المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
التاريخ 1415/02/06
التوضيح
كيف يتسلّل الاستعمار لضرب الكيان الإسلاميّ من الداخل؟ وما هو الدور المخرّب لعلماء السوء في تحريف الدين وتبرير سياسات تُخالف السنّة مثل “تحديد النسل”؟ ولماذا يسعى البعض لإسقاط حجّية خُطب نهج البلاغة حين تتعارض مع أهوائهم؟ وما هي حقيقة المقام العظيم لأبي الفضل العبّاس عليه السلام وعظمة تضحيته في كربلاء؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات، وتكشف النقاب عن أهميّة البصيرة، وضرورة الاعتماد على اليقين الباطنيّ، والحذر من التلاعب بالدين والمفاهيم الإسلاميّة الأصيلة.
هو العليم
خطر علماء السوء على الكيان الإسلاميّ وتحريف النصوص الدينيّة خدمةً للأطماع
التشكيك في أسانيد نهج البلاغة وحقيقة المقام الشامخ لأبي الفضل العبّاس عليه السلام
مباني الإسلام ـ محطّات من السيرة النبويّة ـ الجلسة ٢۱
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذ باللهِ من الشّيطانِ الرّجيمِ
بسمِ اللهِ الرّحمٰنِ الرّحيمِ
الحمدُ للهِ ربّ العالَمينَ وصلّى اللهُ علىٰ سيّدنا ونبيّنا وحَبيبِ قُلوبنا
وطَبيبِ نُفوسنا أبي القاسمِ المصطفىٰ مُحمّدٍ
وعلىٰ أهلِ بيتهِ الطيّبينَ الطاهرينَ المعصومين المكرّمين
واللّعنةُ علىٰ أعدائهم أجمعينَ
خطر علماء السوء المنحرفين على الإسلام
قال الله تعالىٰ في كتابهِ الكريم:
﴿وَإِذَا رَأَيتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعرِض عَنهُم حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيرِهِۦ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيطَٰنُ فَلَا تَقعُد بَعدَ ٱلذِّكرَىٰ مَعَ ٱلقَومِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾.۱
بيّنتُ سابقًا أنّ المعاندين والمخالفين للإسلام يعتمدون أساليب بالغة الدقّة، وحركةً ثقافيّةً للسيطرة والهيمنة على الشعوب، لاسيّما المسلمين، وبالأخصّ الشيعة؛ وبالطبع، هذا هو دأب أعداء الدين ونهجهم منذ مئات السنين في التغلغل بين صفوف المسلمين والشيعة. لطالما واجه الإسلامُ على مرّ السنين الطويلة هذه المصيبة الكبرى، والمتمثّلة في وجود علماء سوء سخّروا أنفسَهم لخدمة أطماع الأعداء؛ وللأسف، وقع الكثير من هؤلاء في شباك أهواء أعداء الدين وأطماعهم دون وعيٍ منهم. وإذا ما جعلنا تجربة التاريخ أحد المعايير لرؤيتنا وعملنا، فسنصل إلى هذه النقطة: لا أحد يستطيع مُقارعة هؤلاء الدهاة والمعاندين، سوى من كان متّصلاً بمقام الولاية، ويستمدّ العون مباشرةً من عالَم الغيب، ولديه إشراف على أحداث عالَم الكون ومسائله.
سبب تغلغل الاستعمار بين العلماء في أحداث المشروطة (الحركة الدستوريّة)
إنّ أحداث المشروطة (الحركة الدستوريّة) تُمثّل درسَ عبرةٍ لأمثالنا، لِنُدركَ أنّه في المورد الذي لم يستطع فيه أعاظم وعلماء من أمثال المرحوم الآخوند الخراسانيّ، والمرحوم النائينيّ، والمرحوم الشيخ فضل الله النوريّ تطبيقَ رؤيتهم، وأصبحوا ألعوبةً بيد الاستعمار دون قصد، بحيث لم تتّضح المكيدة التي دبّروها لهم إلاّ بعد مرور سنين ممتدّة،٢ فإنّ هذه المسألة تقودنا إلى أنّ العدوّ أمكر وأدهى من أن يُدرك أمثال الآخوند وغيره هذا الأمر! فعندما سيطر الأعداء على مقاليد السلطة، دسّوا السمّ للمرحوم الآخوند وقضوا عليه، وشنقوا الشيخ فضل الله النوريّ، ووضعوا الشيخ النائينيّ رحمه الله قيد الإقامة الجبريّة في منزله لستّ سنوات بتلك الوضعيّة التي لم تُبقِ له أيّ ماء وجه، بحيث لم يعُد أحدٌ يزوره!
كلّ هذا كان بسبب أنّ هؤلاء العلماء لم يمتلكوا الفهم الدينيّ والبصيرة بالواقع؛ أي إنّهم تعلّموا القواعد جيّدًا، ولكنّ إدراك المسائل وإدراك الحقائق أمر آخر لا يُمكن الوصول إليه عبر هذه المسائل!٣
لم يطّلع على هذه القضيّة سوى قلّة، فانسحبوا من هذا التيّار؛ كالمرحوم الصابونيّ، والسيّد مرتضى الكشميريّ رحمه الله، والشيخ مرتضى الطالقانيّ رحمه الله، والحاجّ ميرزا حبيب الله الخراسانيّ رحمه الله، الذي خرج من مشهد وذهب إلى أطرافها حتى تهدأ هذه الفتنة، وكم كانوا يُوجّهون له الإهانات في بعض الأوقات التي كان يتشرّف فيها بزيارة عليّ بن موسى الرضا عليهما السلام! وفي النهاية، سيطر هؤلاء، واقتلعوا جذور الإسلام، ولم يُبقوا منه سوى اسمه؛ وهكذا كانت أحداث المشروطة!
نشاط الاستعمار الدائم بين الشيعة والشعوب الإسلاميّة
طُرحت المسائل نفسُها في هذه الأحداث الأخيرة إبّان حكم الشاه السابق؛ غاية الأمر، أنّهم لم يتمكّنوا من إحراز تقدّم؛ لأنّ الناس كانوا يُقاومون النظام الحاكم، ويتلقّون قضاياه بنظرة شكّ، بل بيقينٍ بأنّها باطلة. لكن، بعض الشعارات التي نراها الآن في الحكومة الإسلاميّة في إيران هي بعينها كشعارات العهد السابق؛ فالدعاية التي تُمارس في هذه الفترة وفي بلادنا ضدّ بقاء نسل الشيعة ولخدمة الإمبرياليّة، هي عين ما كنّا نراه سابقًا! ولكن، لماذا نجحوا هذه المرّة؟ لأنّهم عندما نزلوا إلى الميدان هذه المرّة للقضاء على نسل الشيعة، حاربوهم باسم الإسلام وبالروايات الإسلاميّة والنصوص الإسلاميّة! وفي هذا المسار، بادر بعض العلماء إلى تبرير أفعالهم بكلّ توجيه وتأويل. فاليوم، تلك الروايات التي كانت تُستخدم في ذلك الزمان ضدّ النظام الحاكم لم يعُد لها سند، وتلك الأدلّة التي كانت حجّةً آنذاك، لم تعُد حجّة في هذا الزمان!
الخطر العظيم لعلماء السوء بسبب توجيه المسائل وتأويلها وفقًا للمصالح الدنيويّة
كان المرحوم الشيخ محمّد تقي البرغانيّ أحد علماء قزوين المشهورين، وكانت فتواه تدور حول حُرمة صلاة الجمعة. وفي زمانه، كان أحد العلماء المشهورين الآخرين يُقيم صلاة الجمعة. فكان المرحوم البرغانيّ يتحدّث دائمًا في المجالس والمحافل ضدّ هذا العالِم؛ ولأنّه كان رجلاً مِصقعًا، كان يُؤثّر في الناس. وكان ذلك العالِم المسكين يُقيم صلاة الجمعة وفقًا لرأيه وفتواه. في أحد الأسابيع، سافر إمام الجمعة ذاك من قزوين؛ وبالمناسبة، صادف وقتُ غيابه يومَ الجمعة، فذهب هذا العالِم نفسه الذي كان يُفتي بالحرمة حتّى الآن، ووقف مكانَه، وأقام صلاة الجمعة! وعندما عاد ذلك العالِم قال: «أتعجّب كيف ينقلب حكم إلهيّ فجأةً من الحرمة إلى الوجوب بمجرّد سفري!»، وبعدها، لم يُقم صلاة الجمعة في قزوين حتّى تُوفّي.۱ هكذا هم هؤلاء العلماء!
لقد سمعتُ بنفسي من أحد الذين فاقوا الجميع، وبذلوا جهدًا وسعيًا يفوق الآخرين في إسقاط حجّية الروايات والأخبار الواصلة عن النبيّ الأكرم والأئمّة عليهم السلام حول تكثير النسل، وهو يخطب لساعة كاملة في توجيه مسألة حكوميّة؛ ولم يمضِ أسبوع أو أسبوعان على تلك المسألة، حتّى تغيّرت سياسةُ الحكومة لتنفيذ المسألة السابقة نفسها التي كان قد تحدّث في ردّها! وسمعته بنفسي مرّة أخرى، وهو يخطب لنصف ساعة كاملة لتنفيذ هذه الخطّة الجديدة، وكان الجميع يسمعون أيضًا.
في هذه الحال، يُدرك الإنسان وضعه ومكانته، وما هو الجوّ الذي يُواجهه، ومع أيّ أناس يتعامل؛ أناسٌ جعلوا الدين ألعوبةً وأداةً لأهوائهم، وموافقًا لآرائهم.
يقول الإمام الصادق عليه السلام في الرواية المعروفة والمفصّلة في ذمّ اليهود: «هُم أَضَرُّ عَلَىٰ ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا مِن جَيشِ يَزِيدَ عَلَىٰ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ عَلَيهِ السَّلامُ.»۱ أي إنّ هؤلاء العلماء أشدّ خطرًا في القضاء على الكيان الإسلاميّ من جيش عمر بن سعد وجيش يزيد الذين قتلوا الإمام الحسين عليه السلام!
نقد مسألة «تحديد النسل»
لقد بحثوا في كلّ المصادر الإسلاميّة، ولم يتشبّثوا إلاّ بهذه المسألة اليتيمة: «قِلّةُ العِيَالِ أَحَدُ اليَسَارَينِ!»،٢ وقالوا: تارةً، تكونون في يسر ورفاهيّة، فلو كان لديكم أولاد كُثُر فلن يضرّكم ذلك؛ ولكن، إن كان رزقكم محدودًا من الناحية المعيشيّة، ففي هذه الحال، إذا قلّ عيالُكم، فستكونون في سعة ورفاهيّة كالحالة الأولى. أمّا إذا قرّرتم تكثير عيالكم، فسيُسبّب ذلك مشاكل!٣
تحريف روايات نهج البلاغة حول النساء
يا للعجب! كيف يُنكر هؤلاء السادة سند كتاب نهج البلاغة في المسائل والخطب التي أوردها أمير المؤمنين حول النساء؟! فمثلاً يُنكرون وصيّته عليه السلام للإمام الحسن عليه السلام في (حاضرين)؛ لأنّ فيها: «وَإيّاكَ ومُشَاورةِ النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ رَأيَهُنَّ إِلَىٰ أَفنٍ، وَعَزمَهُنَّ إِلَىٰ وَهنٍ»،٤ أو يُنكرون كلام أمير المؤمنين عليه السلام بعد حرب الجمل حيث يقول: «وَأَمَّا عَائِشَةُ فَقَد أَدرَكَها ضَعفُ رَأيِ النِّسَاءِ»،٥ ويقول: «إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الإِيمَانِ وَنَوَاقِصُ الحُظُوظِ وَنَوَاقِصُ العُقُولِ»،٦ ويقولون: هذه ليس لها سند! إنّ هؤلاء الوُجهاء الغافلين عن الله يُؤلّفون الكتب، ويُسقطون روايات أمير المؤمنين عليه السلام عن الحجّيّة، ولا يُبقون لنهج البلاغة سندًا في مثل هذه الموارد! في حين أنّنا إذا فسّرناها تفسيرًا صحيحًا، فإنّ أيّ إنسان يمتلك أدنى قدر من الوجدان سيقبلها. لستُ الآن بصدد تفسير هذه الروايات، ولكنّي أُشهِدُ الله أنّني لو بيّنتُ روايات أمير المؤمنين هذه، وفسّرتها وفقًا لمراده عليه السلام، لَرَأيتم أنّه: علاوةً على أنّه لا يقصد إثبات أيّة منقصة للمرأة، فإنّ مكانتها وخصائصها الظاهريّة والباطنيّة هي محطّ نظره، ولا يُلاحَظ أيُّ جانب من جوانب النقص والقصور في كلامه بأيّ وجه من الوجوه.۷
ولكنّ الكلام في أنّ الذين لم يُدركوا هذه المسائل، وهم مستعدّون للجوء إلى أيّ تأويل وتوجيه من أجل تبرير شخصيّاتهم وإرضاء شهواتهم المادّية، يُؤوّلون كلام أمير المؤمنين عليه السلام وفقًا لآرائهم. فإذا كان من المقرّر ألاّ يكون لنهج البلاغة سند، فإنّ حِكَم نهج البلاغة أولى بذلك؛ لأنّ اختلاق أمثال هذه الحِكَم الأخلاقيّة أسهل بكثير من اختلاق تلك الخطب التي لا يشكّ أحد في أنّه لا يُمكن لكلام أن يُؤدّيها سوى كلام المولى أمير المؤمنين عليه السلام!
الإتقان السنديّ والمضمونيّ لنهج البلاغة
للمرحوم العلاّمة الطباطبائيّ رحمه الله بيان دقيق بخصوص الذين شكّكوا في خطب نهج البلاغة.۱ وبالطبع، تعلمون أنّ كلّ فئة تتّخذ مسارًا خاصًّا لإسقاط سند نهج البلاغة! فنهج البلاغة كتابٌ يحوي معارف المبدأ والمعاد والمسائل الاجتماعيّة، وهو مفعم بالتوحيد والعدل ورسالة الأنبياء والأحكام الدينيّة والأمور الاعتقاديّة والأخلاقيّة؛ ولهذا، نجد أنّ أناسًا مختلفين ـ بآراء مختلفة ـ لديهم رؤى متعدّدة تجاه نهج البلاغة.
هناك فئة من الناس عندما يصلون إلى الخطب التوحيديّة لأمير المؤمنين عليه السلام، ولأنّهم لا حظّ لهم من المسائل التوحيديّة، ولا يُمكنهم إدراك المسائل الفلسفيّة والعرفانيّة الدقيقة والعميقة التي يطرحها أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، ويرون أنّها تتنافى مع مدرستهم ومسلكهم المناهض للعرفان، يبدؤون بالتحريف ويقولون: نهج البلاغة لا سند له! بل إنّ بعض أهالي مشهد يقولون هذه الأمور! وقد سمعت بنفسي من أحد هؤلاء، وهو شخصيّة وجيهة جدًّا ومُدرّس في البحث الخارج، وربّما يُمكن القول إنّه لا نظير له في مشهد، كان يقول صراحةً: «نهج البلاغة لا سند له، ولا ينبغي الالتفات إليه!». فهنا، تتجلّى مظلوميّة أمير المؤمنين! إذا كنتَ لا تفهم كلام أمير المؤمنين، فما شأنه عليه السلام بذلك؟! لم يقل أمير المؤمنين هذا الكلام لك أنت؛ بل قاله لمن لديه فهم! فبمجرّد أنّك لا تفهم شيئًا، ولأنّك لم تدرس الفلسفة ولو لشهر واحد، فلماذا تُسقط خطبةً عجيبةً ودقيقةً وراقيةً لأمير المؤمنين عن السنديّة؟! فهذه خطبة للإمام؛ أ فهل الإمام عليه السلام يتساوى مع سائر الناس وهو مثل هؤلاء الناس العاديّين؟!
يقولون بكلّ بساطة: نهج البلاغة لا سند له! اعثر على إنسان واحد في هذا العالَم يستطيع أن يُلقي مثل هذه الخطبة، وسأُقلّده! علاوة على ذلك، إن كان نهج البلاغة لا سند له، فخذوا كتاب التوحيد للصدوق وانظروا فيه: جميع الأئمّة بعد أمير المؤمنين اقتبسوا من كلامه عليه السلام ومن هذه الخطب في نهج البلاغة ومسائل التوحيد وقضايا المبدأ والمعاد فيه، وقد وردت بأسانيد صحيحة؛ فماذا تقولون في هذا؟!
حسنًا، هذا جزء من نهج البلاغة قد أُزيح جانبًا؛ حسن جدًّا! وأولئك الذين تحدّثوا حول المسائل الاجتماعيّة والقضايا التي ذكرها أمير المؤمنين حول طبيعة الرجل والمرأة، اقتطعوا جزءًا آخر من نهج البلاغة، ونحّوه جانبًا، وقالوا: نهج البلاغة لا سند له! حسن جدًّا، وهذا جزء آخر أيضًا! وأنا أيضًا سأُنحّي غدًا الخطبة الشقشقيّة أو الخطبة القاصعة جانبًا لأجل مسائل أخرى تتنافى مع مصالحي، وسأنحّي هذه الخطبة وتلك الخطبة، وأُمزّق كلّ نهج البلاغة إربًا إربًا! ثمّ أقول: نعم، بعض مسائله لا إشكال فيها!
فرسالة أمير المؤمنين إلى مالك الأشتر التي لا سند لها سوى نهج البلاغة ـ وهو أقوى الأخبار وأكثرها حجّيّة وسندًا في تاريخنا الإسلاميّ ـ تُعتبر حجّة؛ أمّا في المورد الذي يتحدّث فيه أمير المؤمنين عن النساء، فلا تكون حجّة؟! هذا هو مصداق ﴿نُؤمِنُ بِبَعضٍ وَنَكفُرُ بِبَعضٍ﴾!۱
قرأتُ في عبارات أحد الأكابر أنّه عندما أراد تفسير هذه المسائل وتوجيهها، ذكر أمورًا؛ ولكنّه في النهاية، التزم الإنصاف، وقال: إن شئتم الحقّ، فإنّ هذا التفسير الذي قدّمته لكم لا يُقنعني!٢
رحمة الله عليه حيث قال: «هذا التفسير لم يُقنعني!»، ولكنّه، يذكر كلامًا في نهاية المطاف ينسف به كلّ هذا الكلام؛ حيث يقول: «والآن، الحديث عن مسائل لا يُعلم أنّ لها سندًا ليس بالأمر المهمّ كثيرًا!».٣ عجبًا! كيف حدث ألاّ يكون لها سند في هذه المسائل فقط؟! فماذا إذن عن كتاب «جولة في نهج البلاغة» الذي ألّفتموه؟! يا عزيزي، إمّا "كلّ شيء أو لا شيء"! فإذا كنتُ لا أفهم كلامًا ما، عليّ أن أقول بكلّ بساطة: «يا سيّدي، أنا لم أفهم؛ لقد قالها أمير المؤمنين، ولكنّني لم أفهم هذا الأمر!». حسن جدًّا! جزاك الله خيرًا! وبالطبع، قوله لهذا الكلام أفضل من أولئك الذين كتبوا كتابًا ضخمًا مليئًا بتبريرات تُضحك الثكلى، ثمّ قالوا: «لا يُعلم ما هي حقيقة هذه الأمور؟ نحن نَرُدّ علمها إليهم!»، ما معنى هذا؟! هل يعني أنّ كلّ هذا الكلام كذب؟!
يجب على هؤلاء الخائنين لله وللخلق أن يُجيبوا عن ذلك يوم القيامة! يجب أن يُقدّموا جوابًا تجاه نهج البلاغة وأمير المؤمنين عليه السلام! سيقف أمير المؤمنين في طريقهم يوم القيامة، ويقول: أ لم تكن لكم ضمائر؟! أ لم يجعل الله فيكم علمًا؟! فلماذا طمستم كلامي الصريح بهذا الشكل؟! حسنًا، إن كنتم لا تعلمون، فقولوا: «يا سيّدي نحن لا نعلم!»، فلماذا تلتوُون؟! رُدّوا علمها إلى من يُفسّرها تفسيرًا صحيحًا! لماذا تقولون: «لا سند لها»؟! لماذا تقولون: «نحن لا نفهم هذه الأمور، هي تعنيهم هم»؟! ما معنى هذا؟ يعني أنّها لا تنفعنا! هؤلاء هم أنفسهم من يُرسّخون تلك الأطماع في أذهان عوامّ الناس!
نقد كلام بعض علماء الظاهر في قياس أبي الفضل وعليّ الأكبر بالآخرين
ذكرتُ سابقًا في العام الماضي۱ أنّ المحدّث النوريّ رحمه الله ألّف كتابًا باسم (نفس الرحمن في فضائل سلمان)، وقد جعل نفسَه في هذا الكتاب في مقام المقياس والحاكم على نظام الخلقة؛ وكأنّه يُشرف من ذلك العالَم الأعلى على جميع هؤلاء الخلائق، فيقول: «بعد الأئمّة عليهم السلام، لا أحد يصل إلى مقام سلمان ومرتبته».٢
أيّها المحدّث النوريّ، أنت الذي قرأت بضعة كتب، وما زلت في مرحلة الإثبات [والعلم]، هل تظنّ أنّ المسألة قد انتهت؟! هل وصلت إلى ثبوت القضيّة [وواقعها]؟! هل أنت مُطّلع على باطن أبي الفضل العبّاس حتّى تأتي وتقول هذا الكلام غير الموزون؟ هل أنت مطّلع على ما يدور في قلب عليّ الأكبر حتّى تأتي وتُدلي بهذا الكلام الخاطئ؟! ثمّ اكتشفنا: يا للعجب، إنّ أمثال هؤلاء موجودون الآن أيضًا! فهذا الرجل نفسه الذي ألّف هذا الكتاب قال: «بعد المعصومين، لم يأتِ أحد مثل فلان!».
إنّهم يأتون، ويتدخّلون في منظومة الإمام الحسين! فمَن الذي سمح لكم في الأساس بالحكم على أبي الفضل وعليّ الأكبر وغيرهما؟! يجب أن تُجيبوا عن ذلك يوم القيامة!
يقول سيّد الشهداء عليه السلام في حقّ أبي الفضل: «الآنَ انكَسَرَ ظَهرِي»؛٣ أي إنّ اعتماد سيّد الشهداء في عاشوراء كان على أبي الفضل!
ويقول الإمام السجّاد عليه السلام: «إِنَّ لِعَمِّيَ العَبَّاسِ عِندَ اللهِ مَنزِلَةٌ يَغبِطُهُ بِهَا جَمِيعُ الشُّهَدَاءِ مِن الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ.»٤أي إنّ جميع شهداء الأوّلين والآخرين يغبطون عمّي على منزلته ومقامه!
ثمّ بعد ذلك، يقولون: «بعد الإمام المعصوم، لم يأتِ أحد مثل فلان وفلان!». هؤلاء هم الذين يُسخّرون العلم الإلهيّ لضرب الإسلام والقضاء عليه، وكسر ظهر النبيّ وأمير المؤمنين! لا تنظروا إلى ملامحهم الوجيهة؛ فإنّ تحت كلّ شعرة منهم يقبع شيطان نائم! إنّهم يضعون ألف عقبة في كلّ طريق من طرق الإسلام! هذا ما يصدر عن أمثالهم.
المعنى الصحيح لرواية «قلّة العيال أحد اليسارين»
إذا كان من المُقرّر ألاّ يكون لنهج البلاغة سند، فإنّ حِكَم نهج البلاغة يجب ألاّ يكون لها سند بطريق أولى! إحدى حِكَم أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة هي قوله: «قِلّةُ العِيَالِ أَحَدُ اليَسَارَينِ».۱ هذه الحكمة صحيحة، وأنا أيضًا أقبلها كمعيار للفتوى. فأنا في كثير من الموارد، إذا شككتُ، لا أُبدي رأيًا حتّى أتيقّن؛ ولكنّ هؤلاء أنفسهم يجعلون نهج البلاغة ـ الذي يقولون إنّه لا سند له ـ معيارًا للفتوى في قضاياهم الدنيويّة! في حين أنّ الإمام عليه السلام لا يُريد إيصال هذا المعنى أبدًا:
أوّلاً: إذا كان من المقرّر أن تكون «قِلّةُ العِيَالِ أَحَدُ اليَسَارَينِ»؛ أي إنّ قلّة العيال هي إحدى الرغدتين والرفاهيّتين والمُتعتين»؛ حسنًا، فنحن لدينا كلّ هذا في نهج البلاغة: «القَنَاعَةُ مَالٌ لا يَنفَدُ»؛٢ أي: من اتّخذ القناعة منهجًا، لا ينفد ماله أبدًا. ولدينا: «مَا عَالَ مَن اقتَصَدَ»؛٣ أي: من اتّخذ الاقتصاد منهجًا، لا يفتقر ولا يقع في ضيق أبدًا. حسنًا، هذه الروايات تُعارض ذلك! فلماذا لا يذكرونها؟!
ثانيًا: العيال في الاصطلاح تعني الفرد الذي يتحمّل الإنسانُ مسؤوليّةً تجاهه، سواء كان زوجة، أو ولدًا، أو تلميذًا، وما شابه ذلك، أو الأفراد الذين يُعيلهم الإنسان ويتكفّل بأمورهم؛ هذا ما يُسمّى بالعيال، وليس الولد فقط.
ثالثًا: كلام أمير المؤمنين هذا هو إخبارٌ وليس إنشاءً؛ وهو مسألة صحيحة! ففي الواقع، من كان لديه أولاد قلّة، يكون أكثر راحةً ممّن لديه أولاد كُثُر. هذه مسألة واضحة! ولكن، هل هذه الراحة مطلوبة أم غير مطلوبة؟
جميع الأحكام الإسلاميّة مبنيّة على تحمّل المشاقّ والصعاب. فهل النوم المريح من الليل حتّى الصباح أريح، أم الاستيقاظ قبل الأذان بساعة أو ساعتين في برد الشتاء، والوضوء، وصلاة الليل، والبقاء مستيقظًا حتّى أذان الفجر، والانهماك في التَهجّد، وهذه الأمور؟ أيّهما أريح؟ هل جلوس الإنسان في منزله وتنعّمه بمختلف النعم أفضل، أم توجّهه إلى جبهات القتال للدفاع عن الإسلام ومواجهة السهام والرماح والقنابل وما شابه ذلك؟ أيّهما أريح؟ أيّهما يقول الإسلام: افعله؟ هذا أم ذاك؟ هل تناول الإنسان لثلاثين وجبة يوميًّا بدلاً من ثلاث وجبات أريح، أم إمساكه لمعدته ولسانه وأذنه وجميع جوارحه وأعضائه أثناء الصيام من أذان الفجر حتّى غروب الشمس؟ هل ذهاب الإنسان في رحلات ونزهات وأماكن ترفيهيّة أريح، أم توجّهه لزيارة بيت الله الحرام وأداء مناسك الحجّ في حرارة الخمسين والستّين درجة في السعوديّة؟
جميع الأحكام الإسلاميّة مبنيّة على تحمّل المشقّة؛ فالإسلام يقول: عندما تستطيع، يجب أن تذهب للحجّ؛ سواء كان الجوّ حارًّا أم باردًا، فلا فرق! وعندما يكون كيان الإسلام في خطر، يجب أن تُدافع عنه؛ سواء قُتلت أم لم تُقتل، فلا فرق! وعندما يحلّ شهر رمضان، يجب أن تصوم؛ سواء كان صيفًا أم شتاءً! فالراحة ليست مطلوبة!
كلام أمير المؤمنين في بيان معنى التأسي بالنبيّ الأكرم
رابعًا: عندما يطرح أميرُ المؤمنين عليه السلام مسألة التأسّي في نهج البلاغة، فإنّه يقول [ما معناه]: إن شئت اقتديت بموسى، وإن شئت اقتديت بعيسى، وإن شئت اقتديت بنبيّك!
ثمّ يقول في شأن النبيّ عيسى عليه السلام [ما مضمونه]: كان متّكأ عيسى حجارة الأرض، وفراشه بسيط الأرض، ولحافه السماء، وطعامه نباتات البريّة وبقولها!
ثمّ يقول [ما معناه]: وَلَم تَكُن لَهُ زَوجَةٌ تَفتِنُهُ، وَلا مَالٌ وَلا وَلَدٌ يَحزُنُهُ.۱
فهل معنى كلام أمير المؤمنين هذا ألاّ نتزوّج؟! هل معنى كلام أمير المؤمنين الذي يُبيّن لنا فيه صفات النبيّ عيسى عليه السلام ألاّ نتزوّج كيلا نقع في الفتنة، وألاّ نُنجب الأولاد كيلا نُبتلى بالحزن والملل وهذه الأمور؟! هل هذا هو معنى كلامه عليه السلام؟ إذن، لماذا كان هو نفسه يتزوّج كثيرًا؟! ولماذا كان لديه كلّ هؤلاء الأولاد؟! ولماذا رُفضت الرهبانيّة في الإسلام؟!٢
إنّ هذا الكلام في مقام الإخبار؛ أي إنّه عليه السلام يُبيّن مسألة، ولكنّه لا يقول: كن أنت مثله أيضًا! يريد سلام الله تعالى عليه أن يضرب لنا مثلاً ونموذجًا في القضايا والأحداث؛ أي إنّ النبيّ عيسى عليه السلام كان على هذا النحو وهذا الحال من حيث التوجّه للدنيا وعلائقها؛ فكيف يدلّ هذا على أن تكون أنت أيضًا مثل النبيّ عيسى عليه السلام؟! وبناءً على هذا، تتّضح المسألة هنا جيّدًا؛ وأنّه كيف تتكاتف جهات مختلفة لتنفيذ قضيّة ما، حتّى يتمكّنوا من تطبيق إحدى المسائل في المجتمع.
ضرورة الدفاع بجدّيّة وقوّة أكبر عن مبادئ الإسلام في العصر الحاضر
أستغلّ هذه الفرصة هنا لأطرح أمرًا مهمًّا:
في مثل هذا الوضع الذي يكون فيه الإسلام الحقيقيّ والأصيل أحوج ما يكون إلى المدافعين أكثر من أيّ وقت مضى، وفي هذه المرحلة التي يتكاتف فيها الشرق والغرب للقضاء على الإسلام، فإنّ وظيفة الذين يشعرون بالمسؤوليّة ـ ليس على مستوى التعبّد والطاعة فحسب، بل أسمى من ذلك وعلى مستوى التعهّد ـ هي أن يعتبروا أنفسهم في خطّ واحد ومسار واحد مع البناة الحقيقيّين للإسلام ورُوّاد طرح القضايا الحقيقيّة للتشيّع، وأن يعتبر كلُّ واحد منهم نفسَه متعهّدًا وصاحب رسالة لتطبيق مقاصد الإسلام من خلال تلقّي تلك الحقيقة من الأحكام والمبادئ الإسلاميّة، وألاّ يتركوا العظماء وحدهم في طرح المبادئ الإسلاميّة الأصيلة؛ وهذه المسألة في غاية الأهمّية! لأنّنا عندما ننظر إلى المجتمع العلميّ وإلى مسار توظيف علوم آل محمّد في الحوزات العلميّة، نُلاحظ خطرًا حقيقيًّا يُهدّد الكيان الإسلاميّ بالزوال، حيث انبرى بعض العلماء لفصل المبادئ الإسلاميّة الأصيلة عن جسد الإسلام، واحدةً تلو الأخرى.
انتهى الحديث حول هذه المسألة وأكتفي بهذا القدر. لم يكن غرضي من بيان هذه المواضيع في هذه الأيّام القليلة هو طرح هذه المسألة؛ لأنّها تحتاج إلى عشرات المحاضرات لدراستها من ناحية الأطماع المختلفة والمصادر المتنوّعة، والمسائل الاجتماعيّة، والمسائل السياسيّة، والمسائل الثقافيّة، والمسائل الاقتصاديّة، والتوالد والتناسل في العالم الإسلاميّ، حتّى يتمّ استيعابها. وللّه الحمد والمنّة، ستتّضح هذه المسائل للجميع في المستقبل غير البعيد!
لزوم طيّ الطريق بالاعتماد على العلم واليقين الباطنيّ والعمليّ، وعدم الاكتفاء بالمعرفة الفكريّة والظاهريّة
خلاصة القول: لقد آل الأمر إلى أنّه من أجل التأسيس لتلك المسائل التي كانت في بالي ـ وهي: يجب على الإنسان أن يخطو بخطوات ثابتة، وأن يعتمد دائمًا على اليقينيّات والعلم، ويتجنّب الظنّ والتخمين في المسائل، ولا يلتفت للشائعات، ولا يجعل أهواء الناس وآراءهم معيارًا لعمله ـ فقد ضربت لكم مثالاً من بين أمثلة كثيرة واجهها العالمُ الإسلاميّ حتّى الآن.
﴿وَإِذَا رَأَيتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعرِض عَنهُم﴾.۱ أي: عندما ترى الناس يسيرون في طريق مختلف عن طريقك، ويطعنون في الآيات الإلهيّة (ويستهزئون ويتّخذون المسائل والمبادئ سخريّة)، فابتعد عنهم حتّى يمضوا في شأنهم؛ وحينما نوضّح لك الحقّ، فلن يُمكنك حينها التغاضي!».
فهذا يُسمّى باليقين، وذاك يُسمّى بالشكّ!
مَن الذين كانوا في شكّ في قضيّة سيّد الشهداء عليه السلام؟ جميع أولئك الذين جاؤوا مع عمر بن سعد لمواجهة الإمام كانوا في شكّ؛ فالشكّ يعني أنّهم كانوا يتّبعون أهواءهم وآراءهم، وإلاّ، فهم كانوا يعرفون القضيّة والمسألة، وكان تردّدهم باطنيًّا وعمليًّا، وليس تردّدًا فكريًّا!
عظمة مقام أبي الفضل العبّاس عليه السلام ومرتبته
أمّا الذي كان ـ في خضمّ ذلك ـ الإنسانَ الصادق الوحيد والمتحقّق بطاعة سيّد الشهداء وعبوديّته، فهو أبو الفضل العبّاس عليه السلام. فهل يُمكننا أن نفهم قضيّة أبي الفضل؟! حينها، نجد بعض الناس يُنزل أبا الفضل إلى مستوى إنسان عاديّ! مع أنّ الإمام السجّاد عليه السلام يقول [ما معناه]: إنّ لأبي الفضل مقامًا لا يبلغه الأوّلون والآخرون، ولا يُدركون أين هو بتاتًا!٢
انظر إلى مدى التفاوت في المسار! أين هي رؤية الإمام السجّاد عليه السلام، وأين هي رؤية ذلك الرجل الذي يقول: «أبو الفضل مثلُ أحدِنا!»، ويقول بعضهم أيضًا: «يا حسين، إن كنت قد قدّمت عليًّا الأكبر واحدًا في كربلاء، فنحن قد قدّمنا الآلاف من عليّ الأكبر!». فهل عليّ الأكبر يتساوى مع هؤلاء الأشخاص العاديّين؟! هكذا تُبنى ثقافة مجتمعنا!
كان حديثنا عن السنّة، ويجب أن تعلموا في أيّ محور تسير المسائل؛ ومن أين تنبثق السنّة وفي أيّ مكانة تتقوّم. كنت أقرأ في التاريخ، فرأيت أنّ أحد علماء النجف يروي حكاية عذبة وجميلة عن أبي الفضل عليه السلام: رأيتُ في المنام ليلةَ جمعةٍ أنّني في حرم سيّد الشهداء عليه السلام، وكان النبيّ الأكرم حاضرًا هناك، وحضر أمير المؤمنين عليه السلام أيضًا؛ وقد جاؤوا جميعًا لزيارة سيّد الشهداء، وكانت الملائكة تحيط بجنبات هذه الأرواح المقدّسة، وهم في حركة وطواف دائم: فئة تذهب، وأخرى تأتي للزيارة.
تقدّمت حتّى اقتربت من النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ وفي هذه الأثناء، رأيت رسولاً من قِبل أبي الفضل جاء إلى النبيّ في حرم سيّد الشهداء عليه السلام قائلاً: «يا رسول الله، أبو الفضل يطلب منك أمرًا!».
ـ: «وما هو طلبه؟».
ـ: «يقول: لقد تُوفّي شابّ من آل كبّة، وجاءت أمّه، ولاذت بي تطلب شفاء ولدها!».
فالتفت النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى ذلك الرسول وقال: «لقد انقضى عمر هذا الشابّ، ولا يُمكننا إرجاعه! اذهب وبلّغ رسالتي!».
عاد الرسول، وجاء رسول آخر في المرّة الثانية قائلاً: «أبو الفضل يطلب أمرًا!».
ـ: «وما هو طلبه؟».
ـ: «يقول: لقد جاءت تلك الأمّ، ولاذت بي، وهي لا تُفارقني، وتطلب شفاء ولدها!».
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: «لقد قلت إنّ عمر هذا الشابّ قد انقضى، وطُوي سجلُّ حياته، وانتهى أمرُه!».
عاد الرسول! وفي المرّة الثالثة، جاء أبو الفضل عليه السلام بنفسه، ومَثُل بين يدي النبيّ صلّى الله عليه وآله، وقال: «يا رسول الله، لقد رددتَ رسولي مرّتين!».
فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: «لقد قلتُ إنّ عمره قد انقضى!».
لم يقل أبو الفضل عليه السلام شيئًا بعد ذلك، سوى كلمة واحدة جعلت رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يستطيع النطق بعدها، حيث قال: «لا بأس، سأعود؛ ولكن، لديّ طلب واحد، وهو أن تسأل الله تعالى أن يسلب عنّي لقب "باب الحوائج"!».
رأيتُ في هذه الأثناء نداءً يأتي: «يا حبيبي! يا رسول الله! قل لعبّاسنا إنّنا لن نسلب منه هذا اللقب!».
استيقظتُ من النوم، وتوجّهت نحو منازل آل كبّة، فرأيت أصوات النحيب والعويل تتعالى؛ فقلت: «ما الخبر؟»، قالوا: «تُوفّي شابّ، وهم ينوحون عليه!»، فقلت: «اطمئنّوا؛ لقد شفاه أبو الفضل عليه السلام!». وفي الوقت الذي كنت فيه هناك، رأيت فجأة الشابّ ينهض ويتحرّك!۱
فهل يُمكننا القول حينئذ: إنّ أبا الفضل مثلُ غيرِه؟!
كيفيّة شهادة أبي الفضل عليه السلام
جاء إلى أخيه وقال: «لَقَد ضَاقَ صَدرِي!».
كيف يكون اليقين! فهو يصبر حتّى يُستشهد إخوتُه الثلاثة أمام عينيه لئلاّ يعتريهم أيّ تزلزل، ويُتابع الأمور بدقّة حتّى اللحظات الأخيرة!
فقال له الإمام عليه السلام [ما معناه]: «ليس لي غيرك، فإن ذهبت فلن يكون لي ناصر بعدك!»، وألحّ عليه كثيرًا!
إنّ بسالة أبي الفضل وشجاعته ليست هي المطروحة بالنسبة لنا، بل المطروح هو أنّه يأتي بقربة الماء إلى المشرعة، وهو لم يذق الماء منذ ثلاثة أيّام، وعندما يهمّ بالشرب، «فَذَكَرَ عَطَشَ الحُسَينِ»؛ هذا هو المطروح والمهمّ! ينظر إلى المشرعة ويقول [ما مضمونه]: «يا للعجب، أنت تتبع أخاك، وتشرب الماء! أيّة شيمة من شيم الوفاء هذه!»
| يا نفسُ مِن بعدِ الحسينِ هونِي | *** | وبَعدَه لا كُنتِ أن تَكوني |
| هذا حُسينٌ شارِبُ المَنونِ | *** | وتَشربينَ بارِدَ المعينِ! |
أخوك يُصارع الموت، وأنتَ تشرب الماء في المشرعة؟! ليس هذا من شيم الوفاء والأخوّة! فيرجع.
وعندما يسقط على الأرض، ينادي هناك: «يا أَخَا، أَدرِك أَخَاكَ!».
هنا، يرى الإمام عليه السلام آثار الانكسار في نفسه، حيث فقد سنده ومعتمده، فيقطع أمله من هذه الدنيا، ويقول:
«الآنَ انكَسَرَ ظَهرِي، وَقَلَّت حِيلَتِي.»٢
أي: لم يُصبني الانكسار حتّى الآن بسبب هذه المصائب؛ ولكن يا أخي، الآن انكسر ظهري!
ألا لعنةُ اللهِ على القومِ الظالمينَ، وسيعلَمُ الّذين ظَلموا آلَ محمّدٍ أيَّ مُنقلَبٍ يَنقلبونَ!