المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
التاريخ 1415/09/02
التوضيح
ما هو الملاك لتمييز الحقّ من الباطل؟ وهل يصحّ الركون إلى العادات والتقاليد المجتمعيّة واعتبارها ميزانًا لتحديد «المعروف» و«المنكر»؟ وكيف نُقيّم التقاليد المعاصرة وفقًا للموازين الشرعيّة؟ وما هو وجه الارتباط بين الانحراف العميق للعُرف الجاهليّ والمأساة العظمى في كربلاء؟ تُجيبكم هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس سرّه عن هذه التساؤلات، حيث تسلّط الضوء على المعنى الدقيق لمفردتي «العرف» و«المعروف» في ثقافة القرآن الكريم، وتُبيّن بالبراهين والشواهد التاريخيّة أنّ المدار الحقّ في تقييم الأمور يجب أن يستند حصرًا إلى ملاكات الشريعة.
هو العليم
المعيار القرآنيّ لمفهوم «العرف» و«المعروف» في ظلّ ملاكات الشريعة الإلهيّة
نظرة تحليليّة في التقاليد المجتمعيّة؛ من العادات الجاهليّة إلى تقاليد النيروز وحادثة كربلاء
مباني الإسلام ـ محطّات من السيرة النبويّة ـ الجلسة ٢٤
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيم
بسمِ الله الرحمٰنِ الرحيم
الحمدُ للّهِ ربِّ العالَمينَ وصلّى الله علىٰ سيّدِنا ونبيِّنا
وحبيبِ قُلوبِنا وطبيبِ نُفوسِنا أبي القاسمِ المصطفىٰ محمّدٍ
وعلىٰ أهلِ بيتِهِ الطيّبينَ الطاهرينَ المعصومينَ
واللعنةُ علىٰ أعدائِهِم أجمعينَ إلىٰ يومِ الدين
قالَ الله تعالىٰ في كتابِهِ الحكيم:
﴿خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجَٰهِلِينَ﴾.۱ أي: يا رسولَ اللهِ، أوّلاً: اجعَلِ العفوَ دائمًا في برنامجِكَ؛ وفي المواردِ التي يجبُ فيها العفوُ، اعفُ ولا تنتقِم (ففي العفوِ لذّةٌ ليست في الانتقامِ)! ثانيًا: اعمَل بالعُرفِ، ومُر بالعُرفِ والعملِ الممدوحِ والحَسَنِ! ثالثًا: أعرِض عنِ الجاهلينَ والذينَ يُريدونَ التعاملَ معَكَ بأهوائِهِم!
معنىٰ العُرفِ والمعروفِ
تدلُّ الآيةُ القرآنيّةُ علىٰ أنّهُ يجبُ علىٰ الإنسانِ أن يتبعَ العُرفَ والأمرَ المعروفَ دائمًا. حسنًا، ما هو العُرفُ؟ وما الذي يُسمّىٰ عملاً ممدوحًا؟ وما معنىٰ أمرِ الله لرسولِهِ صلّى الله عليهِ وآلِهِ: «مُر بالعُرفِ»؟
لدينا في آيةٍ قرآنيّة شريفةٍ: ﴿وَلتَكُن مِّنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ﴾.٢
أي: يجبُ أن يكونَ هناكَ دائمًا في الأمّةِ الإسلاميّةِ أُناسٌ يَدعونَ الناسَ إلىٰ الخيرِ والصلاحِ، ويجبُ أن يَدعوا الناسَ إلىٰ كُلِّ عملٍ فيهِ خيرٌ وصلاحٌ للأمّةِ الإسلاميّةِ ولأفرادِ المسلمينَ. يجبُ علىٰ هؤلاءِ أن يأمروا بالمعروفِ بينَ الناسِ، وأن يَدعوا إلىٰ كُلِّ أمرٍ ممدوحٍ وكُلِّ فعلٍ ممدوحٍ معروفٍ ومُتَعارفٍ عليهِ وحُسنُهُ واضحٌ؛ وفي المقابلِ، يجبُ عليهِم أيضًا أن يُحذّروا الناسَ وينهوهُم عَنِ المنكَرِ، وأن يُنبّهوا الجاهلينَ ـ الذينَ ليسَ لديهِم عِلمٌ بالحُسنِ والقُبحِ الشرعيّين والعقليّين ـ إلىٰ المعروفِ والمنكَرِ!
عِلّةُ عدمِ حُجّيّةِ عملِ الناسِ وعُرفِ المجتمعِ في تشخيصِ المعروفِ والمنكَرِ
أشرتُ سابقًا إلى أنّهُ بالالتفاتِ إلىٰ المسائلِ الماضيةِ، لا يُمكِنُ لعملِ العُرفِ والناسِ أن يكونَ مِلاكًا للخيرِ والفسادِ. فالناسُ في تشخيصِهم للصلاحِ والفسادِ، يمتلكونَ أفكارًا ناقصةً؛ فهُم يبنونَ أعمالَهُم لسنينَ طويلةٍ علىٰ شائعةٍ ما، ثُمّ يُدركونَ أنّها كذبٌ. حسنًا، لو كانت لديهِم قُوّةُ تشخيصٍ، لَعرَفوا مِنَ الأوّلِ! يبنونَ حياتَهُم لعشراتِ السنينَ علىٰ أمرٍ كاذبٍ، ثُمّ يُدركونَ أنّهُ كانَ خطأً؛ فمِنَ الواضحِ أنّهُم لم يمتلكوا قُوّةَ التشخيصِ!
إذن، هذهِ الآيةُ المباركةُ التي تقولُ: ﴿وَلتَكُن مِّنكُم أُمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى الخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ﴾، ما هو المقصودُ بالمعروفِ فيها؟ هل هو المعروفُ الذي يعملُ بهِ العُرفُ ويَعدُّهُ معروفًا؟ وبعبارةٍ أُخرىٰ، هل تشخيصُ المعروفِ يقعُ علىٰ عاتقِ العُرفِ والناسِ؟ أبدًا؛ فأهواءُ الناسِ وآراؤُهم تتدخّلُ في تشخيصِ المعروفِ، وهذا لا يُمكِنُ أن يكونَ مِلاكًا للمعروفِ والمنكَرِ! إنّ كُلّ ثقافةٍ وكُلّ حضارةٍ ومجتمعٍ، وبمقتضىٰ ما يمتلكُهُ مِن آراءٍ جاهليّةٍ، يجعلُ أُمورًا معروفًا، وأُمورًا أُخرىٰ منكَرًا؛ ورُبّما تكونُ هذهِ الأُمورُ مِن ناحيةِ الثبوتِ والواقعيّةِ في نُقطتَينِ متقابلتَينِ؛ ﴿وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَهِ﴾.٣ إنّ الأُمورَ التي يعملُ بها الناسُ ويعدّونَ تجاوزَها منكَرًا، رُبّما يكونُ بينها وبينَ الأُمورِ الثبوتيّةِ والنفس أمريّة تفاوتٌ فاحشٌ وبَونٌ بعيدٌ عَنِ الواقعيّةِ؛ ولهذا، لا يُمكِنُ لعملِ الناسِ أن يكونَ مِلاكًا لعملِنا. أظنُّ أنّ المسائلَ التي ذُكِرَت في الأيّامِ الماضيّةِ حولَ هذا الموضوعِ كافيةٌ ووافيةٌ لأداءِ هذا الغرضِ.
«قتلُ الأولادِ خشيةَ الإملاقِ» نموذجٌ للأُمورِ الممدوحةِ في العُرفِ الجاهليّ
في الجاهليّةِ، وبسببِ الخوفِ مِنَ الإملاقِ والفقرِ، كانوا يقتلونَ أولادَهُم، وكانوا يعدّونَ قتلَ الولدِ مِن أجلِ راحةِ العيشِ أمرًا ممدوحًا! فإذا أردتَ أن تعيشَ براحةٍ، فاقتُل أولادَكَ! وإذا أردتَ أن تحظىٰ بالراحةِ، فاقضِ علىٰ أبنائِكَ! وإذا أردتَ أن تعيشَ في هذهِ الدنيا بلا مشاكلَ، فتخلّص مِن أولادِكَ!
﴿وَلَا تَقتُلُوٓاْ أَولَٰدَكُم خَشيَةَ إِملَٰقٍ﴾؛ أي: لا تقتلوا أولادَكُم، ولا تُبيدوهُم خشية الفقرِ!
﴿نَّحنُ نَرزُقُهُم وَإِيَّاكُم﴾؛۱ أي: رِزقُهُم بيَدِنا، ونحنُ نرزقُهُم وِفقًا للتقديرِ والقدرِ الذي قَدّرناهُ.
لا علاقةَ لكُم بهذا الأمرِ، وقوموا بتعهّداتكُم! إذا مَرِضَ هذا الطفلُ فلا علاقةَ لكُم بذلكَ، وإذا بَقِيَ سالمًا فلا علاقةَ لكُم بذلكَ، وإذا ماتَ فلا علاقةَ لكُم بذلكَ! ما هو شأنُكُم؟! هل حياتُكُم أنتُم بيَدِكُم؟! أنتُم لا تمتلكونَ القُدرةَ علىٰ حفظِ أنفُسِكُم لثانيةٍ واحدةٍ، فكيفَ تُفكّرونَ في غيرِكُم؟! يجبُ عليكُم أن تؤدّوا تعهّدَكُم بناءً علىٰ الوظيفةِ التي تقعُ علىٰ عاتقِكُم، وأمّا ما يحصلُ بعدَ ذلكَ، فلا علاقةَ لكُم بهِ!
«وأدُ البناتِ» نموذجٌ للغيرةِ الجاهليّةِ
يقولُ الله تعالىٰ في الآيةِ الشريفةِ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَىٰ ظَلَّ وَجهُهُۥ مُسوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَٰرَىٰ مِنَ القَومِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦ أَيُمسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَم يَدُسُّهُۥ فِي الترَابِ أَلَا سَآءَ مَا يَحكُمُونَ﴾.٢
فبناءً علىٰ الغيرةِ الجاهليّةِ والغيرةِ غيرِ المنطقيّةِ والباطلةِ التي كانت حاكمةً علىٰ القبائلِ العربيّةِ، إذا رُزِقوا ببنتٍ، كانوا يتأثّرونَ بشدّةٍ مِن هذا الأمرِ؛ فلم تكُن غَيرةُ الأعرابِ الجاهليّينَ تسمحُ لهُم بتزويجِ بناتِهِم، وأن يشعروا بأنّ بناتَهُم قد أصبحنَ تحتَ سُلطةِ الرجالِ الذينَ يحكمونَ عليهنّ، ويأمرونهنّ وينهونهنّ! هذهِ الغَيرةُ هي غَيرةٌ غيرُ مشروعةٍ وغيرُ واقعيّةٍ وغيرُ منطقيّةٍ وباطلةٌ كانت سائدةً في تلكَ القبائلِ. وبمقتضىٰ هذا الأمرِ المعروفِ والممدوحِ بينهُم، إذا وُلِدَت لهُم بنتٌ، كانوا يدفنونها وهيَ حيّةٌ، ويقضونَ عليها!
﴿وَإِذَا المَوءُۥدَةُ سُئِلَت * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت﴾؛٣ أي: عندما تُسألُ تلكَ الموؤودةُ يومَ القيامةِ: بأيِّ ذنبٍ ولأجلِ ماذا وأدتُموها؟!
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَىٰ ظَلَّ وَجهُهُۥ مُسوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾؛ أي: كانَ وجهُهُ يسودُّ تعجّبًا مِن ولادةِ البنتِ! (ولماذا لم تكُن ولدًا؟!).
﴿يَتَوَٰرَىٰ مِنَ القَومِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦ﴾؛ أي: كانَ هذا الأمرُ منكرًا ومذمومًا بينهُم إلىٰ حدٍّ أنّهُ عندما يُخبَرُ بذلكَ، كانَ يفرُّ مِن قومِهِ وقبيلتِهِ ولا يُظهِرُ نفسَهُ!
﴿أَيُمسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَم يَدُسُّهُۥ فِي الترَابِ﴾؛ أي: وبعدَ ذلكَ كانَ يُقرّرُ في نفسِهِ: هل يُبقي هذهِ البنتَ بخزيٍ وذُلٍّ ويتحمّلُ هذا العارَ لفتراتٍ طويلةٍ، ويُربّيها، أم يُريحُ نفسَهُ، ويتخلّصُ مِن هذا العارِ ويدفنُها وهيَ حيّةٌ؟!»
يا للعجب! إنّ الغَيرةَ الجاهليّةَ المعروفةَ بينهُم تصلُ بالأمرِ إلىٰ أن يدفنوا كائنًا حيًّا وبشرًا حيًّا وإنسانًا يمتلكُ استعداداتٍ وحقائق وغرائزَ، وهو حيٌّ! ويُصبِحُ هذا الأمرُ المنكَرُ معروفًا بينهُم إلىٰ هذا الحدّ، ويُصبِحُ الأمرُ المعروفُ ـ وهو تربيةُ البنتِ وتنشئتُها ـ مُنكَرًا بينهُم إلىٰ حدٍّ يجعلهُم يرتكبونَ هذا الفعلَ القبيحَ، ويفتخرونَ بهِ أيضًا!۱
﴿أَيُمسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ﴾؛ أي: هل يُبقي هذهِ البنتَ بعارٍ وذُلٍّ؟!
وهذا عجيبٌ حقًّا! انظروا إلىٰ هذهِ المسألةِ التي كانَ العُرفُ يستحسنُها في ذلكَ الوقتِ، هل هي صحيحةٌ واقعًا؟! وهل رسولُ الله صلّى الله عليهِ وآلِهِ مُكلّفٌ بهذهِ المسألةِ؟ وهل عليهِ أن يأمرَ بهذا العُرفِ؟! وهل ﴿يَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ﴾ تتوجّهُ إلىٰ هذهِ القضيّةِ؟! أم أنّه: كلاّ! فعملُ الناسِ ليسَ مِلاكًا للعملِ، وعملُ الناسِ وأحكامهم وسُنَنُهُم ليست مِلاكًا للعملِ؛ لأنّ الناسَ يعيشونَ في أهواءٍ وآراءٍ جاهليّةٍ، وينظرونَ إلىٰ القضايا بواسطة الإحساسات، ولا يُمكِنُ أن يكونَ عملُهُم مِلاكًا للأعمالِ!
«الطوافُ بالبدنِ العاري» ناشئٌ عَنِ التطبيقِ الخاطئِ لمسألةِ قداسةِ الكعبةِ في العُرفِ الجاهليّ
لدينا في آيةٍ أُخرىٰ: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُم عِندَ البَيتِ إِلاّ مُكَآءً وَتَصدِيَةً﴾.٢
أي: عندما كانَ الأعرابُ الجاهليّونَ يأتونَ للحجّ، كانوا يطوفونَ حولَ الكعبةِ ويُصفّرونَ ويُصفّقونَ!
ما شاءَ اللهُ! تعالَ وانظُر ماذا يفعلونَ! هؤلاءِ الناسُ، هؤلاءِ الأعرابُ الجاهليّونَ أنفسُهُم، عندما كانوا يأتونَ للحجّ ويطوفونَ حولَ الكعبةِ، فإنّهم كانوا يمتلكونَ أفكارًا وعقائدَ متعلّقة بأداءِ مناسكِ الحجّ؛ وبالنظر إلىٰ تلكَ الفلسفةِ والغريزةِ والفطرةِ والمسائلِ التي مَنحَهُم الله إيّاها، قد يُدركونَ بعضَ المسائلِ، بل وقد يكونُ الأمرُ صحيحًا مِن وجهةِ النظرِ الكلّية؛ غير أنّ الكلام هو في تطبيقُ المسألة، وكيفيّةُ إجراءِ هذه المسألةِ الكلّيةِ؛ وفي بعض الأحيان، قد تأتي "شَدُرُسنا" بدلاً عن "شَغَلَتنا"!٣
فقد كانوا يقولونَ: بيتِ الله مكانٌ مُقدّسٌ، والكعبةُ مكانٌ مُقدّسٌ وهي بيتُ اللهِ؛ فمَن يدخُلُ ذلكَ المكانَ يجبُ أن يكونَ طاهرًا، ويجبُ أن يكونَ مُجرّدًا مِن زينةِ الدنيا، ولا ينبغي أن يلبسَ الذهبَ والزينةَ وما شابهَ ذلكَ؛ كُلّ هذهِ كانت عقائدَهُم في ذلكَ الزمانِ. إذن، بما أنّ القضيّةَ كذلكَ، فإنّ لُبسَ الثيابِ ولبسَ الذهبِ والزينةِ و… كُلّ ذلكَ يتعارضُ معَ تلكَ الأهدافِ والنوايا؛ وبالتالي، فلنخلع ثيابَنا! كانَ الرجالُ والنساءُ يطوفونَ حولَ الكعبةِ عُراةً۱ ويُصفّرونَ ويُصفّقونَ! هذا يُصبِحُ طوافَهُم! حسنًا، مِنَ الواضحِ إلىٰ أينَ سيؤول هذا الطوافِ!
هذا تطبيقٌ خاطئٌ لتلكَ الفلسفةِ في مقامِ التنفيذِ! فالإسلامُ يُطبّقُ تلكَ الفلسفةَ العاليةَ للحجّ بشكلٍ صحيحٍ، حيث يقول: إذا أردتَ أن تقومَ بهذا العملِ، فإنّ ذلك سيتعارضُ معَ أصلِ تلكَ الفلسفةِ والهدفِ؛ فأنتَ تمتلكُ غرائزَ، وتمتلكُ شهوةً، وتمتلكُ إحساسًا، وأنتَ لم تصل بعدُ إلىٰ مقامِ التجرّدِ ومقامِ الكمالِ الأتمّ، والشهوةُ حاكمةٌ في وجودِكَ، وأنتَ الآنَ تمتلكُ شهوةً وغريزةً، وتمتلكُ عواطفَ وأحاسيسَ بشريّةً، ولا يُمكِنُكَ أن تُواجه إنسانًا، ويكون بمقدورك أن تضبطَ إحساساتك وغرائزَكَ! (أنا دقيقٌ جدًّا في هذهِ المسائلِ ولا يُمكِنُني أن أُفصّلَ الأمرَ أكثرَ مِن هذا!). حينئذ، بما أنّ غرائزَكَ قد تحوّلَت إلىٰ غرائزَ صحيحةٍ، وأفكارَكَ قد تحوّلَت إلىٰ أفكارٍ صحيحةٍ، فبناءً علىٰ هذا، فإنّ كُلّ عملٍ يؤدّي إلىٰ تحريك هذه الغرائزِ وإثارةِ الشهوةِ وتهييجِ هذهِ الغرائزِ الماديّةِ الكامنةِ في وجودِ الإنسانِ، مُدانٌ بحُكمِ العقلِ والفطرةِ والشرعِ! إذن، هذا الحجّ، وإن كانَ يتمّ في مسارِ ذلكَ الهدفِ، إلاّ أنّهُ منافٍ لتلكَ الأهدافِ؛ ولذلكَ، فإنّ هذا الحجّ نفسَهُ مُدانٌ مِن وجهةِ نظرِ الإسلامِ!
﴿أَلَا سَآءَ مَا يَحكُمُونَ﴾؛٢ أي: إنّهُم مُخطئونَ!
إذن، كُلّ عملٍ يقعُ في المجتمعِ ويؤدّي إلىٰ احتكاكِ بينَ الرجلِ والمرأةِ، أو سماع الرجلُ صوتَ المرأةِ ويؤدّي إلىٰ الإثارة، فإنّه غير صحيح، وهو مذمومٌ!
كيفيّةُ تطبيقِ مسألةِ قداسةِ الكعبةِ في الشرعِ الإسلاميّ
يأخذُ الإسلامُ هذا العملَ نفسَهُ، ويُطبّقُهُ بشكلٍ صحيحٍ ومنطقيٍّ، ويقولُ: صحيحٌ أنّ هذا المكانَ مُقدّسٌ، وإظهارُ الشخصيّةِ فيهِ ممنوعٌ، وإظهارُ العِلمِ والشؤونِ الدنيويّةِ فيهِ ممنوعٌ، وإبرازُ الثروةِ فيهِ ممنوعٌ؛ فهنا الحجّ، وهنا حَرَمُ اللهِ، ولا مجالَ لغيرِ الله في حَرَمِهِ، ولا مجالَ للتقيّداتِ في حَرَمِ اللهِ؛ فهذهِ التقيّداتُ هي لخارجِ هذا المكانِ؛ اذهب إلىٰ الخارجِ، وافعل ما تشاءُ! أمّا عندما تأتي إلىٰ هنا، فلا عِلمَ لديكَ ولا ثروةَ، ولستَ رئيسًا ولا مرؤوسًا، ولستَ آمرًا ولا مأمورًا، بل أنتَ إنسانٌ مُجرّدٌ مِن كافّةِ الشؤونِ الاجتماعيّةِ! وحينئذ، مِن أجلِ التطابقِ بينَ الظاهرِ والباطنِ، نجعلُ الظاهرَ بحيثُ يكونُ مُعبّرًا ومُبيّنًا للباطنِ: قِطعتانِ مِنَ القُماشِ، تلفُّ إحداهُما علىٰ خصرِكَ، وتضعُ الأُخرىٰ علىٰ كَتِفِكَ، وانتهىٰ الأمرُ! فإذا كانَ إحرامُكَ مخيطًا ولو بمقدارِ سنتيمترٍ واحدٍ، فهو غيرُ صحيحٍ؛ وإذا كانَ في هذا اللباسِ ذهبٌ وزينةٌ فهو غيرُ صحيحٍ؛ وحتّىٰ هذا الخاتمُ المستحبُّ، إذا كانَ بقصدِ الزينةِ فهو غيرُ صحيحٍ؛ والساعةُ التي تلبسُها في يَدِكَ، إذا كانَ لها طابعُ الزينةِ فهي غيرُ صحيحةٍ؛ يجبُ عليكَ أن تتركَ كُلّ هذا! التفاخرُ حرامٌ، والشتمُ حرامٌ؛ كُلّ المسائلِ التي تطرحُ شخصيّةَ الإنسانِ، يجبُ عليكَ أن تتركَها جانبًا، وتكتفي فقط وفقط بـ «لبّيكَ اللهمّ لبّيكَ» والسلام! هذهِ تُصبِحُ فلسفةَ الحجّ!
إذن، نرىٰ أنّ ذلكَ العملَ الذي يظنُّ الناسُ أنّهُ صحيحٌ، هو عملٌ منكَرٌ مائةً في المائةِ؛ وذلكَ العملَ الذي يعدّونَهُ منكَرًا، هو صحيحٌ مائةً في المائةِ ومطابقٌ للواقعِ! وحينئذ، كيفَ يُمكِنُ للشارعِ أن يأمرَ [في هذه الموارد] بـ ﴿وَأمُر بِالعُرفِ﴾؟! وكيف يُمكِنُ للنبيِّ صلّى الله عليهِ وآلِهِ أن يأمرَ الناسَ بـ ﴿وَأمُر بِالعُرفِ﴾؛ أي: اعملوا بالعُرفيّاتِ وما يتعلّقُ بالعُرفِ؟! هذا مستحيلٌ أبدًا!
المسألةُ هنا تتعلّقُ بأن نأخذَ العُرفَ نفسَهُ بعينِ الاعتبارِ في قضيّةِ العملِ بهذا العُرفِ، لا أن نكون بمعزِلٍ عَنه؛ وبعبارةٍ أُخرىٰ، مِن ناحية العملِ، أن يكون المجتمعُ والأفرادُ هُمُ المِلاكَ لعملِنا؛ هنا، تكون هذهِ المسألةُ ـ بالتأكيد ـ غير عُرفيّة، بل تكون خلافُ العُرفِ، والإسلامُ يُكرّسُ كُلّ جُهدِهِ لردِّ هذا العملِ وإدانتِهِ ومحاربتِهِ! هذا أمرٌ.
نطاقُ حُجّيةِ العملِ المعروفِ والممدوحِ عندَ الوجدانِ البشريّ
الأمرُ الآخرُ هو أننّا: تارةً، ننظرُ إلىٰ العملِ نفسِهِ في حدِّ ذاتِهِ ونرىٰ علىٰ سبيلِ المثالِ: أنّهُ لا يوجدُ أيُّ إنسانٍ في الدنيا، وأنا وحدي في هذا العالَمِ، فهل يجبُ عليّ أن أقومَ بهذا العملِ أم لا؟ وبعبارةٍ أُخرىٰ، المسألةُ هنا تعودُ إلىٰ الشخصِ نفسِهِ، وليسَ إلىٰ المجتمعِ؛ فإذا لم يكُن هناكَ مجتمعٌ، فما الذي يُمكِنُ للفردِ نفسِهِ أن يأخذَهُ بعينِ الاعتبارِ هنا؟ وما هو العملُ الذي يجبُ عليهِ أن يقومَ بهِ؟ هنا، المسألةُ علىٰ وجهَينِ:
تضادُّ استحسانِ إحياءِ المقابرِ معَ المِلاكِ الشرعيّ المبنيِّ علىٰ الاعتبارِ بها
الوجهُ الأوّلُ: تارةً، يكونُ ذلكَ العملُ الذي أقومُ بهِ وأعدُّهُ عُرفًا، هو في حدِّ ذاتِهِ عملٌ صحيحٌ، ولكنّهُ يتعارضُ معَ المِلاكاتِ التي حدّدَها الشارعُ؛ علىٰ سبيلِ المثالِ: نرىٰ أنّ إحياءَ المقابرِ وزراعةَ الزهورِ والأشجارِ وتخضيرَ المقابرِ هو في حدِّ ذاتِهِ عملٌ جيّدٌ جدًّا، وقد وَرَدَ في الشرعِ أيضًا، حيث إنّ إحياء الأراضي وعُمرانها مِنَ الأوامرِ الشرعيّةِ الأكيدةِ! كم لدينا مِن أوامرَ في الشرعِ:
أصلِحوا الأراضي وازرعوها! مَن يُحيي الأراضي، يُعطيهِ الله بكلِّ شجرةٍ يزرعُها في الأرضِ شجرةً في الجنّةِ، وما أعظمَ الثوابَ الذي يُعطيهِ الله إيّاهُ!۱
ولدينا الكثيرُ مِن هذهِ الرواياتِ؛ ولكنّ الحديثَ هو أننّا: إذا قُمنا بهذا العملِ في المقبرةِ، فهل سيتعارضُ معَ ذلكَ المِلاكِ الكلّي الذي وضعَهُ الشارعُ بينَ أيدينا أم لا يتعارضُ؟
نرىٰ أنّهُ يتعارضُ؛ لأنّ المقبرةَ يجبُ أن تكونَ مَحلاًّ للاعتبارِ، وينبغي أن تكونَ المقبرةُ مَكانًا يذهبُ إليهِ الناسُ ليأخذوا العبرةَ؛ لا أن ينظروا إلىٰ الزهورِ والبلابلِ ويخلطوا بينها وبينَ البساتينِ و ﴿جَنَّـٰتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَٰرُ﴾؛۱ فهذا لم يعُد مَحلاًّ للاعتبارِ! يجبُ علىٰ الناسِ عندما يدخلونَ المقبرةَ، وينظرونَ إلىٰ هذهِ القبورِ، أن يتذكّروا أنّهُم سيُواجهونَ هذا المصيرَ يومًا ما!
لقد ذهبتُ مؤخّرًا في أحدِ الأيّامِ إلىٰ مقبرةِ «جنّة الزهراء» في طهران، وعندما دخلتُ إليها، وعُدتُ، الشيءُ الوحيدُ الذي لم يخطُر ببالي أبدًا هو الاعتبارُ بهؤلاءِ الموتىٰ! كانَ هناكَ الكثيرُ مِنَ الأشجارِ والزهورِ وباقاتِ الزهورِ وما شابهَ ذلكَ، بحيثُ لم تكُن هناكَ أيُّة عِبرةٍ لي علىٰ الإطلاقِ! رُبّما كُنتُ أنا هكذا، ولكنّكُم تختلفونَ! كُنتُ أنظرُ فقط إلىٰ هذهِ الأشجارِ الخضراءِ والزهورِ وباقاتِ الزهورِ حتّىٰ انقضَت الساعةُ أو الساعتانِ اللتانِ قضيتُهما هناكَ ورجعتُ! أيُّة مقبرةٍ هذهِ؟! أينَ هذا ممّا يقصدُهُ الشرعُ؟! أينَ هذا ممّا يقصدُهُ الشارعُ؟! لدينا كُلُّ هذا التأكيدِ في الرواياتِ علىٰ الذهابِ إلىٰ المقبرةِ مرّةً واحدةً في الأسبوعِ علىٰ الأقلّ، واختيارِ صباحِ يومِ الخميسِ وأن يكونَ ذلك بينَ الطلوعَينِ!٢
كانَ المرحومُ القاضي يقولُ في وصيّةٍ لتلامذتِهِ:
اذهبوا إلىٰ المقبرةِ صباحًا بينَ الطلوعَينِ، واقرأوا الفاتحةَ ـ ولا تقرأوا القرآنَ حتّىٰ ـ واجلسوا في زاويةٍ، والتزموا الصمتَ، وفكّروا في عاقبةِ الأمرِ!٣
انظروا، لقد كانَ هؤلاءِ يأتونَ يومًا إلىٰ هذهِ المقبرةِ، ويجلسونَ مكانَكُم، ويقرأونَ الفاتحةَ للموتىٰ؛ والآنَ، جئتُم أنتُم مِن أجلِهِم، وغدًا، سيأتي آخرونَ مِن أجلِكُم! استحضِروا هذا في أذهانِكُم! هل يتبادرُ مِثلُ هذا المعنىٰ إلىٰ الذهنِ معَ الزهورِ والبلابلِ والسروِ والسنابلِ؟! أبدًا لا يتبادرُ! اذهبوا، واجلسوا، وتأمّلوا، وتفكّروا! ولكنّنا نرىٰ أنّهُم يزرعونَ الأشجارَ في مقابرِنا، ويقضونَ على هذه المقابر، ويُخرجونها مِن صورةِ المقابرِ، ويُحوّلونها إلىٰ حدائقَ وأماكنَ للتنزّهِ.. كُلّ هذا خلافُ الإسلامِ!
إنّ مسألةَ زراعةِ الزهورِ في حدِّ ذاتِها جيّدةٌ، ولكنّ تطبيقَ هذهِ المسألةِ في هذا المكانِ، وبما أنّهُ مُخالِفٌ لمِلاكِ الشرعِ، ففيهِ إشكالٌ، ولا ينبغي القيامُ بهِ!
تعارُضُ استحبابِ صلةِ الرحمِ في أيّامِ النيروزِ معَ حُرمةِ إحياءِ سُنّةِ النيروزِ غيرِ الإسلاميّةِ
وعلىٰ سبيلِ المثالِ أيضًا: صلةُ الرحمِ جيّدةٌ جدًّا، وزيارةُ الأقاربِ جيّدةٌ جدًّا، والتواصلُ معهُم يُوجِبُ الأُلفةَ والأُنسَ؛ كُلّ هذا جيّدٌ! كم لدينا مِن تأكيدٍ في الرواياتِ حولَ هذا التواصلِ! كم لدينا مِن تأكيدٍ حولَ الأُلفةِ:
يُبغِضُ الله المجتمعَ الذي لا يكونُ أفرادُهُ في أُنسٍ وأُلفةٍ معَ بعضِهِم؛ ويُحِبُّ الله مجتمعَ المسلمينَ الذي يكونُ أفرادُهُ في أُنسٍ وأُلفةٍ معَ بعضِهِم!۱
لدينا مِنَ الرواياتِ والأوامرِ وما شابهَ ذلكَ حولَ التواصلِ وصلةِ الرحمِ وقضاءِ حوائجِ الآخرينَ، إلىٰ ما شاءَ اللهُ!٢ كُلّ هذا محفوظٌ في مَحلِّهِ؛ ولكنّ الزياراتِ في النيروزِ فيها إشكالٌ ولا ينبغي القيامُ بها؛ لأنّ هذهِ السنّةَ هي سُنّةُ الفُرسِ وسُنّةٌ جاهليّةٌ، وقد أدانَ الإسلامُ هذهِ السنّةَ! لا ينبغي أن يكونَ النيروزُ في الإسلامِ، وعيدُ النيروزِ حرامٌ!٣
في السنةِ التي أرادَ فيها المنصورُ الدوانيقيُّ الذهابَ إلىٰ مكّةَ ـ وتزامَنَ ذلكَ معَ أيّامِ بُرجِ الحَمَلِ ـ جاءَ إلىٰ المدينةِ وأعطىٰ إذنًا عامًّا: هذهِ أيّامُ النيروزِ، فليتفضّلِ الناسُ ويأخذوا العطايا! وأرسلَ في طلبِ موسىٰ بنِ جعفرٍ عليهما السلام، فبعثَ إليهِ الإمامُ رسالةً بأنّني لن آتيَ، بهذهِ العبارةِ:
«إنّهُ سُنّةُ الفُرسِ»؛ أي: هذهِ السنّةُ بأن يحتفلوا بالنيروزِ كُلّ عامٍ، هي سُنّةُ الفُرسِ والمجوسِ والأشخاصِ الجاهليّينَ!
«ومحاها الإسلامُ»؛٤ أي: لقد محا الإسلامُ سُنّةَ الجاهليّةِ هذهِ وألغاها.
ففي النهايةِ، للإسلامِ أيضًا مدرستُهُ الخاصّةُ، ونحنُ لسنا كالسابقينَ والملوكِ لنقولَ: «لدينا تاريخٌ يمتدُّ لألفَينِ وخمسمائةِ عامٍ!». نحنُ لسنا كأُولئكَ القوميّينَ الذينَ يقولونَ: «نحنُ إيرانيّونَ أوّلاً ثُمّ مسلمونَ!».. مُباركٌ عليهِم! نحنُ مسلمونَ؛ سواءٌ كُنّا إيرانيّينَ، أو أفغانًا، أو هُنودًا، أو باكستانيّينَ، أو عربًا! المسلمُ مسلمٌ؛ فما هو الفرقُ؟!
ضرورةُ إحلالِ الحُدودِ العقائديّةِ مَحلّ الحُدودِ الجُغرافيّةِ في البلدان الإسلاميّةِ
ولهذا، لا توجدُ حُدودٌ في البلاد الإسلاميّةِ؛ أي تلك الحُدودُ التي يرسمونَها بخطٍّ علىٰ لوحةٍ! هل يقولُ الإسلامُ: إنّ هذهِ هي الحُدودُ؟! هل الحُدودُ التي تُرسَمُ بخطّينِ مِن قِبلي ومِن قِبَلِ غيري هي حُدودٌ واقعًا؟! الإسلامُ يقولُ: لا حُدودَ لدينا، فلا تُوجَدُ حُدودٌ بينَ إيرانَ وباكستانَ؛ هُم مسلمونَ ونحنُ مسلمونَ، ولا تُوجَدُ بيننا حُدودٌ! الحُدودُ هي بينَ إيرانَ والدوَلِ الغربيّةِ، هُم كُفّارٌ ونحنُ مسلمونَ؛ الحُدودُ هي بيننا وبينَ الدوَلِ الاستعماريّةِ، هُم مُستعمِرونَ، وأيادٍ للشيطانِ، ويُخَطِّطونَ للسيطرةِ علىٰ المجتمعِ الإسلاميّ. الحُدودُ هناكَ، وليسَ أن تكونَ الحُدودُ علىٰ الخريطةِ والجُغرافيا؛ فهذهِ ليست حُدودًا! هذا الترابُ هو نفسُ الترابِ! وحياتِكَ، لا فرقَ بينَ هذا التلِّ وذاكَ التلِّ، ولا بينَ هذا الجبلِ وذاكَ الجبلِ، ولا بينَ هذهِ الأرضِ وتلكَ الأرضِ! أبدًا، لا فرقَ بمقدارِ رأسِ إبرةٍ! الحُدودُ هي حُدودُ الكُفرِ والإسلامِ، حُدودُ الشركِ والإيمانِ؛ لا الحُدودُ الطبيعيّةُ!٥
أرجحيّةُ المِلاكاتِ والسنَنِ الشرعيّةِ علىٰ سائرِ السنَنِ
لهذا، يجبُ أن نُدقّقَ هنا جيّدًا، ونرىٰ ما هي طبيعةُ المسألةِ وكيفَ هو الأمرُ، وما هي المسألةُ التي يُوجِدُها الإسلامُ لنا، وأينَ نسيرُ نحنُ، وأينَ نحنُ الآنَ، ومِن أينَ أخذنا هذهِ المسألةَ!
المقبرةُ يجبُ أن تكونَ مَكانًا ليعتبرَ الناسُ! مَحلٌّ للعُبورِ ومكانٌ للاعتبارِ! حسنًا، إذا حوّلنا هذهِ إلىٰ حدائقَ، فهذا لا يجوزُ! صلةُ الرحمِ والزيارةُ مِنَ المسائلِ المُهمّةِ؛ حسنًا، إذا كانَ مُقرّرًا أن تكونَ في النيروزِ، فهذا لا يجوزُ! قالَ الإمامُ الكاظِمُ عليهِ السلامُ: «ومحاها الإسلامُ، ومعاذَ الله أن نُحييَ ما محاهُ الإسلامُ».۱
وبناءً علىٰ هذا الأساسِ، يُمكِنُ تشخيصُ الرواياتِ الموضوعةِ بواسطةِ هذهِ الرواياتِ التي تُعطي المِلاكَ؛ ويا لها مِن روايات موضوعاتٍ!
عيدُنا هو عيدُ الغديرِ، وعيدُنا هو عيدُ الفِطرِ، وعيدُنا هو عيدُ المبعثِ، وعيدُنا هو عيدُ الأضحى؛ هذهِ هي أعيادُنا! أعيادُنا هي أعيادُ الأئمّةِ عليهِم السلامُ، ومجالسُ عزائِنا هي مجالسُ عزاءِ الأئمّةِ عليهِم السلامُ فقط؛ الشيعةُ تقولُ هذا وليسَ لدينا شيءٌ غيرَ هذا. وحينئذ، إذا كانَ مُقرّرًا أن نقومَ بالزياراتِ في أيّامِ النيروزِ هذهِ، فإنّها ستتعارضُ معَ ذلكَ المِلاكِ الكلّي وتكونُ مُدانةً، ولا ينبغي لنا القيامُ بها! لهذا، مِن أجلِ الحُصولِ علىٰ المِلاكِ، يجبُ التدقيقُ كثيرًا.
استحسانُ السنَنِ العُرفيّةِ غيرِ المُنافيةِ للمِلاكاتِ الكلّيةِ للأحكامِ
الوجهُ الثاني: لدينا مجموعةٌ مِنَ الأعمالِ التي لم تكُن موجودةً في الزمانِ السابقِ، وهي لا تتعارضُ معَ هذهِ المِلاكاتِ الشرعيّةِ نفسِها، ورُبّما تكونُ متوافقةً ومنسجمةً معَ كُلّياتِها ولا إشكالَ فيها؛ مَثلاً، حفرُ آبارِ المياهِ، وإجراءُ الأنهارِ، وزراعةُ الأشجارِ، وتخضيرُ المزارعِ وإعمارُها، فكُلُّ هذهِ أُمورٌ ممدوحةٌ ومطلوبةٌ للشارعِ.
كم كانَ لأميرِ المؤمنينَ عليهِ السلامُ وللأئمّةِ أنفسِهِم مِن بساتينَ، وكانوا يعتنونَ بمزارعِهِم ويُعمّرونها! رأوا أميرَ المؤمنينَ يومًا يحملُ حِملاً علىٰ دابّةٍ، فسألَهُ شخصٌ: «يا عليّ، ماذا تحملُ علىٰ هذهِ الدابّةِ؟» فقالَ الإمامُ عليهِ السلامُ [ما معناه]: «ثلاثونَ ألفَ (أو ثلاثةُ آلافِ) نخلةٍ!».٢ حسنًا، الإمامُ لا يكذبُ! لقد جمعَ الإمامُ نَوىٰ التمرِ، وكانَ يأخذُهُ ليزرعَهُ خارجَ المدينةِ! فالأرضُ لا تمتنعُ أبدًا عَن إنباتِ النواةِ التي يزرعُها عليٌّ! ثلاثونَ ألفَ نخلةٍ! زرعَ الإمامُ كُلّ هذهِ الأشجارِ وعمّرَها، ولم يأخُذ شجرةً واحدةً مِنها لنفسِهِ، بل أوقفَها جميعًا! فجعلها وقفًا للفُقراءِ، وقفًا للقبائلِ، والأيتامِ، و… وكُلُّهُ مُسجّلٌ في التاريخِ.
كانَ الإمامُ يحفِرُ العُيونَ والقنواتِ؛ وعندما يتدفّقُ الماءُ، كانَ يُوقِفُهُ للقبيلةِ الفُلانيّةِ؛ وكانَ يحفِرُ الآبارَ ويُوقِفُها لمكانِ كذا؛ وكُلُّ وثائقِهِ موجودةٌ في التاريخِ.۱
حسنًا، هذا عملٌ ممدوحٌ جدًّا! وحينئذ، إذا خصّصنا يومًا باسْمِ يومِ الشجرةِ، فهذا عملٌ جيّدٌ جدًّا ولا إشكالَ فيهِ، ولا يتنافىٰ معَ ذلكَ المِلاكِ.٢
التمريضُ ودعمُ المرضىٰ هو عملٌ ممدوحٌ وجيّدٌ جدًّا. أيُّ عملٍ أسمىٰ مِن أن يذهبَ شخصٌ ليتحدّثَ معَ مريضٍ لا يملكُ أحدًا ولا جليس لهُ، ويقضي حوائجَهُ ومسائلَهُ، ويضعَ لهُ المرهمَ ويتحدّثَ معَهُ؟! مُداواةُ المريضِ وتمريضُهُ عملٌ جيّدٌ جدًّا. وحينئذ، إذا خصّصنا يومًا باسمِ يومِ المُمرّضِ، فهذا جيّدٌ جدًّا. ما الإشكالُ في ذلكَ؟! بالطبعِ للرجلِ والمرأةِ، وليسَ للمرأةِ فقط!
رعايةُ الوالدَينِ عملٌ جيّدٌ جدًّا؛ فأهمُّ أمرٍ لدينا هو رعايةُ الوالدَينِ: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاّ تَعبُدُوٓاْ إِلاّ إِيَّاهُ وَبِالوَٰلِدَينِ إِحسَٰنًا﴾.٣ فبعدَ التوحيدِ وبعدَ أداءِ الفرائضِ، لا يوجدُ عملٌ أسمىٰ مِنِ احترامِ الوالدَينِ وإطاعةِ أوامرِهِما! لقد وَرَدَ كُلُّ هذا التأكيدِ؛ إلىٰ ما شاءَ اللهُ!٤ وحينئذ، إذا خصّصنا يومًا باسمِ يومِ الأُمّ، فهذا مُناسبٌ جدًّا؛ وبالطبعِ، لنُخصّص يومًا للأبِ أيضًا، أو يومًا للأبِ والأُمّ. لماذا الأُمّ وحدَها؟! كلاهُما معًا: الأبُ والأُمّ؛ هذا جيّدٌ جدًّا!
طريقُ الوصولِ إلىٰ مِلاكاتِ الأحكامِ الشرعيّةِ
بشكلٍ عامٍّ، إذا جعلنا عملَنا مطابقًا لتلكَ المِلاكاتِ التي لدينا في الشرعِ، فلا إشكالَ في ذلكَ، وهو ممدوحٌ جدًّا؛ ولكنّ المسألةَ هنا هي أنّ الوصولَ إلىٰ تلكَ المِلاكاتِ ليسَ بمقدور أيّ واحد! للوصولِ إلىٰ تلكَ المِلاكاتِ، يجبُ عليكُم أن تدرسوا الفِقهَ، وتدرسوا الأُصولَ، وتدرسوا التفسيرَ، وتقرأوا تاريخَ الأئمّةِ، وتدرسوا الاجتماعيّاتِ، ويجبُ أن تدرسوا الفلسفةَ، ويجبُ أن تدرسوا العِرفانَ، وبعدَ كُلّ هذا، يجبُ عليكُم أنتُم أيضًا أن تتحقّقوا بالعِرفانِ وروحِ الشرعِ؛ وهنا تَزِلُّ الأقدامُ! قيلَ: «ما أصعبَ أن تُصبِحَ عالِمًا، ومُحالٌ أن تُصبِحَ إنسانًا!»؛٥ فقراءتُكَ لكُلّ هذا ليست كافيةً، بل يجبُ أن تمسّ روحُكَ روحَ الشرعِ، ويجبُ أن يصلَ وجدانُكَ إلىٰ عُمقِ الدينِ وحقيقتِهِ، وأن تُشرِقَ تلكَ النفحاتُ الروحانيّةُ لعالَمِ القُدسِ علىٰ وجَناتِكُم وعلىٰ ضمائرِكُم، وإلاّ فلا يُمكِنُكُم ذلكَ ولا يحصلُ أبدًا! نعم، العملُ بالمِلاكاتِ مُستحسَنٌ، والعملُ طبقًا لها في المجتمعِ كسُنّةٍ سَنيّةٍ ممدوحٌ جدًّا؛ ولكن كيفَ يُمكِنُنا الوصولُ إليها؟!
أهميّةُ الرؤيةِ التوحيديّةِ في الوصولِ إلىٰ المِلاكاتِ الحقيقيّةِ للشريعةِ
أتذكّرُ قبلَ عِدّةِ سنواتٍ كُنتُ أستمعُ إلىٰ حديثٍ لأحدِ المشايخ والعُلماءِ المعروفينَ، المرحوم الحاجّ الشيخ فضل الله المحلاّتي ـ كانَ رجلاً طيّبًا، رَحِمَهُ الله ـ، ويبدو أنّهُم بثّوا حديثَهُ في السنةِ التي تلت شهادتَهُ في تلكَ الحادثةِ المُفجِعةِ لإسقاطِ الطائرةِ بواسطةِ صدّام اللعين، وكُنتُ أستمعُ إليهِ. سمعتُه يقولُ مسألةً، وتوصّلتُ مِن هذه المسألةِ إلىٰ مجموعة من النقاط. كانَ رجلاً جيّدًا وطيّب النفسِ، ويبدو أنّهُ كانَ شخصًا صادقًا في عملِهِ، وقد سَمِعتُ حديثًا مِنهُ ورأيتُ أنّهُ يلحظُ في أحاديثِهِ قصدَ القُربى وطلبَ الخيرِ؛ ولهذا، دعوتُ لهُ بالمغفرةَ والرحمةَ. كانَ يقولُ:
في ذروةِ أحداثِ الثورةِ، والتي كانت يبدو أنّها الليلةُ الأخيرةُ، حيثُ كانتِ الأُمورُ تقتربُ مِن نهايتِها والقضايا تُحسَمُ، جاؤوا وقالوا لنا: «لقد سيطرنا علىٰ جهازِ إرسالٍ، ويُمكِنُنا مِن نُقطةٍ ما أن نُوصِلَ أخبارَكُم ومسائلَكُم إلىٰ مسامعِ الناسِ». تحرّكنا فورًا، وجئنا، وذهبنا إلىٰ هناكَ، وقُلنا: حسنًا، ماذا نقولُ؟ قُلنا: لنطرح هناكَ مسألةَ الثورةِ والخبرَ الأوّلَ والفكرةَ الأُولىٰ والمسألةَ التي تتطابقُ معَ رُؤىٰ وأهدافِ الثورةِ الإسلاميّةِ في إيران. ولهذا، وضعنا نشيدًا هناكَ ـ ولابُدّ أنّ الرفقاءَ يعلمونَ ذلكَ ـ؛ وبعدَ ذلكَ، جاءتِ المسائلُ الأُخرىٰ شيئًا فشيئًا. والخُلاصةُ، أنّهُ بحمدِ الله وصلَ هذا الأمرُ إلىٰ النصرِ، وانتصرَ الشعبُ المسلمُ علىٰ قُوىٰ الطاغوتِ، وحُسِمَتِ المسألةُ.
عندما سَمِعتُ هذهِ المسألةَ، تذكّرتُ كلامًا لأحدِ العُظماءِ، حيث كانَ يقولُ في ذلكَ الزمانِ نفسِهِ: كم كانَ جيّدًا لو أنّهُ بدلاً مِن هذهِ المسائلِ التي نُشِرَت في بدايةِ الأمرِ، نُشِرَت تلكَ المسائلُ التوحيديّةُ، وذلكَ الكلامُ الذي قالَهُ النبيُّ الأكرمُ صلّى الله عليهِ وآلِهِ عندَ فتحِ مكّةَ، وعندَ القضاءِ علىٰ الطاغوتِ، وتحطيمِ الأصنامِ، والقضاءِ علىٰ الشركِ والكُفرِ في عاصمةِ الجزيرةِ العربيّةِ ومركزِ ومِحوَرِ انتشارِ الأخبارِ في الجزيرةِ العربيّةِ.۱
عندما جاءَ جيشُ المسلمينَ، وانتصروا علىٰ الشركِ والكُفرِ، وحطّموا الأصنامَ، وأحلّوا التوحيدَ مَحلّ الشركِ، وأحلّوا الإسلامَ مَحلّ الكُفرِ؛ في مِثلِ هذهِ الظروفِ، أمرَ النبيُّ الأكرمُ صلّى الله عليهِ وآلِهِ أن يُنادوا بهذا الشكلِ، وجاءَ النبيُّ نفسُهُ، ولدينا أنّهُ: ضربَ بيَدَيهِ علىٰ أستارِ الكعبةِ، وقالَ هذهِ الكلماتِ:
«لا إلهَ إلاّ الله إلهًا واحدًا ونحنُ لهُ مسلمونَ، لا إلهَ إلاّ الله ولا نعبدُ إلاّ إيّاهُ، مُخلصينَ لهُ الدينَ ولو كرهَ المشركونَ، لا إلهَ إلاّ الله وحدَهُ، أنجزَ وعدَهُ ونصرَ عبدَهُ وأعزَّ جُندَهُ وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ، فلهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ، يُحيي ويُميتُ، ويُميتُ ويُحيي، وهو حيٌّ لا يموتُ، بيَدِهِ الخيرُ وهو علىٰ كُلِّ شيءٍ قديرٌ».۱
انظروا وتأمّلوا ماذا يفعلُ النبيُّ صلّى الله عليهِ وآلِهِ؟ وماذا يقولُ! وفي أيّ أفق هو؟!
«لا إلهَ إلاّ الله ولا نعبدُ إلاّ إيّاهُ… أنجزَ وعدَهُ ونصرَ عبدَهُ وأعزّ جُندَهُ وهَزمَ الأحزابَ وحدَهُ»؛ أي: هو وحدَهُ فقط مَن قضىٰ علىٰ الجميعِ!
ما هو شأنُنا نحنُ وأنتُم؟! عندما أحلّ النبيُّ صلّى الله عليهِ وآلِهِ التوحيدَ مَحلّ الشركِ والأصنامِ، انظروا ماذا يقولُ؛ إنّهُ يرفعُ نداءَ التوحيدِ:
«لا إلهَ إلاّ الله…»؛ أي: أنتَ وحدَكَ اللهُ، والحمدُ يختصُّ بكَ وحدَكَ، والعونُ مِنكَ وحدَكَ، ولا يوجدُ أيُّ وجودٍ غيرَكَ، ولا يوجدُ أيُّ تعيّنٍ أو تشخّصٍ غيرَكَ؛ فكُلُّ الأُمورِ بيَدِكَ، والسلطةُ بيَدِكَ، والإماتةُ والإحياءُ بيَدِكَ!
لقد أطلقَ النبيُّ صلّى الله عليهِ وآلِهِ هذا الشعارَ في ذلكَ الوقتِ؛ والآنَ، نحنُ الذينَ نعيشُ في مِثلِ هذا الزمانِ الذي زالَ فيهِ الطاغوتُ، وزالَ فيهِ الشركُ، وزالَ فيهِ الكُفرُ، وقُطِعَت أيادي الاستعمارِ، ونُريدُ أن نُحِلّ نِظامَ التوحيدِ مَحلّ نِظامِ الكُفرِ، يجبُ علينا بدلاً مِنَ الأناشيدِ، وبدلاً مِنَ المسائلِ الكذائيّةِ، أن نَبُثّ «لا إلهَ إلاّ الله»! ولكننّا بدلاً مِن هذا الكلامِ، نضعُ نشيدًا!
هنا يظهرُ التفاوتُ بينَ الرؤىٰ والأفكارِ، وهنا يظهرُ الوصولُ إلىٰ المِلاكِ! وكما قيل: «ببین تفاوت ره ازکجاست تا به کجا»؛٢ ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبرَةً لأوْلِي الأَبصَٰرِ﴾.٣
انحصارُ طريقِ معرفةِ المعروفِ في إدراكِ مِلاكاتِ الشريعةِ أو بيانِ الشخصِ الواصلِ
لهذا، مِن أجلِ الوصولِ إلىٰ العُرفِ والوصولِ إلىٰ المعروفِ: ﴿وَأمُر بِالمَعرُوفِ وَانهَ عَنِ المُنكَرِ﴾،٤ ﴿يَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ﴾،٥ يجبُ الوصولُ إلىٰ هذهِ المِلاكاتِ؛ وإذا لم نَصِل إليها نحنُ بأنفُسِنا، يجبُ أن نأخُذَها مِمّن وَصَلَ إليها! حينئذ، يُمكِنُنا أن نكونَ مِصداقًا لهذهِ الآيةِ.
تأثيرُ العُرفِ الجاهليِّ في العداوةِ والحربِ معَ حضرةِ سيّدِ الشهداءِ
يقولُ الإمامُ السجّادُ عليهِ السلامُ بخصوص الأفرادِ الذينَ جاؤوا لمحاربةِ سيّدِ الشهداءِ عليهِ السلامُ: يَتَقَرّبونَ إلَى الله بِدَمِهِ؛۱ أي: كانَ هؤلاءِ أُناسًا جاؤوا، وكانوا يُريدونَ التقرّبَ إلىٰ الله بواسطةِ القضاءِ علىٰ الإمامِ الحُسينِ!
حسنًا، إذا لم نقُل جميعُهُم، فبعضُهُم كانَ هكذا! هذا هو العُرفُ! إذا كانَ تعامُلُنا معَ العُرفِ، فسنَصِلُ إلىٰ هنا: «يَتَقَرّبونَ إلَى الله بِدَمِهِ!».
فشلُ خُطّةِ يزيدَ للقضاءِ علىٰ أهلِ بيتِ رسولِ الله
لقد روّجوا للأمرِ بينَ أهلِ الشامِ، ورسّخوهُ في أذهانِهِم بطريقةٍ جعلتهُم يَرَونَ الإمامَ الحُسينَ عليهِ السلامُ ـ حقيقةً ـ إنسانًا خارجيًّا! عندما كانوا يأتونَ بالسبايا، كانَ الناسُ يخرجونَ إلىٰ الشوارعِ والأزقّةِ، ويصعدونَ إلىٰ الأسطحِ، ويُطلّونَ مِنَ النوافذِ يُهلّلونَ ويضحكونَ ويُصفّقونَ قائلينَ: «إنّهُم يأتونَ بالخوارجِ، وهؤلاءِ قد خرجوا علىٰ أميرِ المؤمنينَ يزيد!». حسنًا، هؤلاءِ الحَمقىٰ لا يعلمونَ ماذا يفعلُ أميرُ مؤمنيهم هذا بجوارهم! وحينئذٍ، يُصبِحُ هؤلاءِ خوارجَ!
أمّا ماذا فعلَ أهلُ البيتِ؟! هل سَكَتَ أهلُ البيتِ؟! لقد كانَ يزيدُ قد دَبّرَ مؤامرةً؛ فكانت مؤامرةُ يزيدَ هي أن يُرتّبَ المجلسَ والموقفَ بطريقةٍ يقضي فيها علىٰ جميعِ أهلِ البيتِ في الشامِ نفسِها، ويُنهي المسألةَ! أن يأتيَ بتلكَ الجلالةِ وذلكَ الموقفِ و… ثُمّ يقضي عليهِم جميعًا!
يذكر عبدُ الله العَلايليّ في كتابِهِ حولَ تاريخِ سيّدِ الشهداءِ عليهِ السلامُ [ما معناه]: كانَت الترتيبات التي قام بها يزيدَ في ذلكَ الوقتِ بطريقةٍ لا تُبقي أيَّ أثرٍ للأئمّةِ ولِسيّدِ الشهداءِ! لهذا، أرادَ في المرحلةِ الأُولىٰ أن يستخدمَ أيَّة وسيلةٍ لإرعابِهِم وإسكاتِهِم، ثُمّ يقضي عليهِم، ويُنهي القضيّةَ؛ ولكنّهُم جاؤوا، وقلبوا الأُمورَ رأسًا علىٰ عَقبٍ في الشامِ!
هل يستطيعُ أحدٌ أن يقف في وجهِ السيّدةَ زينبَ عليها السلامُ؟! إنّها ابنةُ أميرِ المؤمنينَ! هل يستطيعُ أحدٌ أن يُسكِتَ الإمامَ السجّادَ عليهِ السلامُ؟! هؤلاءِ يمتلكونَ مَقامَ الإمامةِ! الخُلاصةُ، وصلَ الأمرُ إلىٰ أن تغيّرَتِ المسألةُ ضدّ يزيدَ؛ وعندما رأىٰ يزيدُ أنّهُ لا مَفرّ لهُ، بدأ بالاستمالةِ واسترضاءِ أهلِ البيتِ: أنا لم أفعل ذلكَ، ولم أكُن راضيًا! لعنَ الله ابنَ مرجانةَ، هو الذي فعلَ ذلكَ بدونِ إذني! (وما شابهَ ذلكَ).٢
اعتذارُ يزيدَ مِنَ الإمامِ السجّادِ ومطالبُ الإمامِ الثلاثةُ
دعا يزيدُ أهلَ البيتِ يومًا إلىٰ مجلسِهِ؛ وبعدَ الاعتذارِ عَنِ المسائلِ التي حَدَثَت، اقترحَ عليهِم: أنتُم أحرارٌ في البقاءِ في أيِّ مكانٍ: يُمكِنُكُم العودةُ إلىٰ المدينةِ، أو البقاءُ هنا؛ الخيارُ لكُم!
فالتفتَ الإمامُ السجّادُ عليهِ السلامُ إلىٰ يزيدَ، وقالَ [ما مضمونه]: أطلبُ مِنكَ ثلاثةَ أُمورٍ؛ الأمرُ الأوّلُ: أن تَرُدّ إلينا رأسَ أبينا! الأمرُ الثاني: أن تَرُدّ إلينا ما نُهِبَ وسُرِقَ مِن أموالِنا! والأمرُ الثالثُ: إذا كُنتَ تنوي القضاءَ عليّ، فابعث أحدًا معَ أهلِ البيتِ هؤلاءِ إلىٰ المدينةِ!
فقالَ يزيدُ: أمّا رَدُّ الرأسِ، فهذا محالٌ. وأمّا الأموالُ، فما سُلِبَ مِنكُم، سأدفعُهُ لكُم أضعافًا مضاعفةً!
فقالَ الإمامُ عليهِ السلامُ [ما مفاده]: نحنُ لا نقصدُ القيمةَ الماديّةَ لهذهِ الأموالِ، بل كانَت في هذهِ الأموالِ المسروقةِ ثيابٌ نَسَجَتها أُمّي فاطمةُ الزهراءُ بيَدِها، وقِلادةٌ وعِقدٌ كانَ في عُنُقِها!
فقالَ يزيدُ: وأمّا الأمرُ الثالثُ: فأنتَ نفسُكَ ستُعيدُ هذهِ القافلةَ إلىٰ المدينةِ!۱
رثاءُ بشيرٍ بن جذلم عندَ قبرِ النبيِّ الأكرمِ أثناءَ عودةِ قافلةِ أهلِ البيتِ إلىٰ المدينةِ
أمرَ يزيدُ أن يأتيَ النعمانُ بنُ بشيرٍ، وأن يُجهّزوا الهوادِجَ والمَحامِلَ، بدلاً مِنَ الجِمالِ العاريةِ التي رَكِبَها أهلُ البيتِ طوالَ هذا السفرِ؛ وأمرَ الأشخاصَ الذينَ كانوا يُحيطونَ بأهلِ البيتِ، ويحملونَ الرؤوسَ، وكانت أعينُهُم تقعُ دائمًا علىٰ أهلِ البيتِ، أن يسيروا عن بُعدٍ، ويُراقبوا مِن بعيدٍ!٢
بهذهِ الكيفيّةِ، تحرّكَ أهلُ البيتِ نحوَ المدينةِ. وعندما اقتربوا مِنَ المدينةِ، طلبَ الإمامُ السجّادُ عليهِ السلامُ بشيرَ بنَ جَذلَمٍ، وقالَ لهُ [ما معناه]: «هل لكَ في الشعرِ مِن نصيبٍ؟» فقالَ: «نعم، يا ابنَ رسولِ اللهِ!» فقالَ الإمامُ عليهِ السلامُ [ما مضمونه]: «فاذهب، وأخبِر الناسَ بقُدومِنا بأشعارِكَ!».
دخلَ بشيرٌ المدينةَ، وكُلّما سألَهُ أحدٌ عمّا حَدَثَ وكيفَ هي الأُمورُ، لم يُجِب، حتّىٰ وصلَ إلىٰ قبرِ النبيِّ الأكرمِ صلّى الله عليهِ وآلِهِ؛ حينها، قرأ هذهِ الأشعارَ:
| يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لكم بها | *** | قُتِلَ الحسين فَأدمُعي مِدرارُ |
| الجسمُ مِنه بكربلاءَ مُضَرّجٌ | *** | والرأسُ منه عَلى القَناةِ يُدار |
أي: يا أهلَ المدينةِ، لِمَ أنتُم جالسونَ، وها هُم أهلُ بيتِ النبيِّ قد وصلوا؟! يا أهلَ المدينةِ، أينَ كُنتُم لتروا كيفَ ألقوا بجسدِ ابنِ النبيِّ علىٰ الأرضِ، وحملوا رأسَهُ علىٰ الرمحِ مِن مدينةٍ إلىٰ أُخرىٰ؟!
خرجَ جميعُ أهلِ المدينةِ يلطمونَ علىٰ رؤوسِهِم، ورفعوا أصواتَهُم بـ «وا محمّداه!»، وتوجّهوا إلىٰ خارجِ المدينةِ حتّىٰ وصلوا إلىٰ تلك القافلةِ.
كلامُ الإمامِ السجّادِ في مظلوميّةِ حضرةِ سيّدِ الشهداءِ
يُنقَلُ أنّهُ: جاءَ محمّدُ بنُ الحنفيّةِ إلىٰ عليِّ بنِ الحُسينِ عليهما السلامُ، ونادىٰ: «يا ابنَ أخي، أينَ أخي؟!».
فقالَ الإمامُ عليهِ السلامُ: «يا عَمّاهُ، أتيتُكَ يتيمًا! يا لَيتَكَ كُنتَ حاضرًا حتّى ترى أخاكَ [كيفَ] يَستَغيثُ فلا يُغاثُ، و[كيفَ] يَستَعينُ فلا يُعانُ!».
«قتلوهُ عطشانًا!».۱
ألا لعنةُ الله علَى القومِ الظالمينَ، وسيعلمُ الذينَ ظَلموا آلَ محمّدٍ أيَّ مُنقلَبٍ ينقلبونَ!