17

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم

أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

3
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةمحطات من السيرة النبويّة

التاريخ 1415/02/02


التوضيح

لماذا يجب علينا معرفة الإمام الواقعيّ لا الإمام الخياليّ الذي ترسمه لنا الإحساسات؟ هل يُعدّ كتمان بعض الوقائع التاريخيّة صيانةً لعقائد الناس أم خيانةً عظمى للحقيقة؟ وكيف نُفرّق بين سيرة المعصوم التي تُمثّل سُنّة يجب اتباعها وبين أفعاله الشخصيّة أو الظرفيّة؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً أنّ قوام الشريعة هو اليقين لا الظنّ، ومستعرضةً نماذج من ثبات أصحاب الإمام الحسين عليه السلام الذين وصلوا إلى أعلى مراتب الشهود واليقين في كربلاء.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم

  • "أمانة المؤرّخ" وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

  •  

  • مباني الإسلام ـ محطّات من السيرة النبويّة ـ الجلسة السابعة عشرة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

  • .

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ من الشّيطانِ الرّجيمِ

  • بسمِ اللهِ الرّحمٰنِ الرّحيمِ

  • الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ، ثمّ الصّلاةُ والسّلامُ علىٰ سيّدِنا ونبيِّنا 

  • وحبيبِ قلوبِنا وطبيبِ نفوسِنا أبي القاسمِ المصطفىٰ مُحمّدٍ

  • وعلىٰ آله الطيّبين الطاهرين المعصومين المكرّمين

  • واللّعنةُ علىٰ أعدائهم أجمعينَ.

  •  

  •  

  • أهميّة الاطّلاع على سيرة النبيّ والأئمّة عليهم السلام ومنهجهم

  • قال الله تعالى في كتابه الكريم:

  • ﴿لَّقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ ٱللَهِ أُسوَةٌ حَسَنَةً لِّمَن كَانَ يَرجُواْ ٱللَهَ وَٱليَومَ ٱلأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَهَ كَثِيرًا﴾.۱

  • جرى الحديث باختصار في العام الماضي ـ عند ذكر تاريخ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله ـ عن السيرة والسنّة، وطُرحت مسائل حول الحالات التي يجب علينا فيها أن نتّبع قول أو فعل رسول الله وأئمّة الهدى عليهم السلام والأولياء بشكل عامّ، والحالات التي لا ينبغي فيها ذلك؛٢ ولكن، بسبب ضيق الوقت وانتهاء أيّام إقامة المجالس، بقيت تلك المسائل غير مكتملة. وقد أثار هذا بطبيعة الحال شبهات في أذهان الرفقاء، وطُرحت تساؤلات وإشكالات. لذا، رأيتُ من المناسب في هذه الأيّام، وبمقدار ما يُحالفنا التوفيق، أن أطرح على مسامعكم بعض الأمور بخصوص هذه المسألة.

  • وقبل الشروع في هذا البحث، أرى من الضروريّ التنبيه على المسألة التالية: إنّ اطّلاعنا على سيرة الأئمّة عليهم السلام ومنهجهم هو من أهمّ المسائل وأكثرها ضرورةً ممّا يجب علينا متابعته؛ وتُعدّ هذه القضيّة، لا سيّما لطبقة أهل العلم والإخوان المشتغلين (في الحوزة)، القضيّة الأكثر حيويّة في مسارهم العلميّ.

  • لزوم بيان الحقائق وحرمة كتمان الوقائع التاريخيّة المُسلّمة

  • لقد بيّنتُ سابقًا مسألةً، ولا أرى مانعًا من التذكير بها هنا مرّة أخرى:

  • بالنظر إلى الأمور التي سمعتُها شخصيًّا عن تفاصيل حياة أحد الأشخاص، والانطباع الذي تشكّل في ذهني بناءً على تلك الأمور، ارتسمت في مخيّلتي صورةٌ عن شخصيّته وشاكلته؛ وبناءً على ذلك، حدّدتُ أفكاري ومبادئي الاعتقاديّة تجاهه. وبعد مرور سنوات، وبمناسبة ما، سمعتُ يومًا من أحد الأشخاص أمرًا هدّم كلّ صرح تصوّراتي الذهنيّة، وغيّر رؤيتي تجاهه. وكنتُ أتساءل في نفسي: لماذا لا تُطرح كلّ حقيقة؟ ولماذا يجب أن نعيش سنوات طوالاً في ظلّ معتقد غير حقيقيّ؟! وإذا لم تُطرح هذه المسائل معنا نحن المُشتغلين بهذه الأمور، ففي أيّ مجال وفي أيّ مورد يجب أن تتّضح هذه الحقائق؟!

    1. سورة الأحزاب، الآية ٢۱.
    2. راجع: مباني الإسلام، محطّات من السيرة النبويّة، المحاضرة ۱۰.

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

3
  • وبالمناسبة، عندما تطرّقت في العام الماضي إلى السيرة الظاهريّة للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، وصل الحديث إلى بيان الملامح الظاهريّة له، حيث كان يمتلك شعرًا طويلاً ينسدل على كتفيه؛۱ كما بُيّنت بعض الحالات والأطوار الأخرى له صلّى الله عليه وآله.٢ وقد بدت هذه المسألة مستبعدةً وغريبةً بعض الشيء لدى العديد من الرفقاء؛ ولكن، بما أنّ منهجي كان مبنيًّا على بيان السيرة، لم أكن أستطيع التغاضي عمّا رأيته أو إخفاءه؛ ولهذا واجهني هذا الاعتراض: «لا يُمكن قول كلّ شيء، ولا يُمكن تصديق كلّ ما يُسمع!». ولكنّ هذه المسألة لم تكن مقبولة لديّ.

  • إذا كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله يمتلك شعرًا طويلاً، فلماذا لا ينبغي لنا أن نطّلع على هذه المسألة؟! وإذا كان منهج النبيّ الأكرم والأئمّة عليهم السلام وسيرته على نحو معيّن، فلماذا يطّلع عليها الناس في ذلك الزمان ولا نطّلع نحن عليها؟! ألسنا من شيعتهم؟! فما الفرق بيننا وبينهم؟! انتبهوا جيّدًا! القضيّة إمّا أن تكون كذبًا أو صدقًا؛ فإن كانت صدقًا، فلماذا لا نعلم بها؟ وإن كانت كذبًا، فالتاريخ سيُبيّن ذلك. إنّ بيان هذه المسألة لم يكن إفشاءً لعمل باطنيّ وخفيّ، بل كان يتعلّق بشكل وملامح أولئك العظماء على نحوٍ ظاهرٍ، وبمرأى ومسمع من الجميع.

  • كما هو الحال في الخبر الذي نقلتُه قبل مدّة في يوم شهادة الإمام السجّاد عليه السلام، حيث يقول الأصمعيّ:

  • كنتُ أطوف حول الكعبة المشرّفة في منتصف الليل، فسمعتُ صوت أنين. فاقتربتُ، ورأيتُ شابًّا قد وضع رأسه على أستار الكعبة، وتعلّق بها بيديه، وهو يُناجي الله تعالى. فرأيتُ شعره منسدلاً على كتفيه … .٣

  • حسنًا، لقد كان هذا الإمام السجّاد عليه السلام! وقد حدثت هذه الواقعة في فترة شبابه عليه السلام، وليس في شيخوخته!

  • وفي أحداث كربلاء، يقول حميد بن مسلم، المؤرّخ المعروف لتاريخ كربلاء: رأيتُ شابًّا كأنّه فلقة قمر قد نزل إلى ساحة الميدان، فجذب إليه أنظار الجميع، ولم يتجرّأ أحد على الاقتراب منه! وعندما أمعنتُ النظر، تبيّن لي أنّه عليّ الأكبر عليه السلام، وكان شعره بارزًا من تحت خوذته.٤

    1. مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ۱، ص ۱٥۸؛ الأمالي، الشيخ الطوسيّ، ص ٣٤۰.
    2. راجع: مباني الإسلام، محطّات من السيرة النبويّة، المحاضرة ۱٣.
    3. مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ٤، ص ۱٥۰:«[قال] الأصمَعي: كنتُ أطوفُ حَولَ الكعبةِ لَيلةً فَإذا شابٌّ ظَريفُ الشّمائلِ وعليهِ ذُؤابَتانِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأستارِ الكعبةِ ويقولُ: "نامَتِ العُيونُ وعَلَتِ النُّجومُ، وأنتَ المَلِك الحَي القَيومُ! غَلَّقَتِ المُلوك أبوابَها وأقامَت عَلَيها حُرّاسَها، وبابُك مَفتوحٌ لِلسّائِلينَ؛ جِئتُك لِتَنظُرَ إلَي بِرَحمَتِك يا أرحَمَ الرّاحِمينَ!" ثمّ أنشَأ يقولُ‌:
      "يا مَن يجيبُ دُعَا المُضطَرِّ في الظُّلَمِ***يا كاشِفَ الضُّـرِّ والبَلوَى مَعَ السَّقَمِ‌
      قد نامَ وَفدُك حَولَ البَيتِ قاطِبةً***وأنتَ وَحدَك يا قَيّومُ لم تَنَمِ‌
      أدعوك رَبِّ دُعاءً قد أمَرتَ بِهِ***فارحَم بُكائي بِحَقِّ البَيتِ والحَرَمِ‌
      إن كان عَفوُك لا يرجوهُ ذو سَرَفٍ***فَمَن يجودُ عَلَى العاصينَ بِالنِّعَمِ"
      قال: فَاقتَفَيتُهُ فَإذا هو زَينُ‌ العابدينَ عليه السّلام».
    4. راجع: روضة الشهداء، ص ٤۱٩.

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

4
  • فلماذا لا ينبغي أن تُذكر واقعة تاريخيّة؟! وما هو الدليل على ذلك؟!

  • النقل الانتقائيّ للوقائع التاريخيّة، أكبر خيانة يرتكبها المُؤرّخ

  • قبل أيّام، كنتُ أطالع الجزء الخامس عشر من كتاب «معرفة الإمام» للوالد العلاّمة [الطهرانيّ] سلّمه الله تعالى؛۱ وبالمناسبة، واجهتُ هذه القضيّة، فرأيتُ أنّه من المناسب أن أنقل المسألة التالية عنه كمقدّمة للبدء في هذا البحث، حيث يتحدّث هناك عن تاريخ الأئمّة عليهم السلام وسيرتهم؛ ومن جملة ما قاله [ما مضمونه]: إنّ وظيفة الشيعيّ هي أن يعرف الإمام كما هو حقًّا، لا كما يُصوّرونه له! فلا ينبغي اتّباع إمام خياليّ، بل يجب اتّباع الإمام الواقعيّ. وإذا كنّا نُبرز أبعاد الإمام التي تُوافق هوانا، ونغضّ الطرف عن الكثير من الحقائق التي لها دخل مباشر في معرفة الإمام الواقعيّ، فإنّنا نكون بذلك متّبعين لإمام خياليّ ومفترض ومُصطنع.

  • ثمّ يقول هناك [ما معناه]: يذكر المرحوم الجزائريّ، وهو أحد علماء طهران: «سافرتُ يومًا إلى الشام، وذهبتُ لزيارة المرحوم السيّد محسن الأمين العامليّ، واتّفق أن كان المرحوم الشيخ عبّاس القمّي، صاحب كتاب مفاتيح الجنان، حاضرًا هناك أيضًا. وفي غمرة الأحاديث التي دارت بينهما، وجّه المرحوم الشيخ عبّاس القمّي اعتراضًا للمرحوم السيّد محسن الأمين العامليّ قائلاً: «لماذا تنقلون كلّ أمر عن الإمام في كتبكم؟! فكثير من هذه الأمور لا تصبّ في المصلحة لكي تُبيّن للناس!».

  • فأجابه: «مثل ماذا؟».

  • فقال المرحوم الشيخ عبّاس القمّي: «مثلاً، لماذا ذكرتم قضيّة بيعة عليّ بن الحسين ليزيد في كتابكم؟!٢ فالناس لا يستسيغون هذا الأمر ولا يتقبّلونه، ولا يستطيعون استيعاب مسألة أن يُبايع الإمامُ يزيدًا!

  • فلا ينبغي ذكر كلّ شيء، وكما يُقال: "لكلّ مقام مقال".٣ إنّ للناس نظرة وصورة خاصّة عن الإمام، ولا ينبغي تغيير هذه النظرة وهذه الصورة. وإذا ذُكرت هذه الأمور في كتبنا، فإنّهم سيفقدون عقيدتهم الأوّلية ومبانيهم الفكريّة، ممّا يؤدّي إلى ضعف اعتقاداتهم».

  • فأجابه المرحوم السيّد محسن الأمين العامليّ: «لا أفهم لماذا يجب كتمان مسائل لها حقيقة تاريخيّة؟! في أيّ موضع ترون أنّه لا مصلحة في ذكره، أخبروني به لكيلا أذكره! أنا لا أفهم هذا؛ فما أراه مناسبًا أقوم ببيانه».٤

    1. أُلقيت هذه المحاضرة في زمان حياة العلاّمة الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة، فاقتضى التنويه. المترجم
    2. أعيان الشيعة، ج ۱، ص ٦٣۰ و٦٣۷.
    3. ديوان حافظ (بزمان)، الغزل ۱٤٩:
      با خرابات‌نشینان ز كرامات ملاف***هر سخن وقتیوهر نكته مكانی دارد
      يقول: لا تُباهِ بالكراماتِ عندَ أهلِ الخراباتِ؛ فإنّ لكل حديثٍ وقتَه، ولكلّ سرٍّ موضعَه.
    4. معرفة الإمام، ج ۱٥، ص ٢٥٥.

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

5
  • في اعتقادي، إنّ أكبر خيانة يرتكبها المُؤرّخ هي أن يُخفي الأبعاد الشخصيّة التاريخيّة لأحد الأفراد عن أنظار القرّاء بناءً على مصالح يُحدّدها هو بنفسه؛ فهذه من أعظم الخيانات!

  • لقد بيّنتُ سابقًا قبل أيّام۱ أنّه: لقد بايع الإمام السجّاد عليه السلام يزيد في المدينة، إلّا أنّ كتب التاريخ اختلفت في ذلك؛ فبعضها يقول: إنّ يزيد نفسه قد جاء إلى المدينة في رحلته إلى مكّة؛٢ وفي بعض التواريخ: إنّ يزيد لم يذهب إلى مكّة في الأساس، بل إنّ قائده وأميره مسلم بن عقبة هو من جاء إلى المدينة، وأخذ البيعة من الإمام ليزيد.٣ وعلى أيّ حال، فقد وردت هذه المسألة في بعض كتب التاريخ. أمّا في أيّ وضع وفي أيّ حال كان الإمام السجّاد عليه السلام، فلندع كلّ ذلك؛ نعم، هناك مجال للحديث والبسط والفحص والتحقيق والتدقيق في هذه المسألة، ولكنّ الأمر المذكور قد ورد في بعض التواريخ.

  • الفرق بين الإمام الواقعيّ والإمام المصنوع من الأوهام والخيالات

  • الإشكال الذي يَرِد على المرحوم الشيخ عبّاس القمّيّ هو: لقد عرفتم الإمام انطلاقًا من نظرتكم الظاهريّة؛ وهناك بونٌ شاسع ـ كما بين السماء والأرض ـ بين هذا الإمام وبين الإمام الواقعيّ! فلا يُصبح الإنسان عارفًا بالإمام بمجرّد تأليف كتاب «مفاتيح الجنان» وأمثاله. إنّ العارف بالإمام هو وليّ الله والعارف بمقام الإمام، وليس مَن يجمع الروايات مع بعضها، ولا مَن يأتي بالأدعية؛ فهؤلاء أناس صالحون ومن أصحاب اليمين، لكنّ العارف بالإمام شخص آخر! ولهذا، نرى وجود مثل هذه الأخطاء الفاحشة في عقيدتهم تجاه الإمام.

  • لم تكن قضيّة بيعة عليّ بن الحسين عليهما السلام قضيّةً خفيّة، شئنا أم أبينا؛ فقد اطّلع عليها جميع أهل المدينة، وقد اتّخذ الناس في ذلك الزمان موقفهم تجاه الإمام بناءً على هذه الأحداث والمشاهدات؛ في حين أنّنا اتّخذنا موقفنا تجاه الإمام بناءً على جهلنا وعدم معرفتنا؛ والمسألة تختلف كثيرًا! فلو كنّا في ذلك الزمان، وشاهدنا هذه المسائل منهم، فهل كانت ستتكوّن لدينا مثل هذه الصورة وهذا التصوّر عن الإمام؟!

  • إذن، لكي نتمكّن من بناء عقائدنا ومبانينا الفكريّة بشكل صحيح، لا مناص لنا من أن نُدرك تاريخ الإمام، ونفهمه كما هو حقًّا.٤

    1. مجلس شهادة الإمام السجّاد عليه السلام. 
    2. الكافي، ج ٨، ص ٢٣٤:
      «عن بُرَيدِ بنِ مُعاويةَ قال: سَمِعتُ أبا جَعفَرٍ عليه السّلام يقولُ:
      إنَّ يزيدَ بنَ مُعاويةَ دَخَلَ المَدينةَ وهو يريدُ الحَجَّ؛ فَبَعَثَ إلى رَجُلٍ مِن قُرَيشٍ فَأتاهُ فَقالَ لَهُ يزيدُ: "أ تُقِرُّ لي أنَّك عَبدٌ لي؛ إن شِئتُ بِعتُك، وإن شِئتُ استَرقيتك؟!" فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: "واللهِ ـ يا يزيدُ ـ ما أنتَ بِأكرَمَ مِنّي في قُرَيشٍ حَسَبًا، ولا كان أبوك أفضَلَ مِن أبي في الجاهِليّةِ والإسلامِ، وما أنتَ بِأفضَلَ مِنّي في الدّينِ ولا بِخَيرٍ مِنّي! فَكيفَ أُقِرُّ لَك بِما سَألتَ؟!". فَقالَ لَهُ يزيدُ: "إن لم تُقِرَّ لي ـ واللهِ ـ قَتَلتُك!" فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: "لَيسَ قَتلُك إيّاي بِأعظَمَ مِن قَتلِك الحُسَينَ بنَ عَليّ، ابنَ رسول الله صلّي الله عليه وآله!". فَأمَرَ بِهِ فَقُتِلَ.
      ثُمَّ أرسَلَ إلى عَليّ بنِ الحُسَينِ عليه السّلام، فَقالَ لَهُ مِثلَ مَقالَتِهِ لِلقُرَشيّ؛ فَقالَ لَهُ عليّ بنُ الحُسَينِ عليه السّلام: "أ رَأيتَ إن لم أُقِرَّ لَك، أ لَيسَ تَقتُلُني كما قَتَلتَ الرَّجُلَ بِالأمسِ؟". فَقالَ لَهُ يزيدُ ـ لَعَنَهُ اللهُ ـ: "بَلَى!". فَقالَ لَهُ عَليّ بنُ الحُسَينِ عليه السّلام: "قد أقرَرتُ لَك بِما سَألتَ: أنا عَبدٌ مُكرَهٌ؛ فَإن شِئتَ فَأمسِك، وإن شِئتَ فَبِع!". فَقالَ لَهُ يَزيدُ ـ لَعَنَهُ اللهُ ـ: "أَولى لَك، حَقَنتَ دَمَك، ولم ينقُصك ذَلِك مِن شَرَفِك!"».
    3. شرح نهج البلاغة، ابن ‌أبي ‌الحديد، ج ٣، ص ٢٥٩:
      «لمّا قدم جيشُ الحَرّةِ إلى المدينةِ وعلَى الجيشِ مسلمُ بن عقبة المري، أباحَ المدينةَ ثلاثًا، واستعرضَ أهلَها بالسّيفِ جزرًا كما يجزر القصّاب الغنمَ، حتّى ساختِ الأقدامُ في الدّمِ! وقَتلَ أبناءَ المهاجرينَ والأنصارِ وذرّيةَ أهلِ بدرٍ. وأخَذَ البيعةَ ليزيدَ بن معاويةَ على كلِّ مَن استبقاهُ مِنَ الصّحابةِ والتّابعينِ، على أنّه عَبد قِنٌّ لأميرِ المؤمنينَ يزيدَ بن معاويةَ! هكذا كانت صورةُ المبايعةِ يومَ الحَرّةِ إلّا عليّ بنُ الحسينِ بنِ عليّ، فإنّهُ أعظمَهُ وأجلَسَهُ معهُ على سريرِهِ وأخَذَ بيعتَهُ على أنّه أخو أمير المؤمنينَ يزيدَ بن معاويةَ وابنُ عمِّهِ، دفعًا لهُ عمّا بايعَ عليه غيرُهُ؛ وكان ذلك بِوَصاةٍ مِن يزيدَ بن معاويةَ لَهُ».
    4. معرفة الإمام، ج ۱٥، ص ٢٥٦:
      «رأي المرحوم القمّيّ هذا غير سديد. ذلك أنّه ظنّ الإمام السجّاد أُسوةً للناس بدون بيعة يزيد، وزعم أنّ الناس لو علموا بأنّه بايع، لرجعوا عن الإيمان والاعتقاد بالتشيّع، أو ضعف إيمانهم واعتقادهم. وبالنتيجة فإنّ الإمام هو الذي لا ينبغي له أن يبايع يزيد.
      إنّ مفاسد هذا اللون من التفكير بيّنة.
      أوّلاً: لأنّ الإمام الحقيقيّ هو الذي يُبايع، ويُدرك مصالح البيعة، وعمله صحيح، وخلافه، أي: عدم البيعة، غير صحيح.
      ثانيًا: لو ابتُلينا هذا اليوم بحاكم جائر كيزيد، وقال لنا: بايعوا وإلاّ ... وإذا اعتبرنا البيعة ـ حتّى مع هذا الفرض ـ حرامًا وخطأً، فقد أهدرنا دمنا ودماء أهلينا وناس آخرين سدىً. وأمّا إذا علمنا أنّ أئمّتنا وقُدوتنا قد بايعوا في مثل تلك الظروف، فإنّنا سنُبايع فورًا بدون أن نُفكّر بالنتيجة السقيمة وما تستتبعه البيعة من محذورات. أ فليست التقيّة من أصول الشيعة الثابتة؟! لِمَ نُظْهِرُ للناس خلاف ذلك فنوُرّط أولئك المساكين في عُسرٍ وحرجٍ للحفاظ على شرفهم وكرامتهم ووجدانهم؟ حتّى إذا بايع أحد في مثل هذه الحالة، فإنّه يعدّ نفسه آثمًا خجولاً، ويرى تلك البيعة مخالفة لسُنّة إمامه ونهجه. وإذا لم يبايع فإنّه يُعرّض نفسه وأتباعه لسيف زنجيّ ثمل جائر سفّاك، ويفقد حياته جنونًا وحماقةً.
      بيان الحقيقة هو بيان الحقيقة نفسها، لا بيان حقيقة خياليّة، وإلّا فإنّ جميع المفاسد تقع على عاتق من كتم الحقيقة.
      كانت في المرحوم المحدِّث القمّيّ ـ مع جميع ما اتّصف به من الجهاد العلميّ والعناء وحبّ أهل البيت عليهم السلام ـ مثلبة تتمثّل في بتره للأخبار، إذ يذكر مثلاً شيئًا من الخبر كمثال، ويتغاضى عن الباقي الذي ربّما تكون فيه قرائن مفيدة لحدود هذا المعنى المستفاد.
      وهذا غير صائب، إذ لعلّ صدر الخبر قرينة على ذيله، وذيله قرينة على صدره. فما على المؤلِّف إلاّ أن ينقل الخبر بحذافيره، ثمّ يُعلّق عليه في الهامش أو الشرح إن أشكل عليه في بعض المواضع!
      ونلحظ في كتاب «منتهى الآمال» أنّ المحدِّث القمّيّ ذكر مقتل محمّد بن عبد الله بن الحسن المسمّى بالنفس الزكيّة، ومقتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن المسمّى بقتيل باخمرى، وتحدَّث عن سيرتهما التي أوردناها في صفحات متقدّمة من هذا الكتاب، * دون أن يشير إلى مثالبهما، واكتفى بالحميد من ترجمتهما.
      وهكذا فعل العلّامة الأمينيّ في «الغدير» عند ذكر عبد الله المحض وولديه: محمّد وإبراهيم، فقد تحيّز في كلامه عنهم نوعًا ما، ورغب عن بيان طبيعة الواقعة».
      معرفة الإمام، ج ۱٥، ص ٢٣٢

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

6
  • اتّباع العوامّ للإحساسات غير العقلانيّة

  • أذكر أنّه في إحدى ليالي الثلاثاء في مسجد القائم، حيث كان هناك درس للتفسير، وبمناسبة الحديث عن مسألة أنّ «عقول الناس في أعينهم والإحساسات تحكم العقل!»، قال الوالد العلاّمة: «أنتم الآن ترونني بهذا الشكل وهذا المظهر؛ حسنًا، أرتدي عمامةً، ولديّ لحية، وألبس عباءةً وقباءً ونعلين أصفرين، وما شابه ذلك… (وهذه الأمور أُضيفها من عندي: ما شاء الله! يا له من سيّد نورانيّ! ويا له من سيّد وجيه! ما شاء الله! يا له من سيّد وعَالِم، رجل حكيم ووجيه، جامع لصفات الظاهر والباطن! و…) فيميل إليّ البعض؛ فتأتون إلى هنا، وتأتمّون بي، وتجلسون لتستمعوا إلى أحاديثي. ولكن، لو قُدّر، على سبيل المثال، أن آتي غدًا إلى المسجد بدون عمامة (بالطبع، هو لم يذكر بعض هذه الأمور، بل أنا أُضيفها)، وقصّرتُ لحيتي قليلاً، ولم أرتدِ العباءة والقباء، وخرجتُ من البيت منتعلاً حذاءً بسيطًا، ومرتديًا قميصًا وسروالاً، ومشيتُ في الشوارع هكذا، حتّى أتيتُ إلى مسجد القائم؛ فهل ستكون نظرتكم إليّ هي النظرة نفسها التي ترونني بها الآن؟!

  • في حين أنّ علمي لم يتغيّر؛ فمقدار ما لديّ من علم هو نفسه الآن، وتقواي لم تتغيّر؛ فإذا كنتُ أقوم بعبادة وأصلّي صلاةً، فهي نفسها؛ وبصيرتي ومعرفتي بالأوضاع والأحوال لم تختلف! إذن، فيمَ حصل الاختلاف؟ لقد حصل الاختلاف فقط في الشكل الظاهريّ!

  • هذه الأمور ليست مزحة! وإنّما أقول هذا لكي نُراجع أنفسنا ونُصلح وضعنا! أنا أقول هذا لنفسي! وأقول لكم محقّقًا: إنّ هذه المسألة مؤثّرة بنسبة مائة بالمائة! وهذه هي القضيّة نفسها التي أنا بصدد بيانها. إنّ للإمام عليه السلام صفاتٍ خاصّة، ويجب على الإنسان أن يعرف الإمام بالالتفات إلى تلك الصفات، وإلّا فإنّ عقيدته تجاه الإمام ستكون ناقصة.

  • أهميّة اليقين في تشخيص سيرة الأئمّة عليهم السلام

  • والآن، الكلام هو: أيّ من أفعال الإمام عليه السلام وتصرّفاته وأقواله يُمكن أن يُطرح كسنّة، وأيّ من أفعاله وتصرّفاته قد لا يكون سنّة؟ وما الذي يجب اتّباعه منها وما الذي لا يجب اتّباعه؟

  • لتوضيح المسألة، أُقدّم للإخوة مقدّمةً آمل ألاّ تستغرق أكثر من جلسات معدودة، ولكنّ معرفتها ضروريّة. في الوقت الحالي، سأشرع في هذه المقدّمة؛ ولكن، قد تُطرح مسائل أخرى في الأثناء. إنّ معرفة هذه المقدّمة ضروريّة، والوصول إليها له أهميّة بالغة لتوضيح المسألة، وهي كالتالي:

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

7
  • أساس الشريعة الإسلاميّة في الاتّباع مبنيٌّ على الحقيقة واليقين

  • يجب أن يكون عمل الإنسان مبنيًّا على اليقين، ويجب أن يكون لدينا ملاك للصحّة واليقين والحقيقة لأيّ عمل نُريد القيام به. والكلام الذي نريد التفوّه به يجب أن يكون مبنيًّا على ملاك، وأن نقول ما نستطيع تحمّل مسؤوليّته يوم القيامة. والعمل الذي نقوم به يجب أن يكون نابعًا من اليقين والحقيقة، وأن نكون قادرين على الإجابة عنه يوم القيامة؛ فلا يُمكن للإنسان أن يبني أفعاله على الهوى والنزوات والشعارات!

  • في الشريعة الإسلاميّة، كلّ أفعال الإنسان وتصرّفاته مبنيّة على الحقيقة واليقين. فالإسلام يقول: يجب أن تعلم أنّ هذا العمل الذي تقوم به الآن هو مرضيّ لله تعالى؛ وإذا كنت لا تعلم، فيجب عليك الاحتياط والتوقّف! وإذا أردت أن تعمل بكلام زيد وعمرو وبكر، فعليك أن تُجيب عن ذلك يوم القيامة! إنّ حركة الفرد المسلم، والفرد الشيعيّ الموالي لأمير المؤمنين عليه السلام في هذه الدنيا، مبنيّة على اليقين والحقيقة.

  • ﴿وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنهُ مَسـُٔولاً﴾.۱ أي: لا تعمل بما ليس لك به علم، ولا تتّبع، ولا تركن، ولا تعتمد على ذلك! ففي يوم القيامة، ستُسأل عن الأعضاء والجوارح ورؤوس الأموال والغرائز والإمكانيّات التي وضعها الله تعالى بين يديك لإنارة الطريق والهداية للسبيل.

  • سيُقال لك يوم القيامة: لقد رأيت هذه المسألة بعينك، فلماذا عملت بخلافها؟! ولماذا أعطيناك العين؟! لكيلا تبني أفكارك على الأفكار السابقة إذا رأيت فعلاً من شخص ما، بل غيّرها! لَم نُعطِك العين لِتُغمضها كالنعامة، بل يجب أن تفتحها! وأعطيناك الأذن لكي تُحلّل المسائل التي تسمعها، ولا تسير مُغمضَ العينين والأذنين في طريقٍ يجرّ عليك الندامة فيما بعد! وعلاوةً على كلّ ذلك، فإنّ الفؤاد والقلب والوجدان والعقل والفكر الذي منحناك إيّاه، هو لكي تختبر الحوادث والوقائع في بوتقة الحقيقة والواقع! فلا تتعلّق بأحدٍ دون وجه حقّ تعلّقًا غير حقيقيّ وغير واقعيّ، ولا تصنع من شخصٍ شخصيّةً كاذبة بلا سبب، ولا تنسب لفردٍ صفاتٍ ليست مختصّةً به دون ملاك وحقيقة! كلّ هذه الأمور هي وظيفة الفؤاد، وكلّ هذه الأمور هي من أجل التحليل الذي يُمكن لفطرة الإنسان ووجدانه وقلبه أن يصلوا به إلى نتيجة من خلال الاستنتاجات التي تتبادر إلى ذهنه؛ ﴿كُلُّ أُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ عَنهُ مَس‍ُٔولاً﴾! نحن الذين أعطيناك العين، فلماذا لم تستفد من عينك هذه؟! نحن الذين أعطيناك الأذن، وسمعت هذا الكلام من شخصٍ ما، فلماذا لم ترتّب الأثر عليه في الوقت نفسه؟! نحن الذين جعلنا فيك القلب كوسيلة للتمييز، فلماذا لم تستفد من هذه الوسيلة؟! ولماذا استمعت لكلام الناس؟! هل الناس مثلك؟! وهل كلام الناس ملاك لعملك؟! حسنًا، فليأتِ الناس أنفسهم يوم القيامة ليُجيبوا بدلاً عنك!

    1. سورة الإسراء، الآية ٣٦.

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

8
  • سبب تبرّي الشيطان يوم القيامة من أتباعه

  • ﴿وَقَالَ ٱلشَّيطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُم وَعدَ ٱلحَقِّ وَوَعَدتُّكُم فَأَخلَفتُكُمۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُم مِّن سُلطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوتُكُم فَٱستَجَبتُم لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا بِمُصرِخِكُم وَمَآ أَنتُم بِمُصرِخِيَّ﴾.۱أي: يقول الشيطان (الذي يتحمّل مسؤوليّة كلّ هذه المسائل والأحداث) يوم القيامة: لم يكن لي شأن بكم، أنا تكلّمتُ بكلمة وأنتم اتّبعتموني؛ كان بإمكانكم ألّا تعملوا بها! فأنا لم أُسخّركم، ولم أضع الأغلال في أعناقكم، ولم أُكبّل أيديكم! جئتُ وقلتُ كلامًا (ولكنّكم كنتم تمتلكون عقلاً وشعورًا ووجدانًا وفؤادًا، والله أعطاكم القدرة والاختيار، وأعطاكم العقل والوجدان لكي تروا الوقائع والأحداث والقضايا)؛ كان بإمكانكم ألّا تعملوا بكلامي! فلا أنا فرضتُ نفسي عليكم، ولا أنتم فرضتم أنفسكم عليّ! (فأنا كان لديّ تكليف، وأنتم أيضًا كان لديكم تكليف!) فلا أنا أجبرتكم على هذا العمل ولا كنتُ معكم في مثل هذه العلاقة، ولا أنتم كذلك! [والآن، لا أنا أستطيع أن آخذ بأيديكم وأُنقذكم، ولا أنتم تستطيعون أن تأخذوا بيدي!].

  • يقول الشيطان: كان بإمكانكم أن تنظروا إلى أمير المؤمنين وتنظروا إلى أبي بكر؛ وأن تنظروا إلى سوابق عليّ، وتنظروا إلى سوابق أبي بكر وعمر؛ وحينها، تحكمون بعد اللّتيا والّتي. ولنفترض أساسًا أنّه لم تكن هناك واقعة الغدير، ولم يُنصّب النبيّ الأكرم أمير المؤمنين؛ ألم تكن رؤية تلك الأحداث ومسائل أمير المؤمنين في الماضي كافية لكيلا تذهبوا إلى أبي بكر؟! فأين ذهب شعوركم؟! ألم تروا أنّ أبا بكر وعمر وعثمان فرّوا من معركة أُحد، ولم يعودوا إلى المدينة إلاّ بعد ثلاثة أيّام؛٢ في حين، كان أمير المؤمنين يطوف حول النبيّ كالفراشة، وتلقّى تسعين جرحًا بليغًا؛ وبعد أن نادى النبيّ مرّة أخرى، نهض من فراشه بتلك الحالة، وتوجّه إلى خارج المدينة؟!٣ فلماذا ذهبتم بعد ذلك كلّه خلف أبي بكر؟!

  • لنفترض أنّ النبيّ لم يُنصّب أمير المؤمنين أصلاً؛ حسنًا، أين ذهبت أعينكم؟! ﴿إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ عَنهُ مَس‍ُٔولاً﴾.٤ ألم تروا هذه الأمور بأعينكم؟! ألم تسمعوا بآذانكم كلام النبيّ بخصوص أبي بكر وعمر والبقيّة؟! ألم تسمعوا الأمور من النبيّ في قضايا متعدّدة؟! ألم تسمع أذنكم هذه؟! سيسألك الله يوم القيامة عن هذه الأذن: لماذا سمعت كلام النبيّ عن هؤلاء بهذه الأذن التي أعطيناك إيّاها، ولكنّك لم ترتّب عليه الأثر؟! والأهمّ من ذلك كلّه، أين ذهب قلبك؟! فذلك الشخص الذي يقف على المنبر ويقول: أقِيلُونِي! ولَسْتُ بِخَيرِكُمْ، وعَلِيٌّ فِيكُمْ؛٥ أي: إذا زللتُ فتعالوا، وأمسكوا بيدي! أنا لستُ بخيركم، وعليٌّ بينكم!

    1. سورة إبراهيم، الآية ٢٢.
    2. فيما يخصّ أبو بكر، راجع: دلائل النبوّة، ج ٣، ص ٢٦٣؛ تاريخ الإسلام، ج ٢، ص ۱٩۰.
      وفيما يرتبط بعمر، راجع: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج ٤، ص ۱٩٣؛ الدرّ المنثور، ج ٢، ص ۸۸؛ المغازي، ج ۱، ص ٢٩٥ و٣٢۱.
      وفيما يتعلّق بعثمان، راجع: تاريخ الطبريّ، ج ٢، ص ٥٢٢؛ الكامل، ج ٢، ص ۱٥۸.
    3. إعلام الورى، ص ۸٥.
    4. سورة الإسراء، الآية ٣٦.
    5. الفضائل، ابن شاذان القمّي، ص ۱٣٣؛ الطرائف، ج ٢، ص ٤۰٢؛ علم اليقين في أصول الدين، ج ٢، ص ۸٢۱.

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

9
  • حسنًا، إذا لم تكن خيرًا منهم، فانزل! ماذا تفعل هناك في الأعلى؟! وأنتم الذين سمعتم هذه الأمور، لماذا ذهبتم مرّة أخرى، وبايعتم أبا بكر؟! ولماذا لم تذهبوا خلف عليّ؟!

  • والله، إنّ كلّ الأفراد الذين يرون الحقّ، ويدوسون عليه بأقدامهم ـ من أيّ صنف وطبقة كانوا ـ مسؤولون يوم القيامة، ويجب أن يُقدّموا جوابًا! ولا يُمكن لأحد أن يخدع نفسه!

  • كيفيّة حضور أعمال الإنسان يوم القيامة

  • ﴿قُل فَلِلَّهِ ٱلحُجَّةُ ٱلبَٰلِغَةُ﴾.۱ يُحضر اللهُ تعالى يوم القيامة كلَّ هذه الوقائع واحدةً تلو الأخرى بوضوح وجلاء أمام عين الإنسان، وكأنّها صورة! فيبدأ بعرض الأحداث حتّى يصل إلى تلك النقطة، ثمّ يوقف العرض، ويقول: الآن، شاهد! ثمّ يُشغّل العرضَ مرّة أخرى، ويدور هذا الجهاز، ويستمرّ هكذا؛ حتّى الموضع الذي يُريد الله أن يوقفه فيه، فيوقفه مرّة أخرى ويقول: انظر ماذا فعلت هنا! وهكذا دواليك… بالطبع، أنا أضرب مثالاً، فالأمر ليس هكذا هناك، بل هناك عالم التجرّد، حيث يرى الإنسانُ عينَ الواقع.

  • حسنًا، ماذا يجب علينا أن نفعل الآن؟ إنّ هذه المسألة لا تخصّني وتخصّكم فقط، بل هي حقيقةٌ وأمرٌ واقع؛ فكلّ مَن كان إدراكه وفهمه وبصيرته أكبر، كانت مسؤوليّته والتزامه أكبر.

  • ﴿وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌ إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ عَنهُ مَس‍ُٔولاً﴾.٢

  • اللزوم العقليّ والوجوب الفطريّ لاتّباع الأعلم

  • في الآية القرآنيّة الشريفة، يُخاطب النبيّ إبراهيم على نبيّنا وآله وعليه السلام عمّه آزر قائلاً: ﴿يَـٰٓأَبَتِ إِنِّي قَد جَآءَنِي مِنَ ٱلعِلمِ مَا لَم يَأتِكَ فَٱتَّبِعنِيٓ أَهدِكَ صِرَٰطًا سَوِيًّا﴾؛٣ أي: بما أنّه لديّ علم لم يُعطَ لك، فيجب عليك أن تتّبعني! يعني أنّه يجعل الأعلميّة ملاكًا للعمل؛٤ فالعلم واليقين الذي أعطاه الله للنبيّ إبراهيم لم يَعطه لآزر! وبما أنّه لم يعطه لآزر، وهو يرى هذه المسألة ويُدركها، فيجب عليه أن يتّبع النبيّ إبراهيم؛ فإن لم يفعل، فهو مسؤول، وسيسأله الله يوم القيامة عن فؤاده: أنت الذي أحسست بالأعلميّة، وأحسست بالنور، وأحسست بالمرتبة التي تفوق مرتبتك، لماذا لم تمتثل؟! (وسيكون لنا لاحقًا كلام مع كلّ جملة من هذه الجمل التي أذكرها!).

    1. سورة الأنعام، الآية ۱٤٩.
    2. سورة الإسراء، الآية ٣٦. 
    3. سورة مريم، الآية ٤٣.
    4. لمزيد من الاطّلاع على الوجوبين العقليّ والشرعيّ للرجوع إلى الأعلم، راجع: الدرّ النضيد في الاجتهاد والتقليد، ص ٢۷٤، الهامش ۱.

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

10
  • ﴿إِنِّي قَد جَآءَنِي مِنَ ٱلعِلمِ مَا لَم يَأتِكَ﴾؛ أي: لقد أعطاني الله أشياء لم يُعطها لك! حسنًا، ادعُ الله أن يُعطيك ذلك أنت أيضًا!

  • كسب العلم بالاستمداد من الله تعالى

  • كنّا يومًا في مجلس المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ، وكان هناك شيخٌ فكِه يتعجّب كثيرًا من فيضان علم المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ وغزارة معلوماته ويقول: «هل يُعقل أن يمنح الله شخصًا كلّ هذا العلم؟!». لقد كان شيخًا ظريفًا! فقال المرحوم العلاّمة بلسانه المعهود:

  • ﴿وَقُل رَّبِّ زِدنِي عِلمًا﴾.۱ أنا لم آتِ بشيء من عند نفسي، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدنِي عِلمًا﴾! فكلّ ما أُعطيته هو من الله؛ وسيعطيك أنت أيضًا، فهو تعالى ليس بضنين!

  • عدم الفرق بين العلمين الإجماليّ والتفصيليّ في وجوب الاتّباع

  • تُعدّ هذه المسألة من أهمّ المسائل التي يجب على الإنسان أن يُصحّحها في حياته أوّلاً، ثمّ يفعل ما يشاء بعد ذلك! فلا يُمكن للإنسان أن يقوم بعمل بشكّ وتردّد، ولا يُمكنه أن يؤدّي عملاً وهو غارق في الأهواء، ولا يُمكنه أن يعمل بكلام الناس.

  • ﴿ذَٰلِكَ ٱلكِتَٰبُ لَا رَيبَ فِيهِ﴾.٢ فالصفة التي ذكرها الله تعالى للقرآن والوحي هي هذه الصفة: ﴿لَا رَيبَ فِيهِ﴾؛ أي: «لا شكّ فيه!». يجب أن تعلموا أنّه لا شكّ في هذا الكتاب، ولو بالجملة! إنّ اتّباعنا لهذا الكتاب يكون إمّا بناءً على علمٍ تفصيليّ أو بناءً على علمٍ إجماليّ؛ وبكلتا الطريقتين لِتَحَقُّقِ هذا العلم في النفس الإنسانيّة، فإنّ مجرّد التحقّق هو مُنجّز وموجب لوجوب العمل بمقتضى ذلك المعتقَد. فسواء كنتم تعلمون المسألة تفصيلاً أو إجمالاً، فمتى علمتم أنّ الحقّ هنا ـ حتّى وإن لم تطّلعوا على التفاصيل ـ فيجب عليكم العمل! وهذا ما يُسمّى بالعلم الإجماليّ، والذي سيأتي الحديث عنه إن شاء الله. ولعلّ هذا هو أهمّ بحث لنا في هذه العَشرة: كيف نكون مكلّفين بالاستفادة من علمنا الإجماليّ هذا؟ وكيف يجب علينا أن نسعى خلفه؟

  • مراتب يقين أحد صحابة رسول الله

  • لا يستقيم العمل إلّا باليقين حصريًّا، ولا يستقيم بأيّ شيء آخر أبدًا! يقول أمير المؤمنين عليه السلام [ما معناه]: دخلنا يومًا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وأصحابه إلى مسجد النبيّ؛ فرأينا شابًّا منشغلاً بالعبادة في زاوية من المسجد، وقد اصفرّ لونه، وبدت آثار السهر وقيام الليل على وجهه؛ وكان نحيف البدن جدًّا، وكان من الواضح أنّه يعيش ويسبح في عالم آخر. ولمّا أتمّ صلاته، جاء إلى النبيّ، فقال له صلّى الله عليه وآله وسلّم: «كيف هو حالك ووضعك؟ ماذا تفعل؟ ولماذا حالك هكذا؟».

    1. سورة طه، الآية ۱۱٤.
    2. سورة البقرة، الآية ٢.

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

11
  • فقال: «يا رسول الله، لقد أوصلني اليقين إلى هنا! لم أكن هكذا من قبل؛ أمّا الآن، فعندي يقين، وقد انزاحت الحجب عن عيني، وأنا أرى مسائل وحقائق، وهذا الأمر قد شغلني بنفسه ولا يدعني أرتاح!». أي: في البداية لم يكن لديّ يقين؛ ولكن، بناءً على العلم الإجماليّ بأحكامك، كان لديّ يقين راسخ ـ وبالجملة ـ بأنّ مسائلك هي الحقّ؛ أمّا الآن، فقد وصلتُ إلى هذه المسائل، وتحوّل علمي الإجماليّ إلى علم تفصيليّ، وما كنتَ تقوله وكنتُ أقبله منك لمجرّد أنّك نبيّ وصادق وناطق بالحقّ، أصبحتُ الآن أراه وأُدركه بنفسي!

  • فقال له النبيّ: «حسنًا، ما هي علامة يقينك؟».

  • فقال: «يا رسول الله، اسأل عمّا شئت! إن شئت فاسأل عن الجنّة، وإن شئت فاسأل عن النار! سأذكر لك كلّ مَن في الجنّة أو النار واحدًا تلو الآخر! هل أخبرك مَن مِن هؤلاء الذين حولك من أهل النار وفي أيّ درك من النار مكانه؟! وهل أخبرك مَن هو من أهل الجنّة وأين منزلته؟!».

  • فقال له النبيّ: «احتفظ بهذه الأمور لنفسك، ولا تُفشِ الأسرار!».۱

  • مائدة رسول الله المبسوطة لتحصيل اليقين والمعرفة من خلال الاستمداد من الحقّ تعالى

  • حسنًا، ما حقيقة هذا؟ لقد كانت هذه مائدة بسطها النبيّ للجميع؛ فجاء أحدهم، وجلس على هذه المائدة، ولم يجلس الآخر. إنّ فيض النبيّ الأكرم هو فيض عامّ؛ والخفّاش هو من يُغمض عينيه ولا يستطيع رؤية هذا الفيض! متى كان النبيّ يبخل؟! حسنًا، تعال أنت أيضًا! وهل أتى النبيّ بشيء من عند نفسه؟! فالنبيّ مجرّد وسيلة! فإلى متى سنخبط خبط عشواء نبحث عن الحقيقة في مكان آخر؟!

  • تا به کی ناله و فریـاد که آن یار کجاست؟***همه آفـاق پر از یار شد، اَغیار کجاست؟
  • هرکه بیدار بوَد دولت بیدار بَرَد***دوست در جلوه ولی عاشق بیدار کجاست؟
  • عیسیِ خسته‌دلان می‌رسد از عالم غیب***سر بیمار که دارد، دل بیمار کجاست؟
  • یوسف مصریِ ما بر سر بازار آمد***ای عزیزانِ وفا پیشه خریدار کجاست؟
  • سرّ توحید ز هر ذرّه عیـان می‌گردد***پُر نیازی که بوَد واقف اسرار کجاست؟٢
    1. راجع: المحاسن، ج ۱، ص ٢٥۰؛ الكافي، ج ٢، ص ٥٣؛ معاني الأخبار، ص ۱۸۷؛ المثنويّ المعنويّ، الكتاب الأوّل، ص ٩٢؛ نور ملكوت القرآن، ج ٣، ص ٢۷۸.
    2. ديوان منصور الحلاّج، ص ٢٦، أبيات مختارة.

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

12
  • يقول: إلى متى النواح والصراخ: أين هو ذلك الحبيب؟ فالآفاق كلّها قد امتلأت بالحبيب، فأين هم الأغيار؟

  • مَنْ كَانَ يَقْظانًا، نَالَ الحَظَّ اليَقْظَان؛ فالمَحْبُوبُ يَتَجَلَّى، وَلَكِنْ أَيْنَ العَاشِقُ اليَقْظَان؟

  • مَسِيحُ القُلُوبِ المُنْكَسِرَةِ قَادِمٌ مِنْ عَالَمِ الغَيْب، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَشْكُو عِلَّةَ الهَوَى؟ وَأَيْنَ القَلْبُ السَّقِيم؟

  • يوسفُنا المصريّ قد حلَّ بالسُّوق، فيا أيّها الأحبَّة الأوفياء، أين المشتري؟

  • سرّ التوحيد يتجلّى من كلّ ذرّة؛ لكن، أين هو المحتاج المليء بالشوق الواقف على الأسرار؟.

  • بناء نهضة سيّد الشهداء على أعلى مراتب اليقين

  • هناك بَونٌ شاسعٌ بين مَن يتبع طريقه ويسير فيه بيقين ووصول إلى المقصد، وبين مَن يتزلزل في مبدئه عند أدنى شبهة! هناك فرق كبير بين ذلك الشخص الذي يقول لسيّد الشهداء: «لو أحرقوني ألف مرّة وذرّوا رمادي في الرياح، لما تخلّيتُ عنك!»،۱ لقد كان مسلم بن عوسجة صادقًا! ولم يكن كاذبًا؛ أي لو أنّهم أحرقوه، وأضرموا فيه النار ألف مرّة، لما تخلّى عنه! هناك فرق كبير بين أولئك الذين كانوا مع الإمام الحسين عليه السلام، وبين ذلك الشخص الذي يفرّ من المعركة بمجرّد إطلاق مدفع، أو يذهب إلى بيته إذا رأى الأوضاع قد تغيّرت!

  • إنّ كربلاء هي قضيّة فريدة! فليس لدينا اثنين من كربلاء! وليس لدينا كربلاء في أفغانستان والهند وباكستان وإيران؛ بل لدينا كربلاء واحدة فقط! واستعمال لفظ كربلاء لأماكن أخرى محرّم شرعًا! وسنتحدّث عن هذه القضيّة أيضًا إن شاء الله. هل كان أولئك أيضًا هكذا؟! هل كان مسلم بن عوسجة بينهم؟! ذلك المسلم الذي يقول للإمام الحسين عليه السلام ليلة عاشوراء: «لو قتلوني ألف مرّة ثمّ أحيوني، ثمّ أحرقوني، ثمّ ذرّوا رمادي في الرياح، لما تخلّيتُ عنك!». هذا ما يُسمّى باليقين! فلن يتخلّى عنه حتّى لو هطلت عليه القنابل كالمطر، ولن يتخلّى عنه حتّى لو وضعوا الحلوى في فمه، ولن يتخلّى عنه حتّى لو سقوه السمّ الزعاف؛ هذا ما يُسمّى باليقين! فهل كان وضعُ الآخرين هكذا أيضًا؟! الإمام الحسين واحد؛ وانتهى الأمر! جاء شخص واحد ومضى! فالإمام الحسين ليس بضاعةً في كلّ دكّان!

  • عاشوراء قضيّة يجب على الإنسان أن يرى فيها ما حدث في كلّ لحظة من لحظاتها، وما هي المسألة التي كانت فيها. فالإمام لم يقُم بأيّة دعاية أبدًا، بل قال للجميع منذ البداية [ما مفاده]: «كلّ مَن يأتي معي سيُقتل؛ فلا يأتِ أحد!»؛ ولكنّه فتح الطريق للبعض بقوله: «مَنْ كَانَ بَاذِلاً فِينَا مُهْجَتَهُ، وَمُوَطِّنًا عَلَى لِقَاءِ اللهِ نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ مَعَنَا»؛٢ أي: مَن كان يريد الوصول إلى الله فقط، فقد فتحنا له طريقًا.. فتحنا طريق الله تعالى فقط!

    1. الإرشاد، ج ٢، ص ٩٢.
    2. اللهوف، ص ٦۱.

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

13
  • أمّا طريق التوسّع في البلدان، والحصول على الأموال، ونيل الغنائم، والوصول إلى الدنيا، فقد أغلقناه بأكمله! أغلقنا الجميع! فمَن أراد الوصول إلى الله تعالى، فبسم الله، نحن لا نغلق طريقه! هكذا هي قضيّة عاشوراء!

  • في ليلة عاشوراء، يأمر سيّد الشهداء عليه السلام بإطفاء المصابيح؛ فهو لا يُطبّل للقضيّة ولا يُزمّر لها، ولا يُطلق الدعايات حولها؛ لا شيء أبدًا! بل يُسهّل المسألة، ويفتح الأمر للجميع بكرمه لدرجة أنّه يقول: «إنّ هذا اللّيلُ قد غَشيَكُم، فاتَّخِذوهُ جَمَلاً!».۱

  • گفت: ای گروه، هرکه ندارد هوای ما***سر گیرد و برون رود از کربلای ما
  • ناداده تن به محنت و ناکرده تـرک سـر***نتوان نهاد پای به خلوت‌سرای ما
  • تا دست و رو نشست به خونش، نیافت کس***اذن طواف در حرم کبریای ما
  • برگردد آن که با هوس کشور آمده***سر ناورد فرود به افسـر شاهی، گدای ما
  • ما را هوای سلطنت و مُلک دیگر است***کاین عرصه نیست در خور فرّخ همـای ما٢
  • يقول: قال: أيّها القوم، مَن لم يكن له هوانا، فليحمل رأسه ويخرج من كربلائنا

  • مَن لم يبذل جسده للمحنة ولم يترك رأسه، لا يُمكنه أن يضع قدمه في خلوتنا

  • وما لم يغسل أحد يديه ووجهه بدمه، لن يجد إذنَ الطواف في حرم كبريائنا

  • فليرجع مَن جاء بطمع المُلك؛ فشحّاذنا لا يُطأطئ رأسه لتاج الملوك

  • لدينا هوى سلطنة ومُلك آخر؛ فهذه الساحة ليست جديرة بطائر السعدِ الخاصّ بنا. 

  • ثمّ يُخاطب أصحابه وأهل بيته قائلاً:

  • أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَصْحَابًا أَوْفَى وَلَا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِي، وَلَا أَهْلَ بَيْتٍ أَبَرَّ وَلَا أَوْصَلَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي؛ فَجَزَاكُمُ اللهُ عَنِّي خَيْرًا!

  • أَلَا وَإِنِّي لَأَظُنُّ يَوْمًا٣ لَنَا مِنْ هَؤُلَاءِ؛ أَلَا وَإِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ، فَانْطَلِقُوا جَمِيعًا فِي حِلٍّ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنِّي ذِمَامٌ! 

  • أي: أنا لا أظنّ أنّنا سننجو من هؤلاء القوم يومًا؛ فقد أحللتكم جميعًا من ذمّتي، ورفعتُ بيعتي عنكم!

  • هَذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلاً!٤ وَلْيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي [وَتَفَرَّقُوا فِي سَوَادِكُمْ وَمَدَائِنِكُمْ؛ فَإِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا يَطْلُبُونَنِي، وَلَوْ قَدْ أَصَابُونِي لَلَهَوْا عَنْ طَلَبِ غَيْرِي]!٥

    1. المصدر نفسه، ص ٩۰.
    2. ديوان نيّر، ص ۱٩٥، مع اختلاف يسير.
    3. خ ل: أنَّهُ آخِرُ يَومٍ.
    4. الإرشاد، ج ٢، ص ٩۱.
    5. مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ٤، ص ٩۸.

حجيّة اليقين وضرورة معرفة السيرة الواقعيّة للمعصوم - أمانة المؤرّخ وموقف الإمام السجّاد عليه السلام من بيعة يزيد بن معاوية

14
  • أي: الليل دامس ومظلم؛ فكلّ مَن لا يُناصرنا ولا يُرافقنا، ويدور في رأسه هوى آخر، فليستغلّ الليل، ولينطلق نحو بيته ومسكنه! خذوا بأيدي نسائي وأطفالي، وبأيدي رجال أهل بيتي هؤلاء، واذهبوا بهم معكم! فهؤلاء القوم يُريدونني أنا، ويطلبونني أنا فقط، ولا شأن لهم بكم!

  • يقين أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام في الدفاع عنه وحمايته

  • فيقوم زهير بن القين، ويقول: وَاللهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي قُتِلْتُ، ثُمَّ نُشِرْتُ، ثُمَّ قُتِلْتُ، حَتَّى أُقْتَلَ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَأَنَّ اللهَ يَدْفَعُ بِذَلِكَ الْقَتْلَ عَنْ نَفْسِكَ وَعَنْ أَنْفُسِ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَانِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ!۱

  • ويقوم مسلم بن عوسجة، ذلك الشيخ المستنير البصيرة الذي قضى عمره كلّه في العبادة، وكان من الخواصّ من أصحاب أمير المؤمنين والإمام المجتبى وسيّد الشهداء عليهم السلام، وكان مشهورًا في الكوفة ومأنوسًا مع حبيب بن مظاهر، وقد جاءا معًا إلى كربلاء، وتعاهدا معًا، فيقول: وَاللهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنِّي أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُحْرَقُ، ثُمَّ أُذْرَى سَبْعِينَ مَرَّةً، لَمَا فَارَقْتُكَ (وتخلّيت عن نُصرتك)! 

  • وعندما يسقط على الأرض، ويحضر سيّد الشهداء عليه السلام مع حبيب بن مظاهر عند رأسه، يقول [ما معناه]: يا حبيب، لقد تعاهدنا معًا من الكوفة أن نكون في ركاب الحسين!

  • فيقول له حبيب [ما مضمونه]: لقد تعاهدنا معًا! ورغم أنّني أعلم أنّني لن أكون في خدمة مولاي إلاّ لساعات قليلة، وأنّ حظّي من هذه الدنيا قليل؛ ولكن، إذا كانت لديك وصيّة فسأُنفّذها!

  • فيُشير إلى سيّد الشهداء عليه السلام، ويقول: يَا حَبِيبُ، عَلَيْكَ بِهَذَا الْغَرِيبِ!٢

  • أي: وصيّتي لك هي ألّا تترك التمسّك بأذيال هذا الغريب والوحيد!

  • وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.

  •  

  • والحمد لله ربّ العالمين

    1. روضة الواعظين، ج ۱، ص ۱۸٤.
    2. وقعة الطفّ، ص ٢٢٥، مع اختلاف يسير؛ معالي السبطين، المازندرانيّ، ج ۱، ص ٣٤۸.