المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
التاريخ 1415/02/04
التوضيح
كيف ابتلعت الماديّة عالمنا المعاصر وغيّبت المعنويّة حتى عن بعض الأوساط العلميّة؟ ما هو دور الاستعمار في توظيف “علماء السوء” لاختراق صفوف المسلمين؟ كيف استُخدمت جريمة “وضع الحديث” وتزوير الأنساب لتبرير أهواء السلاطين وتغيير أحكام الله؟ وكيف مهّدت فتاوى أمثال “شريح القاضي” لقتل سيّد الشهداء عليه السلام في كربلاء؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مسلّطةً الضوء على ضرورة التمسّك بالعلماء الربّانيّين المخلصين وعدم الاغترار بظواهر المُدّعين.
هو العليم
خطر المادّية المعاصرة وجريمة وضع الحديث في تحريف مسار الدين
كيف مهّدت فتاوى علماء السوء لقتل سيّد الشهداء عليه السلام؟
مباني الإسلام ـ محطّات من السيرة النبويّة ـ الجلسة التاسعة عشرة
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرّحمٰن الرّحيم
الحمدُ للّهِ ربّ العالمينَ وصلّى الله علىٰ سيّدِنا ونبيِّنا
وحَبيبِ قُلوبنا وطَبيبِ نُفوسنا أبي القاسمِ المصطفى محمّد
وعلىٰ آله الطيّبينَ الطاهرينِ المعصومين المكرَّمين
واللعنةُ علىٰ أعدائهم أجمَعينَ إلىٰ يومِ الدّين
الابتعاد عن المعنويّة والميل نحو الماديّة في العصر الحاضر
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَإِذَا رَأَيتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعرِض عَنهُم حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيطَٰنُ فَلَا تَقعُد بَعدَ ٱلذِّكرَىٰ مَعَ ٱلقَومِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾.۱
أي: أيّها الرسول، إذا رأيت الذين يطعنون في آياتنا، ويستهزئون بها، ويُثيرون الشبهات حولها، فاتركهم، وأعرض عنهم حتّى يخوضوا في مسألة وبحث آخر! (فلا سبيل للهداية في هؤلاء). ولهذا، بعد التنبّه وبعد أن يتبيّن لك الأمر، لا تُجالس القوم الظالمين، ولا تُحاورهم أبدًا!
من المؤسف أنّ عالم اليوم هو عالم الماديّة، ولا خبر فيه عن الله؛ ومع الأسف الشديد، فإنّ هذا الأمر حاكم ومُسيطر حتّى بين أخصّ فئات المجتمع.
لكنّ الأمر لم يكُن كذلك في السابق، بل كان الناس يهتمّون بالجوانب المعنويّة أكثر من المادّية. في الماضي، كانت العلوم في خدمة الإنسان والإيثار والاهتمام بشؤون المخلوق؛ وكان الناس في الماضي يُفكّرون في الخلق والخالق أكثر من تفكيرهم في الجوانب الماديّة.
من علامات آخر الزمان أن تُصبح الأفكار مادّية، وتتحرّك الأفعال في اتّجاه التمحور حول الذات والأنانيّة؛ وهذا الأمر يُرى في جميع المجالات. فبدلاً من التفكير في صلاح المجتمع وخدمة الخلق، يتمّ الاهتمام بالجوانب الاقتصاديّة المُربحة، حيث ملأت المسائل المادّية أفكارنا، ولم تترك مجالاً للميل نحو الحقيقة.
لم يكُن الأمر هكذا فيما مضى، بل كان العلم في خدمة رضا الله تعالى، وكانت الجوانب المعنويّة تتغلّب على الجوانب الظاهريّة. في الماضي، وبما أنّ أطبّاءنا كانوا يرون الشفاء من الله، فقد كانوا يبذلون غاية التعاون من حيث مساعدة المرضى؛ والطبيبُ الذي كان يخرج من منزله صباحًا، كان يُصلّي ركعتين أوّلاً، وعند كتابة الوصفة الطبيّة كان يدعو، وكان يقف عند رأس المريض وهو على وضوء. أمّا اليوم، فإنّ الطبّ مطروح فقط لجمع المال؛ وإذا صدرت منهم خدمة للخلق، فهي في إطار المسائل الاقتصاديّة. يُستغلّ العلم لجمع الثروة فحسب! ذلك الشابّ الذي يدخل الجامعة لا يُفكّر إلا في المال فقط! ومع ذلك، لا يزال يُرى في بعض الأماكن ـ بشكل متفاوت ـ بعضُ البقيّة والخلف لأولئك الذين كانوا في الماضي. إنّ نهجهم يختلف كليًّا عن النهج المعاصر.
لعن الله هذه الحضارة الغربيّة، فعندما هجموا على البلاد الإسلاميّة، كان أوّل ما سلبوه من المسلمين هو معنويّتهم؛ وفي المقابل، أمّنوا لهم الجوانب المادّية ودنياهم بكلّ ما للكلمة من معنى.
وظيفة العلماء في حفظ إخلاص الطلبة ومواجهة المادّية وبدع الاستعمار
لكنّ الوضع في الحوزة ليس كذلك؛ فعندما يدخل طالب العلوم الدينيّة إلى الحوزة، لا يدخلها بقصد الحصول على المال، بل بقصد الاطّلاع والتعرّف على علوم الأئمّة عليهم السلام. ولهذا، إذا حان الوقت الذي تُصبح فيه مكانة الطبّ بحيث لا تعود هناك حاجة إلى هؤلاء، أو يصل الأطبّاء إلى مستوى عامّة أفراد المجتمع من حيث الدخل؛ حينها، سيتبيّن كم عدد الذين سيرتدون هذا اللباس الشريف. وعلى الرغم من ذلك، يُمكن القول إنّه بالنظر إلى الظروف التي طرأت، فإنّ مسألة المادّية بدأت تتسرّب تدريجيًّا إلى الحوزات أيضًا. بالطبع، يوجد أناسٌ بين الحين والآخر ـ وبشكل نادر ـ قد سخّروا حقًّا كلّ همّهم واهتمامهم في خدمة الخلق ورضا الخالق من مُنطلق الإخلاص والإيثار؛ ولا مجال لإنكار هذا الأمر، وجُهدهم مشكور ومأجور ومحلّ تقدير، إذ: «مَن لم يَشكُرِ المَخلوقَ لم يَشكُرِ الخالِقَ»؛۱ أمّا الجوّ العام الحاكم على هذه القضيّة، فهو أمر آخر!
في مثل هذه الظروف، يرى الاستعمار العالميّ الظروف مناسبةً جدًّا لتنفيذ أهدافه. وما فعلوه في غير أهل العلم ونجحوا فيه بكلّ ما للكلمة من معنى، حقّقوا فيه بعض النجاح مع أهل العلم أيضًا من خلال بعض التمهيدات؛ فمن خلال الإغراء والحيل المختلفة والمتنوّعة، اشتغلوا على العلماء القابلين للاختراق، وعرضوهم بشكل أو بآخر على مستوى المجتمع العلمائيّ والعلميّ الدينيّ، ليتمكّنوا في الفترات الحاسمة والمصيريّة من استغلالهم في تنفيذ أهدافهم.
في مثل هذه الظروف، فإنّ وظيفة العلماء والطلبة الصادقين والمُخلِصين للعلوم الدينيّة هي الحيلولة دون الانحراف والبدع بأيّ نحوٍ كان، وإيصال المسائل إلى أسماع الناس باللسان والبيان كحدّ أدنى.
هناك رواية عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول فيها: «إذا ظَهَرَتِ البِدَعُ، فَعلَى العالِمِ أن يُظهِرَ عِلمَهُ، وإلاّ فَعَليهِ لعنةُ اللَهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجمَعينَ».٢ أي: عندما تظهر البدع بين الناس، يجب على العالِم أن يُظهر علمه، ويجب أن يُبيّن المسائل للناس ويُقدّم لهم الأدلّة.
سيتمّ توضيح كيفيّة نموّ وظهور البدعة لاحقًا، وسنُبيّن كيف تظهر البدعة وما هي جذور هذا الظهور.
خصائص العلماء الصادقين والمبلّغين الحقيقيّين لدين الله
ورد في الآية القرآنيّة الكريمة: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخشَونَهُۥ وَلَا يَخشَونَ أَحَدًا إِلاّ ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِاللهِ حَسِيبًا﴾.۱ أي: تقع مسؤوليّة التبليغ على عاتق الذين يُبلّغون الرسالة الإلهيّة ببصيرة ومن منطلق معرفةٍ وإدراكٍ واقعيٍّ للأمر؛ وفي هذا المسار، يجب أن يكون هدف هؤلاء هو الله فقط لا غير، وأن يخشوه تعالى، ولا يُبيّنوا الأمر للناس بشكل خاطئ!
﴿يَخشَونَهُۥ﴾؛ أي: أن يضعوا الله نُصبَ أعينِهم في أداء التبليغ!
﴿وَلَا يَخشَونَ أَحَدًا إِلاّ ٱللَّهَ﴾؛ أي: ويجب ألاّ يُخاف من أحد سوى الله.
﴿وَكَفَىٰ بِاللهِ حَسِيبًا﴾؛ أي أنّ الله نفسه هو المتكفّل بأمور عباده، وهو الذي يُحصي المسائل ويأخذها بعين الاعتبار.
ويقول تعالى في آية أخرى من القرآن الكريم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرتَدَّ مِنكُم عَن دِينِهِۦ فَسَوفَ يَأتِي ٱللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُۥ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلمُؤمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَومَةَ لَآئِمٍ ذَٰلِكَ فَضلُ ٱللَّهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾.٢
﴿مَن يَرتَدَّ مِنكُم عَن دِينِهِۦ﴾؛ أي: من أراد أن يرتدّ عن دينه فليرتدّ؛ ولكن اعلموا أنّ سُوق المؤمنين لن يكسُدَ أبدًا.
﴿فَسَوفَ يَأتِي ٱللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُۥ﴾؛ أي: سيأتي الله عمّا قريب بقوم يُحبّهم ويُحبّونه.
المسألة الدقيقة هنا هي أنّ المحبّة تعلّقت بهم من جانب الله أوّلاً؛ فلو لم يُحبّهم الله، لما أحبّوه هم أيضًا! فليعرف الذين يسيرون في طريق الحقيقة وعلى الصراط المستقيم قدر أنفسهم؛ إذ أصبحوا موضع محبّة الله!
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلمُؤمِنِينَ﴾؛ أي: يتواضعون أمام المؤمنين؛ (فعندما يلتقون بإخوانهم في الإيمان، يكونون متواضعين ويخفضون الجناح، ولا يُظهرون التكبّر والأنانيّة، بل هم رفقاء يجلسون على مائدة واحدة).
﴿أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلكَٰفِرِينَ﴾؛ أي: أمّا أمام الكفّار، فهم مُستغرقون ومُتمكّنون في مقام الإيمان المنيع والعزيز.
﴿يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾؛ أي: هؤلاء يجاهدون في سبيل الله.
وليس المراد من الجهاد هو القتال والحرب الظاهريّة؛ بل هم يُواجهون بكلّ الوسائل التي يُمكن من خلالها مواجهة الكفّار.
﴿وَلَا يَخَافُونَ لَومَةَ لَآئِمٍ﴾؛ أي: لا يهابون ولا يخشون من أيّ افتراء أو عيب أو لوم من أيّ لائم.
﴿ذَٰلِكَ فَضلُ ٱللَّهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: هذا فضل الله يُؤتيه من يشاء، والله واسع عليم.
ولهذا، فإنّ وظيفة الطلبة والعلماء الصادقين والحقيقيّين هي: أن يُبيّنوا للناس ما يتوصّلون إليه عن طريق المصادر الإسلاميّة الأصيلة، بعيدًا عن الهوى والضوضاء والمصادر الخادعة والمُضلّلة؛ هذه هي وظيفتنا!
إذا كان الآخرون قد فهموا المسألة بطريقة أخرى، فهم المسؤولون عن ذلك؛ ولكن، قد نفهم نحن المسألة بطريقة مختلفة؛ وإذا كان يوحى إليهم أو يُلهمون، فهذا أمر آخر. المصادر هي فقط ما نملكه بين أيدينا. يجب ألاّ يُؤدّي فهمُ إنسانٍ لمسألةٍ ما إلى أن نتخلّى عن فهمنا وبصيرتنا تجاه هذه المسألة؛ وكما يطّلع الآخرون على الأدلّة والأسانيد، سيطّلع الباقون أيضًا.
وضع الحديث، إحدى مصائب الأديان الإلهيّة
من الابتلاءات التي عصفت بالمجتمع الإسلاميّ منذ زمن النبيّ الأكرم فصاعدًا ـ بل وكانت موجودة حتّى قبل زمانه بين أقوام اليهود والنصارى ـ هي مسألة وضع الحديث. كان الناس يضعون الأحاديث، ويفترون الكذب لمصلحة دنياهم. فكانوا ينقلون خبرًا مكذوبًا ورواية كاذبة عن النبيّ الأكرم من أجل أن تعمر دنياهم!
دعاية معاوية السيّئة باستخدام الأحاديث المكذوبة
حقًّا، إنّ هذا لَفي غاية الرذالة والدناءة! فكم تتّسع المعدة، وكم يجب أن يأكل الإنسان في هذه الدنيا، وكم يجب أن يكسب ليقبل بأخذ أربعمائة ألف درهم من معاوية حتّى يفتري كذبة واحدة على أمير المؤمنين.. كذبة واحدة فقط؟!۱
بيّنتُ سابقًا أنّ معاوية تمكّن بدعايته من جعل أهل الشام لا يُصدّقون أنّ عليًّا عليه السلام كان يُصلّي عندما استُشهد في المحراب!٢ نحن نأخذ هذه المسائل ببساطة وسهولة ولا نُدقّق فيها؛ لأنّنا عرفنا أمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة عليهم السلام إلى حدّ ما، ونتعجّب كيف يُمكن لمعاوية أن يقوم بمثل هذه الدعاية مع أنّ المسافة بين الشام والعراق ليست بعيدة! ألم يكن هناك من يذهب ويجيء؟! ألم تكن الأحاديث تتبادل هنا وهناك؟! ولكن، عندما ننظر إلى وضعنا الحاليّ، نرى أنّه كلاّ! عملُ معاوية كان في محلّه ومدروسًا؛ فمن خلال نشر الأخبار الكاذبة، أظهر للناس المسائل بشكل مقلوب تمامًا، بحيث صدّقها الجميع! كان أهل الشام يتعجّبون: هل كان عليّ يُصلّي حتّى يُقتل في المحراب؟!
سبب قبول الأحاديث الموضوعة والانحراف عن طريق الحقّ
حسنًا، انظروا الآن إلى سمرة بن جندب، فهو أحد صحابة النبيّ، وأبو هريرة أحد صحابة النبيّ، هؤلاء أناس رأوا النبيّ، وأهل الشام يُشاهدونهم؛ فيقولون: هل يُعقل أن يكذب مَن هو من صحابة النبيّ؟! فهذا الرجل الذي قضى سنين طوال مع النبيّ، هل يُعقل أن يأتي ويكذب؟!
إنّ سذاجتهم هذه هي التي أوصلتهم إلى ما وصلوا إليه؛ وسذاجتنا هي التي ستُوصلنا إلى حيث يجب أن نصل! كلّ هذا بسبب السذاجة! كلاّ يا عزيزي! هناك من هو علاّم الغيوب والمطّلع على النفوس، لا أنا ولا أنت! نحن لا نعلم ولا نُدرك، نحن ننظر إلى الظاهر فقط؛ ولكنّنا لا نعلم ما يجري في باطن الإنسان ونيّته، ولا نعلم بذلك إلا ّعندما نرى ما حلّ بنا من خداع، وإلى أين وصلنا ونحن غافلون!
حكاية عن واقعيّة أمير المؤمنين ونظرة الشيخين وعامّة الناس السطحيّة
خطرت ببالي قصّة جميلة ربّما لا يخلو تكرارها من مناسبة:
كان النبيّ الأكرم جالسًا في المسجد ذات يوم، فخاطب أبا بكر قائلاً [ما معناه]: «يا أبا بكر، خذ هذا السيف، واخرج من المسجد؛ فهناك رجل واقف خلف ذلك الجدار يُصلّي، اذهب واضرب عنقه وتعال!»
أخذ أبو بكر السيف وتوجّه نحو ذلك المكان (هناك مسائل وملاحظات هنا، فدقّقوا جيّدًا!)، وعندما وصل، رأى أنّ ذلك الرجل في حالة صلاة؛ فلم يستطع قتله (لماذا لم يستطع؟ لأنّه هو نفسه مثله؛ هذه الصلاة جاءت، ومنعته من تنفيذ أمر النبيّ). فرجع إلى رسول الله وقال: «يا رسول الله، لقد رأيت هذا الرجل، ولكنّه كان في حالة صلاة!»
فأعطى النبيّ السيف لعمر وقال له: «اذهب واقتله!»
وعندما وصل إليه عمر، رآه في حالة سجود، فرجع وقال: «يا رسول الله، كيف أقتله وهو من أهل السجود وهو راكع ساجد؟!»
فأعطى النبيّ السيف لأمير المؤمنين عليه السلام وقال له: «يا عليّ، اذهب واقتله!»
فجاء عليه السلام، ورأى أنّه قد انصرف من هناك.
هناك مسائل تُطرح هنا نتجاوزها؛ الكلام هو أنّ هذا الرجل كان بحيث لو سألوا صحابة النبيّ أن يُبيّنوا لهم عشرة من حواريّي رسول الله، لأشار الجميع إليه كأحد هؤلاء الحواريّين!
قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم [ما مضمونه]:
لو قُتل هذا الرجل، لما اختلف رجلان من أمّتي من بعدي!۱
هذا الرجل هو ذو الثدية، وهو نفس الشخص الذي أثار أحداث النهروان.
كان أمير المؤمنين عليه السلام يسير في المدينة ليلاً مع أحد أصحابه في زمن خلافة عمر، فرأيا رجلاً يقف على جانب الطريق ويُصلّي. لفت هذا الرجل انتباه صاحب أمير المؤمنين بشدّة؛ فقال له عليه السلام [ما مفاده]: «إنّك تنظر إلى هذا الرجل كثيرًا!» فقال: «يا أمير المؤمنين، إنّ آثار الصلاح والزهد والعبادة ظاهرة على ملامحه!»، فقال له عليه السلام [ما معناه]: «انظر إليه جيّدًا، وتأمّل في وجهه، ولا تنسه، فسينفعنا في يوم من الأيام!». فجاء ذلك الرجل، ونظر إليه جيّدًا، وحفظ ملامحه.
مرّت مدّة على هذا الحدث، ووقعت حرب الجمل وحرب صفّين وحرب النهروان. قال أمير المؤمنين عليه السلام في حرب النهروان [ما مفاده]: «سيبقى منهم أقلّ من عشرة رجال، وسيُقتل منّا أقلّ من عشرة رجال!».٢ وهكذا كان الأمر؛ لأنّ أمير المؤمنين يختلف عن البقيّة! فقد تبقّى منهم تسعة رجال بالضبط.
كان الخوارج اثني عشر ألف رجل، تاب منهم ثمانية آلاف، وقاتل أربعةُ آلاف أميرَ المؤمنين، ولم ينجُ من هؤلاء الأربعة آلاف سوى تسعة رجال.٣ وكان أحدهم هو عبد الرحمن بن ملجم المراديّ. اجتمع هؤلاء بعد الحرب، وتآمروا، حتّى أدّى ذلك إلى شهادة أمير المؤمنين.٤
بعد الحرب، نادى عليه السلام ذلك الرجل الذي كان معه في المدينة ذلك اليوم قائلاً: «يا فلان تعال، لي حاجة بك!»، فجاء، فقال له: «تعال لنتجوّل قليلاً!». فبدآ يسيران بين قتلى المنافقين وأهل النهروان، حتّى صادفا فجأة رجلاً مقتولاً ومكبوبًا على وجهه على الأرض. فقلبه عليه السلام بقدمه وقال: «انظر إلى هذا!»، فقال: «يا عليّ، هذا هو نفس الرجل الذي رأيناه في المدينة!»
هذا هو ذو الثدية الذي قال عنه النبيّ: «لو لم يبقَ هذا الرجل، لما اختلف رجلان من أمّتي!».٥ هذا هو نفس الرجل الذي خدع جميع أهل النهروان بوجهه الذي يظهر عليه الصلاح.٦
انظروا كيف يتقدّم العدوّ ويعمل بحساسيّة ودقّة! لقد رأيت في كتب أهل السنّة أنّهم قالوا: «لو عُدّ عشرة رجال من صحابة النبيّ وحواريّيه، لكان هذا الرجل أحدهم». ومع ذلك، كيف يمكن للناس ألاّ ينخدعوا؟!
معنى وضع الحديث وآثاره السيّئة
تُعدّ مسألة وضع الحديث من أشدّ المصائب كارثيّة ممّا حلّ ويحلّ وسيحلّ بالإسلام. ولكنّ الكلام هو: ما معنى وضع الحديث؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام: "قَد كُذِبَ عَلَىٰ رَسولِ اللَهِ عَلَىٰ عَهدِهِ حَتّىٰ قامَ خَطيبًا:۱ «لَقَد كَثُرَت عَلَيَّ الكَذّابَةُ؛ فَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النّارِ!»".٢ أي: لقد ظهر في زمن رسول الله من افترى عليه الكذب، (فإذا كانوا يفترون الكذب في زمن رسول الله، فويل لما بعده!)، ومن أجل أن يمنع النبيّ هذا الأمر، خطب يومًا في الناس قائلاً: "لقد كثرت عليّ الكذّابة، فمن كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار!"».
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «ثُمَّ كُذِبَ عَلَيهِ مِن بَعدِهِ.» أي: جاؤوا بعد رسول الله، وقاموا بهذا العمل؛ فكانوا يضعون الأحاديث (للوصول إلى أطماعهم الدنيويّة).
نماذج من وضع الحديث وتأثيره في التغيير التدريجيّ للأحكام الإلهيّة
دخل غياث بن إبراهيم على المهديّ العباسيّ، فرأى حمامًا عنده يُسابقون به، ويُطلقونه لكي يطير. فسأله المهديّ العباسيّ: «هل في المسابقة والمراهنة بالحمام إشكال أم لا؟»، فقال: «كلاّ، لا إشكال فيه! فقد قال النبيّ الأكرم: "لا سَبَقَ إِلاّ في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصلٍ أو جَناحٍ!"».
ما ورد في الرواية هو ثلاثة أشياء فقط:
«لا سَبَقَ إِلاّ في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصلٍ».٣ أي: لا مراهنة ومسابقة إلاّ في ثلاثة أشياء، وهي محرّمة في غيرها: إمّا في الخفّ (مثل ركوب الإبل)؛ أو الحافر (مثل الخيل والبغال)؛ أو النصل (مثل رمي السهام ورمي الرماح والمبارزة بالسيف)!
لا إشكال في المراهنة في هذه الأشياء الثلاثة فقط، وكلّ ما سواها حرام؛ لكنّه أضاف عبارة «أو جَناحٍ» أيضًا؛ أي: كلّ ما له جناح؛ والحمام أيضًا من ذوات الأجنحة! ولهذا، تُصبح المراهنة على الحمام والصقور والبزاة وما شابه ذلك ـ ممّا يوافق أهواء السلاطين والحكّام ـ حلالاً.
المسألة جدّية! يجب أن نعلم ما هو وضعُ مسألةِ وضعِ الحديث.
فأعطاه المهديّ العباسيّ عشرة آلاف درهم؛ وعندما انصرف، التفت إلى جلسائه وقال: «أنا أعلم أنّ هذا الخبيث قد افترى على النبيّ الكذب!»؛ ولكن، بما أنّ الخليفة العباسيّ قد أعجبه هذا الحديث، فقد أعطاه جائزة كبيرة، ثمّ أمر بذبح ذلك الحمام.۱ لقد كان دين هذا الخليفة أفضل منه، وكان أكثر تديّنًا منه!
ولكن، دعوني أذكر هنا مسألة، وأمضي: إنّ ذلك الرجل الذي وضع هذا الحديث كان جاهلاً جدًّا؛ لأنّه كان بإمكانه إدراج الحمام ضمن تلك الموارد الثلاثة نفسها! هل فهمتم المسألة أم لا؟! هذه هي مسألة وضع الحديث.
مع الأسف، كانت مسألة وضع الحديث ولا تزال جارية بين العلماء بطريقة غامضة ودقيقة وظريفة!
وردت حكاية غريبة ولطيفة جدًّا في كتاب حياة المرحوم سردار الكابليّ، حيث إنّ مطالعة هذا الكتاب مفيدة جدًّا. كان المرحوم سردار الكابليّ يُقيم في كرمانشاه؛ غاية الأمر أنّه بسبب هجرته من بلاد باكستان وما حولها إلى إيران ـ حيث كانوا يطلقون لقب "سردار" على العظماء ورؤساء القبائل هناك ـ بقي هذا اللقب ملازمًا له؛ وإلاّ، فهو من كبار علماء الشيعة، ويُعدّ من مفاخرهم. يقول مؤلّف هذا الكتاب:
أخبرني المرحوم سردار الكابليّ، وهو من أعاظم العلماء ومفاخر العالم الإسلاميّ والشيعيّ، ذات يوم: «جاءنا ذات يوم أحد علماء علم الحديث والرجال والدراية، ويُدعى السيّد جعفر الأعرجيّ الكاظميّ، من العتبات المقدّسة، ونزل ضيفًا عليّ؛ فوضعتُ مكتبتي تحت تصرّفه ليستفيد منها. وبسبب وجوده هناك وتواصله معي، ارتبط بشكل أو بآخر بأحد العلماء، وهو المرحوم الشيخ أسد الله الكرمانشاهيّ، الذي كان الحاكم الشرعيّ لتلك البلاد ومن أحفاد المرحوم الوحيد البهبهانيّ. حسنًا، كان حكّام الشرع والعلماء ـ مبسوطو اليد والمقتدرون في ذلك الزمان ـ يمتلكون إمكانيّات، وهذا الرجل أقام علاقة معه للوصول إلى دنياه».
تجاوز سردار الكابليّ هذه القصّة، وقال: «كنت كلّما دخلت المكتبة أحيانًا، أرى هذا الرجل ـ الذي كان عالمًا بالرجال والأنساب ومطّلعًا على أسماء الرجال وتراجمهم ـ منشغلاً جدًّا بِكُتُبي الرجاليّة. وكان قد وضع أمامه أوراقًا وكتب فيها أسماء. تارة، يكتب اسمًا في الأعلى، وتارة، يكتبه في الأسفل، ويُغيّر ويُبدّل. لم أكن أفهم ما الذي يفعله؛ فسألته: ماذا تريد أن تفعل؟ وما الذي تبحث عنه؟ فلم يُجبني. مرّ اليوم الأوّل؛ وفي اليوم الثاني، سألته مرّة أخرى وألححت عليه: ماذا تفعل؟ إنّك تُقدّم وتُؤخّر هذه الأسماء باستمرار، فتكتب اسمًا في الأعلى، ثمّ تشطبه وتكتبه في الأسفل؛ ماذا تفعل؟!
فقال: "أنا أبحث عن شجرة نسب الوحيد البهبهانيّ. الملاّ أسد الله الكرمانشاهيّ هو أحد أحفاد الوحيد البهبهانيّ، وأنا أبحث عن شجرة نسب جدّه الوحيد البهبهانيّ".
فقلت: وإلى من يصل نسبه؟
فقال: "شجرة نسب الوحيد البهبهانيّ تصل إلى الشيخ المفيد! أنا أبحث عن ذلك"».
حسنًا، هذا ادّعاء! فالمرحوم سردار الكابليّ لم يكن رجلاً جاهلاً؛ بل كان عالمًا بالرجال، وكان يعلم أنّ الشيخ المفيد لم يكن له سوى ابن واحد اسمه الشيخ عليّ، ولا يُعلم ما إذا كان قد بقي له عقب من ذلك الابن أم لا!
«فقلت: كيف توصل نسب الوحيد البهبهانيّ إلى الشيخ المفيد؟!
فقال: "يصل!"
فقلت: حسنًا، بيّن لي ذلك!
باختصار، لستُ بتلك الدرجة من الجهل؛ باختصار، انظر مَن تخاطب! صحيح أنّك عالم ورجاليّ، ولكنّني أملك حظًّا من ذلك أيضًا! وألححت عليه لِيُوضّح لي المسألة. وبعد ذلك، تبيّن أنّه كان يقوم بتزوير شجرة النسب.
فقال: "لا بأس في ذلك؛ فإذا أوصلتُ نسبه إلى الشيخ المفيد، فأنا لا أُحلّل حرامًا ولا أُحرّم حلالاً بهذا العمل! فالناس لن يأتوا ليعطوه الخمس حتّى يُحرّم حلالاً بذلك!"».
انظروا كيف هو الأمر! هؤلاء علماء لا دين لهم ولا يخافون الله؛ هذا هو العالم الذي لا دين له! ولماذا لن يتغيّر حكم الله؟! قد تتغيّر أحكام كثيرة، وقد تطرأ مسائل في الموقوفات وغيرها من الجهات الشرعيّة. فيا أيّها الملحد الذي لا دين لك، أنت الذي توصل شجرة نسب هذا الرجل إلى الشيخ المفيد الآن، هل فكّرت في تبعات هذا الأمر وإلى أين يمكن أن يؤدّي؟! أن يصطنعوا شجرة نسب كاذبة لرجل، ويدّعوا أنّ نسبه يصل إلى كذا!
يقول سردار الكابليّ: «تعجّبتُ كثيرًا، وقلت: ولماذا تقوم بهذا العمل؟!
فقال: "ألا يستحقّ الحصول على قرية العين البيضاء (وهي ملك يتمتّع بمناخ جميل جدًّا وفيه أنهار وأشجار خضراء ونضرة للغاية خارج كرمانشاه) أن نقوم بهذا العمل؟!"».
تبًّا لك إذ تُريق ماء وجه أهل العلم!
ويقول: «عندما سمعت هذا الكلام تأثّرت كثيرًا، ولم أكلّمه بعد ذلك بتاتًا، وانشغل هو بعمله حتّى أعدّ في النهاية لفافةً طويلة».۱
مع الأسف، لا تزال هذه اللفافة موجودة بين أقاربنا؛ لأنّ نسبنا من جهة الأمّ يصل إلى الوحيد البهبهانيّ، وقد ظنّوا أنّ هذه الشجرة صحيحة، فقاموا بطباعتها ونسخها وتوزيعها بين عائلاتهم في كرمانشاه وطهران؛ وهم يفتخرون بأنّ نسبنا يصل إلى الشيخ المفيد؛ في حين أنّه لا أصل لها بتاتًا، وكانت كذبًا في الأساس. بالطبع، أرادوا إعطاءنا نسخة منها، فتحدّثت في مكان ما، وقلت: إنّ كلّ هذا كذب! ففي النهاية، هو نفسه يقول: «لقد اختلقتها من عندي!».
كان هذا الرجل ينتظر حلول حفل أو عيد من أعياد ولادة الأئمّة؛ وبعد عدّة أيّام، أخذ تلك اللفافة، وذهب بعزّة واحترام إلى الملاّ أسد الله الكرمانشاهيّ، حفيد المرحوم الوحيد البهبهانيّ، الذي كان جالسًا في المجلس. فجلس في زاوية من المجلس حتّى خلا المجلس قليلاً، فشعر الملاّ أسد الله نفسه بأنّ له حاجة عنده، فقال: «ما حاجتك؟»، فأدخل يده في حقيبته، وأخرج اللفافة، وقال: «لقد وجدت نسبك إلى الشيخ المفيد!»
وكان الملاّ أسد الله بدوره عالمًا ومثقّفًا وحاكمًا للشرع، فنظر، وفهم القصّة؛ وقال: «احتفظ بها لنفسك!».
﴿خَسِرَ ٱلدُّنيَا وَٱلأٓخِرَةَ﴾؛۱ فلم يحصل على قرية العين البيضاء، ولم ينل أجرًا أو ثوابًا من هذا الأمر!
تأثير الفتاوى المنحرفة والموضوعة لعلماء السوء في انحطاط دين العوامّ
مَن هؤلاء؟ هؤلاء هم العلماء الذين يضعون الأحاديث! فالرجل الذي يقوم بهذا العمل للوصول إلى أطماع دنيويّة، هو نفسه يُبادر إلى وضع الأحكام، ووضع الأحاديث بطرق ظريفة. والآن، مَن الذي يقوم بهذا العمل؟ إنّهم المُنفّذون لخُطط الاستعمار وأهدافه المشؤومة؛ هؤلاء هم!
سنعرض صور وضع الحديث في الأيّام القادمة إن شاء الله، وسنُبيّن: على كم صورة يُمكن وضع الحديث.
مَن كان شريح القاضي الذي أفتى بقتل سيّد الشهداء عليه السلام؟! لقد كان أوجهَ شخصيّةٍ في الكوفة؛ كان قاضيًا في الكوفة منذ زمن خلافة عمر بن الخطّاب وزعامته، واستمرّ قاضيًا في زمن عثمان وزمن أمير المؤمنين أيضًا. وقد أراد عليه السلام عزله، لكنّ الناس لم يسمحوا بذلك،٢ واستمرّ الأمر على هذا المنوال حتّى زمن معاوية. وفي زمن الإمام الحسن المجتبى وزمن سيّد الشهداء عليهما السلام، كان مثل هذا الرجل الوجيه بين الناس، وكان قاضي القضاة وعالم الكوفة، وكان الناس يرجعون إليه في القضاء. هذا الرجل أفتى بقتل الإمام الحسين عليه السلام! هل الإفتاء بقتل الإمام الحسين عليه السلام مزحة؟! هل الإفتاء بقتل ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وإمام الشيعة مزحة؟!
ولهذا يُقال: «يجب عدم الدخول في أجهزة الظلمة»! ماذا يفعل الشيطان؟! ﴿سَنَستَدرِجُهُم مِّن حَيثُ لَا يَعلَمُونَ﴾؛٣ في البداية، عندما يريد الذهاب، تختلف حالاته ومعنويّاته، ويُدرك بعض المسائل؛ ولكن، عندما يذهب، يفقد تدريجيًّا رأسماله واحدًا تلو الآخر، حتّى يصل الأمر إلى الإفتاء بقتل سيّد الشهداء! هل هناك ما هو أعظم من هذا؟! ثمّ يبرّر ذلك قائلاً:
بما أنّ الحسين بن عليّ (ولم يكونوا يقولون "ابن رسول الله"، ولا يُدخلون النبيّ في الأمر!) قد ثار على الحكومة، وبما أنّ هذه الحكومة هي حكومة الحقّ والعدل، وأمير المؤمنين يزيد بن معاوية هو خليفة المسلمين، فإنّ الثورة على خليفة المسلمين حرام شرعًا، ودفعُها واجب!».۱
انتهى الأمر! مبرّر جدًّا، جيّد جدًّا، وفي محلّه، وصحيح جدًّا!
قد تختلف صورة القضيّة، ولكنّ أصلها لا يختلف، ووجه المسألة فقط هو المختلف؛ ولكن، في كلّ زمان ومكان وفي كلّ فترة، كان هناك رجال يُبرّرون بهذه الطريقة، ويُؤوّلون المسائل لصالح أطماعهم.
يُفتي شريح القاضي، فيتحرّك الناس، ويأتون لقتال الإمام الحسين.. يأتون للقضاء على هذا الرجل الطاغي والباغي على حكومة المسلمين!! يجب أن نكون يقظين جدًّا! يأتون للقضاء على مَن؟
فَقَد بَرَزَ إِلَيهِم غُلامٌ أَشبَهُ النّاسِ خَلقًا وخُلقًا ومَنطِقًا بِرَسولِكَ.٢
رجال يعترف أعداؤهم أنفسهم يوم عاشوراء قائلين: جاء شابّ شَخَصَت إليه أبصارُ الجميع، وكان أشبه الناس برسول الله!٣
أو يقولون: جاء شيخ كبير كانت آثار السجود والعبادة ظاهرة على ملامحه!
أو: جاء رجل كان كذا وكذا! هم أنفسهم يقولون هذه الأمور، ولكنّهم يستلّون سيوفهم عليهم في الوقت نفسه! يعني: حقًّا، كيف يُمكن الوثوق بهؤلاء الناس؟! ينزع القرط من أُذن بنت الإمام الحسين، ويُمزّق أذنها، وهو يبكي أيضًا!٤ هؤلاء الناس هكذا! يُمكن خداع هؤلاء الناس بسهولة بالغة؛ بسهولة بالغة! بخبر واحد فقط!
سبب خلود واقعة كربلاء
أمّا سيّد الشهداء، فلم يكن كذلك أبدًا! هو الإمام، وسيتجلّى إلى الأبد! كما لا يُمكن خداع أصحاب سيّد الشهداء. يقول زهير: لو قُتلت ألف مرّة، ثمّ أُحييت، ثمّ قُتلت، لما تخلّيت عنك!٥
حسنًا، إذا أُحييتُ، سأكون تحت هذه الخيمة مرّة أخرى، وإذا قُتلت فسأكون تحت هذه الخيمة؛ فما الفرق بين ألف مرّة أو مائة ألف مرّة؟! المسألة لا تنتهي بمرّة أو مرّتين! لقد فهم المسألة، وشعر بحضور سيّد الشهداء عليه السلام؛ ولهذا، لم ينخدع.
ولهذا، فإنّ مسألة كربلاء خالدة إلى الأبد، وهي الحقّ المطلق. الإمام نفسه، وأهل بيته عليهم السلام، وكلّ تلك الأحداث التي تقع، تتمّ على أساس الحقّ. الإمام السجّاد، والسيّدة زينب، والسفر إلى الكوفة والسفر إلى الشام.. كلّ هذا يتمّ في إطار هدف سيّد الشهداء نفسه.
| تا ابد جلوهگه حقّ و حقیقت سرِ توست | *** | معنی مکتب تفویض، علیاکبر توست |
| ای حسینی که تویی مظهر آیات خدای | *** | این صفت از پدر و جدّ تو در جوهر توست |
| طفل ششماهه تبسّم نکند، پس چه کند؟! | *** | آن که بر مرگ زند خنده، علیاصغر توست |
| درس آزادگی عبّاس به عالم آموخت | *** | زآنکه شد مست از آن باده که در ساغر توست |
| ای که در کربوبلا بیکس و یاور گشتی | *** | چشم بگشا و ببین جمله جهان یاور توست |
| خواهر غمزدهات دید سرت بر نی و گفت: | *** | آن که باید به اسیری برود خواهر توست۱ |
[يقول: سيبقى رأسُك مَجلى الحقِّ والحقيقةِ إلى الأبد، ومعنى مدرسةِ التفويضِ (التسليم لله) يتجلّى في “عليّ الأكبر”
يا حسين، يا مَن أنتَ مَظهرُ آياتِ الله، هذه الصفةُ متأصلةٌ في جوهرِكَ وِرَاثةً عن أبيكَ وجَدِّك
وماذا عساهُ أن يفعلَ طفلُ الستّةِ أشهرٍ سوى التبسُّم؟! فذاكَ الذي يضحكُ في وجهِ الموتِ هو “عليّ الأصغر”
لقّنَ العباسُ العالَمَ درسَ الحريّةِ والإباء؛ لأنّهُ انتشى من تِلكَ الخمرةِ (خمرة العشق الإلهي) التي في كأسِك
يا مَن بقيتَ في كربلاءَ وحيدًا بلا ناصرٍ ولا مُعين، افتح عينيكَ وانظرْ، فالعالمُ بأسرهِ اليومَ ناصرُك
رأت أختُكَ المفجوعةُ رأسَكَ مرفوعًا على الرمحِ فقالت: إنَّ مَن كُتبَ عليها المضيُّ إلى السبيِ هي أختُك]
ذكر مصيبة قافلة أهل البيت عليهم السلام في الكوفة
كانت [السيّدة أمّ كلثوم] تأخذ الخبز من الأطفال، وترميه على الأرض وتقول: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَينا أَهلَ البَيتِ حَرامٌ!».
فسأل الناس: ومن أنتم حتّى تحرم عليكم الصدقة؟ فقالت عليها السلام: «نحن أهل بيت رسول الله!».
فأدرك الناسُ الأمرَ تدريجيًّا، وازدحموا، وبدؤوا بالبكاء والضجيج. لقد أحدثت كلماتُها عليها السلام ضجّةً بينهم، وأدركوا ما فعله رجالُهم! فالتفتت إليهم، وقالت: «تَقتُلُنا رِجالُكُم، وتَبكي عَلَينا نِساؤُكُم؟!»٢ أي: يقتل رجالُكم أهلَ بيت رسول الله ويقضون عليهم، وتبكي نساؤكم علينا وتضجّ؟!
وعندما وصل الأمر إلى هذا الحدّ، ورأوا أنّ كلماتها وخطبتها ـ في تلك الحال وتلك المكانة على ظهر الناقة ـ قد أحدثت ولولة، وقلبت الناس، أمر الشمر بأن يأتوا بالرؤوس، ويضعوها أمام هذه القافلة، لتلفت انتباه الناس إليها. وما إن فتحت السيّدة زينب عينيها، ورأت رأس أخيها أمامها، حتّى فقدت طاقتها، وضربت برأسها على عمود المحمل حتّى سال الدم من جبهتها عليها السلام:
| يا هِلالاً لَمّا استَتَمَّ كمالاً | *** | غالَهُ خَسفُهُ فَأبدا غُروبا |
| ما تَوَهَّمتُ يا شَقيقَ فُؤادي | *** | كان هذا مُقَدَّرًا مَكتوبا۱ |
وسَيَعلَمُ الَّذينَ ظَلَموا آلَ مُحَمَّدٍ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبونَ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيهِ رَٰجِعُون﴾.