المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
التاريخ 1415/02/05
التوضيح
ما هي أخطر أنواع التحريف في الدين؟ وكيف يكون كتمان الأحاديث والتأويل الباطل أشدّ خطرًا من الكذب المباشر على رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ كيف استغلّت الأنظمة الظالمة والاستعمار بعض علماء السوء لتمرير باطلهم بغطاء شرعيّ؟ وما هو الدور الذي لعبه المظهر الدينيّ الموجّه لعمر بن سعد وشريح القاضي في التمهيد لقتل الإمام الحسين عليه السلام؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة، التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه، عن هذه التساؤلات، مسلّطةً الضوء على أهميّة الوعي والبصيرة في مواجهة مكائد الاستدراج وتبرير الباطل.
هو العليم
خطر تحريف الأحاديث والتأويل الباطل للدين
علماء السوء أداة الاستعمار والأنظمة الظالمة في تبرير الباطل
مباني الإسلام ـ محطّات من السيرة النبويّة ـ الجلسة ٢۰
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمدُ للهِ ربّ العالَمينَ
وصلَّى الله علىٰ سيِّدِنا ونبيِّنا أبي القاسمِ مُحمّدٍ
وعلىٰ آله الطيِّبينَ الطاهرينَ المعصومينَ المكرَّمينَ
واللعنةُ علىٰ أعدائهم أجمَعينَ إلىٰ يوم الدّين
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَإِذَا رَأَيتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعرِض عَنهُم حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيرِهِۦ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيطَٰنُ فَلَا تَقعُد بَعدَ ٱلذِّكرَىٰ مَعَ ٱلقَومِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾.۱
النوع الأوّل من الوضع: وضع الحديث المكذوب
إنّ كبرى المصائب التي حلّت بالإسلام، وكذلك بسائر الأديان الإلهيّة، هي مسألة الوضع والتحريف. ومسألة الوضع تنقسم إلى قسمين:
القسم الأوّل: الوضع الظاهريّ؛ أي أن ينسب إنسان روايةً وخبرًا كذبًا إلى الإمام عليه السلام أو النبيّ «صلّى الله عليه وآله»؛ وبواسطة هذا العمل، يتغيّر حكمٌ من الأحكام الإلهيّة، فيزول حكمٌ ويحلّ محلّه حكمٌ آخر.
النوع الثاني من الوضع: كتمان الأحاديث والحقائق
القسم الثاني: الوضع بالملازمة؛ أي أن يتعمّد الإنسان كتمان رواية بيّنها الإمامُ أو النبيُّ الأكرم «صلّى الله عليه وآله». ورغم أنّ هذا لا يُعدّ وضعًا بالمعنى الاصطلاحيّ، إلاّ أنّ حكم الوضع يترتّب على هذا العمل أيضًا. فربّما يزول حكمٌ بسبب كتمان حديث أو رواية أو خبر أو واقعة تاريخيّة، ويحلّ حكمٌ جديد محلّ حكم ما أنزل الله، حيث يكون هذا الخبر متضمّنًا لبيان حكم من الأحكام الإلهيّة، أو عقيدة من العقائد المرتبطة بالمعارف الشيعيّة الحقّة؛ ولهذا، سيحلّ الباطل محلّ ما أنزل الله. وهذا أيضًا من أقسام الوضع؛ أي وضعُ حكمٍ مكان حكمٍ آخر بواسطة الكتمان وعدم التبيين.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكتُمُونَ مَآ أَنزَلنَا مِنَ ٱلبَيِّنَٰتِ وَٱلهُدَىٰ مِن بَعدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلكِتَٰبِ أُوْلَـٰٓئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَهُ وَيَلعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ﴾.٢ أي: إنّ الذين كتموا الأخبار والأحاديث والهداية والبيّنات التي أنزلناها في الكتاب، ولم يُبيّنوها للناس اتّباعًا لآرائهم وأهوائهم الدنيويّة، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (من الملائكة المقرّبين).
ولهذا، فإنّ مسألة كتمان الحديث تسير جنبًا إلى جنب مع وضع الحديث، ومع نسبة خبر إلى النبيّ الأكرم «صلّى الله عليه وآله» أو الإمام عليه السلام، ولها وزرٌ ووبالٌ وعاقبةٌ سيّئةٌ، وتترتّب عليها نفسُ التبعات المترتّبة على وضع الحديث.
يقول رسول الله «صلّى الله عليه وآله»: مَن سُئِلَ عن عِلمٍ يَعلَمُهُ فَكَتَمَهُ، أُلجِمَ يومَ القيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ، وهو قولُهُ تعالى: ﴿أُوْلَـٰٓئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَهُ وَيَلعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ﴾.۱ بمعنى: أيّ إنسان يُسأل عن مسألة ويُطلب منه أمر، وهو يعلم المسألة وقادر على الإجابة عنها، لكنّه يمتنع عن تبيينها اتّباعًا لآرائه وأهوائه ومصالحه الدنيويّة (فمثلاً يأتي أناس ويسألونه مسألة شرعيّة، فيرى أنّه إن أجاب عنها فإنّ ذلك سيضرّ بمصلحته ومصالحه الدنيويّة، وتفوت منه منفعة دنيويّة، ولهذا لا يُجيب عن السؤال أو يُعطي إجابة حمّالة أوجه؛ وبناءً على ذلك، يتبيّن للسائل باطل ما أنزل الله) [فإنّه سيُلجم بلجام من نار على فمه، وهذا هو معنى قول الله تعالى]: إنّ الله والملائكة يلعنون هذا الإنسان. هذه المسألة تتعلّق بالكتمان.
النوع الثالث من الوضع: التأويل والتوجيه غير الموجّه للأحاديث وحقائق الدين
القسم الثالث: المسألة الدقيقة جدًّا المطروحة هنا والتي يتعلّق بها البحث في الوضع، هي مسألة التوجيه والتأويل غير الموجّه. في مسألة وضع الحديث، تكون أيدي الكثيرين مقيّدة؛ وفي النهاية، تتّضح المسألة والوقائع، وقد يُفتضح أمر الإنسان؛ كما حدث في الواقعة التي ذكرتها البارحة٢ حيث افتُضح ذلك الرجل؛ لأنّ الطرف المقابل كان عالِمًا، وكان واضحًا له أنّ شجرة النسب مزیّفة. ولهذا، فإنّ الدهاة والمكّارین لا يلجؤون أبدًا إلى وضع الحديث بالمطابقة؛ بل طريقتهم هي أخذ رواية تحتمل وجوهًا متعدّدة، وحملها على ما يُوافق مصالحهم.
التأويلات والتوجيهات الباطلة لرواية «تكثير الأولاد»
فمثلاً، يعرضون ظاهر الرواية ـ الذي تكون له حجيّة ـ بصورة غير ظاهرة، ويُؤوّلون مضمون الخبر والحديث بنحو يجعله متوافقًا مع آرائهم. وإذا عجزوا عن ذلك، وكانت دلالة الخبر والرواية لا تقبل الشكّ والشبهة، [فإنّهم يثيرون الشكوك حول سنديّتها]؛ كما في الرواية التي يقول فيها النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله): «تَناكحوا تَناسَلوا تَكثُروا، فَإنّي أُباهي بِكُمُ الأُمَمَ يومَ القيامَةِ ولو بِالسِّقطِ».٣ أي: يا أمّتي، تزوّجوا وتناسلوا وكثّروا أولادكم، فإنّي أباهي بكم وبكثرة أولاد أمّتي سائر الأمم والأديان الإلهيّة يوم القيامة، ولو بالسقط الذي يوجد منكم!
إنّ العقول الفارغة التي لم تتعلّم سوى القواعد الجافّة لا تفهم معنى هذه الرواية، ولا تُدرك كيف أنّ الطفل السقط يُربّى في عالم البرزخ على أيدي المربّين الإلهيّين ليصل إلى كماله الوجوديّ؛٤ هؤلاء لا يفهمون هذه الأمور! هؤلاء لا يُفرّقون بين ابن الإنسان وصغار الحيوانات؛ ولهذا، ولأنّهم لا يستطيعون صرف هذه الروايات عن معناها المطابقيّ، وتأويلها وتوجيهها وفق رغباتهم وأهوائهم، فإنّهم يطرحون سنديّتها جانبًا، ويُشكّكون في حجيّة هذه الروايات، بل إنّهم إذا كانوا قد درسوا أكثر قليلاً، فإنّهم يخدشون في دلالة الحديث نفسها؛ في حين أنّ هذا الحديث ممّا نقله الشيعة والسنّة،٥ والأحاديث من هذا القبيل كثيرة جدًّا.٦
هذا هو التوجيه والتأويل والوضع! وضعُ الرواية يعني أن تنسب خبرًا ومفادَ كلامٍ إلى الإمام عليه السلام لا يعلم عنه شيئًا بتاتًا!
إذا حضر النبيّ الأكرم في زماننا هذا، وسألناه: هل ذكرتم هذه الرواية أم لا؟ لقال: نعم، لقد ذكرتُ هذه الرواية. فإذا سألناه: هل مرادكم من التكثير هو هذا التكثير الظاهريّ، أم ـ على حدّ تعبير بعض المشايخ ـ يجب الاهتمام بالنوعيّة؟ لقال: كلاّ! أ لم يكن لي لسان لأقول: إنّه يجب الاهتمام بالنوعيّة؟! لقد عشتُ بين الناس ثلاثًا وعشرين سنة، فهل قلتُ مرّة واحدة: لا تكثروا إلاّ في بيئة مناسبة وما شابه ذلك؟! هذا هو الوضع؛ الوضع يعني أن ننسب أمرًا إلى النبيّ لم يقُله، ويقول: أنا بريء من هذا الكلام!
ولأنّهم لا يستطيعون الوضع، فإنّهم يتلاعبون بمفاد الحديث، فيقولون: إنّ المقصود من هذه الرواية هو كذا، والمقصود من تلك الرواية هو كذا! فهل فهمتَ أنتَ مراد النبيّ؟! وهل جلستَ مكان النبيّ؟! وهل كان النبيّ نفسه عاجزًا عن بيان مراده؟! هل نَصّبتَ نفسك وكيلاً عن لسان النبيّ؟!
تحريف واقعة الغدير بواسطة التأويلات والتوجيهات الباطلة
بعض علماء أهل السنّة يُبيّنون هذا الأمر، ويُنبّهون غيرهم من علماء أهل السنّة قائلين: لماذا تبذلون سعيكم في إنكار واقعة الغدير؟! إنّ واقعة الغدير واقعة تاريخيّة لا مجال لإنكارها، فتعالوا، وأوّلوا قضايا ومسائل تلك الواقعة، ووجّهوها؛ فهذا أسهل! أوّلوها بأنّ المراد من «مَن كُنتُ مَولاهُ فَهَذا عليٌّ مَولاهُ» هو المحبّ، أي: «أيّها الناس، من كنتُ حبيبه فهذا عليٌّ حبيبه!»؛ وبذلك، تنتهي المسألة، ولا تثبت بعد ذلك خلافة ولا زعامة ولا حكومة ولا إمامة.۱
وبعد الطبريّ، قام الجميع بهذا العمل؛ غاية الأمر، بما أنّهم أناس جهلة جدًّا، فقد نسوا هذه النقطة، وهي: على فرض أنّنا أخذنا الرواية بمعنى المحبّ، فإنّ الحجّة قائمة عليهم أيضًا؛ لأنّ النبيّ الأكرم لمّا قال: «مَن كُنتُ مَولاهُ فَهذا عليٌّ مَولاهُ»، فإنّ ذلك ـ بناءً على نقلهم هم ـ جاء بعد قوله: «أيُّها الناسُ، ألَستُ أولىٰ مِنكُم [بِكُم] مِن أنفُسِكُم»؛٢ أي: ألا تعتبرونني أقرب إليكم من أنفسكم؟! فإذا أخذتم هذه الأولويّة بمعنى الحبّ والمحبّة والصداقة، فإنّنا نقبل أنّ النبيّ يقول: «ألا تعتبرونني أحبّ إليكم من أنفسكم؟!»، ونحن نُجيب قائلين: بلى، يا رسول الله! فإذن، عندما يقول النبيّ: «نفسي وروحي أحبّ إليكم من أنفسكم وأرواحكم!»، فهذا يعني أنّه بمقدار ما تُحبّون ذواتكم وأنفسكم وترغبون في بقائكم ودوامكم، يجب أن يكون حُبّكم لي ولبقائي وما أريده أكثر من ذلك المقدار؛ لأنّ حبّ الذات يستلزم حبّ لوازم الذات.
فعندما أقوم بعمل ما، وأفعله وفقًا لمصلحتي، فذلك لأنّ حبّي لذاتي يستلزم ذلك؛ أي لأنّني أريد نفسي ومصلحتي وبقائي، ولهذا أتحرّك في سبيل جلب المنافع لبقائي ودفع المضارّ عنه. وبناءً على ذلك، إذا كنتُ أحبّ إنسانًا حقًّا أكثر من نفسي، وكان أحبَّ إليّ من نفسي، ففي حال التعارض بين عملين: أحدهما يكون لأجل بقائي والآخر لأجل بقاء ذلك المحبوب، وأحدهما لأجل مصالحي والآخر لأجل مصالحه، فإنّني سأقدّم الأفعال والأعمال التي تتوافق مع مصالح المحبوب على مصالحي!
وحينئذ، فإنّ قوله: «ألستُ أولىٰ بِكُم مِن أنفُسِكُم؟!» يعني: «ألا تعتبرونني أحبّ إليكم من أنفسكم؟!» وهم أجابوا: «بلى، أنت أقرب إلينا وأحبّ إلينا من أنفسنا!»، وهذا يعني: في حال التعارض بين العمل الذي تُريده والعمل الذي نُريده، يجب تقديم العمل الذي تُريده على العمل الذي نُريده؛ وبالتالي، فإنّ: «فَمَن كُنتُ مَولاهُ فَعَليٌّ مَولاهُ!» تعني: «من كنتُ أنا حبيبه، فعليٌّ أيضًا حبيبه!»
فلا فرق في الواقعة، والمآل والنتيجة واحدة، سواء اعتبرنا الأولويّة بمعنى التقرّب والولاية، أو بمعنى المحبّة؛ لأنّ محبّة الذات للذات ستكون متأخّرةً عن محبّة ذاتنا لذات النبيّ؛ وعندما يثبت تأخّر هذا الأمر، فإنّ الأعمال والتصرّفات التي تلازم محبّة الذات ستقع متأخّرة عن الأفعال والأعمال التي تتمّ بأمر ذلك المحبوب وإرادته.
غاية الأمر أنّ هذا الرجل لم يكن يفهم ذلك؛ ولهذا، قال: لماذا نأتي ونلغي هذه الواقعة؟! لماذا نُنكر هذه الواقعة التاريخيّة ليأتوا غدًا ويقولوا: هذا هو دليلها! علينا أن نأتي، ونقوم بعمل أسهل، فنسقط كلام النبيّ عن الحجيّة، ونُوضّحه للناس بخلاف مراده؛ وهذا عمل سهل ويسير جدًّا، ولا يُمكن لأحد أن يمنعنا قائلاً: بأيّ دليل تقصدون هذا المعنى من هذه الرواية؟! لأنّنا سنقول: نحن نعمل وفق ظهوراتنا ورؤيتنا؛ فنحن لم نكن في زمان النبيّ لنسأله «صلّى الله عليه وآله» عن مراده من «تَناكحوا تَناسَلوا»، بل أتينا بعد ألف وأربعمائة سنة، ونفهم هذا المعنى من كلام النبيّ، ولا يُمكن لأحد أن يعترض!
مخاطر توجيه وتأويل الأحاديث بواسطة العلماء صنيعة الاستعمار
إنّ التوجيه الدقيق والتأويل اللطيف يُمكن أن يكونا أشدّ تأثيرًا من ألف وضع للحديث وألف خدشة في السند وحجيّة الحديث! فهم يقولون: على الرغم من أنّ النبيّ قد قال هذا الكلام، إلاّ أنّ مراده هو كذا! ففي هذه الظروف وفي هذا الزمان، يجب أن نكون قادرين على تربية الأولاد؛ فلا يصحّ أن يكون لدينا مُهرّبون، ولا يصحّ أن يكون لدينا أناس متخلّفون في المجتمع!
| [چو علم آموختی از حرص آنگه ترس کاندر شب] | *** | چو دزدی با چراغ آید گزیدهتر برد کالا۱ |
[يقول: إذا تعلّمت العلم فاحذر من الحرص؛ فإنّ اللصّ إذا جاء ليلاً بمصباح، انتقى أثمن البضائع]
من هو اللصّ؟ هل اللصّ هو فقط من يتسلّق الجدار، ويسرق عشرة آلاف تومان أو عشرين ألفًا؟! هل اللصّ هو فقط من يسرق كلّ ثروة البلد؟! أم أنّ اللصّ هو من يسرق دين الناس؟ أيّهما هو اللصّ؟! اللصّ هو من يسرق شرفَ الناس!
لقد جاء أناس وفعلوا ذلك؛ ولهذا، فإنّ جهاز الاستعمار كان ولا يزال سيبقى بحاجة إلى بعض العلماء للتغلغل في ثقافة الناس، ليتمكّن من استخدام تلك المبادئ والمسائل والروايات والأخبار والكلمات ـ وباختصار: تلك الأمور التي يمكن أن تكون في رواياتنا من باب المتشابهات القرآنيّة والكلام الذي يحتمل وجوهًا ـ ضدّ كيان الإسلام وديانة المسلمين. والعمل ليس صعبًا، بل يحتاج فقط إلى بعض المعرفة.
كان المرحوم الآقا ضياء الدين العراقيّ، وهو من كبار المراجع، يقول: أعطني أيّة مسألة كانت، وبإمكاني أن أُقيم الدليل عليها نفيًا وإثباتًا!
تأثير قوّة البيان في تغيير الأحكام وتوجيه الروايات
إنّ من يطّلع على الأدلّة، ويمتلك قسطًا من التضلّع والجولان الفكريّ، يُمكنه تمامًا أن يُغيّر المسائل وفقًا لآرائه.
يُنقل عن المرحوم الإشراقيّ الكبير، ذلك الخطيب الشهير الذي كان يُلقّب بإله الكلام، أنّه كان يتحدّث لعدّة ليالٍ حول بيت شعر واحد من ألفيّة ابن مالك:
| والاسمُ مِنه مُعرَبٌ ومَبنيّ | *** | لِشَبَهٍ مِن الحروفِ مُدنيّ٢ |
كان يتحدّث عشر ليالٍ حول بيت الشعر هذا، وكان من البراعة بحيث كان يستخرج المسائل السياسيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة من هذا البيت النحويّ اليتيم من ألفيّة ابن مالك! ومن العجيب حقًّا أنّه كان يتحدّث دون أن يخرج عن صلب الموضوع! «وإنّ مِنَ البيانِ لَسِحرًا!».٣
حكى لي أحد رفقاء البحث: في حياة والدي، دخل المرحوم الإشراقيّ منزلنا يومًا. وكان أمامه سماور٤ وشاي وإبريق وعدّة كؤوس وصحون؛ فدار الحديث حول كيفيّة تقرير الإنسان لموضوعٍ وبيانه، فالتفت المرحوم الإشراقيّ إلى والدي، وقال: «لو شئتُ، لتحدّثتُ عشر جلسات متتالية حول هذا السماور والإبريق والكأس، دون أن أخرج عن هذه المحاور الثلاثة، ولو بمقدار كلمة واحدة!».
«وإنّ مِنَ البيانِ لَسِحرًا!»؛ هذه هي قوّة البيان، وهذه قوّة القلم، وهذا هو الجولان الذهنيّ! إنّ هذا ليس بالأمر العسير، وبإمكاننا نحن أيضًا أن نأتي بمثل هذه التوجيهات، وربّما نستطيع التوجيه أفضل منكم؛ ولكن، هناك غدٌ أيضًا [أي يوم القيامة]، والتفكير في ذلك الوقت لا يسمح بذلك! وإلاّ، فإنّ باب التوجيه مفتوح؛ ولكن، ما الفائدة والمنفعة منه في النهاية؟! هل يُنزل الإنسان نفسَه من ذلك المقام العظيم والمقام الرفيع والإنسانيّة إلى هذا الحطام الدنيويّ، فقط ليُقال له: سماحة السيّد فلان؟! أو لكي يستقبلوه ويُودّعوه بالسلام والصلوات؟! أو لكي يُذكر اسمه هنا وهناك؟! كلّ هذا لأجل الدنيا؛ فهل حقًّا تستحقّ حياة يومين في هذه الدنيا أن نقوم بهذه الأعمال؟!
مسؤوليّة الناس تجاه إيثار سيّد الشهداء عليه السلام وتضحيته
مَن الذي سيُجيب النبيّ، وبماذا سنُجيب الأئمّة «عليهم السلام»؟! كنتُ أفكّر في هذا الأمر كثيرًا، ولا أزال أفكّر كثيرًا أنّه حقًّا إذا جاء الأئمّة «عليهم السلام»، كالإمام الحسين عليه السلام مثلاً يوم القيامة، ووقف في صحراء المحشر، وقال: «لقد نزلت بي هذه المصائب في سبيل الله وفي سبيل إقامة الدين، ورضيتُ بأن أُقدّم عليًّا الأكبر، وأُقدّم العبّاس، وأُقدّم عليًّا الأصغر، وأن تتشرّد نسائي وعيالي بتلك الصورة، ثمّ تأتون أنتم وتفعلون هكذا برواياتنا!»، فبماذا سنُجيب؟! إنّه لأمر يدعو للأسف الشديد! ويحك أيّها العديم الدين، ألا تعلم حقًّا أنّ مقصود الإمام ليس هكذا، وتُؤوّل بهذا الشكل؟!
الاستدراج عن الحقيقة والوقوع في المجاز
| دلا تا کی در این چرخ۱ مجازی | *** | کنی مانند طفلان خاکبازی |
| تویی آن دستپرورْ مرغِ چالاک٢ | *** | که بودت آشیان بیرون از این خاک |
[يقول: أيّها القلب، إلى متى تلهو في هذه العجلة المجازيّة كطفل يلهو بالتراب؟
أنت أيّها الطائر المروّض الرشيق الذي كان عشُّه خارج هذا التراب]
ذلك الإنسان الذي يجب أن يتحرّك حقًّا إلى مقامات عالية، وهو من ﴿نَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾،٣ ويجب أن ينطلق نحو عالم القُدس، يوقع نفسه في هذه الأمور؛ يا حسرتاه! إنّه لأمر مُضحك حقًّا! ففي هذه الغابة، توجد جميع أصناف الناس!
| چرا زآن آشیان بیگانه گشتی | *** | چو دونان، جغد این ویرانه گشتی |
| بیفشان بال و پر زآمیزش خاک | *** | بپر تا کنگر ایوان افلاک |
| همه دور شباروزی گرفته | *** | به مقصد راه فیروزی گرفته۱ |
[يقول: لماذا أصبحتَ غريبًا عن ذلك العشّ، وصرتَ كاللئام بومًا في هذه الخربة
انفض جناحيك من غبار التراب، وطِر إلى شُرُفات إيوان الأفلاك
الجميع قد تمسّك بتقلّب الليل والنهار، وسلك طريق الظفر نحو المقصد]
نحن نقول هذا الكلام لأنفسنا ولهذا الجمع لكي نكون يقظين، وإلاّ، فإنّ الأمر قد جاوز هذا الكلام!
إنّ الاستدراج هو حقًّا من أكبر المخاطر، أو يُمكن القول: هو أعظم خطر يهدّد سعادة الإنسان! فالكثيرون عندما يريدون أن يبدأوا، تكون لديهم في البداية أفكار أخرى، ولكنّهم بعد ذلك [يتغيّرون] شيئًا فشيئًا.
أساليب الاستعمار والأنظمة الظالمة في استخدام علماء السوء لتبرير قضاياهم الباطلة
لكي يُطبّق جهازُ الاستعمار ثقافته، فهو بحاجة إلى أشخاص موجّهين ولهم وجاهة ومكانة بين الناس، لكي يَبرُزوا في المجتمع، ويُبرّروا له هذه الثقافة؛ وإلاّ فلن يتمكّن من تطبيق ثقافته وأهدافه.
فتارة، تقوم حكومة استعماريّة بإخضاع شعب وسلبه أنفاسه بقوّة المدافع والدبّابات؛ وهذا الأمر لا يمكن أن يستمرّ إلاّ لمدّة محدودة، وليس بشكل دائم؛ أمّا إذا برز أشخاص موجّهون من بين هؤلاء الناس أنفسهم ـ مع الأخذ بعين الاعتبار لمعنويّاتهم وعقائدهم ومبانيهم ـ فحينها، تُنحّى كلّ تلك المدافع والدبّابات والرصاص جانبًا، ويتمكّنون من ترسيخ اضمحلالهم، ويُزيلون بقاءهم بأيديهم.
هكذا هو أسلوب الاستعمار، وهكذا يؤدّي عمله؛ فالآن، قد ولّت المسائل السابقة، ونُسي ذلك النحو من الهيمنة والسيطرة على العالم، وباتت الأساليبُ الجديدة والحديثة لإخضاع الشعوب المستضعفة والمحرومة مطروحةً أمام الساسة الأجانب.
في النظام السابق، كان الناس مطّلعين على الأحداث والوقائع التي تدور حول النظام الشاهنشاهيّ، وكان وضع "جلالة الملك" وكلّ المحيطين به واضحًا لهم؛ ولكن، لكي يتمكّنوا من إبقاء الناس في وضعٍ هادئ وحالٍ محايد وربّما متفائل، كانوا يُعيّنون أشخاصًا يتمتّعون بوجاهة بين الناس من بين أتباعهم وحاشيتهم؛ ومن خلال عقد المجالس ورجوع علماء السوء إليهم، كانوا يُبرّرون للناس مسألة السلطنة والنظام الشاهنشاهيّ! فأمثال كاتوزيان والأشخاص الذين كانوا في مكانة مناسبة من حيث الوجاهة الوطنيّة، كانوا يرتكبون أعظم خيانة بحقّ الإسلام والمسلمين؛٢ وكان بعض العلماء والمُعمّمين معدومي الدين في طهران، ومن خلال تردّدهم على منازل هؤلاء والتزلّف إلى خدّام "جلالة الملك"، يُوجّهون أعظم خيانة للشعائر الإسلاميّة ومباني التشيّع! هؤلاء هم الذين كانوا يُلبسون رغباتهم وأهواءهم الدنيويّة لباسًا شرعيًّا بتبريرات غير موجّهة وبذريعة حفظ النظام الحاليّ! «أمينُ الخائنِ خائنٌ!».
فلو لم يكن هؤلاء موجودين، فهل كانت رؤية الناس تجاه النظام الشاهنشاهيّ هي نفس الرؤية في ظلّ وجودهم؟! ألم يُكن الناس يقولون في ذلك الزمان: إنّ هذا النظام هو نظام يعمل فيه مثل هؤلاء الأشخاص الموجّهين على خدمة الخلق وقضاء حوائج الناس؟! فمَن كان السبب في تفكير الناس بهذا الشكل؟ إنّ موجّهي النظام هؤلاء هم الذين كانوا يحولون دون أن يتمكّن الناس من تطبيق تلك الصلابة والحدّة والدفاع الرصين في مواجهة خُطط الاستعمار؛ وهذا الأمر كان يتسبّب في إغلاق عيون الناس وآذانهم.
خداع الناس باستخدام الأشخاص الموجّهين الذين يتظاهرون بالصلاح
حكى لي أحد أقاربنا: لقد أرسلني الفريق أويسيّ (ذلك الجلاّد المعروف الذي صنع أحداث يوم الجمعة السابع عشر من شهريور) لتولّي مسؤوليّة في إحدى المحافظات. فقلت له: أنت تعرفني، أنا رجلٌ أُصلّي وأصوم، ولا أشرب الخمر، ولا شأن لي بالأدوات غير الشرعيّة؛ وإذا أرسلتني إلى هناك، فسأمنع شرب الخمر في الأندية والمجالس العامّة، وسأجرّ الناس والجنود والضبّاط إلى المسجد!
فأجاب أويسيّ: «نحن نُرسلك تحديدًا لتقوم بهذه الأعمال! نحن نُرسلك إلى هناك عمدًا!».
هذه هي القضيّة؛ فالمسألة دقيقة جدًّا! وعندما اصطدم هذا الشخص هناك بأحد الجنرالات الذي كان أعلى منه رتبة بكثير، فإنّ الشخص الذي دعمه في المحكمة ولم يسمح للأمر بأن يمضي لصالح ذلك الجنرال البهائيّ، كان هو السيّد أويسي نفسه.
هؤلاء هم الأشخاص الذين كانوا يُثبّتون ذلك النظام؛ فأمريكا وبريطانيا، ولكي تُرسّخا حكمهما في إيران، كانتا تأتيان إلى السلطة بهذه البيادق التي تُصلّي وتصوم وتحجّ!
لقد رأيتُ في إحدى ملفّات الثورة أنّهم كانوا يُريدون إعدام شخص، فقال في المحكمة: «لقد أدّيتُ فريضة الحجّ، وقمّت بالعمل الصالح الفلانيّ!» فأجابه الآخر: «ماذا يعني أنّك أدّيت الحجّ؟! إنّ الجنرال الفلانيّ قد تشرّف بالحجّ ثمانية عشرة مرّة، ولم يترك صلاة الليل أبدًا، في حين أنّه كان أحد العناصر التي تسببّت في مجازر للناس!». لقد كان لديهم أمثال هؤلاء الأشخاص!
ولهذا، وبالالتفات إلى هذه النقطة، يُمكننا التوصّل إلى أنّ الذنب والوزر والوبال الذي يقع على عاتق هؤلاء الأشخاص، هو أكثر بكثير من وبال وذنب أولئك المنخرطين في الأحداث بشكل مباشر! فذنب المُبرِّر أكبر بكثير من ذنب المتورِّط المباشر! فالمُبرِّرون هم من يقومون بالتبرير! ولأجل هذه المسألة يُوجد بين العلماء والمُعمّمين من يُبرّر هذه المسائل والروايات الواردة عن النبيّ الأكرم «صلّى الله عليه وآله» في مسألة كثرة النسل مثلاً، بعبارات من قبيل: «إنّ هذه الروايات لا تخصّ زماننا هذا»، أو: «لم يكن هذا هو مراد النبيّ».
حكاية في مكر الظالمين من خلال استغلال علماء السوء الطامعين في الدنيا
كان سماحة الوالد العلامة آية الله الطهرانيّ دام ظلّه يقول: كان السيّد جمال الدين الكلبايكانيّ رضوان الله عليه يقول: «عندما كنتُ في النجف، كان لديّ رفيقُ بحثٍ شديدُ الفهم وسريعُ الانتقال [الذهنيّ]. أنهى دراسته وبلغ درجة الاجتهاد وحصل على الإجازات، ثمّ عاد إلى شاهرود حيث كان منزله. ومنذ دخوله إلى هناك، أصبح الحاكم الدينيّ المطلق للمدينة، وكنت أطّلع بين الحين والآخر على أحواله ومعنويّاته، وكيف أصبح المرجع المبسوط اليد والحاكم الشرعيّ المقتدر في شاهرود وتلك المنطقة.
مرّت مدّة طويلة على هذا الحدث. وفي يوم صيفيّ حارّ، كنت جالسًا في الغرفة العلويّة من المنزل؛ وفجأة، طُرق الباب، وجاء أحد أبنائي وقال: "هناك رجل حليق اللحية يرتدي ربطة عنق وقبّعة (شابو) ويحمل عصا، ويسأل: هل هذا منزل الحاجّ السيّد جمال الكلبايكانيّ؟ فقلت: نعم. فقال: لديّ عمل معه وأريد زيارته!" فقلت: قل له أن يصعد!
وفي هذه الأثناء، دخل رجلٌ غمرت الظلمةُ كلَّ المكان بدخوله؛ فقلت له: من أنت؟ فقال: "ألا تعرفني؟!" فقلت: كلاّ! فقال: "أنا فلان، رفيق بحثك!". فما إن سمعت هذا الكلام، حتّى قلتُ: قبّح الله وجهك! ما هذا المظهر والشكل الذي صنعته لنفسك؟! فجاء، وجلس، وبدأ يتحدّث. فسألته: لماذا أصبحت هكذا؟ فقال: "عندما ذهبت إلى شاهرود وتولّيت إدارة الأمور، كان الحاكم كلّما أراد أن يُصدر حكمًا يخالف الإسلام، كنت أمنعه ولا أدعه يفعل. وبعد فترة، بدأت أرى أنّ الأشخاص الذين كانوا حولي يتناقصون؛ فقد انشغلوا واعتقلوا أولئك المقرّبين واحدًا تلو الآخر! ومرّت مدّة على ذلك، وفي أحد الأيّام، دعاني الحاكم إلى منزله؛ فذهبتُ ورأيتُ مائدة حافلة وعجيبة قد مُدّت تكريمًا لسماحة حجّة الإسلام فخر الأعلام آية الله الشيخ الفلانيّ الكذائيّ"».
لقد كان آية الله؛ وليس الأمر مزحة! لقد كان رفيق بحث السيّد جمال الدين الكلبايكانيّ، ولم يكن طالبًا عاديًّا! والقصّة طويلة، وأنقلها باختصار شديد لكي نفهم وندرك أنّ هذه الأمور التي تُقال لنا ليست مزحة؛ فهذه وقائع حقيقيّة [أذكرُها] لكي نستعيد مكانتنا!
«كان يقول: "مدّوا المائدة؛ وعندما رفعوها، جاء الخدم والندماء، فرأيتهم يتهامسون ويُشيرون إلى بعضهم: هل نُحضرها أم لا؛ لأنّ الشيخ حاضر؟! فقلت: ما الخطب؟ وما معنى: نُحضرها أم لا؟! وما معنى أن يكون حضور الشيخ غير مناسب وسيّئًا؟! فقال أحدهم: سيّدي، إنّهم يُريدون احتساء بضعَ كؤوس من الخمر! [فقد اعتادوا شرب الخمر حتمًا بعد الطعام! فغضبتُ لسماع هذا الكلام، وتركت المجلس بانزعاج وغضب!].
ومرّت مدّة، حتّى جاءتني هديّة ملكيّة تليق بسماحة آية الله من قبل البلاط. فرأيت أنّه لا يمكن رفضها؛ وقبلتها أخيرًا وقلت: ليس من السيّئ أن يقوم الإنسان أحيانًا بمثل هذه الأمور لتأليف القلوب والمؤانسة!
وبعد أسبوعين، دعوني مرّة أخرى، وكان هناك نفس المجلس ونفس المائدة ونفس الأوضاع؛ وعندما رُفعت المائدة، بدأ الغمز واللمز مرّة أخرى، تمامًا كالمرّة السابقة. فقال أحدهم: سيّدي، الآن، إذا كنتم تحتاطون، فاخفضوا رأسكم وغضّوا الطرف!". وكان يقول: "وأنا أيضًا خفضتُ رأسي!"».
الآن، ما أدرانا بما يجري حولنا؟! فقاعدة البراءة يمكن إجراؤها هنا بشكل جيّد، و «ضَع أمرَ أخيكَ علىٰ أحسَنهِ»۱ واردةٌ هنا أيضًا، ولا ينبغي لنا أن نتدخّل في شؤون الناس، وعلى كلّ إنسان أن ينشغل بنفسه، والتجسّس على الناس غير صحيح! إنّ هذه النقاط التي أطرحها في ثنايا حديثي هي لكي تعلموا كيف يأتون، ويستخدمون هذه القواعد: إنّه ليس من الصحيح أن يتجسّس الإنسان!
«"خفضتُ رأسي، ثمّ أحضروا الخمر وشربوا وانتهى الأمر واختتم المجلس".
وخلاصة الأمر، في ذلك المجلس نفسه أو في المجلس الذي تلاه، قام سماحة آية الله العظمى بنفسه باحتساء كأس الخمر!!
كان يقول: "عندما شربتُ كأس الخمر، شعرتُ أنّ كلّ ديني قد ذهب دفعة واحدة، وانتهى الأمر! وعندما رأيت الأمر كذلك، خلعت العمامة، وتركتُ لباس النبيّ، وحلقتُ لحيتي، وأصبحت الآن على هذه الهيئة التي تراني عليها"».٢
وبعبارة أخرى: كنتُ في السابق من أعوان الظلمة، وأصبحتُ الآن من أعيان الظلمة! وطبعًا، هذه الجملة هي عبارتي أنا وليست عبارته هو؛ ويجب علينا أن نراعي الأمانة في نقل الكلام! فهو يقول: كنتُ من أعوانهم في السابق، وأصبحتُ الآن شريكهم ومن أعيانهم.
إنّ في هذا عبرة لنا! إنّ الشيطان لا يترك الإنسان بهذه السرعة! لِنَدع بقيّة المسائل، فقد نقلت هذه الحكاية فقط؛ لأنّ مدّة طويلة قد مرّت عليها؛ وإلاّ، فهناك مسائل أخرى وربّما تكون أسوأ من هذه.
| مصلحت نیست که از پرده برون افتد راز | *** | ورنه در مجلس رندان خبری نیست که نیست۱ |
[يقول: ليس من المصلحة أن ينكشف السرّ للعلن، وإلاّ، ففي مجلس العشّاق، كلّ الأخبار موجودة].
تأثير المظهر الشرعيّ والوجه الوجيه لعلماء السوء في استشهاد الإمام الحسين
لا يستطيع يزيد أن يعتمد على السفّاحين وحليقي اللحى لقتل الإمام الحسين عليه السلام؛ لأنّه يريد أن يُرسل هؤلاء الناس أنفسهم ـ الذين يرتادون المساجد ـ لمحاربة الإمام الحسين؛ ولهذا، يجب عليه أن يُرسل ـ من جهة ـ إمامَ جماعةٍ له وجاهةٌ ومكانةٌ كعمر بن سعد؛ ومن جهة أخرى، يأتي بشخص مثل شريح القاضي، وعندما يجتمع هذان الاثنان، فإنّ الأمر ينتهي، ولا يعود الإمام الحسين قادرًا على النطق بحرف أمام هؤلاء!
هل تظنّون أنّ عمر بن سعد كان إنسانًا عاديًّا؟! كلاّ، لقد كان عالم الكوفة، وكان ابن سعد بن أبي وقّاص، وكان إمام جماعة، وكان الناس يرجعون إليه، ويسألونه عن مسائلهم الشرعيّة! لقد كان الشخص الوحيد الذي أشار إليه ابن زياد من بين جميع أهل الكوفة؛ أي أنّه كان الرجل الذي يُمكنه الوقوف في وجه الإمام الحسين، وكانت مكانته الظاهريّة وشكله ومظهره تجعله قادرًا على مواجهة الإمام الحسين؛ ولذلك، جاء، ونجح في مهمّته!
لقد تحدّث الإمام عليه السلام معه عدّة مرّات، ولكن مهما قال له [ما معناه]: إذا كنت تريد الدنيا فسأعطيك إيّاها؛ ذلك البستان الذي أملكه في المدينة هو لك! وإذا كنت تريد الآخرة [فسأشفع لك يوم القيامة]! لم يكن يقبل؛٢ ﴿ٱستَحوَذَ عَلَيهِمُ ٱلشَّيطَٰنُ فَأَنسَىٰهُم ذِكرَ ٱللَهِ﴾.٣ يجب علينا حقًّا أن نستعيذ بالله من أن يؤول بنا الوضع والمقام إلى هذا الحال! وأن يقبل إنسان ـ بكلّ تلك المسائل والمكانة ـ أن يقتل ابن النبيّ! فتارةً، قد يقوم الإنسان وبسبب شؤونه وللحفاظ على منصبه باعتقال الإمام، وزجّه في السجن أو نفيه؛ ولكن العياذ بالله، أن يُقدم يومًا على قتله، وذلك بتلك المكانة والوضع، حيث يكون هو أوّل من يأمر بالرمي، ويقول: «أيّها الناس، اشهدوا أنّي أوّل من رمى بسهم نحو خيام الحسين بن عليّ!».٤
إخبار رسول الله عن شهادة الإمام الحسين عليه السلام
يقول أمير المؤمنين عليه السلام [ما معناه]: جاء النبيّ الأكرم إلى منزلنا يومًا. فأعدّت له فاطمة الزهراء «عليها السلام» وعاءً من الحريرَة، وقدّمت أمّ أيمن وعاءً من اللبن ووعاءً من التمر هديّة للنبيّ. فبدأ النبيّ بالأكل، وبدأنا نحن بالأكل. فحصلت للنبيّ حالة من الابتهاج العجيب؛ فطلب ماءً وتوضّأ، ثمّ رفع يديه بالدعاء واستقبل القبلة وبدأ يدعو. وبينما هو يدعو، رأينا فجأة وجهه يتغيّر، فوضع رأسه على الأرض، وبدأت دموعه تنهمل كالمطر! وعندما رفع رأسَه، لم تكن هيبتُه تسمح لنا بالسؤال. فجاء الحسين، وكان في سنّ الطفولة، وألقى بنفسه في حجر النبيّ وقال: «يا أبتاه، ما الذي أبكاك؟!».
فقال النبيّ: «لقد غمرتني حالة من البهجة لم أعهد لها مثيلاً في حياتي كلّها! فبدأت بالدعاء، وفي هذه الأثناء جاء جبرائيل وقال: "يا رسول الله، انظر إلى وقائع المستقبل وما سيفعله هؤلاء الناس بأبنائك!"، فرأيتكم جميعًا مطروحين على الأرض هنا وهناك وقد تفرّقتم في كلّ مكان؛ ورأيتك في كربلاء مع جميع أهل بيتك صرعى على الأرض، فلم أُطِق صبرًا!».
أجر ومنزلة زوّار أبي عبد الله الحسين عليه السلام
فيقول سيّد الشهداء عليه السلام: «يا رسول الله، عندما يقتلنا هؤلاء الناس، فمن سيزورنا؟»
فيقول النبيّ: «يأتونَ مِن أمّتي قومٌ يَزورونَكُم ويُريدونَ بذلِك بِرّي وصِلَتي؛ أي: ستأتي ثلّة من أمّتي لزيارتكم، يريدون بزيارتكم التقرّب إليّ».
ثمّ يقول النبيّ هنا [ما مضمونه]: «هم يأتون لزيارتكم، وأنا سأردّ هذه الزيارة؛ وسآتي أنا أيضًا يوم القيامة لزيارتهم، فآخذ بأيديهم، وأُخرجهم من تلك المهلكة، وأُدخلهم الجنّة!».۱
فالنبيّ يقول: كلّ زيارة لها ردّ؛ فهم يأتون لزيارتكم، وأنا أذهب لردّ زيارتهم يوم القيامة، فردّي للزيارة يكون في ذلك الوقت والمكان! في ذلك الوقت الذي ﴿يَومَ يَفِرُّ ٱلمَرءُ مِن أَخِيهِ﴾٢ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَت﴾٣ أي: في الوقت الذي تترك فيه الأمّ رضيعها من شدّة أهوال القيامة، سآتي حينها لردّ زيارتهم، وأُنجِّيهم!
أبيات في رثاء الإمام الحسين عليه السلام
| ولَن أنسَ سِبطَ المُصطَفىٰ وهو ظامِئُ | *** | يُذادُ عن الماءِ المُباحِ ويُحرَمُ |
| وقد صُرِعَت أنصارُه وهو مُفرَدُ | *** | يُنادي: ألا مِن راحمٍ يَترَحَّمُ؟ |
| يَموتُ عِطاشًا آلُ بيتِ محمّدٍ | *** | ويَشـرَبُ هذا الماءَ تُركٌ وديلمُ |
| ألَسنا أُولَى القُربَى الّذي أوجَبَت لنا | *** | مَودَّتَنا آيُ الكتابِ المُحكَمُ؟۱ |
أي: ألسنا نحن الذين فرض الله تعالى مودّتنا في القرآن الكريم؟!
كلام الشيخ الشاميّ مع الإمام السجّاد عليه السلام في أزقّة الشام
يسوقون الأسرى في أزقّة الشام نحو دار الخلافة، فيقول الإمام السجّاد عليه السلام [ما معناه]: جاء شيخ، ولمّا رآنا قال: «الحمدُ للهِ الّذي قَتَلكُم وأراحَ أميرَ المؤمنين يزيدَ مِنكُم؛ الحمد لله الذي قتلكم وأراح البلاد والعباد منكم، وأراح يزيد منكم!».
فيخاطبه الإمام قائلاً [ما مضمونه]: يا شيخُ، هَل قَرأتَ القرآنَ؟!
فيجيب: «بلى!»
هل قرأت هذه الآية: ﴿قُل لآّ أَسَٔلُكُم عَلَيهِ أَجرًا إِلاّ ٱلمَوَدَّةَ فِي ٱلقُربَىٰ﴾؟٢
ـ: «بلى، قرأتها!»
هل قرأت هذه الآية: ﴿وَٱعلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمتُم مِّن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلقُربَىٰ﴾؟٣
ـ: «بلى، قرأتها!»
هل قرأت في القرآن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجسَ أَهلَ ٱلبَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا﴾؟٤
ـ: «بلى؛ ولكن ما علاقة هذه الآيات بكم؟!»
يا شيخ، والله، إنّنا لنحن أهل البيت الذين نزلت فيهم هذه الآيات!
قيل: إنّ ذلك الشيخ ضرب بعمامته الأرض حينها، ورفع يديه نحو السماء، وقال: «اللَهمّ إنّي أتوبُ إليكَ؛ اللَهمّ إنّي أبرَءُ إليكَ مِن عَدوِّ آلِ محمّد ومِن قَتَلَةِ أهلِ بَيتِ محمّدٍ صلّى اللهُ علَيه وآلِه».٥
وسَيعلمُ الّذين ظَلموا آلَ محمّدٍ أيَّ مُنقَلَبٍ يَنقلِبونَ!