25

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر

السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

14
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةمحطات من السيرة النبويّة

التاريخ 1415/02/10


التوضيح

هل تقتصر أحكام الشريعة الإسلاميّة على زمان نزول الوحي أم أنّ ملاكاتها صالحة لكلّ زمان ومكان؟ كيف يتعامل الإسلام مع الثقافات والسنن البشريّة المختلفة؟ وما هو الموقف الشرعيّ الحقيقيّ من منظّمات ومواثيق حقوق الإنسان في العصر الحاضر في ظلّ الهيمنة الاستعماريّة؟ وكيف تحوّل لقب «أمير المؤمنين» إلى غطاءٍ لمن لا يستحقّه بسبب التهاون في دفع البدع؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات وغيرها، مُبيّنةً الملاكات الكلّية للأحكام الشرعيّة.

/۱۱
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر - السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر

  • السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

  •  

  • مباني الإسلام ـ محطّات من السيرة النبويّة ـ الجلسة ٢٥

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر - السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

2
  •  

  •  

  • أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم

  • بسم اللّه الرّحمٰن الرّحيم

  • الحمدُ للّه ربّ العالَمينَ والصلاةُ والسَّلام علىٰ سيّدِنا ونبيِّنا

  • وحَبيبِ قُلوبنا وطَبيبِ نُفوسنا أبي ‌القاسمِ المصطفىٰ مُحمّدٍ

  • وعلىٰ آله الطيّبينَ الطّاهرينَ

  • واللّعنةُ علىٰ أعدائهم أجمعينَ إلى يوم الدين

  •  

  •  

  • بيان الشارع المقدّس للملاكات والأحكام الكلّية 

  • قال الله تعالى في كتابه:

  • ﴿خُذِ ٱلعَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ ٱلجَٰهِلِينَ﴾.۱

  • إحدى المسائل المطروحة على ألسنة الفقهاء هي: هل توجد ملاكات كلّية وأحكام كلّية في الشرع يُمكن الاستفادة منها بشكل خاصّ في كلّ حقبة وزمان، وفي كلّ وضع وظرف؛ أم أنّه يجب الاكتفاء بالمصاديق الخاصّة بزمان الشارع عند العمل بمصاديق المسائل المطروحة في الشرع؟ وبعبارة أخرى: هل يُمكننا في المصاديق التي نُواجهها أن نستفيد من ملاك كلّي، أم أنّ مصاديق هذه الملاكات الكلّية يجب أن تكون بيد الشارع أيضًا؟

  • لزوم إجراء الأحكام الكلّية للشريعة بناءً على ملاكاتها الكلّية في كلّ مصداق وزمان

  • بالتوجّه إلى المسائل التي ذُكرت سابقًا، يتّضح الجواب عن هذا السؤال بأنّه: كلاّ! فالدين الإسلامي المقدّس، ولحاظًا للتكامل والنموّ الذي هو لازم لبقائه واستمراره، قد وضع المصاديق أيضًا في متناول الإنسان في كلّ زمان؛ وذلك من خلال توفير الملاكات والكلّيات، بحيث لا يكون العمل بهذه المصاديق توقيفيًّا ولا تعبديًّا. ولكنّ الحديث يكمن في أنّ التوصّل إلى هذه الملاكات ـ ليس جميعها بالطبع ـ يُعدّ من أصعب المشاكل؛ وكما ذُكر سابقًا بالأمس، فإنّ مجرّد البحث والتدريس والدراسة والتحقيق والتدقيق في النصوص والآثار لا يكفي للوصول إلى هذه الغاية؛ لأنّ المسألة أسمى وأهمّ وأدقّ من هذا الأمر. ولكنّ البحث يكون دائمًا في صورة ثبوت الموضوع؛ وبعبارة أخرى: أينما تحقّق الموضوع، يترتّب عليه الحكم أيضًا.

  • كيفيّة إجراء الحكم الكلّي القاضي بـ «لزوم إعداد القوى في مواجهة العدو» في العهود المختلفة

  • إذا أردنا أن ننقل هذا البحث من البُعد العلميّ الدقيق إلى المرتبة الخطابيّة [العُرفيّة]، فيجب علينا متابعة المسألة على النحو الآتي:

  • نحن نرى في القرآن المجيد آيات بَيَّنت لنا ملاكًا كليًّا؛ فمثلاً، في الآيات المتعلّقة بالإعداد لمواجهة المشركين والمخالفين، يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱستَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلخَيلِ تُرهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَهِ وَعَدُوَّكُم﴾؛٢ أي: «أيّها المسلمون، بادروا إلى تجهيز القوى والجيوش لمواجهة الكفّار والمشركين قدر استطاعتكم!»

    1. سورة الأعراف، الآية ۱٩٩.
    2. سورة الأنفال، الآية ٦۰.

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر - السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

3
  • وهذا يُعدّ من الأحكام الواجبة والضروريّة في دين الإسلام؛ أي: يجب على الدولة والحكومة الإسلاميّة أن تسعى ـ وبكلّ ما أوتيت من قوّة ـ لجذب القوّات وتحصيل العُدّة والعَتاد من أجل إحباط مؤامرات أعداء الإسلام وإرعابهم وتخويفهم؛ وهذا من الواجبات!

  • مصاديق «إعداد القوّة» في الماضي والزمن الحاضر

  • في زمان الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، كان إعداد القوّة يتمّ بطريقة معيّنة، وفي هذا الزمان يتمّ بطريقة أخرى؛ ففي ذلك الزمان، كانت السيوف والرماح والأقواس والسهام والخيول والمراكب وما شابه ذلك هي السائدة، أمّا في هذا الزمان، فقد نُحّيت كلّ هذه الأمور جانبًا، وحلّت محلّها أسلحة جديدة. بعبارة أخرى: كانت الحرب في ذلك الزمان حربًا تتّسم بالرجولة، أمّا في هذا الزمان، فهي حرب غير شريفة! في ذلك الزمان، كانت المواجهة وجهًا لوجه؛ أمّا اليوم، فبكلّ خِسّة، يضغطون على زرّ، فيُمحى بلد بأكمله؛ هذه هي الحرب غير الشريفة! ولكن على أيّ حال، وبنفس هذه الكيفيّة، يجب على الإسلام أن يُواجه المشركين، ولا مناص من ذلك! فكما أنّ المشركين بصدد إعداد القوى، يجب على الإسلام أيضًا أن يسعى لإعداد القوى، بل وأكثر من ذلك.

  • الاستعمار أكبر مصداق للعدوّ في العصر الحاضر

  • لعن الله الاستعمار! لقد مرّت علينا أزمنة وأوقات كان فيها بلدنا الإسلاميّ يمتلك واحدة من أكبر، بل ربّما أكبر الحدود الجغرافيّة في التاريخ؛ ولكنّ سياسات الحكّام الجهلة والملوك عبيد الذات والدنيا والبطون، وعلى رأس ذلك كلّه، الاستعمار الماكر والذكيّ والمتربّص، قاموا بتمزيق هذا البلد الإسلاميّ، وجعلوه بهذه الحالة. لقد كانوا أكثر يقظة ووعيًا منّا في سبيل القضاء على الإسلام! لقد قسّموا الدولة الإسلاميّة العثمانيّة إلى ثمانية عشر قسمًا!

  • هذه البلدان العربيّة التي ترونها اليوم ـ حيث أُسّست دولة في كلّ شبر ـ هي بأكملها من صُنع الإنجليز. اليوم، يدور العالَم بأسره في فلك السياسات الخادعة للإنجليز؛ ولا أحد يعلم بهذه النقطة! لقد جاؤوا، ومزّقوا جميع الدول لكيلا تتمكّن أيّة قوّة من الوقوف في وجههم، ولكي ينهبوا موارد الإسلام ويُسخّروا الإمكانات لخدمتهم.

  • أخبرني أحد أقاربنا ومعارفنا، والذي عمل لفترة في شركة النفط في زمان الشاه السابق، قائلاً:

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر - السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

4
  • تعرّفت يومًا وصادقت أحد هؤلاء الموظّفين الإنجليز رفيعي المستوى. وبعد فترة من التواصل والمعاشرة، سألته يومًا: متى سترفعون أيديكم عنّا، وتتركوننا وشأننا؟!

  • فاستوحش في البداية، وقال: «يا سيّدي، ما هذا الكلام وما علاقتنا نحن؟! ماذا تعني هذه المسائل؟ الأمور تُدار وفقًا للاتفاقيّات وما شابه».

  • فقلت: كلاّ، أنا لا أمزح معك، متى سترفعون أيديكم عنّا؟!

  • قال: «سأعطيك الجواب لاحقًا!».

  • وذهب، ثمّ التقيته بعد يومين، وقلت له: ما هو جوابي في النهاية؟!

  • فقال: «لقد كنت عالقًا خلال هذين اليومين بين وجداني وبين السياسة؛ فمن جهة، لم تكن مقتضيات السياسة (السياسة الشيطانيّة) تسمح لي بالبوح بهذا الأمر؛ ومن جهة أخرى، رأيتُك إنسانًا صادقًا، ووجدت وجداني يقول لي: يجب أن تخبره بالمسألة! وفي النهاية، غلّبتُ وجداني، وسأخبرك بالأمر الآن؛ ولكن، بحقّ الله عليك، لا تنقل هذا الكلام لأيّ مكان ولا تطرحه؛ وباختصار، لا تُورّطنا!».

  • قال: «جوابكم هو: ما دُمتم تملكون النفط، فأنتم بائسون ومساكين! هذا هو جوابك!».

  • حسنًا، هكذا كان الأمر تمامًا! إنّهم يعملون بمكر شديد وبطريقة غامضة جدًّا! كان ينبغي علينا منذ مائة عام، أو مائتين، أو ثلاثمائة عام، أن نُجهّز أنفسنا ليوم كهذا! لقد كانوا يُفكّرون في ذلك منذ ذلك الوقت، بينما كنّا نحن هنا منشغلين بمسائل أخرى!

  • لعن الله الإنجليز! كلّ ما يحدث هو من تدبير الإنجليز! أيّ شتيمة وسبّ تُريدون قوله، فقولوه لهؤلاء الإنجليز! إنّهم هم من يُحرّكون العالَم بأسره!۱

  • في كلّ المدّة التي نتذكّرها من الماضي، ظهر رجلٌ واحد مثل أمير كبير جاء ليُعيد الروح قليلاً إلى إيران لبضعة أيّام، فأزالوه فورًا، وقطعوا دابره! عجبًا، هل تُريدون أن يظهر لكم ريش؟! هل تُريدون أن تتنفّسوا؟! أزيلوه!

  • في زمان ناصر الدين شاه، وقبل أن تُخترع البندقيّة ذات الماسورتين في العالَم، قام مخترع في إيران بصُنعها، فأصدرت وزارة الداخليّة أمرًا بقطع يده، وقالوا له: أخطأت بصنعك هذا، هذه الأمور لا تليق بنا!

  • بالطبع، لقد تجاوز الأمر هذا الحدّ الآن! لقد سيطرت القوى الشيطانيّة على نظام العالَم لدرجة أنّه لا حول لنا ولا قوّة إلاّ بالتوسّل إلى الإمام المهديّ، والدعاء بتعجيل الفرج!

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر - السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

5
  • الحديث هنا هو أنّ هذه الآية تقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱستَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلخَيلِ﴾.۱

  • وقد ذُكر «الإعداد» هنا كمسألة كلّية، وأُدرجت القوّة ورباط الخيل تحت هذا الإعداد؛ أي: من أجل قتال الأعداء، جهّزوا خيول الحرب والقوّات والأسلحة! أمّا كلّ هذه الأمور، فهي منضوية تحت إعداد القوّة وتجهيزها. ومن المؤكّد أنّ هذه الوسائل في هذا الزمان ستُستبدل بوسائل أخرى؛ وهذا ما يُسمّى بالمصاديق المتعدّدة التي تندرج تحت حكم كلّي بملاك كلّي.

  • كيفيّة إجراء الملاك الكلّي لـ «احترام الوالدين والكبار» في العهود المختلفة

  • أو على سبيل المثال: لدينا تأكيد بالغ على احترام الوالدين، واحترام العظماء، والعطف والرحمة على الصغار وما شابه ذلك: «وَقِّروا كِبارَكُم وارحَموا صِغارَكُم»؛٢ أي: احترموا كباركم، وارحموا صغاركم، وتلطّفوا بهم!

  • فهذا الحكم وهذه المسألة الكلّية لها مصاديق خاصّة في كلّ ثقافة وفي كلّ حقبة. لم تُذكر طريقة احترام الكبار في هذه الرواية وفي هذا الكلام الأخلاقيّ الشريف، ومن الواضح أنّ الاحترام في كلّ ثقافة يكون بنحو وأسلوب معيّن، وكلّ ذلك يندرج تحت هذا الحكم الكلّي؛ وليس من الضروري أن يُبيّن الإسلامُ هذا الأسلوب، بل إنّ المصاديق تأخذ مكانها الطبيعيّ من خلال بيان الحكم الكلّي وتقديم الملاك.

  • ملاك مقبوليّة السنن الحسنة السائدة في الثقافات والحضارات المختلفة

  • نصل من هنا إلى النقطة التالية: إنّ ما تلتزم به الثقافات والحضارات المختلفة في العالَم، والمسائل المطروحة بينها ـ من وجهة نظر العُرف وغير العُرف، ومن حيث كونها معروفًا أو منكرًا ـ هي أمور ممدوحة ومقبولة ومُمضاة من وجهة نظر الإسلام أيضًا.

  • قد يكون لأيّ مجتمع نوع من الآداب التي لا تتنافى مع المبادئ الإسلاميّة، والإسلام يُمضيها أيضًا؛ فمثلاً، قد يكون في هذا المجتمع نوع من التزاور ونوع من المعاشرة، وقد يتبنّون بعض العقائد والأعمال كَسُنّةٍ لهم، بحيث لا تكون متعارضة مع الروح الكلّية للشرع، ومع تلك المسائل الإسلاميّة الكلّية. هذه المسألة لا غبار عليها ولا عيب فيها، والإسلام يُمضيها أيضًا.

  • الأهداف الشيطانيّة للاستعمار في تدوين «ميثاق حقوق الإنسان»

  • إنّ مسائل حقوق الإنسان المطروحة حاليًّا في العالَم، والمسائل التي دوّنها وجدانُ الإنسان ـ بغضّ النظر عن تدخّل الأديان والمذاهب المختلفة ـ هي أمور محترمة من وجهة نظر الإسلام؛ وذلك بغضّ النظر عن أنّ نفس تيّار تشكيل حقوق الإنسان ومنظّمة تُدعى منظّمة حقوق الإنسان، هي من صُنع الاستعمار العالميّ وخَلقه، لكي يتمكّن ـ من خلال هذا الوجه المقبول والإنسانيّ ـ من الحفاظ على أهدافه وسيطرته وهيمنته ونهبه لأموال الناس ونفوسهم وأعراضهم! إنّهم يريدون بهذه الحِربة تحقيق مآربهم ومصالحهم المتمثّلة في تدمير قوى العالَم وقدراته. ففي الموارد التي تقتضي تدخّلهم، يطرحون مسألة حقوق الإنسان؛ في حين أنّهم يكونون أشدّ قذارة وسفكًا للدماء من أيّ مجرم وسفّاح في سبيل تنفيذ سياساتهم الوحشيّة! هل يُمكنكم أن تتصوّروا في أذهانكم جريمة وخُبثًا لم يرتكبوهما طوال فترة الصدام والمواجهة والحرب بين الثورة الإسلاميّة في إيران والجمهوريّة العراقيّة، من قصف للمراكز المدنيّة، وتسميم المياه، وإبادة النفوس البريئة، وهتك الأعراض، وتدمير أموال المسلمين؟! كلّ هذه الأمور مُدانة ومُحرّمة في الشرع واحدة تلو الأخرى! ولكن، هل سمعتم منهم كلمة واحدة أو عبارة واحدة؟! أبدًا، لم يكن الأمر كذلك! أمّا عندما يقوم العراق نفسه بمهاجمة الكويت، ويُريد الاستيلاء على هذه الدولة، نرى أنّ العالَم بأسره وكلّ المحاور الاستعماريّة في العالَم تتمركز حول هذه القضيّة؛ وذلك لأنّ مصالحهم كانت في خطر، وهم يبحثون عن مصالحهم؛ ولهذا، تُطرح مسألة حقوق الإنسان هناك!

    1. سورة الأنفال، الآية ٦۰.
    2. الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٩٤.

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر - السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

6
  • ملاك تشخيص الأحكام الوجدانيّة المؤيّدة للشريعة في «ميثاق حقوق الإنسان»

  • الآن، الحديث هو أنّنا نرى أنّ الكثير من هذه المسائل ـ بغضّ النظر عن هذا البُعد السياسي والأداتيّ الذي بيد القوى الكُبرى والذي يطول الحديث عنه ـ مقبولة ومؤيّدة من قِبل الإسلام. الكثير منها، مثل مسألة عدم التعدّي على حقوق الآخرين، ومسألة عدم تجاوز الحدود، ومسألة مساعدة المحرومين والمتضرّرين من السيول والزلازل، ومسألة مساعدة المرضى كالمُصابين بالجذام وما شابه ذلك ممّن لا يملكون القدرة والاستطاعة الماليّة للعلاج، ومساعدة عائلات الأفراد المحرومين وما شابه ذلك.. كلّ هذه أمور ممدوحة ومُمضاة ومؤيّدة في الإسلام. وبغضّ النظر عن تدخّل الأديان والمذاهب في هذه الأمور تحديدًا، فإنّ ثقافة المجتمع الدوليّ تُمضي هذه المسائل، ونفس هذه المسائل مُمضاة.

  • أمّا في المقابل، فهناك الكثير من مسائلهم التي تُعدّ مُدانة ومرفوضة من وجهة نظر الإسلام؛ فمثلاً، مسألة المساواة والتشابه بين المرأة والرجل في العالَم، هي مسألة مدانة من نظر الإسلام؛ إذ من وجهة نظر حقوق الإسلام وحدوده وقوانينه وأحكامه، هناك اختلاف بين المرأة والرجل.

  • سمعت في المذياع قبل بضع سنوات أنّ بعض الأفراد طرحوا ضرورة إعادة النظر في المسائل المتعلّقة بالمرأة والرجل، وأنّ ما كان مطروحًا في الماضي يجب أن يُستبدل الآن! أي: لِنضع الإسلام جانبًا، ونأتِ بشيء آخر مكانه! كلاّ، هذه الأمور مُدانة!

  • إنّ مسألة عدم إقامة الحدود والقصاص في المجتمع الدوليّ مُدانة من وجهة النظر الإسلاميّة، ويجب معاقبة المجرم. فالذي يسرق، يجب إقامة الحدّ عليه عند تحقّق الشروط. ومن يَقتل إنسانًا، يجب الاقتصاص منه وقتله عند تحقّق شروط التعمّد.. هذه أمور مُدانة (أي عدم إجراؤها مُدان)!

  • التزام رسول الله بالعديد من الأحكام المقبولة في المجتمع الدوليّ

  • إنّ ما لا يتعارض مع الملاكات والأحكام الكلّية الإسلاميّة، فهو ممدوح ومُمضى من وجهة نظر الإسلام؛ وكلّ ما يتعارض مع الملاكات الإسلاميّة، فهو مرفوض من وجهة نظره.

  • ولهذا، نرى هنا أنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم نفسه كان ملتزمًا بهذه السنّة وفكرة التعهّد بالمسائل الدوليّة والمجتمع الدوليّ. فقد كان النبيّ الأكرم نفسه يحترم المعاهدات التي يُوقّعها مع المشركين، وكان الرسول والمسلمون يحترمون المسائل المطروحة بين الإسلام والمشركين؛ فمثلاً في أحداث صلح الحديبيّة، التزم الرسول الأكرم ببنود المعاهدة مع المشركين. إنّ لازم حُسن الجوار بين حكومة الإسلام وبين سائر الحكومات هو الالتزام بالمعاهدات التي وقّعوا عليها بأنفسهم.

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر - السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

7
  • الامتحان الإلهيّ للمسلمين في أحداث التزام النبيّ الأكرم ببنود معاهدة صلح الحديبيّة

  • ﴿لَّقَد صَدَقَ ٱللَهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءيَا بِالحَقِّ لَتَدخُلُنَّ ٱلمَسجِدَ ٱلحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُم وَمُقَصِّرِينَ﴾؛۱ أي: لقد وعد الله أنّكم ـ إن شاء الله ـ ستفتحون مكّة في المستقبل القريب، وتُطهّرون بيت الله من وجود الأوثان والأصنام، في حال كونكم قد حلقتم رؤوسكم وقصّرتم!

  • يتحرّك الرسول الأكرم بناءً على مفاد هذه الآية، ويتوجّه إلى مكّة؛ غاية الأمر أنّه يُواجه هناك مسائل تمنعه من فتحها؛ فيُوقّعون معاهدة، ويعودون. هنا، يقع الناس في الشبهة! يقول النبيّ: «احلقوا!»، فيحلق بعضهم، ولا يحلق البعض الآخر، ويقولون: إذا عُدنا فماذا نقول؟! لقد جئنا، وبشّرنا نساءنا وأطفالنا بأنّنا ذاهبون لفتح مكّة! حسنًا، ما هذا الوضع وما هذا الوعد؟! بمَ نُجيب نساءنا وأطفالنا؟! سيقولون لنا: «لم تكن لديكم القدرة للذهاب والاستيلاء على مكّة، ثمّ تقومون بحلق رؤوسكم ـ مثلاً ـ بحجّة أنّكم قمتم بعمل ما!»؛ كلاّ، لن نفعل ذلك! فلم يفعلوا، واكتفوا بالتقصير.

  • فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «رَحِمَ اللَهُ المُحَلِّقينَ!»، ولم يذكر المُقصّرين. فقالوا: «يا رسول الله، ادعُ للمقصّرين أيضًا!»، فعاد وقال: «رَحِمَ اللَهُ المُحَلِّقينَ!»، ولم يذكر المقصّرين. وقال مرّة أخرى: «رَحِمَ اللَهُ المُحَلِّقينَ!»؛ وفي المرّة الرابعة، قال: «والمُقَصِّرينَ!»٢ ليُطيِّب خواطرهم أيضًا! أي: لقد اقترفتم خطأً الآن؛ ولكن، لا تُعيدوا مثل هذه الأفعال مُجدّدًا!

  • الحديث هنا هو أنّ العالَم عالَم امتحان وعالَم اختبار! فالنصر والفوز لا يعنيان دائمًا أن ينتصر النبيّ في المعارك والغزوات، وليست علامة الظفر والسعادة في الإسلام أن ينتصر الإسلام دائمًا في الحروب؛ فتارة، تكون الغلبة من هذا الجانب، وتارة من الجانب الآخر، بحيث يبقى طريق الهداية وطريق البصيرة والرؤية مفتوحًا دائمًا للطرفين الموافق والمخالف، لكيلا ينظر المُطيع والمُوافق إلى الظاهر، ولا ينظر المُخالف والمُعاند إلى الظاهر أيضًا!

  • يجب أن يكون الطريق طريق البصيرة، لا طريق الظاهر. فالطريق الذي سلكه أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام كان طريقًا يُوقنون فيه بأنّهم سيُستشهدون، لا أنّهم كانوا يحتملون ذلك. الإمام الحسين لا يُخطئ؛ لقد كانوا على يقين بأنّهم سيُستشهدون! ليس الاستشهاد الذي تأتي فيه رصاصة فلا يشعر الإنسان ولا ينتبه، ويجد نفسه فجأة في عالَم آخر؛ كلاّ، بل الاستشهاد بالسهام والسيوف والرماح وبواسطة المعركة وفي خِضمّ القتال!

    1. سورة الفتح، الآية ٢۷.
    2. المقنع، ص ٢۷۷؛ تفسير القمّي، ج ٢، ص ٣۰٩ ـ ٣۱٤، مع اختلاف يسير.

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر - السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

8
  • كلام أمير المؤمنين لمالك الأشتر في أهمّيّة الاعتناء بثقافة الناس وسننهم الحسنة

  • في الإسلام، يُعدّ الاهتمام بالثقافة والمبادئ الثقافيّة من الموارد المهمّة جدًّا التي لها تدخّل مباشر في استنباط الأحكام، سواء من الناحية العُرفيّة أو غير العُرفيّة. فالإسلام يقبل ثقافة أيّ مجتمع إذا لم تكن متعارضة مع تعاليمه. يقول أمير المؤمنين عليه السلام في رسالته المعروفة لمالك الأشتر [ما معناه]: يا مالك، لا تَنقُض تلك السنن الحسنة التي يلتزم بها الناس! لا تضع سنّة جديدة تُخالف تلك السنن السابقة! لا تُخيّب آمالهم! السنن التي توجب التآلف والاستئناس، لا تسلبها من الناس!۱

  • لزوم نبذ الأمور العُرفيّة المخالفة لروح الإسلام وثقافته

  • إنّ أمير المؤمنين عليه السلام يُعطي تعليمات؛ فيقول: يجب العمل بعُرف كلّ مجتمع وقبول ثقافة كلّ مجتمع ما دامت غير مخالفة! وإذا أعطت ثقافةٌ ما قيمةً لمسألة، فإنّ تلك القيمة محترمة من نظر الإسلام.

  • إذا أُطلق عنوان ما في ثقافة على مورد خاصّ، وكان إطلاق هذا العنوان واختصاصه لا يُخالف ثقافة الإسلام ولا يُناقضها، فإنّ الإسلام يُمضي هذا العنوان ولا يرفضه، بل يجعل الحُكم بناءً عليه.٢

  • لدينا اليوم العديد من الروايات التي لا يُمكننا العمل بها بسبب التشابه الاسميّ بين رجال الحديث؛ فاشتراك رجال سند الحديث في الاسم يوجب الشبهة في وثاقة هذا الحديث؛ وبالتالي، يسقط عن درجة الحجّيّة والاعتبار. والآن، إذا وصل الأمر إلى درجة حدوث اشتراك مفهوميّ في هذا اللفظ، ولم يتمكّن الإنسان من تمييز كلام المعصوم عن كلام أفراد البشر العاديّين، فمَن المُقصّر في هذه الحالة؟!

  • إنّ الأحداث التي شهدناها بأنفسنا هي أكبر وأفضل دليل على صحّة هذا الأمر؛ خصوصًا مع التنبّه إلى هذه النقطة، وهي ضرورة تقييم جذور هذا العنوان وتحديد من أين نشأ.٣

  • عظمة مقام الإمامة وكيفيّة إعطائه لنبيّ الله إبراهيم

  • نقرأ في الآية القرآنيّة: ﴿وَإِذِ ٱبتَلَىٰٓ إِبرَٰهِيمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾؛٤

  • أي: عندما يتجاوز نبيّ الله إبراهيم الخليل (بذلك المقام ومرتبة العصمة ومرتبة تلقّي الوحي والوصول إلى مقام الخُلّة) جميع مراتب الامتحانات والاختبارات التي كان آخرُها ذبحُ ولده إسماعيل، يأتيه خطاب الإمامة.

    1. راجع: نهج البلاغة (عبده)، ج ٣، ص ۸٩.
    2. لمزيد من الاطّلاع على أسلوب تعامل الإسلام مع السنن والثقافات المُغايرة، ومعيار قبولها أو عدم قبولها في الثقافة الإسلاميّة، راجع: النوروز في الجاهليّة والإسلام (فارسيّ)، ص ۸٩ ـ ٩٢.
    3. لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام ج ۱۸، ص ۱٦٦ ـ ۱٩٣.
    4. سورة البقرة، الآية ۱٢٤.

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر - السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

9
  • ومن كان إسماعيل؟! بَشر فوق البشر، وإنسان فوق الإنسان! كان هو جَدّ الرسول الأكرم، حضرة محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكانت آثار النبوّة تلوح في ملامحه، وآثار الوحي تتجلّى على جبينه! ذلك الشخص الذي رُزق بهذا الولد بعد فترات طويلة، ويرى ثمرة عالَم الخلقة في وجود هذا الولد؛ فالتخلّي عن هكذا ولد ليس من شأني ولا من شأنكم! والآن، وقد أُمِرَ بمثل هذا الأمر، وأطاع، فإنّنا نمنحه مقام الإمامة أيضًا: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. هكذا هي المسألة!

  • وهذا يعني أنّ مقام الإمامة أعلى من مقام النبوّة والرسالة وأخصّ منه! إنّ مقام الإمامة هو مقام الصلاح [أو الصلوح] الذي لن يُعطى لأيّ إنسان، اللهمّ إلاّ للأوحديّ من الرجال!۱ إنّ مقام الإمامة هذا أُعطي لنبيّ الله إبراهيم في أواخر عمره، وبعد اجتيازه مراحل النبوّة والوحي ومراحل الرسالة، وبعد تجاوز المراتب واجتياز الامتحانات.. هكذا هو الأمر!

  • ولهذا، فإنّ الانتباه إلى كيفيّة نشوء البدع، وكيفيّة نموّها في مجتمع ما، يوصلنا إلى نقاط دقيقة جدًّا، بحيث ننتبه فجأة، ونستيقظ من سُباتنا، ونفتح أعيننا، فنرى أنّ الأمر قد فات الأوان عليه!

  • الوظيفة الخطيرة للعلماء في معرفة ملاكات الأحكام وتشخيص السنن من البدع

  • إنّ معرفة ملاك الأحكام وتشخيص السنّة والبدعة، هي من أهمّ الوظائف التي يجب الاهتمام بها، ولا يُمكن تجاوزها بهذه السهولة. فوظيفة أهل العلم، ووظيفة المُدرّسين، ووظيفة العلماء هي أنّه في كلّ حقبة، إذا ما لاحظوا خطأً وزلّة، فعليهم الوقوف في وجههما من البداية!

  • سر چشمه شايد گرفتن به بيل***چو پر شد نشايد گذشتن به پيل‌٢
  • [يقول: مع أنَّك قد تستطيع سدّ عين الماء في منبعها بواسطة المعول، غير أنَّك لن تستطيع سدَّ ذلك المجرى إن امتلأ بالماء، حتّى لو وضعت فيه فيلاً]

  • الآثار المدمّرة لتقصير الأمّة في مواجهة بدعة استعمال عبارة «أمير المؤمنين» لسائر الخلفاء

  • لقد وضع النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم لَقب «أمير المؤمنين» لعليّ بن أبي طالب، وجَعَله له، وقال: «أنتَ أميرُ المؤمنين!».٣ حتّى سيّد الشهداء ليس أمير المؤمنين، ولا الإمام المجتبى، ولا الإمام السجّاد عليهم السلام، وحتّى الإمام المهديّ «عجّل الله فرجه وأرواحنا فداه» ليس أمير المؤمنين! هذا اللقب مختصّ بالإمام عليّ عليه السلام!٤

    1. لمزيد من الاطّلاع على مقام الصلاح (أو الصلوح)، راجع: معرفة المعاد، ج ٤، ص ۱۷٦؛ رسالة لبّ اللباب، ص ۷٢؛ حريم القدس، ص ٣٤؛ گلشن اسرار (روضة الأسرار)، ص ٢٤٣.
    2. الجلستان (روضة الورد)، سعدي، الباب الأوّل، في سيرة الملوك، الحكاية الرابعة.
    3. الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٣٦۷.
    4. تاريخ الطبريّ، ج ٤، ص ٢۰۸؛ تاريخ اليعقوبيّ، ج ٢، ص ۱٥۰؛ مروج الذهب، ج ٢، ص ٣۱٣.

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر - السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

10
  • بعد ذلك، أطلق خلفاء بني أميّة هذا اللقب على أنفسهم! بالطبع، بدأ الأمر في البداية منذ زمن عمر، وعمر هو من أطلق هذا اللقب على نفسه! كانوا يأتون، ويقولون له: «السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين!»، ثمّ عثمان، ثمّ يزيد! أمير المؤمنين يزيد!! وأيّ يزيد!! ذلك اللقب المختصّ بعليّ بن أبي طالب، قيل في حقّ إنسان كان شاربًا للخمر، ومُلاعبًا للكلاب، ومقامرًا، ولاعبًا للشطرنج، ومُلاعبًا للقرود، وأضف ما شئت من هذه الصّفات. لماذا اختُصّ يزيد بلقب أمير المؤمنين هذا؟! لأنّهم لم يمنعوا ذلك منذ البداية! لو أنّهم نهضوا منذ البداية، وقالوا لعمر: «يا عمر، لقد تربّعتَ على مسند الخلافة، فليكن! غصبتَ الحكومة من عليّ، فليكن! ظلمتَ، وقتلتَ السيّد الزهراء عليها السلام، لا بأس!! ولكن، لماذا تُطلق على نفسك لقب أمير المؤمنين المختصّ بعليّ عليه السلام؟! وإلاّ، لَما وصل الأمر إلى حدّ أن يفصلوا رأس ابن رسول الله عن جسده باسم أمير المؤمنين يزيد! حيث مضت الأيّام، واستقرّ هذا اللقب، حتّى وصل الأمر إلى ما وصل إليه! وإلى أيّ شخص [وصل هذا اللقب]!!

  • ملاك الإيمان الحقيقيّ في كلام النبيّ الأكرم 

  • رأيت قبل أيّام رواية مثيرة للاهتمام ومناسبة ودقيقة جدًّا، فقلت: لأقرأها على الرفقاء، حيث يُنقل عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال:

  • «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، 

  • وَأَهْلِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ،

  • وَعِتْرَتِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ عِتْرَتِهِ، 

  • وَذَاتِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ ذَاتِهِ»؛۱ وهنا، الأمر أدقّ من كلّ ما سَبق، حيث يقول: وتكون ذاتي وسرّي وسويدائي أحبّ إليه من ذاته الدقيقة واللطيفة وروحه وسرّه وسويدائه!

  • أي: لا يُؤمن عبد بتاتًا إلاّ إذا رجّح سيّد الشهداء على نفسه وعلى زوجته وعياله و…! وهذه الرواية أيضًا من تلك الروايات التي صدرت على لسان النبيّ!

  • لكن، ماذا فعلوا بسيّد الشهداء؟! وماذا فعلوا بعترته وأهله؟! أتوا بأهل بيت النبيّ إلى مشارف المدينة، وحطّوا رحالهم هناك!

  • مَدِينَةَ جَدِّنَا لَا تَقْبَلِينَا***فَبِالْحَسَرَاتِ والْأَحْزَانِ جِئْنَا
  • [أَلَا فَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ عَنَّا***بِأَنَّا قَدْ فُجِعْنَا فِي أَبِينَا]
  • وأَنَّ رِجَالَنَا بِالطَّفِّ صَرْعَى***بِلَا رَأسٍ وقَدْ ذَبَحُوا الْبَنِينَا
    1. الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٣٣٤.

ملاكات الأحكام الكلّية في الشريعة الإسلاميّة ومواكبتها لمتغيّرات العصر - السنن الحسنة والبدع المذمومة، وموقف الإسلام من ميثاق حقوق الإنسان العالميّ

11
  • [وأَخْبِرْ جَدَّنَا أَنَّا أُسِرْنَا***وبَعْدَ الْأَسْرِ يَا جَدَّا سُبِينَا
  • ورَهْطُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْحَوْا***عَرَايَا بِالطُّفُوفِ مُسَلَّبِينَا]
  • وقَدْ ذَبَحُوا الْحُسَيْنَ ولَمْ يُرَاعُوا***جَنَابَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِينَا۱
  • تقول السيّدة سكينة عليها السلام: يا رسول الله، عُدنا إلى المدينة، ولكن أيّة عودة! يا رسول الله، لم تكن حاضرًا لترى كيف قتلوا أبناءك، وأسروا أهل بيتك، وطافوا بهم من مدينة إلى مدينة!

  • ولها خطاب أيضًا موجّه إلى أمّها فاطمة سلام الله عليها تقول فيه:

  • أَ فَاطِمُ لَوْ نَظَرْتِ إِلَى السَّبَايَا***بَنَاتِكَ فِي الْبِلَادِ مُشَتَّتِينَا
  • فَلَوْ دَامَتْ حَيَاتُكِ لَمْ تَزَالِي***إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَنْدُبِينَا٢
  • تقول: يا أمّاه، لم تكوني لِتَرَي كيف أركبوا بناتك على النياق العُجّف! يا أمّاه، لو رأيت مصائبنا، لنسيتِ مصائبكِ، وبكيتِ فقط على مصائب ولدك!

  • السّلامُ عَليكم يا آلَ رسول اللّه!

  • باسمكَ اللّهمّ ونَدعوكَ، ونُقسمُ عليكَ ونَرجوكَ، بحقِّ محمّدٍ وأهلِ بيتهِ الأطهارِ،

  • يا اللّه يا اللّه يا اللّه…

    1. بحار الأنوار، ج ٤٥، ص ۱٩۷.
    2. المصدر نفسه.