18

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين

خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

12
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةمحطات من السيرة النبويّة

التاريخ 1415/02/03


التوضيح

ما هو الفرق الجوهريّ بين مسار الأنبياء والأئمّة ومسار سائر الناس؟ ولماذا يُعَدّ الشكّ والتردّد أخطر ما يواجه السالك في طريقه إلى الله؟ كيف ينبغي أن تكون شعارات المسلمين في الحرب والسلم؟ وكيف تعمل الدعايات على سلب العقول وتحويل الحقّ إلى باطل، كما حدث مع أهل الكوفة الذين دعوا الإمام الحسين عليه السلام ثمّ خذلوه؟ وماذا نتعلّم من موقف مسلم بن عقيل في الكوفة عن العمل بالتكليف والثبات على اليقين؟ تُجيبك هذه المحاضرة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني قدّس سرّه عن هذه الأسئلة وغيرها، مُبيّنةً دعوة القرآن إلى لزوم اليقين في كلّ حركة وسكون.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين

  • خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة 

  •  

  • مباني الإسلام ـ محطّات من السيرة النبويّة ـ الجلسة الثامنة عشرة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ علىٰ

  • سيّدِنا ونبيِّنا وطبيبِ نُفوسنا أبي القاسمِ المصطفىٰ مُحمّدٍ

  • وعلىٰ أهلِ بيتِه الطيّبينَ الطاهرينَ المعصومينَ المكرَمين

  • واللعنةُ علىٰ أعدائِهم أجمعينَ

  •  

  •  

  • دعوة كتاب الله إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين

  • قال الله تعالى في كتابه الكريم: 

  • ﴿وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ عَنهُ مَس‍ُٔولاً﴾.۱ أي: لا تعمل بما ليس لك به علم، ولا تتّبعْه، ولا تركن إليه، ولا تعتمد عليه! ففي يوم القيامة، سيُسأل الإنسان عن الأعضاء والجوارح، وعن كلّ ما أودعه الله تعالى من إمكاناتٍ ورساميل وغرائز لكي تتّضح له السُبُل ويُهدى إلى الطريق.

  • ذكرتُ سابقًا أنّ طريق الإسلام وطريق الله تعالى لا ينسجم مع الشكّ والتردّد. فالدين هو دين الحقيقة والواقع، وطريق الله هو أيضًا طريق الحقيقة والواقع، وكتاب الله هو كتابٌ مُتقَنٌ ويقينيّ، يدعو الناس إلى طريق اليقين والجزم؛ ﴿ذَٰلِكَ ٱلكِتَٰبُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدىً لِّلمُتَّقِينَ﴾.٢

  • إنّ الأنبياء الإلهيّين يتحرّكون على أساس اليقين. والفرق بين الأنبياء وغيرهم يكمن في أنّهم يسيرون في طريقهم وحركتهم عن يقين، بينما يتحرّك غيرهم على أساس الشكّ والظنّ ورغم أنّ الظنّ قد يكون حجّةً معذِّرة ومؤمِّنة لهم، إلاّ أنّ هذا لا يكفي للوصول إلى المطلوب.

  • لقد تحرّك النبيّ الأكرم والأئمّة عليهم السلام والأولياء الذين يستمدّون من عنایاتهم ـ ولا يزالون يتحرّكون ـ في الحوادث والوقائع على أساس اليقين. فهم لا ينظرون إلى حوادث الحياة اليوميّة فحسب، بل لديهم معرفة واطّلاع على مسائل المستقبل والسنوات القادمة وعشرات السنين التي تليها، بل ربّما إلى ما لا نهاية له من الزمان؛ وإن كانت ردودُ أفعالهم ووجهة حركتهم في تلك المرحلة الزمنيّة تتنافى مع رُؤيتهم وبصيرتهم.

  • منشأ اختلاف آراء العلماء والمجتهدين

  • يعمل العلماء والمجتهدون وفقًا للظنون التي تصل إليها أفكارُهم واستنباطاتُهم، وتكون تلك الظنون نفسها حجّةً لهم عند الضرورة، وموجبةً لرفع العقاب؛ ولكن، هناك فرقٌ كبير بينهم، وبين من يرى الحقّ عيانًا، ويتحرّك مع الحقّ، ويكون هذا الحقّ قرينًا له.

  • في زمن المرحوم السيّد محمّد باقر الشفتيّ الرشتيّ في أصفهان، كان أحد علماء أصفهان الآخرين ـ وهو المرحوم الكلباسيّ ـ يتولّى مرجعيّة الناس أيضًا؛ أي: كان في أصفهان عالمان: أحدهما المرحوم الشفتيّ والآخر المرحوم الكلباسيّ.٣

    1. سورة الإسراء، الآية ٣٦.
    2. سورة البقرة، الآية ٢.
    3. آية الله السيد محمد باقر الشفتيّ الرشتيّ (ولد عام ۱۱۷٥ أو ۱۱۸۱ هـ.ق، توفي في ٢ ربيع الأول ۱٢٦۰ هـ.ق) وآية الله الميرزا محمد إبراهيم الكلباسيّ، المشهور بالحاج الكلباسيّ (ولد عام ۱۱۸۰ هـ.ق في أصفهان، توفي في ۸ جمادى الأول ۱٢٦۱ هـ.ق) من كبار علماء أصفهان، ومن تلامذة الآيات العظام السيد مهدي بحر العلوم، ومحمد باقر وحيد البهبهانيّ، وجعفر كاشف الغطاء. لمزيد من الاطّلاع، راجع: سيرة السيد محمد باقر الشفتيّ من الولادة إلى الحضور؛ صاحب إشارات، المؤتمر التذكاريّ للعلاّمة الكلباسيّ، ص ٤ ـ ۱۱.

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

3
  • وكان هذان العالمان يحملان رُؤيتين مختلفتين، وكلٌّ منهما يعمل وفق رُؤيته:

  • كان المرحوم الكلباسيّ يرى أنّ الحقوق الشرعيّة مختصّة بإمام الزمان عليه السلام، وأنّ التصرّف فيها منحصرٌ بشخصه؛ ولذلك، لم يكن يتصرّف فيها، وكان يعتقد بوجوب ادّخار هذه الأموال ودفنها في مكانٍ ما حتّى يأتي إمام الزمان عليه السلام، فيشقّ الأرض ويستخرجها؛ حسنًا، هذه رُؤية.

  • ومن جهةٍ أخرى، لم تكن رُؤية المرحوم السيّد محمّد باقر الشفتيّ كذلك؛ بل كان رأيه، كسائر العلماء، أنّ الأموال التي تصل إليه يجب أن تُصرَف في مواردها التي حدّدها الشرع. ولم يكتفِ بصرف حقوقه الشرعيّة فحسب، بل كان يأمر بالذهاب ليلاً إلى المكان نفسه الذي يُخبّئ فيه المرحوم الكلباسيّ الأموال، واستخراجها وصرفها أيضًا. قيل للمرحوم الكلباسيّ رحمة الله عليه: «إنّ هذه الأموال التي تُخبّئها، يستخرجها هو ليلاً، ولن تصل بعد ذلك إلى يد إمام الزمان!»، فقال: كلّ إنسان يعمل بوظيفته؛ أنا رؤيتي هي هذه، فأدفنها، وهو رؤيته تلك، فيستخرجها.۱

  • رُؤيتان مختلفتان، وكلاهما يعملان بناءً على أدلّتهما وبصيرتهما! ولكنّ عمل الإمام عليه السلام ليس كذلك، فهو لا يعمل بناءً على الأدلّة؛ لأنّ الإمام هو الدليل بنفسه، ولا ينظر إلى الكتاب والدفتر ومحفوظاته؛ هو متّصلٌ، ولأنّه متّصلٌ فهو يُبيّن الحكم بيقين وجزم.

  • الشكّ والتردّد في المسار، أكبر خطر في طريق الله تعالى

  • إنّ أكبر خطر يُهدّد الإنسانَ ويقطع طريقَه إلى الله هو دخول الشكّ والتردّد في قلبه تجاه المسار والطريق الذي يسلكه؛ فهذا أهمّ من كلّ الأخطار! الشكّ والتردّد يوجب دخول الشيطان ونفوذه، ويُنمّي الوساوس الشيطانيّة في قلب الإنسان، ويجب على الإنسان أن يستعيذ بالله من الشكّ والتردّد! لا ينسجم السلوك والحركة إلى الله مع الشكّ والتردّد. الطريق إلى الله هو الانقطاع عن بوادي وأودية الوساوس الشيطانيّة وأهواء النفس الأمّارة؛ وهذا الانقطاع يجب أن يكون مُقترنًا باليقين. الشكّ يُوقف الإنسانَ أو يُسقطه. يُحدق الخطرُ بالإنسان عندما يشعر بالشكّ والتردّد في نفسه تجاه طريقه وبعض المواقف والموارد التي قد تعترضه. يتّسع هذا الشكّ تدريجيًّا حتّى يشمل كلّ زوايا قلبه، ويُحوّله إلى كائن ميّت، بلا حياة ولا روح، وتُسلب منه قوّة الحركة والعمل، فلا يعود قادرًا على التحرّك.

    1. جرعه اى از دريا (جرعة من البحر)، ج ٣، ص٢۸٢.

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

4
  • أمرُ الإسلامِ بملازمة العمل لليقين

  • ولهذا، نرى في الإسلام أمرًا دائمًا: ليكُن عملك الذي تريد القيام به عن يقين؛ لا تعمل بناءً على الشائعات! فكّر في العمل الذي تُريد إنجازه وتأمّل فيه! قُم بعملٍ لا تخجل منه يوم القيامة إذا عرضه الله تعالى أمامك! ادرس زوايا تفكيرك عند العمل، وعندما تتّضح لك كلّ الطرُق، أقدِم حينها!

  • يقول الإمام الصادق عليه السلام: «إنَّ العَمَلَ الدّائِمَ القَليلَ عَلَى اليَقينِ أفضَلُ عندَ اللَه مِنَ العَمَلِ الكثيرِ عَلى غيرِ يقينٍ».۱

  • ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: «كم مِن صائِمٍ لَيسَ له مِن صيامِهِ إلاّ الجوعُ والظَّمَأُ، وكم مِن قائِمٍ لَيسَ له مِن قيامِهِ إلاّ السَّهَرُ والعَناءُ! حَبَّذا نَومُ الأكياسِ وإفطارُهُم»!٢ أي: كم من صائمين يكون ثمرة صيامهم مجرّد العطش والجوع فقط؛ وكم من ساهرين تكون نتيجة عملهم فقط السهر وإرهاق أنفسهم! طوبى للأكياس من المؤمنين الذين يُفطرون في وقتهم ويصومون في وقتهم؛ ويسهرون في وقتهم ويستريحون في وقتهم!»

  • يأمر أمير المؤمنين عليه السلام الربيع بن خثيم أن يُعدّ نفسه للقتال ومحاربة أعداء الإسلام؛ فيُجيبه الربيع: «يا أمير المؤمنين، أعطني مكانًا أذهب إليه لأعبد الله!»، فيقول له أمير المؤمنين: «اذهب إلى خراسان!»، فيمنحه ولاية خراسان، ويذهب إلى هناك، وينهمك في العبادة.٣ وهذا أيضًا طريق!

  • «حَبَّذا نَومُ الأكياسِ وإفطارُهُم!»؛ قد نُدرك فجأةً أنّ عمرنا كلّه وخمسين سنة من عبادتنا كانت هباءً لا طائل منها. إذا وضعنا اليقين نُصب أعيننا منذ الخطوة الأولى، فلن نُصاب بالحسرة والندم في نهاية المطاف. عندما يُريد الإنسان أن يُقاتل، يجب أن يكون قتالُه مقترنًا باليقين؛ وعندما يريد أن يُنفق، لا ينبغي أن يكون ذلك عن انفعال، بل عن فكر وتأمّل؛ وعندما يريد القيام بعمل ما، كأن يصوم أو يصلّي أو يحجّ، يجب أن يكون كلّ ذلك عن فكر ويقين وتأمّل؛ عليه أن يحذر من أن يكون الحجّ الذي يُريد أداءه عن انفعال، وأن يحذر من أن يكون عن خيال، وأن يحذر من أن يمنعه الظنّ بالعبوديّة من الوصول إلى المطلوب.. كلّ هذه حبال وشباك للشيطان، يستخدمها لمختلف الناس، ولا يدرك الإنسان ذلك! فيجب على الإنسان أن يتأمّل!

    1. الكافي، ج ٢، ص ٥۷.
    2. نهج البلاغة (عبده)، ج ٤، ص ۱۷۱.
    3. وقعة صفّين، ص ۱۱٥، مع اختلاف يسير.

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

5
  • إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان إذا أراد القتال [ضدّ معاوية]، قال هذه الدعوات: «اللَهمّ إنّك أعلَمتَ سَبيلاً مِن سُبُلِك جَعَلتَ فيهِ رِضاك، ونَدَبتَ إِلَيهِ أولياءَك، وجَعَلتَهُ أشرَفَ سُبُلِك عِندَك ثَوابًا وأكرَمَها لَدَيك مَآبًا وأحَبَّها إلَيك مَسلَكا!».

  • الشهادة في سبيل الله! وهل هناك ما هو أسمى من ذلك؟!

  • ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشتَرَىٰ مِنَ ٱلمُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلجَنَّةَ﴾.۱ أي: يُبرم الله هنا صفقةً، ويقول: أعطوني أرواحكم [وأموالكم]، وأنا أعطيكم الجنّة في المقابل!

  • سبب السعادة الأبديّة لأصحاب سيّد الشهداء عليه السلام

  • حقًّا، يغبط الإنسان أصحاب سيّد الشهداء، كيف جاؤوا وبذلوا؛ وفي يوم وليلة، انتهت كلّ الأمور؛ أي: وصلوا إلى سعادة أبديّة، وهذا أمرٌ عجيب حقًّا! فلنكُن يقظين لئلاّ نكون ممّن يقضون عمرهم في هوى غير المحبوب!

  • هؤلاء في كفّة، وقصّة ذلك النصرانيّ في مجلس يزيد في كفّة أخرى! حقًّا، عندما يُوفّق الله إنسانًا، فإنّه في غضون ساعة، أو بضع دقائق، أو حتّى في لحظة واحدة، يبذل تضحيةً، ويصل إلى المطلوب، وتنتهي القضيّة! أي: بعد تضحية واحدة وحركة وإيثار، يصل إلى المطلوب! لقد ضربوا عُنقَ ذلك النصرانيّ!٢ وما الفرق بين ضرب عنقه، وبين التعرّض لحادثة سير في الشارع؟! إذا كنتَ تسير في الشارع، وصدمتك سيّارة، فهل ستعلم بما يجري بعد تلك الأحداث؟! كلاّ، ستفتح عينيك فجأةً، وتجد نفسك في عالم آخر؛ أجل، ما هو المكان الذي ستذهب إليه؟ هذا أمرٌ موكولٌ إلى الله! حسنًا، وهذا الأمر كذلك؛ عندما يضربون عنقه بالسيف، يفتح عينيه، ويرى أين هو! [يقول]: ما شاء الله! أين كُنّا وإلى أين صرنا! ولكنّ كلّ هذا منوطٌ بتلك اللحظة الواحدة من اتّخاذ القرار؛ حركة واحدة نحو الحقيقة والواقع تكفي، ودخول واحد تحت خيمة الإمام الحسين يكفي؛ حركة واحدة ولحظة واحدة فقط!

  • دعاء أمير المؤمنين عليه السلام بطلب الشهادة المقترنة باليقين

  • [يقول أمير المؤمنين عليه السلام في تتمّة الدعاء]: «وأكرَمَها لَدَيك مَآبًا وأحَبَّها إلَيك مَسلَكا. ثمّ اشتَرَيتَ فيهِ مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقتُلُونَ وَيُقتَلُونَ﴾،٣ وَعدًا عَلَيك حَقًّا».

  • ومَن يقدر على الوفاء بوعده غير الله؟! لو بحثنا في الدنيا كلّها وفي العالَم أجمع، فلن نجد صادقًا بالوعد يفي بعهده مثل الله! هذا يفي بنسبة تسعين بالمائة، وذاك بثمانين بالمائة، والآخر بسبعين بالمائة، والنسب تتفاوت؛ أمّا الذي يَعِد، ويفي بوعده تمامًا، فهو الله وحده! «وعدًا عليك»؛ هو عهدٌ عليك، وأنت من قُلته!».

    1. سورة التوبة، الآية ۱۱۱.
    2. راجع: اللهوف، ص ۱٩۰.
    3. سورة التوبة، الآية ۱۱۱.

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

6
  • «فاجعَلني مِمَّن اشتَرى فيهِ مِنك نَفسَهُ.

  • ثمّ وَفى لَك بِبَيعِهِ الّذي بايعَك عَلَيهِ، غيرَ ناكثٍ ولا ناقِضٍ عَهدًا، ولا مُبَدِّلاً تَبديلاً»، أي: اجعلني من أولئك الذين يوفون بالبيعة التي أبرموها معك إلى النهاية، ويثبتون على العهد الذي قطعوه، ولا ينقضون البيعة! ومِن الذين يقفون متمسّكين بالعهد الذي أبرموه معك في عالم «ألست»! (واجعل لي توفيق الثبات والاستمرار في السير على دربك!).

  • «بَلِ استيجابًا لِمَحَبَّتِك وتَقَرُّبًا بِهِ إِلَيك؛ فاجعَلهُ خاتِمَةَ عَمَلي، وصَيِّر فيهِ فَناءَ عُمُري، وارزُقني فيهِ لَك وبِهِ مَشهَدًا توجِبُ لي بِهِ مِنك الرِّضا، وتَحُطُّ بِهِ عَنّي الخَطايا! »؛ أي: إلهي، اجعل هذا الطريق الذي اخترته لي سببًا في استحقاق محبّتك، لكي أجلب بواسطته محبّتك ورضاك، وأتقربّ إليك بسببه، وتمحي من خلاله ذنوبي!

  • يقول عليه السلام: «فاجعَلهُ خاتِمةَ عَمَلي»؛ أي: اجعل خاتمة عملي هي الشهادة في سبيلك. حسنًا، هكذا حدث تمامًا. لطالما طلب أميرُ المؤمنين الشهادة من الله تعالى! ولطالما قال للنبيّ الأكرم في زمانه عندما كان يُحدّثه: «يا رسول الله، ادعُ لي أن أُرزق الشهادة!».۱ غاية الأمر أنّها شهادة مع اليقين وشهادة مع الفلاح؛ لا شهادة ظاهريّة!

  • عندما خطب النبيّ الأكرم في الأيّام الأخيرة من شهر شعبان، قبل حلول شهر رمضان، قال لأمير المؤمنين عليه السلام في تلك الخطبة المفصّلة: «كأنّي بِك وأنتَ تُصَلّي لِربّك، وقد انبَعَثَ أشقَى الأوّلينَ والآخِرينَ [وتسبّب في شهادتك] ...»

  • لم تكن الشهادة تُمثّل مشكلةً أو مسألةً لأمير المؤمنين، بل قال: «وذلك في سَلامةٍ مِن ديني»؟٢

  • المسألة هي هذه! هل عقيدتي سليمة في ذلك الوقت أم لا؟ هل اختلط ديني بشيء آخر حينها أم لا؟

  • المُهمّ هي أن يسلم دينُ الإنسان من الشرك عند الوفاة، سواء أكانت بالشهادة أم بغيرها. بعض الناس دينُهم سليمٌ بنسبة خمسين بالمائة والباقي مختلط؛ وبعضهم بنسبة ستّين بالمائة والأربعون مختلطة. أمير المؤمنين يقول: لا أريد اختلاطًا ولو بنسبة واحد بالمائة، بل أريد دينًا مائة بالمائة! ومتى يكون الدين مائة بالمائة؟ عندما يتحقّق الإنسان بالحقّ المطلق؛ وإلاّ، فإنّ مجرّد قول "أشهد أن لا إله إلاّ الله" و"أشهد أنّ محمّدًا رسول الله" لا يمنح الإنسان دينًا كاملاً! فأهل السنّة يقولون هذا الكلام أيضًا؛ ولكن، خلف مَن يسيرون؟!

    1. راجع: بحار الأنوار، ج ٣٢، ص ٢٣٤؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٩، ص ٢۰٦.
    2. فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، ص ۱٣٥.

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

7
  • [يقول أمير المؤمنين عليه السلام في تتمّة الدعاء]: «وتَجعَلُني في الأحياءِ المَرزوقينَ بِأيدي العُداةِ والعُصاةِ، تَحتَ لِواءِ الحَقِّ ورايةِ الهُدى، ماضيًا عَلى نُصرَتِهِم قُدُمًا، غيرَ موَلٍّ دُبُرًا ولا مُحدِثٍ شَكًّا!». أي: اللهمَّ اجعلني في زُمرةِ الأحياءِ المرزوقين، الذينَ رَزقْتَهُمُ الشهادةَ على أيدي الآثمين! وليكُنْ هذا كُلُّهُ تحتَ لواءِ الحقِّ ورايةِ الهُدى، وأنْ أسيرَ على نَهجِ الهدايةِ ودربِ السابقينَ مِمَّن سَلَكوا طريقَ الحقِّ والرشاد، وألاّ أُديرَ ظهري لِمَسيرتِهِم، ولا يُساوِرَ قلبي أيُّ شَكّ في ذلك.

  • انظروا ماذا يُبيّن أمير المؤمنين عليه السلام! فمع أنّه هو المولى عليّ، غير أنّنا نجده يُبيّن هذه المسائل عند التوجّه نحو الأعداء ومواجهتهم؛ فماذا عنّا نحن؟! المسألة دقيقة جدًّا!

  • «اللَهمّ وأعوذُ بِك عندَ ذلك مِنَ الجُبنِ عندَ مَوارِدِ الأهوالِ، ومِنَ الضَّعفِ عندَ مُساوَرةِ الأبطالِ، ومِنَ الذَّنبِ المُحبِطِ لِلأعمالِ!».

  • أي: اللهمَّ إنّي أعوذُ بكَ أنْ يَتملَّكني الخوفُ والجُبْنُ، فَيُقْعِدَني عنِ الإقدامِ عِنْدَ مُناجَزَةِ الأعْداءِ، وحينَ تَحِلُّ مَواطِنُ الفَزَعِ والرَّهبة؛ وأعوذُ بكَ أنْ يُصيبَني الضعفُ والوَهَنُ حينَ أُبارِزُ صَناديدَ الأعداء؛ وأنْ أقتَرِفَ في ذلكَ الموقِفِ العَصيب وفي كُلِّ خُطوةٍ وفي تلكَ اللحظاتِ الحاسمة ذَنبًا، أو آتيَ فِعلاً يُحبِطُ أعمالي، ويُضَيِّعُ أجري!

  • «فَأُحجِمَ مِن شَكّ أو أمضي بِغَيرِ يَقينٍ، فَيَكونَ سَعيي في تَبابٍ وعَمَلي غيرَ مَقبولٍ».۱ أي: فيَعْتَرِيَني الشكُّ، ولا يَكونَ عَمَلي عَنْ يَقينٍ! [فَيَذْهَبَ سَعْيي هَباءً، ولا يَكونَ عَمَلي مَقْبولاً]!

  • من المُهمّ جدًّا أن يكون العمل على طبق اليقين! فالإمام يتحرّك ويتوجّه نحو العدوّ؛ وفي حالة الحركة تلك، يقول: أسألك ألاّ يصدر منّي عملٌ يتنافى مع حركتي الابتدائيّة! يجب أن تكون خطوتي وعملي في كلّ لحظات هذه الحركة غير متنافية مع توجّهي الأوّل الذي كنت أعلم فيه أنّ بداية حركتي هي اليقين؛ أي: يجب أن تُرافق حالةُ اليقين تلك كلَّ هذه المعركة والمواجهة مع الأبطال والاشتباك في الحوادث وغيرها.

  • وجه اختلاف حروب أمير المؤمنين عليه السلام عن سائر الحروب

  • ولهذا، يختلف قتال أمير المؤمنين عليه السلام عن قتالنا كثيرًا. فأمير المؤمنين لا يُريد الانتصار في الحرب، بل يريد الحفاظ على يقينه؛ والنكتة كلّها تكمن هنا! أمير المؤمنين عليه السلام الذي يتحرّك للقضاء على معاوية ويستنهض الناس بكلّ حماس وقوّة، يقول في الوقت نفسه: «سَأجهَدُ في أن أُطَهِّرَ الأرضَ مِن هذا الشَّخصِ المَعكوسِ والجِسمِ المَركوسِ».

    1. الكافي، ج ٥، ص ٤٦.

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

8
  • ولكنّ غايته ليست القضاء على معاوية، بل غايته العمل وفق اليقين والعمل وفق التكليف!

  • يتحرّك الإمام، ويُواجه معاوية في الساحة؛ ولكن، بمجرّد أن يقطعوا الماء، ويشنّ الإمام هجومًا ويستولي عليه، يقول لأصحابه: «اسقوهم!».۱ لو كان أمير المؤمنين قد قطع عنهم الماء، لانتهى الأمر! فلو كان عليّ يريد مجرّد القضاء على معاوية، فلماذا لم يستغلّ هذه الظروف والمواقف؟! إنّه يُريد أداء التكليف! فنحن نُقاتل، ونُقاتل بشرف، سواء قُضي على معاوية أم لم يُقضَ عليه. هكذا أصبح أمير المؤمنين عليه السلام أميرًا للمؤمنين!

  • ولكنّ أمير المؤمنين عليه السلام نفسه، عندما يفتح الماء، يرونه يجهش بالبكاء، ويُخاطب مَن حوله قائلاً [ما معناه]: لقد فتحتُ هذا الماء لمعاوية؛ ولكن، سيأتي يومٌ يقطع فيه ابن هذا المعاوية الماء عن ابني!٢

  • هنا، يكمن الفارق بين الحقّ والباطل؛ هذا صار عليًّا، وذاك صار معاوية؛ هذا صار حُسينًا، وذاك صار يزيد وعبيد الله وعمر بن سعد!

  • إنّ غاية ما يطلبه أمير المؤمنين عليه السلام هو العمل بالتكليف. هذا هو المهمّ، ويجب أن نتحلّى به؛ وإلاّ، فإنّ أيّ أمرٍ يحدث بعد ذلك، فهو بمشيئة الله تعالى وإرادته.

  • مواصفات مولى الإنسان ومقتداه

  • ولهذا، إذا دقّقنا النظر، سنجد أنّ الجميع يتحرّكون بناءً على الشائعات والأهواء؛ من الجاهل إلى العالِم، كلّهم يتحرّكون بناءً على الشائعات، ولا يُفكّرون ولا يتأمّلون، ولا يتدبّرون في أعمالهم، بل الجميع مُقلّدون، بكلّ ما للكلمة من معنى.. كلّهم مُقلّدون، ويُقلّدون! وليتنا إذ نُقلّد، نُقلّد مولًى حُرًّا مُستقلاًّ، لا مولًى هو نفسه مُقلّدٌ لغيره! قلِّد مَن يُحرّرك ويُخرجك من العبوديّة؛ لا أن تُقلّد أهواء الناس وآراءهم:

  • مر مرا تقلیـدشان بر بـاد داد***كه دو صد لعنت بر آن تقلیـد بـاد٣
  • [يقول: لقد جعل التقليدُ الناسَ في مهبّ الرياح، فمائتا لعنةٍ على هذا التقليد]

  • إنّ كلّ الأعمال التي نقوم بها مبنيّةٌ على الشائعات والأهواء وكلام الناس والأجواء التي يختلقونها للإنسان والأمور الخافية عن أنظارنا؛ فنتّخذ قراراتنا وفقًا لجهلنا، ثمّ يتبيّن أنّ الأمر كان خلاف ذلك! يا عزيزي، حسنًا، افتح عينيك منذ البداية! ﴿إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَـٰٓئِكَ كَانَ عَنهُ مَس‍ُٔولاً﴾.٤

    1. راجع: نهج البلاغة (عبده)، ج ٣، ص ۷٣.
    2. بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٢٦٦:
      عن عبداللهِ بنِ قَيسٍ قال: كنتُ مَعَ مَن غَزا مَعَ أمير المؤمنينَ عليه السّلام في صفّينَ، وقد أخَذَ أبو أيّوبَ الأعوَرُ السُّلَمي الماءَ وحَرَزَهُ عن النّاسِ، فَشَكا المُسلِمونَ العَطَشَ، فَأرسَلَ فَوارِسَ عَليٰ كشفِهِ، فانحَرَفوا خائِبينَ، فَضاقَ صَدرُهُ، فَقالَ لَهُ وَلَدُهُ الحُسَينُ عليه السّلام: "أمضي إلَيهِ يا أبَتاه؟"، فَقالَ: "امضِ يا وَلَدي!"، فَمَضى مَعَ فَوارِسَ، فَهَزَمَ أبا أيّوبَ عن الماءِ، وبَنى خَيمَتَهُ، وحَطَّ فَوارِسَهُ، وأتى إلى أبيهِ، وأخبَرَهُ؛ فَبَكى عَليّ عليه السّلام، فَقيلَ لَهُ: "ما يُبكيك يا أمير المؤمنينَ، وهذا أوَّلُ فَتحٍ بِبَرَكةِ الحسينِ؟"، فَقالَ: "ذَكرتُ أنَّهُ سَيقتَلُ عَطشانًا بِطَفِّ كربَلاءَ حتّى ينفِرَ فَرَسُهُ، ويحَمحِمَ، ويقولَ: الظَّليمةَ الظَّليمةَ لِأُمّةٍ قَتَلَتِ ابنَ بِنتِ نَبيها!"». المحقّق
    3. المثنويّ المعنويّ، الكتاب الثاني، ص ٢۰٤.
    4. سورة الإسراء، الآية ٣٦.

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

9
  • الناس جميعًا مُقلّدون! فطوبى لمن ألقى بقلادة التقليد في عُنقِ من يُحرّره ويُخرجه من التقليد؛ ذلك الذي يكون هو نفسه حرًّا طليقًا ولا يكون مقلّدًا، وتكون الحقيقة مسلّمةً عنده؛ وهو المولى عليّ وحده!

  • كیست مولا، آن كه آزادت كند***بند رقّیّت ز پایت بركند
  • زین سبب پیغمبر با اجتهاد***نام خود وآنِ علی مولا نهاد
  • گفت: هر كو را منم مولا ودوست***ابن عمّ من علی، مولای اوست
  • ای گروه مؤمنان شادی كنید***همچو سرو وسوسن آزادی كنید۱
  • [يقول: مَن المولى؟ هو الذي يُحررّك، وينزع قيد العبوديّة من قدميك

  • لهذا السبب، بذل النبيُّ غايةَ جُهدِه، فوضع (المولى) اسمًا له ولعليّ.

  • فقال: مَن كنتُ له مولىً ومحبًّا، فابن عمّي عليّ مولاه

  • فيا معشر المؤمنين، افرحوا، وارفلوا بالحرّية كالسرو والسوسن]

  • نرى في كثير من الأحيان أنّنا نتحرّك لاإراديًّا في اتّجاه ما، في حين أنّ حركتنا تلك لا تكون نابعةً من فكرنا وعقيدتنا. على سبيل المثال، هذا النشيد العسكري الذي يُعزف عند التحرّك لساحات القتال لمواجهة العدوّ، قد صُمّم ورُتّب بناءً على تحريك النفس وسلب إرادة الإنسان وخلق روح التهوّر، دون تدخّل للتعمّق والتعقّل في التوجّه نحو العدوّ. فيتحرّك الإنسان نتيجةَ بروزِ هذه الأمور والأحداث وعزف هذه الآلات؛ وسواء أراد أم أبى، تتسارع حركتُه نحو قوّات العدوّ، ويمضي ـ طوعًا أو كرهًا ـ في تنفيذ الأهداف؛ في حين أنّه لا يملك اختيارًا من نفسه.. هذا لا ينفع!

  • كيفيّة صياغة الشعارات الإسلاميّة

  • يجب أن يكون الشعار في الحرب شعارًا يُجدّد الأهداف الإسلاميّة في ذهن الإنسان، لا أن يسلب منه الاختيار؛ فهذا لا ينفع. يجب أن تكون حركة الإنسان في ساحة القتال على أساس اليقين والتعقّل، لا على أساس سلب الاختيار.

  • في معركة أُحُد، استغلّ المشركون هذه الأحاسيس والدعايات للقضاء على المسلمين؛ فحملوا معهم صنمهم الأكبر "هُبَل"؛ وفي خضمّ المعركة، كانوا يرفعون شعارات، ويصرخون:

  • أُعلُ هُبَلُ، أُعلُ هُبَل.

  • أي: أُعْلُ هُبَل، أُعْلُ هُبَل! هُبَلُ عالٍ! هُبَلُ عَظيمُ المَرْتَبَة! هُبَلُ رَفيعُ المَقام!

  • ومن جهة أخرى، عندما رأى المسلمون شعاراتهم تلك، بدؤوا هم أيضًا بإطلاق الشعارات: اللَه أعلى وأجلُّ.٢

    1. المثنويّ المعنويّ، الكتاب السادس، ص ۱۱٢٢ و۱۱٢٣.
    2. تفسير القمّي، ج ۱، ص ۱۱۷.

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

10
  • لهذا، لا ينبغي أن يكون الشعار الذي يُطرح في عزاء سيّد الشهداء عليه السلام وذكرِ مُصابه شعارًا يُثير العواطف فحسب، بل يجب أن يكون شعارًا يُبيّن مدرسة الإمام الحسين. فالإمام الحسين لا يحتاج إلى مَن يبكي عليه، بل يحتاج إلى رجال! أي: أن نجد رجلين! فلدى الإمام الحسين عليه السلام مَن يبكي عليه بما يكفي؛ فقد ورد في الرواية [ما معناه]: بكى على الإمام الحسين جميع الخلائق من الملائكة والعرش والفرش، حتّى الحيتان في البحار.۱

  • الإمام الحسين ليس بحاجة إلى بكائنا؛ لقد جاء عليه السلام، وبذل نفسه، وضحّى بها لكي ترسخ هذه الفكرة في عقلي وعقلك: «يجب ألاّ تكون أيّة حركة تُريد القيام بها مبنيّة على العواطف، بل يجب أن تكون على يقينٍ من أعمالك!». من أجل هذا جاء، وقدّم هذه التضحية!

  • للأسف، أصبحت الدعايات اليوم بأسلوبٍ يسلب منّا نحن المسلمين عقولَنا ووعيَنا. الدعاية هي الوسيلة التي تُجلس الإمام الحسين مكان يزيد، ويزيد مكان الإمام الحسين! ألم تفعل دعاياتُ الشام ودعاياتُ بني أميّة هذا الأمر؟! لقد صيّرت الإمامَ الحسين يزيدًا!

  • جلس هارون الرشيد يومًا في مجلس كان يتحدّث فيه هشام بن الحكم، وكان يُصغي لكلامه. وعندما خرج، التفت إلى جعفر بن يحيى البرمكيّ، وقال: «إنّ لسان هذا الرجل يُعادل قوّة مائة ألف رجل ضارب بالسيف!».٢

  • "الدعايات" أكبر وسيلة للاستعمار للقضاء على التعقّل عند المسلمين

  • تُعدّ مسألة الدعايات اليوم من أهمّ المسائل التي يستغلّها عالم الاستكبار والاستعمار للقضاء على المسلمين وتنفيذ أهدافه. يقول أحد قادة الدعاية الألمان في مذكّراته: لقد نبّهتُ هتلر إلى أنّ الدعاية يُمكنها أن تُواجه عشر فِرق مُدرّعة من الحلفاء، وتقضي عليها!٣

  • ولذلك، كانت مسألة الدعاية أهمّ وسيلة لتنفيذ خُطط ألمانيا في ذلك الوقت، حيث كانوا يُسيّرون أمورهم بالدعايات؛ فكانوا يكذبون، ويفرضون الكذب على الناس، وكانت الإذاعات الألمانيّة تبثّ أخبارًا كاذبة لجنودها، وتُرسلهم إلى ساحات القتال بالكذب.. كان كلّ شيء كذبًا! وعندما أدركوا ذلك، كان الأوان قد فات، ورأوا كيف خُدعوا! متى كانت ألمانيا قد فتحت مكانًا؟! لقد كانت تتراجع باستمرار! أدركوا الأحداث عندما جاءت أمريكا والاتحاد السوفيتي، وتقاسموا برلين بينهم؛ حينها، فهموا أنّ كلّ ما كان يقوله "غوبلز"،٤ قائد الدعاية الألمانيّ، كان هراءً وكذبًا!

    1. راجع: الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ۱۱٥؛ كامل الزيارات، ص ۸۰.
    2. راجع: كمال الدين وتمام النعمة، ج ٢، ص ٣٦۷.
    3. راجع: حرب برلين.
    4. باول جوزف غوبلز (Paul Joseph Goebbels): سياسيّ ألمانيّ اشتراكيّ قوميّ، شَغَلَ منصب وزير الدعاية في ألمانيا النازية (۱٩٣٣ - ۱٩٤٥م). كان من أقرب أصدقاء هتلر ومعاونيه، وتعود شهرته ـ إلى حدٍّ كبير ـ إلى خطاباته الحماسيّة وبراعته في فنّ الخطابة. المحقّق

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

11
  • إنّ الدعاية اليوم هي أهمّ عامل للاستعمار للقضاء على فكر وتعقّل الشعوب المتخلّفة والمسلمين. بهذه الدعايات اليوم، أطلقوا انقلاب قطع النسل وإبادة الشيعة في إيران؛ وبهذه الدعايات، وضعوا الجيل الشيعيّ على حافّة الانقراض والاضمحلال، وذلك في الدولة الشيعيّة الوحيدة في العالَم: إيران؛ وقد نجحوا في ذلك. وبهذا الأسلوب والدعايات والإحصائيّات الكاذبة، سلبوا عقولنا وعقولكم، واستخدموا وسائل التواصل الاجتماعيّ الخاصّة بنا ضدّنا بأفضل طريقة. إنّ إبادة الشيعة التي تحدث اليوم في إيران هي الانقلاب الأبيض لأمريكا وبريطانيا الذي انتصر للأسف!

  • يقولون: «سكّان العالَم في طريقهم إلى الانقراض!». فليذهبوا إلى الجحيم إن كانوا يضمحلّون! إذا كنتم تُشفقون على سكّان العالَم، فقلّلوا من سكّانكم أنتم! لماذا يجب أن يبلغ عددُ سكّان أمريكا مائتين وخمسين مليون نسمة؟! حسنًا، ليُصبح عددُهم عشرة ملايين! لماذا تقع الكارثة على رؤوسنا نحن؟! لماذا يُباد جيل شيعة الإمام عليّ عليه السلام؟! ليُبَد جيلُ أولئك المخمورين! إلى الجحيم، فليُبادوا! ليُبَد جيلُ النصارى واليهود وأعداء الله وأعداء البشريّة وأعداء الشعوب! الأفضل أن يُبادوا؛ لا بأس، ونحن سنسعد بذلك كثيرًا! ليصل عددُ سكّان العالَم إلى مائة مليون: تسعون مليونًا في إيران، وعشرة ملايين في العالم أجمع؛ ما المشكلة في ذلك؟! هذا أفضل! لا أحد يعترض! هل تُشفقون على سكّان العالم، أم على شيعة عليّ؟! أنتم قلقون من فقرنا، في حين أنّكم ترمون في البحر كلّ عام مئات الملايين من أطنان القمح للحفاظ على أسعار العملة؟! أنتم قلقون من فقر العالم المتخلّف، في حين أنّ طعام أمريكا الفائض في شهر واحد يكفي لتغذية إفريقيا لعام كامل!

  • دور علماء السوء في تحقيق أهداف الاستعمار

  • لقد جنّد الذين لا يخافون الله تعالى ـ بدعاياتهم المسمومة ـ شيبنا وشبّاننا، وجاهلنا وعالِمنا بِحَماقةٍ لخدمة أهدافهم! وفي هذا السياق، قام الجزّارون والسفّاحون والأطبّاء عديمو الدين والإيمان والخوف من الله بتمزيق بطون الناس بالخناجر والسيوف، ولوّثوا ثوب الطبّ الأبيض والمحترم ـ في زعمهم ـ بهذه الجرائم المُروّعة!! هؤلاء هم أنفسهم الذين عندما يدخلون الجامعة، يقولون: «نحن ندخل الجامعة لثلاثة أمور؛ أوّلاً لنحلّ مسألة التجنيد، وثانيًا لنتزوّج، وثالثًا لنجني المال!». هذا اللباس شريف جدًّا.. اللباس الذي لا يُستخدم إلاّ لملء الجيوب والبطون و ...! ما أقوله ليس مزاحًا! أولئك الذين لا يخافون الله، ويُمنَحون الدرجات والمناصب مقابل القضاء على شرف النساء وأعراضهم، هم أدوات بيد أمريكا والصهيونيّة لإبادة الشيعة ونسلهم ودولة إيران! لقد وضعوا كلّ طاقاتهم في تصرّف وكالة الاستخبارات المركزيّة، وكلّ هؤلاء تحت إمرتهم، والشيء الوحيد الذي يُفكّرون فيه هو المال والمال والمال! كلّه كذب! يسوقون المريض إلى غرفة العمليّات بالدعايات الكاذبة، ويُنزلون به ما يشاؤون من مصائب! وهي مسألة حدثت معنا نحن أيضًا! إنّ قيمة المنبر أجلّ من أن أذكر أسماء هؤلاء الخونة الذين لا يخافون الله، وكيف قضوا على صحّة الناس بكلماتهم الكاذبة، وقد تبيّن لاحقًا في أحاديثهم أنّ الأمر كذلك! إنّهم يقطعون نسل الناس مقابل الحصول على المال والترقيات!۱ هؤلاء هم الأفراد أنفسهم الذين ارتدوا ثوب الطبّ الشريف!

    1. لمزيد من الاطّلاع على مسالة قطع نسل الشيعة عن طريق الادّعاءات الواهية والكاذبة، راجع: الرسالة النكاحيّة، الحدّ من عدد السكّان ضربة قاصمة لكيان المسلمين.

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

12
  • هذا من جهة؛ وأمّا من الجهة الأخرى والأكثر خطورة، فهناك علماء السوء السذّج والمخدوعون والجهلة، وربّما المعاندون، الذين وضعوا أنفسهم في خدمتهم من أجل أهدافهم الدنيويّة! ولندع هذا الأمر!

  • تحليل ودراسة لأثر الدعايات السيّئة في نقض الكوفيّين للبيعة

  • هكذا هي الدعايات! هذه هي الدعايات! تأتي الدعاية، وتسلب الإنسانَ كيانَه وعقلَه ووعيَه! وعندما يدرك الإنسان حقيقة الأمر، مَن سيُمكنه أن يُقدّم له جوابًا حينها؟!

  • مَن الذين بعثوا الرسائل للإمام الحسين عليه السلام؟ وصلت أربعةُ آلاف رسالة من هؤلاء الناس للإمام الحسين! يقول سيّد الشهداء لأحد أصحابه يوم عاشوراء [ما معناه]: «أحضر ذلك الكيس الذي فيه الرسائل!». ثمّ يبدأ الإمام بمناداتهم واحدًا تلو الآخر بالاسم [بما مضمونه]: يا شبث بن ربعيّ، ألم تبعث لي رسالة؟! يا حجّار بن أبجر، ألم تبعث لي رسالة؟!۱

  • ومَن كان حجّار بن أبجر هذا؟ هو نفسه الذي كتب في رسالته: «جُعلت فداك»؛ وهو نفسه كان مسؤولاً مع أربعة آلاف رجل عن قطع الماء عن الإمام الحسين! كيف يُعقل ذلك؟! لقد جاءت الدعاية، وقلبتهم! لم يكن إرسالُهم تلك الرسالة للإمام الحسين عن يقين، ولا كان توجّههم لقتال الإمام الحسين عن يقين؛ كان كلّ ذلك عن شكّ!

  • يدخل مسلم بن عقيل الكوفة برسالة من سيّد الشهداء، فماذا يقول الإمام عن مسلم بن عقيل: «وقد بعثتُ إليكم أخي وابنَ عمّي وثقتي من أهلِ بيتي».٢ أي: كأنّي قدمتُ بنفسي! عندما يقول الإمام الحسين لشخص: «أخي»، فهذا يكفي. يقول: «لقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي!».

  • لقد بايع ثلاثون ألفًا مسلمًا! البيعة تعني: نحن حاضرون، ونُعاهدك، ونلتزم بالعمل بكلّ ما تقوله. ما الذي حدث عندما ذهب أمير المؤمنين للأنصار والمهاجرين قائلاً: «لماذا لا تدافعون عنّي؟»، فأجابوا: «يا عليّ، لقد بايعنا أبا بكر وانتهى الأمر، ولا تسمح لنا الشيم العربيّة بنقض العهد!»؛٣ ولكنّكم نقضتم البيعة هنا؟! كيف سمحت لكم تلك الشيم العربيّة هنا؟! أفٍّ لهؤلاء القوم!

  • التفّ ثلاثون ألفًا حول مسلم بن عقيل؛ وعندما رأى مجيء هذا الجمع الغفير، كتب لسيّد الشهداء: «تعال وانظر ماذا يفعل الناس وكيف يطيرون فرحًا و ...!».٤ وقدِم الإمام من هناك أداءً للتكليف الشرعيّ.

    1. راجع: الإرشاد، ج ٢، ص ٩۸.
    2. وقعة الطفّن ص ٩٦.
    3. راجع: السقيفة وفدك، ص ٦۱؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٦، ص ۱٣.
    4. راجع: وقعة الطفّ، ص ۱۱٢، مع اختلاف يسير.

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

13
  • ماذا فعلت الدعايات بمسلم! عجيبٌ جدًّا! يُصلّي مسلم صلاة العشاء، وعندما يلتفت، لا يجد أحدًا خلفه!۱ عجيبٌ جدًّا! أين ذهب الثلاثون ألفًا؟! ذهب كلّ واحد في حال سبيله. هذا ما تفعله الدعايات. بخبرين كاذبين مفادهما: «لقد جاء جيش الشام، وضرب خيامه على بُعد فراسخ قليلة؛ وهو ينتظر!»٢ انتهى كلُّ شيء!

  • عندما قدم عبيدُ الله بن زياد إلى الكوفة، دخل دار الإمارة وهو يغطي رأسه بعباءته من الخوف؛ ولكن، لم يمرّ أسبوع، بل بعد يومين أو ثلاثة أيّام، قبضوا على مسلم بن عقيل! أيّ أناس كانوا حقًّا هؤلاء الذين لم يبقَ منهم أحدٌ بعد كلّ ذلك الحماس والانفعال! يجب أن نستعيذ بالله تعالى!

  • سيرة مسلم بن عقيل كممثّل للإمام الحسين عليه السلام

  • ماذا يفعل مسلم الآن؟ إنّ أخا الإمام الحسين عليه السلام يختلف بطبيعة الحال عن غيره! المسألة الدقيقة تكمن هنا، ويجب أن نلتفت إليها.

  • عندما يأتي إلى منزل هانئ بن عروة، كان هانئ مريضًا. وكان مقرّرًا أن يأتي ابن زياد لعيادة هانئ، فيكمن مسلم في مخبأ، ويقضي على ابن زياد في تلك اللحظة. لو أشار مسلم بن عقيل إشارة واحدة، لأطاح برأس عبيد الله وغلامه مهران؛ فقد كان مسلم بطلاً ومغوارًا عظيمًا! فحينما أحضر محمّد بن الأشعث خمسمائة فارس للقبض على مسلم بن عقيل، قضى عليهم جميعًا! فبعث محمّد بن الأشعث رسالة لابن زياد: «هذا العدد قليل!»، فقال له: «لقد أرسلتك لقتال رجل واحد، وتقول العدد قليل؟!». قال: «هل تظنّ أنّك أرسلتني لقتال بقّال؟!».٣ في ذلك الوقت، يكون مسلم في مخبأ منزل هانئ، ويأتي ابن زياد ويذهب؛ وعندما يسأله هانئ: «لماذا لم تخرج؟!»، يقول: «لم تسمح لي شيمي أن يُراق الدم في بيتك؛ لقد كان ضيفك!».٤ هذا هو مسلم بن عقيل؛ ممثّل الإمام الحسين عليه السلام الذي يجب أن يكون كالإمام الحسين نفسه، وأن يسير على خُطاه!

  • لكن، في ماذا تنفعنا شجاعة مسلم؟! حسنًا، قضى مسلم على خمسمائة رجل، غير أنّها كانت شجاعة ظاهريّة؛ ولكنّ هذا العمل الذي صدر من مسلم هو الذي يحمل قيمةً لنا؛ إذ رُغم علمه اليقينيّ بأنّهم سيقضون عليه ـ فكلّ القرائن كانت تدلّ على ذلك، لأنّه كان وحيدًا فريدًا في الكوفة والجميع ضدّه ـ وقد حانت الفرصة المؤاتية للقضاء على العدوّ والخصم، إلاّ أنّه يقول: «أنا لا أغتال الضيف!».. القضيّة هي هذه! هذا ما يُسمّى: العمل وفق اليقين! سنُقتل.. فلنُقتل! يجب أن يكون عملُنا كعملِ مولانا! ماذا يفعل الحسين؟ أنا أيضًا يجب أن أفعل مثله! إنّه يعرف الإمام الحسين!

    1. راجع: الإرشاد، ج ٢، ص ٥٤.
    2. راجع: وقعة الطفّ، ص ۱٢٥.
    3. راجع: تسلية المُجالس (مقتل الإمام الحسين عليه السلام)، ج ٢، ص ۱٩٤.
    4. موسوعة الإمام الحسين عليه السلام، ج ۱، ص ٥٦۰ ـ ٥۸۰.

دعوة القرآن الكريم إلى الاتّباع على أساس العلم واليقين - خطر الشكّ والدعاية: من خذلان أهل الكوفة إلى الحروب الحديثة

14
  • كيفيّة شهادة مسلم بن عقيل عليه السلام

  • في النهاية، يقبضون على مسلم بن عقيل بالمكر والخديعة، وقد أثخنته جراح السهام والرماح والسيوف، وأُغمي عليه. كبّلوا يديه، وأحضروه إلى دار الإمارة؛ فكان عبيد الله بن عبّاس يقف بجانب مسلم، ورأس مسلم مسندٌ إلى الحائط، فيبدأ بالبكاء. يلتفت إليه عبيد الله، ويقول:

  • إنّ الذي طَلَبَ مِثلَ الّذي تَطلُبُ، إذا نَزَلَ به ما نَزَلَ بِك لا يَبكي (أي لقد اخترت ذلك بنفسك!).

  • يقول مسلم:

  • واللَه لا أبكي لِنَفسي؛ أبكي لأهلي المُقبلين، أبكي للحسينِ وأهلِ بيته.۱

  • يُعطونه وعاءً من الماء، فيرفعه إلى فمه ثلاث مرّات، ولكنّ الوعاء يمتلئ بالدماء. يُريقه على الأرض، ويقول:

  • الحمدُ لِلّهِ؛ لو كان هذا من الرزقِ المَقسوم لي، لَشَرِبتُه.٢

  • لعلّ هناك أسرارًا في هذا الأمر؛ فالله يحبّ مسلم بن عقيل كثيرًا، ولا يُريد لأخي سيّد الشهداء أن يرتوي في اللحظات الأخيرة من عمره ممّا حُرم منه الإمام.

  • يُريدون فصل رأسه عن جسده، فيتقدّم عمر بن سعد ويقول: «يا مسلم، إن كانت لك وصيّة، فقلها لأنفّذها!» يوصي مسلم، ويقول لعمر بن سعد:

  • اُكتُبوا لِلحُسينِ ...؛٣ أي: وصيّتي هي أنْ تَبعَثوا إلى الحُسَينِ ألّا يَتوجَّهَ إليكُم؛ فإنّه قادِمٌ على إثْرِ كُتُبِكُم ووُعودِكُم، وأخافُ أنْ يَحِلَّ بهِ ما حَلَّ بي. 

  • لا يترك سيّد الشهداء هذا العمل دون جزاء؛ ففي يوم عاشوراء عندما تضعف قواه، ويُستشهد جميع أصحابه وأهل بيته، ويشعر بأنّه وحيدٌ فريدٌ في هذه الصحراء، يُنادي أصحابه وأنصاره واحدًا تلو الآخر؛ وأوّل من يُناديه هو مسلم بن عقيل.. يُنادي:

  • «يا مسلم بن عقيل ويا هاني بن عروة...!»٤

    1. راجع: تسلية المُجالس (مقتل الحسين عليه السلام)، ج ٢، ص ۱٩٦، مع اختلاف يسير.
    2. راجع: الإرشاد، ج ٢، ص ٦۱.
    3. راجع: المصدر نفسه:
      فَقالَ لَهُ: "إنَّ عَلَيّ دينًا بِالكوفةِ استَدَنتُهُ مُنذُ قَدِمتُ الكوفةَ سَبعَمِائةِ دِرهَمٍ فاقضِها عَنّي؛ فَإذا قُتِلتُ، فاستَوهِب جُثَّتي مِنِ ابنِ ‌زيادٍ، فَوارِها؛ وابعَث إلَى الحُسَينِ عليه السّلام مَن يَرُدُّهُ، فَإنّي قد كتَبتُ إلَيهِ أُعلِمُهُ أنَّ النّاسَ مَعَهُ، ولا أراهُ إلّا مُقبِلًا!"».
    4. موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السّلام، ص ٤٨٤؛ موسوعة الامام الحسين عليه السّلام، ج ٤، ص ٢٧٦.