المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
التاريخ 1415/02/08
التوضيح
هل تتعارض أحكام العقل مع أوامر الشرع؟ وما هو الميزان الحقيقيّ في طاعة الإمام؟ وكيف نفهم صلح الإمام الحسن ونهي الإمام الباقر لزيد عن الثورة؟ وهل حقّا كان يوم عاشوراء ساحة لانتصار العشق على العقل؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيَ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات؛ مبيّنة مقام التسليم المحض لأولياء الله، ومفنّدةً بعض التطبيقات الخاطئة للكليّات الشرعيّة على مصاديقها، مع التركيز في ذلك على مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هو العليم
حجيّة العقل وحدوده في مقام التسليم للشرع والولاية
إشكاليّة تطبيق الكليّات الشرعيّة على المصاديق: فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أُنموذجًا
مباني الإسلام ـ محطّات من السيرة النبويّة ـ الجلسة ٢٣
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ
ثمّ الصلاة والسلام علىٰ سيّدنا ونبيِّنا وطَبيبِ نُفوسنا
أبي القاسمِ مُحمّدٍ وعلىٰ آله الطيّبينَ الطاهرين
ولعنةُ الله علىٰ أعدائهم أجمَعينَ من الآن إلىٰ قيام يَوم الدين
وجوب التعبّد بالنسبة للذي لم يصل إلى الملاكات الواقعيّة للأحكام
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.۱
يقوم أساس الدين والحركة التكامليّة للإنسان على التعبّد؛ أي الطاعة المطلقة للنبيّ والإمام والوليّ! ولا يُمكن لأحد أن يصل بنفسه إلى الملاك الواقعيّ للأحكام؛ اللهمّ إلاّ الأوحديّ من الرجال وبعض الأفراد الذين إذا استطاعوا الاطّلاع على منبع التشريع ومنشأ تدوين الأحكام، فإنّهم يُميّزون الصلاح والمصلحة والمفسدة في القضايا والأحداث كما هو حقّه؛ وفي هذه الحالة، يُمكنهم استنباط الحكم بأنفسهم، وإن لم يكن هناك دليل أو حكم ظاهر للمسألة من الناحية الظاهريّة. وإن وفّقنا الله تعالى، فمن المُحتمل أن نتطرّق إلى هذا الموضوع لاحقًا. أمّا عموم الناس، فيجب عليهم دائمًا، قبل الوصول إلى هذه المرحلة، مراعاة مسألة التعبّد والأخذ بعين الاعتبار ذلك العلم الإجماليّ.٢
دور العقل والحواسّ الظاهريّة في الوصول إلى المصالح والمفاسد الحقيقيّة
لقد تفضّل الله تعالى على البشر بملكات ونِعمٍ يُمكنهم من خلالها الوصول إلى الواقع إلى حدّ ما، وهذا المقدار يكفي للوصول إلى الغاية المنشودة؛ أي إنّ تلك الملكات الأوليّة قادرة على إيصال الإنسان إلى ما يقصده الله تعالى والشارع. فالعين، والأذن، والفكر، والعقل، والوجدان، وسائر الغرائز المودعة في كيان الإنسان، يُمكن أن تكون جميعها مُعدّةً ومُعينةً له في طريقه نحو الهدف والغاية.
غير أنّ هذه الأمور لا تكفي وحدها؛ فعلى سبيل المثال، نحن نمتلك عينًا نرى بها القضايا والأحداث، فتستلهم أذهانُنا تصوّرًا عن هذه الأحداث والقضايا التي رأتها العين؛ ولكن، قد لا يكون هذا التصوّر مطابقًا للواقع! فأنت ترى إنسانًا يقوم بعمل ما، ولكن هل تعلم ما هي نيّته؟ هَبْ أنّك رأيت تلك القضيّة واقعًا وحقيقةً وبدقّة، لكنّ مقصده ونيّته وهدفه من هذه المسألة ممّا لا يُدرك بالعين! فمن أين لك أن تُدرك ذلك؟! هنا، يجب علينا أن نُعيد النظر في أحكامنا، وهنا، يجب أن نترك دائمًا مجالاً للاحتمال في المسائل الخفيّة! فقد ورد في الرواية [ما معناه]:
لو أنّ مؤمنًا حمل عمل أخيه في قضيّة على الصحّة سبعين مرّة، ثمّ حمله في المرّة الحادية والسبعين على القبيح، لكان في إيمانه خلل.۱
وسبب ذلك هو أنّه لا يطّلع على النفوس أحد سوى علاّم الغيوب! فإن كنّا في غاية المهارة، أدركنا أبعاد تلك المسألة من الناحية الظاهريّة؛ أمّا من الناحية الباطنيّة، فلا يُمكننا ذلك أبدًا! لقد وهب الله تعالى للإنسان أذنًا يسمع بها الأصوات؛ وإذا أردنا أن نتّصف بغاية الدقّة في هذه القضيّة، ونفترض الأمر في أعلى مستوياته، فهو أن يكون ما سمعناه بآذاننا حقيقيًّا، فلم نخطئ في السمع؛ وهذا أقصى ما يُمكننا تصوّره.
نماذج من قصور إدراك الناس لِكلمات أولياء الله وحقيقة شؤونهم
ومن الضروريّ جدًّا التنبيه على هذه الملاحظة، وهي أنّني كنت شخصيًّا في مجلس، وكان الوالد العلاّمة [الطهرانيّ] يتحدّث فيه، وكان يجلس بجانبي رجل يُدوّن كلامه، وكنت أنظر بين الفينة والأخرى إلى كتاباته، فرأيته غالبًا ما يسمع أسماء المواضيع والكلمات بشكل خاطئ، ويكتبها بشكل خاطئ؛ فعلى سبيل المثال، كان الوالد العلاّمة ينطق بحرف «الجيم»، فيكتبه هو «شينًا»، وينطق «القاف» فيكتبه «كافًا»، وما شابه ذلك. حسنًا، هذه الكتابة ستصل إلى أيدي الآخرين، وتُنسب إلى الوالد العلاّمة كمُستند، وتُفاجأ بأنّ الأمر الذي تفضّل به يُنقل على الألسن بخلافه تمامًا، وبفارق مائة وثمانين درجة. فإذا أردنا أن نكون في غاية الدقّة، فإنّ أقصى ما نبلغه هو أن يكون ما نسمعه صحيحًا، لا أكثر؛ ولكن، هل نُدرك أيضًا ما يقصده المتكلّم، والذي ربّما لم يتمكّن من أداء فكرته كما ينبغي، أو المسائل التي تدور في خلده؟ كلاّ، لا يُمكنا إدراك ذلك!
كان الوالد العلاّمة يقول:
كان المرحوم الحدّاد رضوان الله عليه يسير ذات مرّة مع أحد معارفه في بغداد أو الكاظميّة، وكان لذلك الرجل عملٌ، فذهب لإنجازه، فجلس المرحوم الحدّاد بجوار مقهىً ليستريح؛ وبالمناسبة، كان صوت الموسيقى ينبعث من ذلك المقهى بأعلى درجات الشدّة والحدّة! وعندما عاد ذلك الرجل، رأى المرحوم الحدّاد جالسًا على أريكة المقهى، والموسيقى تُعزف بجوار أذنه مباشرة؛ ويا لها من موسيقى صاخبة!
وقد ورد في الرواية [ما مضمونه]: «أيّما بيت دخلته الموسيقى، خرجت منه الغيرة!».۱
ولم يقترب ذلك الرجل من المرحوم الحدّاد بسبب تحفّظه وتجنّبه لارتكاب الحرام واستماع الغناء، بل أخذ يُشير إليه من بعيد قائلاً: تعال يا سيّدي، تعال! فلم ينتبه المرحوم الحدّاد لمقصده بتاتًا! فتقدّم الرجل قليلاً، واستمرّ في الإشارة. فهو من جهة، يُريد ألاّ يصل صوت الموسيقى إلى أذنيه لئلاّ يرتكب الحرام؛ ومن جهة أخرى، يُريد إنقاذ مؤمنٍ مُبتلى بهذه القضيّة من الهلكة. وخلاصة القول، لقد وقع في حيرة من أمره في هذه المسألة. وأخيرًا، تنبّه المرحوم الحدّاد وقال: نعم؟ ماذا تريد منّي؟
فقال: يا سيّدي، إنّها موسيقى!
فقال: أين؟
فأجاب الرجل: إنّه يعزف الموسيقى يا سيّدي، انظر!
فقال: نعم، عجبًا، عجبًا، عجبًا!
فمن الواضح أنّه لم يكن يعيش تلك الأفكار وتلك الأحوال وتلك المشاعر بتاتًا!
وحينئذ، لو رأى هذا الوضعَ أولئك الذين قد يكون في قلوبهم وضمائرهم خلل، فبمَ سيحكمون؟ هنا، يُقال: لا يُمكن للإنسان أن يتسرّع في الحكم على مسألة ما. فهل تجد ما هو أصرح وأبلغ من هذه القضيّة لإثبات هذه المسألة؟! ولكنّك ترى أنّ الواقع شيء آخر بتاتًا، والمسألة شيء آخر تمامًا! ولهذا، فإنّ هؤلاء لا يستطيعون إدراك الواقع.
سبب حاجة البشر إلى اتّباع أولياء الله المطّلعين على نفس الإنسان
إنّ هذه الملكات التي تفضّل بها الله تعالى على البشر لهداية الإنسان وإرشاده إلى الغاية المنشودة، لا تكفي وحدها للوصول إلى حقائق الأحداث كما هي. فهذه العبادات والأدعية والأذكار المدوّنة والمقرّرة في كتب الأدعية على لسان الأئمّة عليهم السلام لتزكية الروح والنفس، هي بمثابة الدواء الذي يحتاج إلى طبيب ليصفه. فلو بدأتَ بكتاب مفاتيح الجنان من أوّله إلى آخره، وقرأتَه مرارًا وتكرارًا من الصباح إلى المساء؛ فلن ينفعك هذا العمل أبدًا، ولن يترك في نفسك أثرًا بمقدار رأس إبرة!
لقد نطق الأئمّة عليهم السلام أنفسهم بهذه الأدعية في حالات متباينة ومراتب مختلفة؛ ولهذا، يجب قطعًا أن تتطابق هذه الأدعية ـ من حيث التأثير والتأثّر ـ مع الحالات والخصائص النفسيّة للقارئ، وإلاّ فلن تُؤثّر، بل ربّما تترك أثرًا عكسيًّا. إنّ جميع هذه الأذكار الواردة عن الأئمّة عليهم السلام مبنيّة على الخصائص النفسيّة والمراحل والمراتب التي يقترن بها الإنسان خلال حركته، بحيث لو نطق بذكرٍ في مرتبة أخرى، لكان له أثر عكسيّ! فمَن الذي يُشخّص هذا الأمر؟ ومَن الذي يتولّى معرفة صلاح هذا الذكر من فساده؟ أنا أم أنت؟ لا أحد منّا! فكثيرًا ما يشعر الإنسان أثناء أداء عبادة أو ذكر أو عمل مستحبّ بالانبساط والانشراح والعلوّ، في حين أنّ ذلك هو عين سقوطه! فمَن الذي يُشخّص هذا الأمر؟ نحن بأنفسنا؟ كلاّ، لا يُمكننا تشخيصه!
فيُدرك الإنسان بعد مرور أشهر وسنوات أنّه: علاوةً على أنّه لم يحصل لديه قُرب، فإنّه قد ابتعد كثيرًا، ويجب عليه أن يتراجع ليتدارك كلّ هذه السنوات الماضية، ثمّ يبدأ الحركة من جديد! ومَردُّ ذلك إلى أنّنا لا نملك اطّلاعًا على زوايا قلوبنا وزوايا نفوسنا وأرواحنا!
حدود إدراك العقل لعالم الواقع والحقيقة
يُعدّ العقل والفكر من الثروات التي تفضّل بها الله على الإنسان، فقد أودع تعالى العقلَ في الإنسان لإدراك الكليّات والمجرّدات؛ وبناءً على نزول عالم الأمر والتدبير وعالم تقدير المصالح والمفاسد في عالم الإمكان، فقد أُودع العقل في كلّ وعاءٍ بمقدار تقدير المُقدِّر. وهذا العقل هو العقل الهيولانيّ؛ أي: صحيح أنّ هذه الملكة تكون موجودة في كيان الإنسان، ولكنّها قد تكون لم تصل بعدُ إلى تجرّدها وفعليّتها؛ ولهذا، لا يُمكن لهذا العقل أن يُبدي رأيه إلاّ في بعض المسائل. وباعتبار إنّ لعالم الواقع وعالم الحقيقة واقعيّة واحدة وحقيقة واحدة لا غير، فمن المستحيل أن يُخالف تشخيصُ العقلِ عالمَ الواقع والحقيقة! ولكنّ الكلام هنا هو أنّ ما يُدركه العقل بوصفه أمرًا كلّيًا ومجرّدًا وصلاحًا وفسادًا، ينطبق على درجات وخصائص تلك المرتبة عينها من عالم الإمكان، لا أكثر. وبعبارة أخرى، لمّا كانت الحقائق في عالم الإمكان ذات مراتب ومواضع ومنازل مجرّدة مختلفة، فإنّ كلّ إنسان يصل إلى تلك الواقعيّة والحقيقة بمقدار ما يبلغه عقله من تلك المرتبة. أمّا أن يُواجه العقل في وقت ما كلامًا أو نظريّة تُخالف نظريّته، فهذا أمر غير موجود بتاتًا!
نقد نظريّة «النزاع بين العقل والعشق في واقعة كربلاء»
إنّ الذين يقولون: لقد وقع نزاع بين العقل والعشق في واقعة كربلاء، وكانت الساحة ساحة العشق! فقد عمل أبو الفضل العبّاس بمقتضى العقل عندما دخل المشرعة للاستفادة من الماء؛ ولكن، عندما أراد أن يشرب، حضر عشقه، ومنعه من الشرب! «فذكر عطش الحسين»؛۱ أي: لمّا رأى أخاه سيّد الشهداء عطشانًا، (منعه عشقه من شُرب ذلك الماء!)».
يُخطئون في ذلك؛ فالساحة ساحة العقل! والعقل والعشق شيء واحد في الأساس! إنّ عقله هو الذي منعه؛ فلماذا يقتصرون على العشق؟! فالعقل يحكم بوجوب قطع أقصر مسافة للوصول إلى الغاية المنشودة، وأقصر مسافة هنا هي عدم الشرب، لا الشرب! فما معنى قولهم: إنّه العشق فحسب؟! إنّ العقل والعشق يحكمان هنا بمسألة واحدة!
«العقل ما عُبد به الرحمٰن، واكتُسب به الجنان»؛۱ لا يخلق الله تعالى في كيان الإنسان أبدًا ملكةً تتناقض وتتضادّ مع مقتضى حكمته البالغة؛ فهذا محال على الله! فإذا وقع اختلاف في موردٍ ما بين حكم العقل وذلك الواقع، فيجب التشكيك في مقدّمات تلك القضيّة العقليّة، لا في كيفيّة تشكّل القضايا التي يحكم العقل بنتائجها! لا يُمكن أن يكون الأمر كذلك أبدًا! فكما أنّ للقرآن الكريم مراتب وظهورات وبطونًا، ولكلّ بطن وباطن من القرآن مراتب أيضًا، ولا تتنافى أيّة مرتبة من هذه المراتب مع المرتبة الأخرى، ولا تُزيل أو تُبطل أيّ منها المرتبة الأخرى؛ فكذلك المراتب الموجودة في عالم التكوين، والحقائق المترتّبة تشريعيًّا على عالم التكوين، فإنّه لا تُعدّ أيّة واحدة منها رادعةً أو مانعةً أو مُزيلةً للأخرى.
سبب قصور العقل في إدراك المصالح والمفاسد الحقيقيّة
ولكنّ الكلام هنا هو: مَن الذي يُمكنه الوصول إلى هذه النتيجة وهذه المرحلة؟! الكلام هو: أيّ عقل يُمكنه إدراك هذه المسألة؟! وأيّ عقل يُمكنه تشخيص المصالح والمفاسد كما هي؟! فنحن في أحكامنا التي نُطلقها، والمسائل التي نُمرّرها في أذهاننا ـ والتي طالما نُقسم على صحّة رأينا فيها، ونعُدّها مطابقة للواقع مائة بالمائة ـ نكتشف بعد مضيّ الزمن خلاف ذلك، ونُدرك أنّ المسألة لم تكن كذلك؛ في حين أنّنا لو توخّينا الدقّة في ذلك الوقت، وأسّسنا قواعد برهاننا على البديهيّات والأوليّات، واستعنّا بالمسائل التي كان ينبغي استخدامها للوصول إلى الغاية المنشودة والصادقة، لما طرأ على نظريّتنا أيّ تجديد من البداية إلى النهاية أبدًا! وهذا التجديد إنّما يعود إلى عدم التزامنا بالاحتياط اللازم كما ينبغي في ترتيب المقدّمات الموصلة إلى الغاية؛ فتختلط مسألتُنا تلك بالوهم والخيال، ونعجز عن الوصول إلى تلك الغاية! وكلّ ذلك بسبب هذا الأمر.
الحجيّة الذاتيّة للعقل
إنّ عقل كلّ إنسان حجّة عليه بمقتضى الفعليّة والكمال الذي يبلغه في تلك المرحلة عينها؛ وكما يعبّر السادة العلماء: «حجيّة العقل ذاتيّة وليست اكتسابيّة».٢ أي: لا حاجة لأن يمنح أحدٌ الحجيّةَ لعقل الإنسان ونظريّته.
ولا يُمكن للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله نفسه أن يُزيح العقل ويُدينه ويُبطل نتيجته؛ لأنّ ذلك يتنافى مع النتيجة الموصلة التي تُثبت حجيّة الرسالة والنبوّة؛ ولهذا، حتّى هو لا يُمكنه فعل ذلك! فلو قال النبيّ إنّ العقل ليس بحجّة، لقلنا: ومن أين ثبتت رسالتك أنت؟! أ فهل ثبتت عن طريق آخر غير العقل والاستدلال والوصول إلى المبدأ والمعاد وإثبات الأنبياء و…؟! أليس الأمر كذلك؟! فمن أيّ طريق نتوصّل إلى رسالة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله؟ من طريق حُكم العقل بأنّ هذه قوّة تفوق القوّة البشريّة، ولها اتّصال بعالم الغيب، وقد تحقّقت فعليّة ذلك العقل فيه، وأصبحت علومُه علومًا تفصيليّة، وبرزت من مكامن الظاهر، ويجب علينا في مقام الحيرة والضلالة أن نتمسّك به؛ هذه هي المقدّمات التي يُرتّبها العقل. فلو نحّى النبيّ هذا العقل جانبًا، لكان قد نحّى نفسه؛ ولهذا، لا يُمكنه القيام بهذا العمل!
فانطلاقًا من هذا الاستدلال البسيط والساذج القائم على هذا الأساس:
| از آن چرخه که گرداند زن پیر | *** | قیاس چرخِ گردنده همی گیر۱ |
[يقول: تأمّل في مغزل العجوز التي تُديره، وقِس عليه دوران الفلك المُستدير]
ووصولاً إلى أدقّ البراهين وألطف حقائق صدر المتألّهين في إثبات وحدة الوجود وصرافته، فإنّ لكلّ ذلك مراتب يجب على الإنسان الشعور بأنّه من شأنها أن تكون بأجمعها حجّةً عليه!
عدم التنافي بين شهود العرفاء والاستدلال العقليّ للحكماء
من المُستحيل أن يتضادّ شهود العارف مع الاستدلال العقليّ للحكيم، إلاّ إذا كان هناك خللٌ في ذلك الاستدلال؛ وإلاّ فلا يُمكن ذلك! وقد ذكرتُ هذا الموضوع للرفقاء والإخوان المنهمكين في الدرس معي، بأنّني أستطيع بدوري أن أدّعي أنّ المسائل ـ التي كانت دائمًا موضع نقاش وخلاف بين الحكماء والعرفاء طوال التاريخ العلميّ والعرفانيّ ـ نابعةٌ بأسرها من ضُعف بعض المقدّمات التي لم يبذل العقلُ الجهدَ والتتبّعَ والدقّة الكافية لتحصيلها!
لقد كان الخلاف بين المرحوم الشيخ محمّد حسين الكمبانيّ والمرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ نابعًا من أنّ المرحوم الشيخ محمّد حسين الكمباني لم يُدرك مسألة حقيقة الوجود كما ينبغي؛ لا أنّه لم يُدركها بناءً على الشهود، فالشهود أمر آخر، بل لم يُدركها بناءً على البرهان. ولهذا، فقد رأيت في بعض كتابات المرحوم الشيخ محمّد حسين نفسه ـ بعد بيانه لهذه المسائل وبعد رحيل المرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ ـ أنّه يعترف صراحةً بتلك المسائل عينها التي ذهب إليها المرحوم السيّد أحمد، ويقبل بها على أساس البرهان والاستدلال العقليّ؛٢ لأنّه لم يكن من أهل الشهود؛ فقد كان المرحوم الكمباني يتمتّع بمراتب علميّة عالية حقًّا، ولكنّ مقام الشهود مقام آخر!
حدود إدراكات العقل
الملاحظة هنا هي أنّه لا ينبغي أبدًا أن يكون هناك تعارض أو تناقض بين الملاكات العقليّة والملاكات الشهوديّة والوجدانيّة وعالم الحقائق والثبوت، فكلّها صحيحة في رتبتها؛ غاية الأمر أنّ الوصول أو عدم الوصول إليها مسألة أخرى.
فالعقل نفسه يحكم بأنّه لا يستطيع إبداء رأيه في كلّ مكان؛ تمامًا كما لا يُمكن لأعضائنا أن تتدخّل في عمل بعضها البعض؛ فأنت مثلاً ترى بعينك، ولكن، هل تتوقّع من أذنك أن ترى؟! هل يُمكن لأذنك أن ترى؟ هل يُمكن لأذنك مشاهدة الأحداث؟! كلاّ، لا يُمكنها ذلك! فالعين للرؤية، والأذن للسمع، والقلب لضخّ الدم، والمعدة لهضم الطعام؛ ولا يُمكن لأيّ عضو من هذه الأعضاء التصرّف في عضو آخر، أو أداء عمله!
لقد منح اللهُ تعالى كلَّ عضو من الأعضاء ميزة وخصوصيّة وحيثيّة تُؤهّله لأداء وظيفته بمقتضى هذه الخصوصيّة. فلو توقّعتَ من العين أن تسمع، لكان توقّعك هذا خاطئًا ومشتبهًا؛ لأنّ العين خُلقت للرؤية. فهل يُمكنك أن تُغمض عينيك، وترى الأحداث بعقلك، وتُشخّص المسائل الماثلة أمامك؟! هذا مستحيل أبدًا؛ بل يجب أن تفتح عينيك لترى! وهل يُمكن أن تسمع الأصوات بعقلك؟! مستحيل؛ فسماع الصوت مسألة ظاهريّة، أمّا التعقّل والتدبّر في هذه المسائل فمسألة تجرّدية! لا يُمكن للعقل أن يمتلك إحساسًا تجاه الظواهر، بل يُدرك المجرّدات؛ وهذا الإحساس يُعدّ وسيلة لتحوّل الحسّ والظاهر إلى مجرّدٍ ناقصٍ، بحيث عندما يصل إلى مرتبة العقل، يكتمل تجرّده؛ وحينها، يُمكن للعقل أن يُدركه. ولهذا، لا يستطيع العقلُ إدراكَ كلّ مسألة، فليس هذا من شأنه ولا يخصّه! بل يُمكن لكلّ عضو وملكة وغريزة أن تنشط في دائرة الصلاحيّات التي منحها الله إيّاها.
فهل يستطيع العقلُ الإخبارَ عن القضايا الخفيّة والمسائل التي ستقع في المستقبل؟ لو جلست مائة عام تُفكّر فيما سيحدث في هذا المنزل بعد ساعة، فلن يصل فكرُك إلى نتيجة! ولو جلست ألفَ عام تتأمّل في الحدث الذي سيقع غدًا أو بعد غد، أو حتّى بعد خمس دقائق من الآن، في هذه الدنيا، في إيران، في مشهد، في هذا المنزل، وفي هذا المكان الذي تجلس فيه، فلن يصل فكرُك إلى نتيجة! إذن، يعمل العقل دائمًا في دائرة صلاحيّاته، لا أبعد من ذلك؛ وما جاوز ذلك، فهو مرتبط بالباطن، ولا سبيل للعقل إليه. وللوصول إلى تلك المرحلة، يجب أن يتفعّل العقلُ، ويبلغ تجرّدًا أكبر، إلى الحدّ الذي يُمكّنه من الوصول إلى الباطن.
لقد بُيِّنت لنا كيفيّة أداء العبادات في الشرع؛ فهل يُمكن للعقل أن يُبيّن لنا كلّ جزئيّة من جزئيّات كيفيّة أداء العبادات؟ لا يُمكنه ذلك! فهل يُمكنك بعقلك التوصّل إلى حكم من الأحكام الشرعيّة؟! كأن تُدرك مثلاً أنّ صلاة الصبح ركعتان أو صلاة المغرب ثلاث ركعات؟! لا يُمكنك ذلك؛ لأنّ الطريق إلى ذلك ليس طريق العقل! فالعقل يُدرك الكليّات لا الجزئيّات؛ ومسائل الشرع مسائل جزئيّة وعمليّة وتشريعيّة، ولا سبيل للعقل إليها!
سبب حكم العقل بلزوم اتّباع مقام الولاية
حسنًا، ماذا يجب أن نفعل هنا؟ يُرشدنا العقل إلى ضرورة الاستعانة بقوّة أخرى لتكون جسرًا ووسيلة للوصول إلى الباطن؛ وهذا الحكم هو حكم العقل.
لقد وردت كيفيّة الوضوء بناءً على الأدلّة في الشرع، وهي واضحة ومذكورة في الكتب: يجب على الإنسان أوّلاً غسل وجهه، ثمّ غسل يديه، ثمّ المسح؛ فهل الإنسان مكلّف بالعمل بهذا النحو من الوضوء؟ نعم، هو مكلّف. ويجب على الشيعة وأتباع أمير المؤمنين عليه السلام العمل بهذا النحو من الوضوء. ولكن، قد يطرأ هنا حكمٌ حاكمٌ وغالبٌ يُزيح مسألة الظاهر هذه جانبًا، ويُحِلّ محلَّها حُكمًا آخر.
فقد أمر الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام عليّ بن يقطين قائلاً: توضّأ من الآن فصاعدًا كما يتوضّأ أهل السنّة. لماذا؟ إنّ ما يحكم به العقلُ ونُدركه نحن هو وجوب العمل بما توصّلنا إليه من ظواهر الشرع وظواهر الأئمّة عليهم السلام، والعقل نفسُه يترك فراغًا إلى جانب هذا الدليل والبرهان، وهو أنّ حكم الوليّ يتقدّم هنا على حكمي هذا؛ إذن، حكم الإمام لا يُزيل حكم العقل، بل يعمل في مسار حكم العقل. والعقل هو من يفعل ذلك؛ لأنّه يقول [بلسان حاله]: أنا لا عِلم لي بالباطن، أمّا هو [أي الوليّ] فيعلم، وأنا لا أدري ما يجري خلف الستار، ولهذا لا أحكم؛ فليحكم من يمتلك العلمَ. فموسى بن جعفر هو المطّلع على قضايا هارون الخفيّة؛ أمّا أنا، فمهما جلستُ، لا يُمكنني التوصّل إلى هذه الملاحظة؛ وهي أنّه قد وُشي بي؛ لأنّني لا أمتلك علم الغيب.
دقّقوا جيّدًا في هذه الملاحظة: لو كنتُ أمتلك علم الغيب، ومطّلعًا على المصالح والمفاسد كما هو حقّها، لما كانت هناك حاجة بتاتًا لرسالة موسى بن جعفر! وهذه الملاحظة مفيدة جدًّا لمعرفة كيفيّة استخراجنا للسيرة والسنّة.
فكما كان موسى بن جعفر مطّلعًا على القضايا، وبناءً على هذا الاطّلاع أرسل رسالة مفادها: «يا عليّ بن يقطين، إذا وصلتك رسالتي هذه فتوضّأ كوضوء أهل السنّة!»،۱ فإنّ عليّ بن يقطين يتعجّب في نفسه: أنا شيعيّ لأمير المؤمنين وأتّبع موسى بن جعفر، فلماذا قال الإمام هذا؟! ومن جهة أخرى، يرى أنّه لا شكّ ولا شبهة في الرسالة، وأنّها رسالة موسى بن جعفر حقًّا! فيحكم عقلُه بوجوب قبول كلام موسى بن جعفر من باب التعبّد! وعندما يقبل ويعمل به، يرى لاحقًا: عجبًا، لقد وشوا به عند هارون، وكلام الإمام كان مبنيًّا على ذلك الأساس! فالإمام يفهم، أمّا هذا، فلا يفهم!
مدى حجيّة حُكمِ كلٍّ من العقل وظاهر الشرع والإمام عليه السلام
يُعدّ وجوبُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من بديهيّات المسائل والأحكام الإسلاميّة، ولا شكّ ولا شبهة فيه، وله مراتب سُطّرت في الكتب؛ تبدأ بمرحلة التجاهل وعدم الاكتراث، ثمّ التنبيه، ثمّ الشدّة، ثمّ الضرب و… ثمّ القتل.۱ فعندما لا يتمكّن إنسان من التكيّف مع المجتمع الإسلاميّ، يجب إزاحته. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المسائل الواضحة. ولكنّ السؤال هو: هل تجدون في زمن إمامة أمير المؤمنين كائنًا أشدّ إزعاجًا، وأكثر ممانعةً، ومخالفةً، وعنادًا لأهل البيت وللشيعة وللإسلام من عثمان؟! لن تجدوا ذلك! ولكن، عندما يهجم الناس للقضاء عليه وقتله، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تفعلوا ذلك!».٢ أليس الأمر بالمعروف واجبًا؟! أليس النهيُ عن المنكر واجبًا؟! بلى، هذا صحيح، ولكن لا تفعلوا هذا! فأنا الإمام، وأقول لكم: لا تفعلوا! فيذهبون ويقتلونه، وتبدأ الأحداث بعد ذلك! لماذا؟ لأنّهم لم يعملوا هنا بحكم العقل. فالعقل يقول: عندما ينهاك الإمامُ المعصومُ المطّلعُ على القضايا الخفيّة عن هذا الإجراء، فيجب عليك ألاّ تفعله! حتّى لو كنت مكلّفًا بأداء هذا العمل من وجهة نظر ظاهر الشرع؛ فهنا، لا يُخصّص حكمُ الإمام حكمَ العقل، بل يُؤيّده، ويحكم على ظاهر الشرع، ويُزيحه، ويَحُلّ محلّه؛ فهذا هو عمل الإمام والوليّ!
العقل بين ثورة زيد بن عليّ وصُلح الإمام الحسن
قال الإمام الباقر عليه السلام لزيد بن عليّ [ما معناه]: يا زيد، لا تُقْدِم ولا تَقُم بثورة! فكلّ قيام وثورة تحدث قبل قيام قائم آل محمّد، لن تُسفر عن أيّة نتيجة، وستزيد من آلامنا نحن أهل البيت!٣
وهذه ليست رواية ولا اثنتين! حسنًا، كلامنا الآن: هل إزالة الظلم واجبة أم لا؟ إنّها لا تحتاج إلى دليل في الأساس، بل هي من المسائل الفطريّة والأوليّات والبديهيّات، والشرع يُصادق عليها أيضًا. ولكنّ العقل نفسُه الذي يحكم بأنّ إزالة الظلم لا تحتاج إلى دليل، يحكم أيضًا بأنّه: افعل إن كنت تستطيع، ولا تفعل إن كنت لا تستطيع! أو: إذا دخل سارقٌ إلى منزلك وفي يده سلاح، فلا تُواجهه بقبضة يدك؛ لأنّه سيضربك ويقتلك! أو: عندما تعجز عن أداء هذا العمل في مكان ما، فلا تفعله، لأنّك ستُهلك نفسك، ولن تصل إلى نتيجة!
حقًّا إنّه لأمر عجيب ويُثير العجب! وبالطبع، لم يعُد عجيبًا! كان أحد المشايخ يقول: لقد كنت في شُبهةٍ من سكوت الإمام الحسن عليه السلام وصُلحه! كيف حدث أن صالح الحسنُ بن عليّ؟! لقد كان هذا حقًّا عارًا لَحِقَ بأهل البيت!
والذي كان يقول هذا الكلام هو أحدُ العلماء والأفراد المعروفين في النجف، وكان يقوله بجدّية! ألم يكتبوا في كتبهم: «مات عليّ بن الحسين ميتة سيّئة»؟! ألم يكتبوا ذلك؟! لقد كتبها أولئك الذين تُطرح كتبهم اليوم في مجتمعنا بوصفهم خبراء في الإسلام!
| وقولي كُلّما جشأت وجاشت | *** | مكانك تُحمَدي أو تَستَريحي۱ |
كان ذلك الرجل يقول: ما هذا العمل الذي قام به الإمام المجتبى؟! إنّ العمل الصحيح هو ما قام به الحسين بن عليّ! لقد جاء الحسين بن عليّ، وخلّف وراءه ذكرًا حسنًا وخالدًا؛ فقام في وجه جهاز الظلم، وضحّى بنفسه، ولم يَخَف من شيء، وفضّل الموت بعزّة على الحياة بذلّة!
فكنت أعيش هذه الشبهة بخصوص ما فعله الإمام المجتبى عليه السلام، حتّى مضى الزمان، وجاء عهد عبد السلام عارف، ذلك الرئيس العراقيّ المعدوم؛ فحصل في ذلك الوقت خلافٌ بين الحكومة والمرحوم السيّد الحكيم. وكانت مسألة السيّد الحكيم بحيث لو قام ضدّ عبد السلام، وأُريق دم السيّد الحكيم، لما تحقّقت أيّة فائدة ـ ولو بمقدار جناح بعوضة ـ في العمل وفي القضايا! أي أنّ القضيّة كانت ستؤول إلى تصفيتهم له بكلّ هدوء، واستمرارهم في أعمالهم بناءً على ذلك، دون أن يجرؤ أحد على النطق بكلمة، وكانوا سيفعلون ذلك بكلّ أريحيّة! هناك، فهمتُ الوضع الذي كان يعيشه الإمام المجتبى عليه السلام!
نهي العقل والشرع عن الثورة العبثيّة
لا ينبغي للإنسان أن يُهلك نفسه عبثًا! فإذا كان في الهلاك نفع، فبسم الله، ليذهب الجميع؛ وإن لم يكن فيه نفع، فعليهم أن يُجيبوا عن ذلك يوم القيامة! فالأمر ليس كذلك! الخوف من الحرب حرام وباطل؛ ولكن، لم يُقل لك أن تُلقي بنفسك في فم الأسد! فهل تذهب إلى صحراء وتقول: يجب أن أقاتل هذا الأسد وأقضي عليه! فقبل أن تُفكّر، يكون قد قضى عليك، وتجاوز تلّتين! فمن ذا الذي سيأتي لإغاثتك حينها؟!
| وقولي كلّما جشأت وجاشت | *** | مكانك تُحمدي أو تَستريحي |
يُعدّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوجب الواجبات؛ ولكنّ ذلك في المورد الذي يكون فيه نفعٌ، حيث إنّ الحاكم بوجود النفع هو العقل. فالعقل يقول: الأمر بالمعروف يُراد به تحقيق المصلحة للفرد والمجتمع؛ فإذا لم تكن هناك مصلحة، فلِمَ تُتعب نفسك؟! والنهي عن المنكر يُراد به إزالة المفسدة من المجتمع؛ فإذا لم يترتّب عليه أيّ نفع، فماذا تريد أن تفعل؟! إذن، هنا يتدخّل حُكم العقل أيضًا.
سبب نهي الأئمّة عليهم السلام عن الثورات بعد واقعة عاشوراء
عندما يُوصلنا العقل إلى هنا، فحينها، إذا قال الإمام: «لا تفعل هذا العمل!»، فإنّ حُكم الإمام يحكم على حكم الشرع. ولهذا، قال الإمام الباقر عليه السلام لزيد بن عليّ [ما معناه]: «لا تَقُم، فسوف تُقتل، ولا طائل من ذلك!».
أيُّ تغييرٍ أحدثته ثورةُ زيد بن عليّ في جهاز الخلافة؟! لم تُحدث تغييرًا بمقدار رأس إبرة! فمَن أحدث التغيير، وقلب الناس رأسًا على عقب هو سيّد الشهداء.
لقد ألقى المتوكّل بن هارون ـ تلميذ الإمام الصادق عليه السلام ـ الحجّة البالغة على يحيى بن زيد ـ وهو ابنُ زيدٍ ذو الثامنة عشرة من العمر ـ قائلاً له: لماذا تريد القيام؟
فقال: إنّه الظلم!
فقال له: أليس هناك من هم أفضل منك لتشخيص الأمر؟ أم أنّك وحدك من يُشخّص؟!
فقال له يحيى: هل تخاف من الحرب؟!
فأجابه: هل هذا هو جواب كلامي؟! أنا أطرح البعد المنطقيّ للقضيّة، وأنت تتحدّث عن خوفي؟! إن كنت تعتقد أنّك الأعلم، فبسم الله، انزل إلى الميدان؛ وإن كنت لا تعتقد بذلك، فيجب أن تتّبع الأعلم! فإذا أردت أن تخدع نفسك، فلا طائل من ذلك!۱
سواء كنت ابن زيد، أو الابن المباشر للإمام نفسه، فلا جدوى من ذلك! ولهذا، مضى وقُتل، ولم تُثمر حركتُه عن أيّة نتيجة. وقد بكى الإمام الصادق عليه السلام لأجله، وحزن، ودعا له بالرحمة؛ ثمّ قال الإمام [ما مضمونه]: «لقد قلت له: لا تفعل! فلماذا مضى وفعل؟!».٢
كان محمّد وإبراهيم، ابنا عبد الله المحض، في المدينة ـ وإن شاء الله قد يأتي يومٌ، وأروي لكم قصّتهما لتعرفوا ما يزخر به التاريخ٣ ـ، فجاء إبراهيم الغمر، ابن عبد الله المحض، لإلزام الإمام الصادق ببيعته، فلم يقبل الإمام. فألقى بالإمام في سجن المدينة في المكان المخصّص للدوابّ!٤ فهل لقيامه هذا قيمة إذن؟! يا أخرق، أنت تزجّ بالإمام الصادق في السجن وتقوم بثورة! تبًّا لثورتك تلك!
ينصح الإمام الصادق عليه السلام قائلاً: «يا سادة، لا تُقدموا على هذا الأمر، لا طائل من ذلك!» ولكنّهم ينهضون ويقومون بالثورة؛ فهل تُعدّ هذه الثورة إلهيّة إذن؟! فيُلقى القبض عليهم جميعًا، ويُقتلون، ويُبادون، وتنتهي القضيّة. وكلّ ذلك يعود إلى أنّ عقلنا لا يستطيع رؤية الواقع وما خلف الستار، وما سيحدث غدًا.
إنّ أهل الكوفة هؤلاء هم الذين جاؤوا، وخدعوا زيد بن عليّ. وقد دعا النبيّ الأكرم على أهل الكوفة هؤلاء قائلاً [ما معناه]: يأتون ويخدعون ولدي، فيثق بهم، ثمّ يتركونه وحيدًا، وينصرفون!۱
لقد أخبر النبيّ بكلّ القضايا!
فلماذا تتّبعون شخصًا، وعندما لا تكونون أهلاً لهذا الاتّباع، تُعرّفون أنفسكم بغير حقيقتها عبثًا؟! انزلوا إلى الميدان بمقدار أهليّتكم، لا أكثر!
يأتي زيد بن عليّ بصحبة أهل الكوفة، ويُقاتل، ويُحارب؛ ولكن، ما إن يوشك على الانتصار، حتّى يأتيه سهم طائش من جهة مجهولة، ويُصيب جبهته!٢ فهل كان قد أدرك هذا أيضًا؟! لم يكن قد أدرك هذا الأمر بتاتًا! «فيا بؤس الرامي!»، حيث لم يُدركوا من أين جاء هذا السهم.
فمن الذي يرى هذا ويُشاهده الآن؟ ليس الآن، بل رأى النبيُّ ذلك مسبقًا، ورآه أمير المؤمنين وأخبر به،٣ ورآه الإمام الباقر عليه السلام وأخبر زيدًا به مرارًا، وقال لأمّ زيد: «أخشى أن يُصلب ولدك في الكوفة!».٤
فالإمام عليه السلام يرى هذه الأمور، والعقل يعجز عن رؤيتها؛ ولهذا، يتراجع العقل قائلاً: لا مجال لي هنا!
كيفيّة استكشاف نهج النبيّ والأئمّة الأطهار وسيرتهم من الروايات والوقائع التاريخيّة
هذه حقائق تاريخيّة؛ ولهذا، يجب علينا أن نستكشف ـ في ضوء هذه الحقائق التاريخيّة ـ نهجنا وسيرتنا، لنُدرك طبيعة نهج الأئمّة والأساس الذي قام عليه. فلا ينبغي التمسّك برواية واحدة فقط؛ بل يجب أخذ جميع الروايات بعين الاعتبار، ومراعاة نهج الأئمّة، والنظر في أفعالهم على مرّ التاريخ، وتقييم موقفنا مقارنةً بأعمالهم في تلك الحقبة! وهل هذه مسألة يسيرة؟! إنّ بلوغ هذا المستوى لَدونه خرطُ القتاد! وإلاّ، فإنّ فتح كتابٍ، والعمل بما فيه أمرٌ لا يُكلّف عناءً!
لزوم الاقتداء بالإمام في تطبيق الكليّات الشرعيّة على المصاديق
يجب أن نتحرّك على هذا الأساس! فالأمر بالمعروف واجب، ويجب أن نتقدّم بناءً عليه، ونستمرّ في التقدّم، حتّى نصل إلى حدّ يُقرع فيه جرس الإنذار؛ وهنا، لا يُمكننا التقدّم أكثر! هنا، يبرز كلام الإمام الباقر عليه السلام! فالنهي عن المُنكر واجب، ونتقدّم بناءً عليه، ونستمرّ في التقدّم حتّى نصل إلى حدّ يُقرع فيه جرس الإنذار، ويجب علينا التوقّف، وعدم التقدّم أكثر! يجب أن ننظر، ونرى ما هو النطاق الذي منحنا فيه الإمام عليه السلام الصلاحيّة والإذن؛ فإذا تجاوزنا ذلك الحدّ، داهمنا الخطرُ وهدّدنا!
يجب أن نتحرّك على هذا الأساس؛ ولكنّنا نتصرّف وفقًا لأهوائنا وآرائنا بناءً على تلك الكليّات التي بين أيدينا! فالكليّات موجودة، ولكنّ تطبيقها على تلك الجزئيّات مسألة أخرى!
التطبيق الخاطئ للكليّات الشرعيّة سببُ الحكمِ بقتل الإمام الحسين
كان الحجّاج بن يوسف يستدلّ بهذه الكليّات عينها وبهذه الآيات نفسها ليقتل شيعة أمير المؤمنين! وبهذه الآيات وهذه الكليّات نفسها جاؤوا، وقتلوا الإمام الحسين، قائلين: إنّ الحكومة حكومة المسلمين، والخليفة هو يزيد بن معاوية، والخروج على حكومة المسلمين وعلى يزيد بن معاوية حرام، ودفع الخوارج واجب، حتّى لو أدّى ذلك إلى القتل! فشريح القاضي لم يروِ عن النبيّ أنّه قال: «كلّ من يخرج على صاحبي الجليل معاوية أو ابنه يزيد، حتّى لو كان ولدي الحسين بن عليّ، فيجب القضاء عليه!»، كلاّ؛ لأنّ النبيّ لا يتفوّه بمثل هذا الكلام أبدًا! كما أنّ جميع روايات النبيّ معلومة، والأخبار الواصلة عنه محدودة. فماذا يفعل إذن؟ يتلاعب بالكليّات ويستغلّها، ويستعمل تلك المسائل التي يُمكن تأويلها بأيّ وجه، ويُبرزها. ثمّ تصل القضيّة إلى حدّ قتلِ أحبّ الخلائق إلى النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله على الأرض، مستندين في ذلك إلى بيان النبيّ وكلامه نفسه؛ أي: إلى هذا الحدّ تتباين الأمور!
حوار الرجل الشاميّ مع يزيد حول منزلة سيّد الشهداء عند رسول الله
لقد أُحضرت الرؤوس إلى بلاط يزيد، وما إن وقعت عين ذلك الرجل الشاميّ على رأس سيّد الشهداء عليه السلام، حتّى التفت إلى يزيد وقال: «يا يزيد، لِمَن هذا الرأس الذي وضعته أمامك؟».
فأجابه: «هذا رأس الحسين بن عليّ الذي خرج علينا، فأرسلنا من يدفعه، فآل به المآل إلى ما ترى!».
فقال الشاميّ: «عجبًا! إذن، دعني أروي لك حكاية:
لقد أسلمتُ في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله، لكنّني أخفيت إسلامي عن المحيطين بي في الروم. وكثيرًا ما كنت أتردّد على المدينة؛ وفي إحدى رحلاتي، وبينما كنت جالسًا في مسجد المدينة، رأيت صاحب هذا الرأس ـ الذي كان حينها طفلاً في سنواته الأولى ـ قد أقبل مع أخيه إلى رسول الله، وقالا: "يا رسول الله، ويا جدّاه، إنّنا نتصارع لنرى أيّنا يغلب الآخر!"، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: "لا تتصارعا؛ بل ليذهب كلّ منكما، وليكتب خطًّا، ويأتيني به لأرى أيّكما أفضل ويغلب الآخر!"
فذهبا، وكتب كلّ منهما خطًّا، وأحضراه، وعرضاه على رسول الله. وكنت جالسًا أراقب المشهد، فرأيت رسول الله ينظر إلى الخطّين، ولا يستطيع ترجيح أحدهما على الآخر، ولم يُطعه قلبه أن يقول: خطّ الحسين أفضل، أو خطّ الحسن أفضل! فقال النبيّ: "اذهبا به إلى أبيكما عليّ ليحكم بينكما!".
فذهبا به إلى أبيهما أمير المؤمنين عليه السلام. [ولم يستطع أمير المؤمنين أيضًا ترجيح أحدهما على الآخر وتحديد الأفضل]. فقال رسول الله: "لنذهب إلى أمّكما الزهراء لتحكم بينكما!".
فدخل رسولُ الله منزلَ السيّدة الزهراء عليها السلام، وتبعهما سلمان. وعندما عادوا، التفتُّ إلى سلمان وقلت: إلى أين انتهى أمر الحكم بينهما؟ فرأيت سلمان يضحك، ويقول: "عندما أحضر الطفلان الخطّين، كانت السيّدة الزهراء جالسة، فلم تستطع ترجيح أحدهما على الآخر وكسر قلب أحدهما، فحلّت قلادة من جيدها فيها سبع حبّات، وقالت: «من يجمع أكبر عدد من هذه الحبّات فهو الأقوى!».
فانبرى الإمام الحسين والإمام الحسن لجمع هذه الحبّات، فالتقط كلّ منهما ثلاث حبّات، وتصارعا على الحبّة السابعة؛ وحينها، رأيتُ جبرائيل قد هبط، وضرب بجناحه تلك الحبّة السابعة فشطرها نصفين، ليأخذ الحسن نصفًا، ويأخذ الحسين نصفًا!".
فكانت القضيّة على هذا النحو، وأنت الآن تفعل هذا بمن لا يُطيق جبرائيل وملائكة السماء رؤية حُزنه؟!».۱
| ماذا تقولون إن قال النبيُّ لكم | *** | ماذا فعلتم وأنتم آخِرُ الأممِ |
| بِعِترتي وبِأهلي بَعدَ مُفتقدي | *** | منهم أُسارى ومنهم ضُرّجوا بِدَمِ۱ |
كلام الإمام السجّاد عليه السلام حول وضع أهل البيت في الشام
يقول المنهال:
كنت أسير في الشام، فمررت بخربة، وسمعت صوت أنين وبكاء؛ فاقتربت، فرأيت عليّ بن الحسين قد خرج من تلك الخربة وهو مكبّل بالأغلال والسلاسل، والدم يسيل من تحت السلاسل على ساقيه. فتقدّمت، وسلّمت عليه، وقلت له: يا ابن رسول الله، كيف حالكم، وفي أيّ وضع وحال تعيشون؟
فقال الإمام عليه السلام [ما مضمونه]: «إنّ مثلنا كمثل بني إسرائيل، يُذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم!»؛
«إنّ العرب أمست تفتخر على العجم بأنّ محمّدًا صلّى الله عليه وآله وسلّم فيها، وإنّ قريشًا افتخرت على العرب بأنّ محمّدًا صلّى الله عليه وآله وسلّم منها! [وأمسينا معشر أهل البيت مغصوبين مُقَتَّلين مَشَرَّدين!]».٢
﴿إنّا لله وإنّا إليه راجعون﴾.