلَهُم، ولا يَلحَقُهُم مَن بَعدَهُم!٢

  • هذا ما يريد أمير المؤمنين أن يقوله؛ وهو أنّ هذا المكان هو موضع شهادة ومصرع عشّاقٍ لا يصل أولئك الأنبياء إلى غبارهم! في البداية يقول: لا يَسبِقُهُم مَن كانَ قَبلَهُم، ولا يَلحَقُهُم مَن بَعدَهُم!

  • أي: لم يبلغ منزلتهم أحد ممّن كان قبلهم! (لأنّ مجموعة من الأنبياء قُتلوا هنا!)؛ وأولئك الذين سيأتون لاحقًا، لن يبلغوا منزلتهم أيضًا! هؤلاء كانوا عاشقين!

    1. كلّيات نظامي الخمسة، فصل ليلى والمجنون، الفصل ۱٦: اصطحاب الأبُ المجنونَ إلى الكعبة.
    2. كامل الزيارات، ص ٢۷۰؛ الخرائج والجرائح، ج ۱، ص ۱۸٣؛ بحار الأنوار، ج ٤۱، ص ٢٩٥.

حقيقة الفناء في المحبوب وتجلّي العشق الإلهيّ في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام - نقض إنكار المحدّث النوريّ لمقام العشق وفلسفة قاعدة الإمكان الأشرف في السير والسلوك

17
  • يقول ابن عبّاس [ما مضمونه]: كنّا في طريق العودة من صفّين، وجئنا مع أمير المؤمنين عليه السلام حتّى وصلنا إلى نينوى (كربلاء)، فتوقّف الجيش هناك للاستراحة. كنتُ برفقة الإمام؛ وبينما كنتُ أسير، رأيتُ فجأة أنّه عليه السلام قد أطلق أنّة في ذلك المكان، وبدأ في البكاء! فقلت: يا أمير المؤمنين، لِمَ تبكي؟

  • فقال عليه السلام: «لو كنتَ تعلم ما أعلم، لبكيتَ أنت أيضًا!»

  • ثمّ دخل أمير المؤمنين الخيمة واستراح؛ وفجأة نهض، وشرع في البكاء وقال: «يا ابن عبّاس، أتدري ماذا رأيتُ الآن؟ رأيتُ فرسانًا ينزلون من السماء ومعهم رماح، وقد خطّوا خطًّا حول هذا الميدان؛ وفي هذه الأثناء، غرق كلّ هذا الميدان وهذا الوادي في الدم، وأشجار النخيل تُقتلع من جذورها واحدة تلو الأخرى وتسقط في هذه الدماء!

  • ورأيتُ غريبًا في هذا الميدان يغوص في بحر الدم هذا، وهو ينادي: "هَل مِن ناصِرٍ يَنصُرُني، هَل مِن ذابٍّ يَذُبُّ عَن حَرَمِ الرَّسولِ؟"؛ ولكن، لا أحد يُجيب نداءه!»

  • ثم أخذ عليه السلام يهمس مع نفسه قائلاً: «صَبرًا يا أبا عبد الله؛ اصبر فإن الله يمنح الصابرين الأجر!».۱

  • وَسَيَعلَمُ الّذينَ ظَلَموا آلَ محمَّدٍ أيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبونَ، ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.٢

  • بِاسمِكَ اللهمّ ونَدعوكَ، ونُقسِمُ عليك ونَرجوك، بحَقِّ محمَّدٍ وأهلِ بَيتِهِ الأطهار، يا الله يا الله…

  •  

  • والحمد لله ربّ العالمين

    1. راجع: الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٥٩۷.
    2. سورة البقرة، الآية ۱٥٦.